الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات: (57- 60)[سورة يونس (10) : الآيات 57 الى 60]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60)
التفسير:
من تدبير القرآن الكريم فى عرض الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، أنه لا يأخذ فى دعوته تلك بالأسلوب التقريرى الإلزامي، بل يقيم بين يدى ذلك الأسلوب، ومن خلفه- مشاهد من قدرة الله، وعلمه، وحكمته، هى مناط هذا الأسلوب التقريرى، ووجه البرهان عليه، وهى قوة الإلزام فيه.. وبهذا لا يجد العاقل إلا التسليم له والأخذ به.. وكذلك الشأن فى كل قضية من قضايا الدعوة الإسلامية، ومنها قضية البعث والقيامة، والحساب والجزاء..
فهو إذ يقرر حقيقة البعث والجزاء، يرى الناس وهم أحياء، شواهد منها، ويقيم بين أيديهم أدلة عليها، حتى لكأنها واقعة فعلا، ثم من خلال هذا الشعور.
ينقلهم- فى حلم كأحلام اليقظة- إلى يوم القيامة، ويقيم لهم موازين الحساب والجزاء، ويفتح للمؤمنين منهم أبواب الجنة، وما يلقون فيها من نعيم، ويفتح
للعصاة الظالمين أبواب الجحيم، يتقلبون على جمرها، ويشربون من حميمها وغسّاقها.. ثم لا يلبث أن يوقظهم من أحلامهم تلك- المسعدة أو المزعجة- ليلقاهم بالدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر.. لتجد تلك الدعوة جوابا حاضرا لمن انتفع بهذه التجربة، وأخذ منها موعظة وذكرى.. وهكذا، يسير القرآن على هذا الأسلوب، التقريرى التجريبى، مع تنويع العرض، وتجديد المشاهد، واختلاف الألوان والظلال.. حتى لا يجد المرء سبيلا للفرار من قبول هذا الحكم، أو حجة لدفعه وإنكاره..
وفى هذه الآية، مواجهة للناس جميعا، بعد تلك الرحلة التي أشرفوا فيها على مشارف القيامة، ورأوا ما رأوه من أهوالها، وما يلقى الظالمون فيها من بلاء وهوان..
وهاهم أولاء يدعون إلى ما ينجيهم من هذا البلاء، ويدفع عنهم شر ذلك اليوم وويلاته.. فيقول سبحانه:
والموعظة والشفاء والرحمة، هى فى هذا القرآن الكريم، وعلى يد هذا الرسول الكريم، الذي يحمل إليهم هذا القرآن، ويبشرهم وينذرهم به..
وفى القرآن العبرة والموعظة، بما يعرض من دلائل قدرة الله، وما يكشف من آثار رحمته..
وفى القرآن الشفاء لما فى الصدور من عمّى وضلال، وذلك لما فى آياته من أضواء المعرفة التي تهدى الضالين، وترشد الحائرين، وتكشف للناس جميعا الطريق إلى الله وتدلهم عليه..
وفى القرآن الهدى والرحمة، لمن عرف الله وآمن به، حيث ينزل منازل المكرمين عند الله، وينال ما ينالون من فواضل رحمته، وسوابغ إحسانه ورضوانه.
قوله تعالى: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» .
ذلك أنه إذا عرف الإنسان كيف يفيد من هذه الموعظة، ويتعرف إلى الله، ويبتغى مرضاته، فقد جمع الخير كله إلى يديه، وحق له أن يغتبط ويهنأ.. ولا عليه إذا فاته كل شىء، إذا هو ظفر بهذا الذي ظفر به! وهو ما ناله من فضل الله ورحمته، إذ هداه إلى الإيمان به، والعمل لطاعته.
هو حديث إلى هؤلاء الذين لم يأخذوا حظهم من تلك النعمة، ولم ينالوا نصيبهم من هذا الرزق الطيب الكريم، فمكروا بآيات الله، ونظروا إليها نظرا زائغا منحرفا.. وليس هذا شأنهم مع القرآن الكريم، وما تحمل آياته إليهم من هدى ورحمة، بل ذلك هو شأنهم مع كل نعمة من نعم الله، حيث يغيّرون وجهها، ويحرمون أنفسهم خيرها..
فهذه الأنعام، مثلا، قد جعلها الله رزقا حلالا خالصا لهم، ولكنهم- عن سفاهة وجهل- قد حرّموا بعضها وأحلّوا بعضها، لا لعلة واضحة، ولا لحكمة ظاهرة، وإنما هى ضلالات وحماقات، أرتهم فيها تلك الآراء الفاسدة.. وفى هذا يقول الله تبارك وتعالى فيهم:
«وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما
كانُوا يَفْتَرُونَ. وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ»
(138- 139: الأنعام) .
وهكذا يفعل الضلال بأهله، حتى فى الخير المادىّ الذي بين أيديهم، وعلى أفواههم.. فكيف بهؤلاء الضالين مع هذا الخير الموعود الذي يدعوهم القرآن الكريم إليه، ويبشرهم به؟ إنهم فى هذا لأكثر ضلالا معه، وأبعد بعدا عن الانتفاع به! وإنهم إذا كانوا قد افتروا على هذه الأنعام تلك المفتريات التي تحرمهم الخير المتاح لهم منها، فلا يستغرب منهم أن يفتروا على الله هذه الآلهة التي يعبدونها من دونه، ويحرموا أنفسهم رحمته ورضوانه! والله سبحانه وتعالى يقول:«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ» (28- 29: إبراهيم) .
فهؤلاء الذين افتروا على الله الكذب، وبدّلوا نعمته كفرا- ما ظنّهم بيوم القيامة وما يلقون فيه؟ ألا يكون لما افتروه عقاب؟ ثم ألا يكون هذا العقاب عذابا ونكالا، كما كان افتراؤهم جرما غليظا، وضلالا بعيدا؟.
ونعم، إن الله لذو فضل على الناس.. ومن فضله عليهم أن أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وبعث فيهم رسله، بالهدى والرحمة.. ولكنّ كثيرا منهم كفر بتلك النعم، وأبى أن يستجيب لرسل الله، وأن يأخذ بحظه من هدى الله ورحمته.. فهل ينتظر هؤلاء الكافرون بنعم الله، الجاحدون لفضله، غير ما هم أهل له، من سوء الجزاء، وأليم العذاب؟.