الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات: (61- 64)[سورة يونس (10) : الآيات 61 الى 64]
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (61) أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
الشأن: الحال المتلبسة بالإنسان، وهو يعالج أمرا من الأمور.
تفيضون فيه: أي تتداولونه بينكم، ويأخذ كلّ منكم بطرف منه، فيكثر الحديث ويفيض.
يعزب: يغيب، ويبعد.
فى هذه الآية: عرض لبعض سلطان الله، ونفاذ قدرتا وعلمه.. وأنه- سبحانه- محيط بكل شىء علما.. وأن ما يقع من الضالين والمكذبين، هو فى علم الله، يحصيه عليهم، ويجزيهم بما هم أهل له من بلاء ونكال.
وقد بدأت الآية بخطاب النبىّ صلوات الله وسلامه عليه: «وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ» .. أي أنه صلوات الله وسلامه عليه، وما يعمل
من عمل، مراقب من الله، ومسجل عليه كلّ ما يعمل، سواء أكان هذا العمل فى شأن من شئونه الخاصة، أو فى مجال الرسالة المبعوث بها، كتلاوة القرآن على الناس، وإسماعهم كلمات الله المنزلة عليه..
وذلك، حتى لا يظن المشركون والكافرون أنهم وحدهم هم الذين تحصى عليهم أعمالهم.. بل الله سبحانه وتعالى مطلع على الناس جميعا، وعالم بكل ما يعملون من خير أو شر.
وفى ذكر القرآن وتلاوة النبي له، إشارة إلى أنه الشأن الغالب على النبي- صلى الله عليه وسلم وأن القرآن وتلاوة القرآن هو شغله وعمله، أما المشركون والضالون، فلهم شغل ولهم عمل، ولكنه شغل فى ضلال، وعمل فى باطل.
- وفى قوله تعالى: «وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ» هو تعميم بعد تخصيص.. إذ ليس النبىّ وحده هو الذي يرقب الله تعالى أعماله، بل الناس جميعا مراقبون، لا يغيب من عملهم شىء عن علم الله..
- وفى قوله تعالى: «وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» - هو إشارة إلى أن علم الله محيط بكل شىء، فليست هناك «مثقال ذرة» أي قدر ذرة ووزنها وثقلها- وهى ما هى فى الصغر- سواء أكانت فى الأرض أو فى السماء، وسواء أكان ما هو أصغر من الذرة أو أكبر منها- إلا وهى فى كتاب مبين عند الله.. قد علمها وأحصاها..
وفى تسلّط النفي فى قوله تعالى: «وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ» على «إلّا» فى قوله سبحانه: «إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» فى هذا ما يفيد أن معنى يعزب،
هو يغيب أو يبعد، وبهذا يمكن الجمع بين «ما النافية، و «إلا» ويكون المعنى هكذا: - وما يغيب عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين-.
والسؤال هنا: كيف يغيب أو يبعد عن الله شىء؟
والجواب: أن هذا الغائب البعيد، هو بالإضافة إلينا، بمعنى أن ما يقع فى وهم الواهمين، وتصور المتصورين، أنه بعيد فى أغوار الأرض، أو فى أعماق أنفسنا، هو بعيد عن الله- فذلك تصور خاطئ، وفهم فاسد، لأنه فى كتاب مبين عند الله، وهذا يعنى أنه وقع فى علم الله أولا، ثم أودع فى هذا الكتاب المبين عند الله، ثانيا.. فهو واقع فى علم الله، ومسجّل فى كتاب عند الله.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:«وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (75: النمل) .
أولياء الله: هم الذين يجعلون ولاءهم لله وحده، فهم أولياء الله، والله سبحانه وتعالى وليّهم.. وقد بينهم الله سبحانه فى قوله:«الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ» ..
فلا ولاية بغير الإيمان بالله.. إذ الولاء حب، وطاعة، وعبادة.. ولا حب إلا بعد معرفة، ثم إيمان.. ثم طاعة وعبادة.
ولا تتحقق الولاية لله إلا بمراقبته، واتقاء محارمه، والتوكل عليه، والرجاء فيه، وقطع كل رغبة فيما سواه.. وذلك هو الذي يحقق التقوى، التي هى ثمرة
الأعمال الصالحة.. فهؤلاء الأولياء هم الذين تعلقوا بالله، فجذبهم الله إليه، وأنزلهم منازل رحمته ورضوانه.. فأمنوا فى جنابه من كل خوف على متوقع، أو حزن على فائت «لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» .. فمن اتخذ الله وليا له، اتخذه الله وليا، ومن أحب الله أحبه الله، كما فى قوله تعالى:«فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» (54: المائدة) .. ومن أحبه الله فلا تسأل عما هو فيه من غبطة وسرور، مما يتنزل عليه من ربه من سكينة، وما يفاض عليه من نفحات وبركات..
يقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه البخاري: «ما يزال عبدى يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، وإن سألنى أعطيته، وإن استعاذنى لأعيذنّه» .
فالطاعات، والمداومة عليها، هى التي تقرب العبد من ربه، فإذا قرب منه كان فى جناب حماه، وعلى بساط رحمته، لا يخاف إذا خاف الناس، ولا يجزع إذا جزع الناس. ولا يبيت على همّ إذا بات الناس على هموم:«أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» .
وفى تعدية الخوف بحرف الجر (على) ، إشارة إلى أن الخوف إنما يكون من توقعات المستقبل، فهو مقبل لا مدبر.. ويكون المعنى لا خوف مقبل عليهم..
وفى التعبير عن الإيمان بالماضي «الَّذِينَ آمَنُوا» وعن التقوى بالمستقبل «وَكانُوا يَتَّقُونَ» - إشارة إلى أن الإيمان يسبق التقوى، التي تقوم على اتقاء محارم الله، لأن هذا الاتقاء هو من معطيات الإيمان بالله..
وقد دخل فعل التقوى فى حيز الفعل الماضي «كان» .. «وَكانُوا يَتَّقُونَ» فكانت التقوى أيضا مما حدث من هؤلاء المتقين، كما حدث منهم الإيمان من قبل، وإلا ما استحقوا صفة الأولياء، أولياء الله.. فالإيمان، ثم التقوى، ثم الولاية، يجىء بعضها إثر بعض، على هذا الترتيب.. فلا ولاية بغير التقوى، ولا تقوى إلا بعد الإيمان- وفى قوله تعالى:«لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»
..
بيان لتلك المنن العظيمة التي امتن الله بها على أوليائه- جعلنا الله منهم- فجعل البشريات المسعدة برضا الله ورضوانه، تتنزل عليهم، بما يكشف لهم منازلهم عند الله، وما سيلقون فى نعيم جناته، من كرامة وتكريم.
والبشريات التي يبشّر بها أولياء الله فى الدنيا، كثيرة، منها ذكرهم فى الناس، بالكلمة الطيبة تقال فيهم، لحسن سيرتهم، واستقامة طريقهم، وحفظ جوارحهم من المحارم والمظالم.. إذ لا شك أن رضا الناس عن إنسان، وحسن ظنهم به، هو دليل على أنه من أهل الخير والتوفيق، وأنه على طريق الاستقامة والتقوى.. ومنها ما يملأ الله به قلوبهم من رضا وسكينة، فى السراء والضراء على السواء.. بل إن كثيرا منهم ليجد فيما يبتليه الله به من ضر، هو أمانة عنده لله، وأن أداء هذه الأمانة لله هو الصبر عليها، والرضا بها، وأن الضجر بالبلاء، والجزع منه، هو خيانة لتلك الأمانة.
روى أن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه.. كفّ بصره فى آخر حياته، وكان مستجاب الدعوة، فقيل له: ادع الله وأنت مستجاب الدعوة عنده أن يرد عليك بصرك؟ فأبى أن يدعو الله بردّ بصره إليه.. ولو دعا لاستجاب الله