الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» .
هو حكم على تلك القولة المنكرة التي قالها المشركون إذ قالوا: «اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً» فهذا القول افتراء وكذب على الله.. وهؤلاء الذين يفترون على الله الكذب، قد ضلّ سعيهم، فهم الخاسرون، فى أي متّجه يتجهون إليه، ولن يفلحوا أبدا.. وما يقع لهم فى هذه الدنيا من زحرفها ومتاعها، هو متاع قليل، وظلّ زائل.. ثم يرجعون إلى الله.. وهناك يلقون جزاء ما كانوا فيه من ضلال، وما افتروه من مفتريات «نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» فكفرهم بالله، وافتراؤهم على الله، هو الذي أوردهم هذا المورد الوبيل، وألقى بهم فى أفواه الجحيم..َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»
الآيات: (71- 74)[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 74]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)
التفسير:
مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هى أن ما ذكر فى الآيات السابقة عليها، كان عرضا لمقولات المشركين، المنكرة، فى الله، وافترائهم الكذب على الله بنسبة الولد إليه.. فهم آثمون ظالمون، واقعون فى معرض عذاب الله ونقمته.. فناسب أن يذكّر هؤلاء الآثمون المشركون بما أخذ الله به الظالمين قبلهم من نكال وبلاء. ليكون لهم فى ذلك عبرة، إن كانت فيهم بقية من عقل وإدراك..
كبر عليكم مقامى: أي شق عليكم احتماله، وأصبح أكبر مما تطيقون..
فضقتم بي ذرعا، وثقل عليكم وجودى بينكم.
أجمعوا أمركم: أي اجتمعوا على رأى واحد، فى الموقف الذي تقفونه منّى.. يقال أجمع أمره على كذا، أي قرّ رأيه فيه على قرار، بعد أن كان الرأى فيه مشتتا متفرقا.. يقول الشاعر:
أجمعوا أمرهم عشاء فلما
…
أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من مناد ومن مجيب ومن تصهال خيل خلال ذاك رغاء أي أنهم باتوا على نية السفر فى الصباح، وأجمعوا أمرهم عليه.
«اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ» : أي وجهوا حكمكم إلىّ، ولا تنظرون، أي لا تؤخروا أخذى بهذا القضاء الذي قضيتموه فى.. ومنه قوله تعالى:
أي أقبلوا إلى بما حكمتم به، وأجمعتم أمركم عليه..
- «ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً» الغمة، ما عمّ من الأمر وخفى، ولا يعرف وجهه.. ومنه الغمّة، لما يغتم له الإنسان مما يسوؤه، ومنه الغمام وهو السحاب الذي يكسو وجه السماء، ويظلل الأرض، ويحجب عنها ضوء الشمس.
والمعنى: أن نوحا عليه السلام، بعد أن استيأس من قومه، ولم يجد سبيلا إلى إصلاح أمرهم وتقويم زيغهم، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، جاءهم- وقد أجمع أمره على أن يدعهم وما هم فيه، ليلقوا المصير الذي أنذرهم من الله به- جاءهم ليطلب إليهم أن يقولوا كلمتهم الأخيرة الفاصلة فى هذا الموقف، الذي بينهم وبينه.. فقال لهم:
«يا قَوْمِ.. إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ» أي إن كنتم قد استثقلتم طول حياتى معكم، وكثرة تذكيرى لكم بآيات الله، ودعوتكم إلى الإيمان به، فأنا منصرف عنكم، متوكلا على الله، معتمدا عليه..
«فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ» أي هاتوا رأيكم الذي تلتقون عنده، أنتم وشركاؤكم الذين تعبدونهم من دون الله.. «ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ» ، ثم أعلمونى بما أجمعتم عليه من أمر. وإن بدا لكم أن ترجمونى.. كما يتهامس بذلك بعضكم، ويتنادى به سفهاؤكم. وهذا ما حكاه القرآن الكريم عنهم فى قوله تعالى:«قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ» (116:
الشعراء) - إن بدا لكم ذلك فاجعلوه رأيا واحدا لكم، بعد أن تأخذوا رأى شركائكم، وليكن هذا الرأى واضحا صريحا، لا خفاء فيه، ولا تخافت ولا تهامس.. ثم افعلوا بي بعد هذا ما بدا لكم.. فإنى متوكل على الله، معتصم به..
وقد قدم التوكل على الله قبل أن يدعوهم إلى لقائه، ومواجهته بما يجتمع
عليه رأيهم فيه، وذلك ليتحصّن بهذه الدرع الحصينة، التي لا تنال منها قوى البشر- قبل أن يلقاهم بهذا التحدي.. «فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ.. فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ» ، فهو يلقاهم وقد توكل على الله، وأسلم أمره إليه، وفى هذا ما يقوى عزمه، ويثّبت قدمه عند اللقاء، فلا يجزع، ولا يرهب، إذا هم أخذوه بكل ما عندهم من قوة وكيد! قوله تعالى:«فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ..
هو الكلمة الأخيرة من نوح إلى قومه.. وأنهم إن تولّوا عنه، وأبوا أن يأخذوا منه ما يمد به إليهم يده، فإنه لن يضارّ بهذا، لأنه لم يطلب على ما يقدم لهم أجرا، حتى إذا لم يأخذوه منه، فإنه لا ينال ذلك الأجر.. إنه لا يطلب منهم أجرا، وإنما يأخذ أجره من الله، وهو أجر عظيم، يرجح بكل ما يملكون ومالا يملكون من هذه الدنيا.. إنه ثواب الله، ورحمته ورضوانه:«وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» (32: الزخرف) .. فإن توليتم فهذا شأنكم، ولا سلطان لى عليكم، ولا خير يفوتنى من إعراضكم عنى.. أما أنا فعلى ما أمرنى الله به، وهو أن أكون أول المسلمين، الذين أسلموا وجههم لله، وآمنوا به، وأخلصوا العبادة له وحده.
وأوّلية نوح للمسلمين.. هى أولية بالإضافة إلى مجتمعه الذي كان فيه، فهو أولهم إسلاما لله.. إذ كان هو الرسول الذي حمل رسالة الإسلام إليهم، وأول من آمن بها منهم..
تلك هى خاتمة ما بين نوح وقومه.. لقد كذبوه، وتولوا عنه، فوقع
بهم ما أنذرهم به من قبل، وأغرقهم الله بالطوفان، ونجّى نوحا ومن معه، وجعل هؤلاء الذين نجوا، خلائف فى الأرض من بعدهم.. إذ كانوا هم البقية الباقية من هؤلاء القوم الهالكين.
وقدم هنا نجاة نوح ومن معه، ووراثتهم الأرض من بعد قومهم الهالكين- قدّم ذلك على هلاك القوم، خلافا للظاهر الذي يقضى به قوله تعالى «فكذبوه» إذ المتوقع هنا هو الإجابة على هذا السؤال: ماذا كان جزاؤهم إذ كذبوه؟ وهذا سؤال يسأله المؤمنون الذين ينتظرون ما يحل بالمكذبين، فكان الجواب المنتظر هو «فأغرقناهم» ولكن الإجابة جاءت على سؤال يسأله الذين يكذبون بآيات الله، ويحادّون رسل الله.. فيقولون: وماذا جرى لنوح والمؤمنين بعد أن كذّبه قومه، وأبعدوه من بينهم؟ فجاء الجواب: لقد نصره الله ومن معه، ونجاهم، وأورثهم أرض القوم المكذبين وديارهم.. فموتوا بغيظكم أيها المكذبون، فإن رسل الله وأولياءهم المنصورون، وهم الفائزون المفلحون..
أما المكذبون فلهم الويل والخزي فى الدنيا والآخرة..
- وفى قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» إلفات للمؤمنين والمكذبين جميعا، إلى ما حل بهؤلاء المنذرين الذين أنذرهم نوح، وخوفهم عذاب الله ونقمته، فأبوا أن يسمعوا له، وأن يطلبوا النجاة لأنفسهم، وأن يمسكوا بحبل الإيمان بالله، وأن يركبوا فلك النجاة بالاعتصام به.. فهلكوا.
وتلك هى عاقبة كل مكذب برسل الله، مجانب لهم، مخالف لدعوتهم التي يدعونهم إليها.. فليسمع مشركو قريش هذا، ولينتظروا ما سيحل بهم إذا هم لم يستجيبوا لرسول الله، ولم يأخذوا معه السبيل إلى الله..
وليس نوح وحده هو الذي دعا دعوة الحقّ، وحمل رسالة السماء بالهدى والإيمان إلى عباد الله، بل هناك رسل كثيرون، جاءوا إلى أقوامهم بما جاء به نوح.. يحملون آيات بينات من عند الله، ولكن الناس هم الناس، والقوم هم القوم، «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» .. فلم يستجيبوا للرسل، ولم يأخذوا بالهدى الذي معهم، ولم يخلوا قلوبهم من الضلال الذي انعقد عليها وسكن فيها.. «كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ» أي نختم عليها، فلا يدخل إليها شعاع من نور الحق، ولا يطلع عليها صبح اليقين.. إنها فى ظلام دامس دائم أبدا.. وفى هذا تهديد لمشركى قريش، إذ هم فى معرض أن يؤخذوا بما أخذ به قوم نوح، فقد طبع الله على قلوبهم مثل ما طبع على قلوب قوم نوح من قبلهم.
- وفى قوله تعالى: «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» ..
إشارتان:
الإشارة الأولى: أن هؤلاء المكذبين الضالين لم يكونوا ليؤمنوا أبدا، ولو جاءتهم كل آية.. وهذا هو السر فى اختلاف النظم باستعمال فعل المستقبل، ليؤمنوا، وكان ظاهر النظم يقضى بأن يجىء الفعل ماضيا، هكذا: فما آمنوا، ليتّسق مع قوله تعالى «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ» فما آمنوا أو فلم يؤمنوا.. ولكن جاء النظم القرآنى:«فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» ليدل على عدم توقع الإيمان منهم مستقبلا، ثم ليتسع الفعل المضارع لقبول لام الجحود «ليؤمنوا» .. ليؤكد عدم توقع الإمكان منهم بحال أبدا..
والإشارة الثانية: هى فى قوله تعالى: «بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» .. فالذى كذبوا به من قبل، هو الإيمان بالله، إذ كانوا قبل أن تأتيهم الرسل منكرين لله، مكذبين بوجوده.. وقد انعقدت قلوبهم على هذا، فلم يكن لدعوة