الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذي يتغذى به النبات إلى مادة سكرية، كما فى القصب، وأشجار الفاكهة.
وقد أشار القرآن الكريم، إشارة خاطفة إلى تحوّل الأشياء إلى طبيعة غير طبيعتها، كالشجر يتحول إلى نار، فيقول سبحانه:«الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ»
(80: يس) .. ففى الشجر نار مستكنة، كما أن فى النار ماء مستكنّا.. فليس إذن بالمستحيل أن يجتمع الشجر والنار، وأن تنبت فى أصل الجحيم أشجار تأخذ طبيعة النار، وتتغذّى منها.
الآيات: (61- 65)[سورة الإسراء (17) : الآيات 61 الى 65]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَاّ قَلِيلاً (62) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَاّ غُرُوراً (64) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (65)
التفسير:
قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً» ؟
مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الآيات السابقة أشارت إلى بعض ما يفتن
به الناس من آيات الله.. كالإسراء، وشجرة الزّقوم.. والأولى، نعمة وخير، والثانية، شرّ وبلاء. فناسب أن يجىء بعد شجرة الزّقوم، التي فتن بها المشركون، شىء يشبهها، هو مضلّة للمشركين، وفتنة للغاوين، وهو إبليس، لعنه الله.
وقد دعى إبليس من الله تعالى أن يسجد لآدم، فأبى واستكبر وقال:
«أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً؟» .. وقال فى موضع آخر: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» .. وقد كان خلق آدم من طين آية من آيات الله المادية، وكان على إبليس أن يؤمن بها.. ولكن هذه الآية كانت سببا فى كفره بالله، وطرده من رحمته.
أرأيتك: أي أرأيت يا الله.. والكاف حرف خطاب للمولى سبحانه وتعالى، يؤكد الضمير المتصل قبله، والمراد بالرؤية هنا، العلم.. أي أعلمت يا الله!.
أحتنكنّ: أي أفسدنّ، وأستولينّ.. احتنك الشيء: لاكه فى حنكه وعلكه، كما تعلك الدابّة لجامها.
وهذا تحدّ من إبليس- لعنه الله- لله سبحانه وتعالى، فى آدم، وأنه أضعف شأنا من إبليس، وأنه إذ كان كذلك، فكيف يسجد القوىّ للضعيف؟ ..
هكذا فكر إبليس وقدّر.!
قوله تعالى: «قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً» .
اذهب: أمر مراد به الطرد من رحمة الله..
- وفى قوله تعالى: «فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ» إشارة إلى أن البلاء واقع على إبليس، ومن تبعه من أبناء آدم.. إذ كانوا فى اتّباعهم له أنصارا له وأعوانا، على هذا التحدّى الذي تحدّى به الله فى أبناء آدم.. وقد كان جديرا بهم أن يكونوا أعداء لهذا العدو لله ولهم..
وفى هذا تسفيه لهؤلاء المشركين الذين اتبعوا آباءهم، كما اتبع أبناء إبليس، إبليس. فمتابعة الذرّية لآبائهم، مضلّة لهم، إذ كان عليهم أن ينظروا لأنفسهم، وأن يأخذوا الطريق الذي يؤدى إليه نظرهم..
- وقوله تعالى: «جَزاءً مَوْفُوراً» أي جزاءا كاملا، لا ينقص منه شىء..
فلا يخفف عنهم العذاب، ولا يقصر مداه..
استفزز: أي: أخف، وأفزع، واستفزّ فلان فلانا: أي أخافه وأفزعه.
وأجلب: أي: أجمع أمرك، وادع كل ما تملك من قوة.. وأجلب القوم، جاءوا من كل صوب، ومنه الجلب، وهم التجار الواردون على السوق..
والخيل: المراد بها راكبوها..
والرّجل: جمع راجل، وهو من يمشى على رجليه إلى غايته، سواء فى حرب أو غيره..
والأمر هنا، يراد به الاستخفاف بإبليس، وبكيده الذي يكيد به للناس.
والاستخفاف إنما هو بالإضافة إلى أبناء آدم.. فإبليس بما معه من كيد ومكر، هو مدحور مخذول أمام الإرادة الصادقة، والعزم الوثيق، فهو أضعف من الإنسان، الذي يعرف قدر إنسانيته، ويحترم وجوده كإنسان كرّمه الله، ورفع بين العالمين قدره.. والله سبحانه وتعالى يقول بعد هذا:«وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا» (70: الإسراء) : ويقول عن الشيطان: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً» (76: النساء) .
فليعلن الشيطان الحرب على أبناء آدم، وليأت بكل ما معه من عدد وعدّة.. وليجلب بخيله ورجله، وليشاركهم فى أموالهم وأولادهم، وذلك بما يفسد عليهم من أموال وبنين.. ثم إذا لم يجد فى ذلك ما يمكنه منهم، فليأتهم متلطفا، متودّدا، بعد أن جاءهم مهددا، متوعدا، مفسدا.. وليمدّ لهم فى حبل الأمانىّ، وليكثر لهم من الوعود المعسولة الكاذبة.. فذلك كلّه لن يبلّغه شيئا من أبناء آدم الذين جعلهم الله من أهل طاعته، وأرادهم لجنته، كما يقول سبحانه وتعالى:«إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» فهؤلاء هم أبناء آدم، ليس لإبليس سلطان عليهم، إلا من كان من أهل الشّقوة والضلال..
فهؤلاء- بما سبق فيهم من قضاء الله- هم مستجيبون للشيطان موالون له..
إذ كانت أهواؤهم متفقة مع هواه، ووجهتهم قائمة على وجهته.. إنهم، وهو، من أهل الشقاء والبلاء.
- وفى قوله تعالى: «وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً» تحذير من الشيطان، وأمانيه ومغرياته التي يمنّى بها الناس، ويغريهم بها، فما هى إلا ضلال فى ضلال، وأباطيل لا تجىء إلا بالأباطيل! وتحذير الناس من الشيطان ومغرياته، وإن كان لا يردّ شيئا مما قضى به الله
فى عباده، فإنه تحذير من الشر، وترغيب فى الخير.. وعلى التحذير والترغيب يعتدل ميزان الناس، حيث يجدون القانون الذي يحتكمون إليه.. وهنا يصحّ الابتلاء، ويقع الاختبار.. فمن كان من أهل السعادة، اهتدى بهدى الله، وعمل بأوامره، واجتنب نواهيه، ومن كان من أهل الشقاء، أخذ طريقه مع الشيطان، فضلّ بضلاله، وغوى بغوايته.. وكل ميسّر لما خلق له..
قوله تعالى «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا» .
فعباد الله، هم أولئك الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وهؤلاء لا سبيل للشيطان إليهم، إنهم فى عصمة منه بهذا القضاء الأزلىّ من الله فيهم.. وهو قضاء خفىّ لا يعلمه أحد، ولا يدرى مخلوق إن كان من أهل السعادة أو أهل الشقاء.. ومن هنا كان السعى والعمل، والتسابق إلى الإحسان- من مطلوبات الناس، ومن مبتغياتهم.. لأن الإحسان هو الأمارة الدالة على الفوز والنجاة.
فمن كان من أهل السعادة، عمل عمل المحسنين، ومن كان من أهل الشقاء عمل عمل المسيئين.. وفى الحديث:«إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه القضاء فيعمل بعمل أهل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه القضاء فيعمل بعمل أهل الجنة!» .. وهكذا نحن فى الحياة.. طلاب العلم مثلا:
العاقلون المجدّون منهم، هم على طريق النجاح عند الامتحان، والمهملون الغافلون، هم على طريق الإخفاق..
وقد يجدّ للعامل المجدّ ما يصرفه عن العمل والجدّ، فيخفق، ويجدّ للكسول المهمل ما يدفعه إلى الجدّ والتحصيل، فينجح. وكل سائر إلى القدر المقدور له.. ولكن سنّة الله قائمة فى الناس: أن لا ثمرة بغير عمل، ولا حصاد إلا بعد زرع!