الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا وكثير كثير غيره مما قيل فى يأجوج ومأجوج، هو- كما قلنا- بعيد غاية البعد عن منطوق القرآن، كما أنه بعيد غاية البعد عن الحقيقة الممكن تصورها.. فما عرف فى التاريخ البعيد، أو القريب، جماعة بشرية لها شىء من هذه الأوصاف.. وما عرف فى أبناء آدم هذا التفاوت البعيد فى الصفات الجسدية، وإن وجد بينهم تغاير فى الألوان، وفى الأخلاق والعادات، وتفاوت فى العقول والملكات.. ولكن مع هذا التغاير وذلك التفاوت- لا يبدو منهم جميعا ما يقطع نسب بعضهم عن بعض، ولا يدفع نسبة بعضهم إلى بعض..
وعلى هذا، فإنا نقول بأن «يأجوج ومأجوج» هما جماعة أو جماعات من تلك القبائل المتخلفة، التي تسكن الآجام والغابات، وتأوى إلى الكهوف والمغارات، والتي لم تبعد كثيرا عن حياة الحيوانات المتوحشة المفترسة، وتسبب كثيرا من القلق والإزعاج للجماعات القريبة منها والتي أخذت حظا من المدنية والعمران..
وحسبنا أن نذكر هنا المغول وما أحدثوا من إفساد للحضارة الإسلامية، مما لم تحدثه أعظم الزلازل، وأعتى الأوبئة وأشدها هولا وفتكا..!
(السد، وما أقيم منه)
كان السدّ الذي أقامه ذو القرنين، استجابة للقوم الذين لقاهم بين السدين- كان أقل أحداث هذه القصة إثارة للبحث، وتوليدا للصور والخيالات..
وذلك أن القرآن الكريم قد تحدث عن هذا السدّ بشىء من التفصيل، لم يدع لأصحاب الخيال أن ينطلقوا بخيالاتهم فيه إلى مدى بعيد..
وفى هذا يقول الله تعالى:
«قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ.. فَهَلْ
نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا؟» .
هذه هى قصة إقامة «الردم» كما سماه ذو القرنين، أو «السد» كما طلبه القوم..
إن مادته من قطع الحديد، التي جمعها القوم من كل مكان. وجعلوا منها جسرا كبيرا يسدّ الفراغ الذي كان بين الجبلين، والذي كان ينفذ منه يأجوج ومأجوج إلى القوم..
وقد أمر ذو القرنين القوم أن يوقدوا على هذا الحديد، النار، وأن يستعملوا المنافيخ كى يشتدّ اشتعال النار. وينصهر الحديد..
فلما تم له ذلك، دعا القوم إلى أن يأتوا (بالقطر) وهو النحاس المذاب، فيفرغوه فوق هذا الحديد المنصهر، فيمسك بعضه ببعض، كما يفعل الملاط بأحجار البناء..
ولا شك أن الحديد لم يكن هو كل مادة البناء التي بنى بها «الردم» ..
وإنما كان هو العنصر القوى فيها، بل هو كذلك العنصر الغريب غير المألوف فى البناء..
ولهذا اختص بالذكر.. وهناك الأحجار، والرمال، وغيرها مما اتخذ فى مادة البناء مع الحديد، والتي بها أمكن تسوية السدّ، وإلا لو كان السدّ حديدا حالصا لا حتاج إلى مالا تحتمله الطاقة البشرية، وخاصة فى هذا الزمن البعيد، مع تلك الوسائل البدائية المحدودة للحصول عليه..
ومن تمام هذا التدبير الحكيم فى إقامة «الردم» أن يختبر، وأن يرى منه القوم ثمرة هذا الجهد العظيم الشاق الذي بذلوه فيه..
وقد رأى القوم رأى العين الأثر العظيم الذي كان لهذا «الردم» .. فقد مضت الأيام، والشهور، دون أن يطرقهم طارق من هذا الشرّ الذي كان يبغتهم مصبحين وممسين، وكذلك رغم المحاولات التي بذلها يأجوج ومأجوج، لتسلقه، أو إحداث نقب أو ثقب فيه، ينفذون منه، كما يقول تعالى:
«فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً» هذا هو الذي نطق به لسان الحال، وتحدث به القوم..
وحين رأى ذو القرنين هذا قال:
«هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا» .
أي أن هذا الرّدم، هو رحمة من رحمة الله ساقها الله سبحانه وتعالى، إلى هؤلاء القوم على يديه..
ووعد الله هنا، قد يكون مرادا به يوم القيامة، وقد يكون مرادا به الأجل المقدور فى علم الله لبقاء هذا الرّدم.. والرأى الأول هو الأولى، إذ كانت الآية التالية لهذه تومىء إليه، وهو قوله تعالى:«وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً» ..
وهذا يعنى أن هذا الرّدم قد صار أشبه بجبل من تلك الجبال المتصلة به من طرفيه، وأنه باق ما بقيت فإذا جاءت أشراط الساعة، دك هذا الردم ودكت الجبال كلها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة أخرى:
«وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» (14: الحاقة) .
وهكذا تنتهى مسيرة ذى القرنين، يصحبه فيها عقل حكيم، وقلب سليم، متخذا إلى غاياته الأسباب المستقيمة مع العدل والإحسان..
إنه يضع فى مسيرته تلك آثار أقدام الإنسان الرشيد، المهتدى بعقله، الموقظ لضميره.. فكاد الإنسان بتحريك ملكاته، وإطلاق قوى الخير فيه- كاد- يتعادل ميزانه مع ميزان الإنسان الذي يتلقى فيوض العلم العلوي ويقيم خطواته على هديها..
وهكذا يستطيع الإنسان أن يثبت أنه كائن له إلى العالم العلوي سبيل، وأن بينه وبين الملأ الأعلى طريقا يصل ما بين الأرض والسماء..!!
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى ما بين قصة ذى القرنين، وقصة العبد الصالح من تلاق وتوافق فى أكثر من وجه.. كما أشرنا إلى ذلك من قبل..
والذي نود أن نشير إليه هنا من وجوه هذا التلاقي والتوافق، هو ما جاء فى قصة العبد الصالح من قوله لموسى، حين أراد فراقه:«سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» فلما نبأه بتأويل هذا قال له: «ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» ..
وهنا فى قصة ذى القرنين يجىء قوله تعالى: «فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً» .
فيجىء فعل الاستطاعة فى القصتين، بتاء المطاوعة مرة، ويجىء بغير التاء مرة أخرى..
وقد قلنا إن هذه التاء تدل على زيادة فى الشدة والقسوة، حيث يفترق بها فعل عن فعل..