الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
38 -
علو الهمة، وكِبَرُ النفس:
فعلو الهمة وكبر النفس خلق عظيم، وغاية نبيلة، تتعشقه النفوس الكريمة، وتهفو إلى التحلي به الفطر القويمة.
وعلو الهمة من الأسس الأخلاقية الفاضلة، وإليه يرجع مجموعة من الظواهر الخلقية كالجد في الأمور، والترفع عن الصغائر، وكالطموح إلى المعالي.
فمما يحسن بالمعلم أن يكون ذا همة عالية، ونفس كبيرة طَمَّاحة، لا ترضى بالدون، ولا تقنع من الخير بالقليل، ولا تقف في السعي للفضائل عند حد؛ فالقناعة إنما تحصل فيما يقيم الجسم، لا فيما يقيم الأمة، وفي أمور المعاش لا في أمور المعاد.
قال يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا تبرًا يفنى، والآخرة خزفًا يبقى -لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني؛ فكيف والدنيا خزف، والآخرة تبرٌ باقٍ؟ . (1)
وإن آية الأمة المهيأة للخير ألا تفرغ من مأثرة إلا لتبدأ مأثرة، ولا تنفض أيديها من عمل إلا تضعها في عمل آخر.
ثم إن عظيم الهمة لا يشغل باله أمر صغير، ولا يقلق فكره عمل يسير، ولا يضيع وقته في مناقشة السفاسف والمحقرات.
(1) تذكرة السامع والمتكلم ص47.
بل يقوم بجلائل الأعمال التي تَتَعَصَّى على أولي القوة من الرجال، ومع ذلك لا يتبرم ولا يقلق، ولا يشكو كثرة الأعباء، والتبعات، له قلب لا يتعب فيبلغ منزلة إلا ابتدأ التعب؛ ليبلغ منزلة أعلى منها، وله فكر كلما جهد فأدرك حقيقة كانت الحقيقة أن يجهد فيدرك غيرها. (1)
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
…
وتأتي على قدر الكريم المكارم
وتكبر في عين الصغير صغارُها
…
وتصغر في عين العظيم العظائم
(2)
ولقد جرت سنة الله ألا ينهض بأصر المقاصد الجليلة، ويرمي إلى الغايات البعيدة -غيرُ النفوس التي عظم حجمها، وكبرت هممها، فلم تتعلق بسفاسف الآمال، ولا محقرات الأعمال.
وإذا علمت نفسٌ طاب عنصرها، وشرف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية وحياة وراء حياتها الطبيعية -لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوي إليه.
بل لا تستفيق جهدها، ولا يطمئن بها قرارُها إلا إذا بلغت مجدًا يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء.
وإلى هذا المعنى الجميل يشير قول نابغة بني جعدة:
بلغنا السماء مجدًا وجودًا وسؤددًا
…
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
(3)
(1) وحي القلم 2 / 83.
(2)
ديوان المتنبي 3 / 378 -379.
(3)
جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي ص364.
نعم يورد هذا الخلق صاحبه موارد التعب والعناء، ولكن التعب في سبيل الوصول إلى النهاية من معالي الأمور يشبه الدواء المر، فيسيغه المريض كما يسيغ الشراب عذبًا زلالًا.
تَلَذُّ له المروءةُ وهي تؤذي
…
ومن يعشق يلذ له الغرام
(1)
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يُعبر إليها إلا على جسر من المشقة؛ فلا تقطع مسافاتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد. (2)
ولذلك لما كان مجد الآخرة أعظم المجد كان ابتغاؤه أعظم الغايات، وكان هو الهمَّ الأكبر للمؤمنين الصادقين ذوي الهمم العلية، والنفوس الكبير ة الزكية.
أما الدنيا فإنها -في نظرهم مهما بلغت أمجادها - قليلة القيمة في جنب الآخرة؛ لذلك فهم يحاولون أن يبتغوا فيما آتاهم الله الدارَ الآخرة مع أنهم لا ينسون نصيبهم من الدنيا.
فاستصغار متاع الدنيا، وتحقير لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبِر بهممهم أن يولوا وجوههم شطرها أينما كانوا؛ فلا يكن طموحك -أيها المعلم المفضال - مقتصرًا على مطعم، أو ملبس، أو ترقية، أو زيادة ثم تقف عند هذه الغاية.
قال حاتم الطائي:
لحى الله صعلوكًا مناهُ وهمُّه
…
من العيش أن يلقى لبوسًا ومطعمًا
(1) ديوان المتنبي 4 / 75.
(2)
مفتاح دار السعادة لابن القيم 1 / 109.
يرى الخِمْصَ تعذيبًا وأن يلقَ شبعةً
…
يَبِتْ قلبه من قلة الهم مبهما
(1)
ولا يعني ذلك ترغيب الإنسان ليعيش مجانبًا للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق.
وإنما يقصد من ذلك حكم أخرى، ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاع ما في طبيعتها من الشَّرَهِ والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويَتَطَوُّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة.
كما لا يعني ذلك ألا تحرص على الترقي في سلَّم الوظيفة أو المرتبة العلمية، مما يزداد به علمك، وتعلو به مرتبتك وشرفك، فيكثر بذلك الانتفاع بعلمك، والاستفادة من جاهك.
لا، بل إن ذلك حسن مطلوب إذا كان الهدف الأسمى والغاية القصوى -نيل رضا الله، والحرص على نشر العلم، وتربية الأجيال على الخير.
وإذا اطلعت على أثر يقتضي البعد عن الوجاهة فإنه مصروف إلى الحرص في طلبها، والتصنع لإحراز سمعة في المجامع الحافلة، والبلاد القاصية.
وأما إذا اندفعت همة الرجل إلى المكارم بجاذب ابتغاء الفضيلة، وطفق ذكره يتسع على حسب مساعيه الحميدة -فذلك خير له من العزلة، والاختباء في زوايا الخمول.
(1) ديوان حاتم الطائي ص45.
قال -تعالى - فيما قصه من قول إبراهيم عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (الشعراء: 84) .
وقال في سياق أقوال لقوم صالحين: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان: 74) . (1)
وبعد أن استبان لنا أن كبر الهمة سجية من سجايا الدين التي تصدر عنها الأعمال العظيمة، وتضم تحت جناحيها فضائل شتى -فَلِمَ لا نأخذ بها في أنفسنا؟ ولم لا نعقل عليها نفوس أبنائنا؟ ونرشحهم بلبانها في أدوار التربية الأولى؛ ليستشعروا بالآداب المضيئة، ويتجلببوا بالقوانين العادلة، ولنا حياة طيبة في العاجل، وعطاءٌ غيرُ مجذوذٍ في الآجل؟ (2)
(1) مناهج الشرف ص53 -54.
(2)
انظر تفصيل ذلك في الهمة العالية للكاتب ص101 -127، وآثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي 4 / 102، والسعادة العظمى ص209 -212.