الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
؟
القسم الثاني
سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة
استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بن المستمسك بالله أبي الصبر يعقوب العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري، ونائبه بدمشق سيباي، والقضاة بها: الحنفي المحيوي بن يونس، والشافعي الولوي بن الفرفور، والمالكي خير الدين الغزي، والحنبلي شرف الدين بن مفلح، ونائب القلعة علي باي، ونقيبها خير بك، والحاجب الكبير صنطباي؛ والحاجب الثاني الناصري محمد بن يلباي، وكاتب السر محب الدين الأسلمي، وهو ناظر الجيش وناظر القلعة.
وفي يوم الثلاثاء ثاني المحرم منها، ولي يونس الأستادارية، بعد ضرب الحرك ضرباً مبرحاً وحبسه، وكان قد باشر الدوادارية الثانية. وفي يوم الأحد رابع عشره وقع مطر كثير، بعد أن كان وقع ثلج كثير يوم السبت قبله، وقبله يوم الجمعة مطر كثير، واللحم الضاني النعاج بنحو الاثني عشر رطله، ورطل الخبز من الدرهمين إلى الثلاثة.
وفي هذه الأيام عزم النائب على تلقي الوفد، فاشترى أمتعة كثيرة لأجلهم. وفي يوم الاثنين خامس عشره سافر، ثم لم يذهب إليهم بل إلى الخربة.
وفي يوم الاثنين ثاني عشريه ضرب رجل بمحلة قبر عاتكة رجلاً أخاً له بحق فخار، فمات المضروب، فحضر الأستادار يونس ورمي على أهل قبر عاتكة مالاً، والشيخ عبد الهادي الصفوري، الذي كان من عاداته أن يخافف عنهم، مسافر ببعلبلك، والنائب وجماعته بالخربة. وفي اليوم المذكور توفي المهمل عبد الرحيم بن الجبرتي الأسمر، الذي كان انضم إلى المحب الموقع وأسكنه لما هرب عبد القادر شعبان الفاسق، مكانه بالغورية، عن ولد رجل.
وفي يوم الخميس خامس عشريه دخل إلى دمشق كتب الوفد المصري، وأخبروا بالخير والرخص، وأنه حصل لهم سيل عظيم أخذ جماعات من الوفد. وفي يوم الأحد ثامن عشريه دخل إلى دمشق كتب الوفد الشامي، وأخبروا فيها أن يوم عرفة كان الاثنين، الذي كان عيداً عندنا، ومر الكتاب على النائب بالخربة، وأخبره بالأمور.
وفي يوم الثلاثاء سابعه نقلت الشمس إلى برج الحمل. وفي يوم الأربعاء ثامنه دقت البشائر، لأجل قدوم خلعة النائب، وهو مقيم بالخربة، وقد شاع في هذه الأيام أن السلطان يريد النزول إلى بلاد الشام، بعد إدخال ولده على بنت النائب، ولا قوة إلا بالله، فإن الناس إلى الآن في الجبايات، التي بسبب المشاة، التي فرضت على البلاد.
وفيها شكا رجل على نور الدين قنينة، خادم الشيخ رسلان، للنائب، أنه تزوّج بامرأته التي في عقد نكاحه، بمنزلة المزيريب، واستمرّ معها إلى أن رجع من مكة، وجاورت هي، فقال: إنما زوجني بها، بإذنها، الشيخ جمال الدين بن طولون الحنفي، بشهادة قاضي الركب الشرفي، وشهادته أنها خالية من الأزواج، وشهد معه آخر؛ فطلب الشرف، فخسر كل منهما جملة مال.
وفي ليلة الخميس ثالث عشريه كانت السماء مصحيّة، وكان النائب بائتا قرب قبّة يلبغا، ليلبس الخلعة التي جاءت له وهو بالخربة؛ فلما قرب طلوع الفجر ودقّت البشائر، تراكم الغيم من كل جانب، ثم وقع رعد وبرق شديد، ثم مطر شديد، ثم برد شديد، بحيث نثر المشمش والتفاح، ولم يقع مثله في هذه السنة، وجاءت السيول من كل جانب، بحيث أيس من دخول النائب إلى دمشق في اليوم المذكور.
ثم صحت السماء، فدخل النائب لابساً الخلعة، وهي حمراء خاص على العادة، فلما وصل منزله طلعت الشمس، وبهذه الخلعة كمل له عدة ثلاث وثلاثين خلعة. - وفي يوم الاثنين سابع عشريه خلع على عدوّ الله، وعدوّ رسوله، وعدوّ المسلمين، معلم دار الضرب اليهودي، الذي أهلك النقدين، والله أغير منا.
وفي ليلة السبت ثالث ربيع الأول منها، دخل ولد أردبش دوادار النائب، على بنت الأمير ناصر الدين بن برد بك العجمي، وحضر النائب فمن دونه، والقضاة.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن ابن سلطان الحبشة قدم مصر، وأهدى للسلطان هدايا سنيّة، وطلب منه أن يأذن له في زيارة القيامة بالقدس، فأذن له، وأرسل صحبته خاصكياً، فلما وصل إلى القدس أظهر الصلبان وغيرها، فأنكر عليه أهل القدس وشكوا إلى الخاصكي، فقام معهم عليه، وأراد مراجعة السلطان، بعد أن قتل جماعة من الفريقين؛ وكان معه نحو الثمانمائة نفس.
وفي يوم الاثنين خامسه خلع على تاج الدين بن الصلتي نقابة الأشراف، بعد عزل
حسام الدين. - وفي يوم الثلاثاء سادسه احترقت القيسارية لصيق الحمّام؛ اللذان أحدثهما قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور لصيق المدرسة المسمارية الحنبلية، شرقي الحمّام والدكاكين، التي جدّدها المحبّ الموقّع في هذه السنة، قبلي المدرسة القميرية، بمحلّة الحريميين.
وفي هذه الأيام وقع لتقيّ الدين بن البطائني مع عبد الوهاب بن قصيف، قضية شنيعة، غرم فيها جملة مال، وباع كتب عمه المحدّث المؤرخ شهاب الدين بن اللبودي.
وفي يوم الجمعة تاسعه، بعد صلاتها بالجامع الأموي، نودي بالصلاة غائبة على رجل عالم بالقدس، يقال له القباقبي.
وفي يوم الجمعة سابع عشره، عقب صلاتها بالأموي، نودي بالصلاة غائبة على الشيخ نور الدين المحلى، تلميذ المحدث البرهان البقاعي، توفي بمصر في صفر الماضي، عن ولد فاضل.
وفي يوم الخميس سادس عشره خلع على دوادار السلطان بدمشق قان بردي. - وفي يوم الاثنين سادس عشريه رجع السيد كمال الدين بن حمزة من مصر إلى دمشق، بعد أن حجّ بولده السيد نجم الدين عمر، على الطريق المصري؛ واجتمعت أنا وأخاه بمكة سنة عشرين. - وفي هذه الأيام ادعى المتجند ابن الحنبلية أنه من الأشراف؛ ومن نسل بني النبي.
وفي يوم الجمعة سلخه حض المحدث محبّ الدين أبو الفضل جار الله بن فهد المكي، عند شيخنا المحيوي النعيمي، وقرأ عليه جزءه المسمى بتحفة البررة في الأحاديث المسلسلات العشرة، وما انضم إليها، فسمعته وجماعة، وهذه ثالث مرّة سمعته، ثم أخذه جار الله المذكور، وكتبه من خطّه، فغيّر فيه أشياء تبعاً لطريقة المحدثين، فأسهل على شيخنا المذكور ذلك، وإلى الآن لم يكتب به نسخة.
وفي يوم السبت مستهلّ ربيع الآخر منها، سلّم شيخنا المحيوي النعيمي على النائب، بمقبرته ومدرسته التي أنشأها خارج باب الجابية، وبارك له في الشهر على عادته، وطلب منه قاضي الحنفية المحيوي بن يونس أن يخبر النائب بحال جدّ المتجنّد ابن الحنبلية، هل كان
شريفاً أم لا؟ فقال: كان اسمه عبد الرحمن بن يوسف الصالحي، ويعرف قديماً بابن فريح وجدّه بابن الطحان، روى الحديث عن جماعة بمنزله بقبة السجن، وغيره، وكان أولا كاتب الجرائد، بسوق التجار، ولم يذكر له شرف ما، ولينظر في طبقات القاضي برهان الدين بن مفلح.
ثم في المجلس هذا قرر النائب في مدرسته المذكورة ثلاثين صوفياً، لكل واحد في كل يوم رغيفان، وفي كل شهر عشرون درهماً، وجعل شيخهم قاضي الحنفية المذكور، وجعل النظر على ذلك للأمير التقوى الرجبي الدوادار الثالث له.
وفي هذه الأيام اجتمع الزعر الأوباش في زفّتين، فالتقوا بالسيوف وغيرها، فتجرّح جماعة، قيل وقتل بعضهم، فبلغ يونس الأستادار، فرمى على حارتهم مالاً. - وفي بكرة يوم الجمعة سابعه دخل إلى دمشق جماعات الأكراد، نساء ورجالاً، في ذكر وتهليل، قد حجّوا البيت الحرام، ثم رأوا البيت المقدس، وعلى ذكرهم وتهليلهم الأنس، تقبّل الله تعالى منهم.
وفي هذه الأيام شاع موت خوند زوجة السلطان قانصوه الغوري، التي حجّت في السنة الماضية قبل الماضية؛ وكان السلطان حينئذ في همّة صرف جوامك العسكر، الذين عينهم للذهاب إلى البلاد الشامية، لكل فارس مائة دينار برسم نفقته، وثلاثين أشرفيا برسم عليق فرسه، وسبعة أشرفية بسبب أجرة حمل ما يحتاج إلى حمله.
وفي يوم الاثنين عاشره سافر السلطان من مصر، لأجل عود مدينة مرعش من ملك الروم سليم خان.
وفي يوم السبت خامس عشره عزم القاضي كريم الدين بن الأكرم للرحال في طلب الحديث، محب الدين جار الله بن فهد المكي، وخلق، منهم شيخنا المحيوي النعيمي، إلى بستان ابن الجندي، شمالي قصر اللباد، وتواعدوا للاجتماع بمنزل القاضي كريم الدين المذكور بالعنابة، ولاقيتهم من الصالحية، ثم ذهبنا جميعاً قاصدين البستان المذكور.
وقد أركب شيخنا المحيوي المذكور فرساًُ، والرحال محب الدين المذكور أخرى، ومررنا على جامع بيت الآلهة، فنزلا ليتفرجا بها، فصلينا به تحية المسجد، وتأملناه فإذا غالبه
خراب، وقد أخذ من محرابه الرخام وأحجار الكحل، ومن أرضه غالب الفسيفساء، وهذا قد حدث له من أيام الفتنة الدوادارية، وقبلها كان عامراً، تقام فيه الجمعة، وكان خطيبه صاحبنا البدري حسن بن خليل البيت ليدي الصالحي الحنبلي، نائب ديوان الجيش وغيره.
ثم طلب المحب المذكور قراءة جزء حديثي به، فأخرجت له جزء الدينار، تخريج الحافظ أبي عبد الله الذهبي، فقرأه على شيخنا المحيوني المذكور، بحضرة جماعة ضبطت أسماءهم في الجزء المذكور.
ثم ذهبنا إلى البستان المذكور، فحال وصولنا إليه أتى لنا بمشمش حموي، فأكلنا، ثم لحقنا القاضي كريم الدين المذكور وجماعة، ومنهم ولده شمس الدين محمد، وأخوه شمس الدين محمد، وولده أبو البقاء، وابن عمه زين الدين عبد الرحمن.
ثم تغدينا، ثم قرأ المحب جار الله المذكور على شيخنا المحيوي المذكور جزء فضائل الشام للربعي، قراءة حسنة عجلة أعجبت الحاضرين، وكتبت أسماءهم، وهو نحو المائتين، على الجزء المذكور، ثم أنشد الشيخ الصالح محمد بن الخياط المدني المؤذن بها وجماعته، فأطرب الحاضرين، وتباكى غالبهم، وتذكروا بذلك تأذينه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم أحسن القاضي كريم الدين المذكور إليهم، وإذا بالعصر قد قربت، وكان قصدهم الذهاب إلى منين لزيارة سيدي أبي البرهان، وسيدي جندر، فأثني العزم عن ذلك.
ثم مد القاضي الكريم الدين المذكور لنا أطعمة كثيرة ملونة فأكلنا، ثم أنصرفنا إلى منازلنا سوى المحب جار الله المذكور، فإنه بات بمنزل القاضي كريم الدين المذكور؛ وقد ضيف المحب جار الله المذكور في رحلته هذه إلى دمشق جماعات أخر، منهم نزيله بمكة الشيخ علي الغبشاوي الصالحي بها.
ثم صعدنا إلى زيارة مغارة الأمراء بسفح قاسيون، فنعى علي المحب جار الله المذكور بها الجزء الذي جمعته في فضائلها، وسميته بتفريج الهم في زيارة مغارة الدم.
ومنهم الشيخ شرف الدين موسى الكناني، الذي ضيفه بمقام الخليل، بأعلى قرية برزة، وقرأ عليه المحب جار الله المذكور جزء أبي الجهم، وعلي جزئي الذي جمعته في فضل المقام.
ومنهم العلامة شهاب الدين الشويكاتي الحنبلي، ضيفه بمنزله بالصالحية، وقرا عليه وعلي بدار الحديث الأشرفية بها، كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك.
ومنهم الشيخ بدر الدين الماتاني الحنبلي ضيفه بجنينته بالصالحية، وقرأ عليه وعلي، وعلى الشيخ شرف الدين المذكور، بدار السنة الضيائية بها، الجزء الأول من كتاب ذم الكلام، لشيخ الإسلام الأنصاري، وجزء ذم البدع للحافظ ضياء الدين، منشئ دار السنة المذكورة.
ومنهم ابن العم شهاب الدين بن قنديل ضيفه في منزله الأنيق بالصالحية، وقرأ عليه فيه جزئي المشتمل على الأحاديث المسلسلات بحرف الميم وعدتها أربعة وعشرون حديثاً، كلها مستخرجة من صحيح البخاري.
ومنهم الشيخ شمس الدين الكفرسوسي، ضيفه بقريته كفر سوسيا ضيافة عظيمة، وحضرها خلق، وقرأ عليه بجامعها كتاب الشمائل للترمذي.
ومنهم كاتبه ضيفته ببستان ابن سلطان بالنيرب الأعلى، وقرأت عليه كتابي المسمى بقدرة الجليل فيما ورد في....، وكنت أولا سميته قراقيش الخلي، لأمر ذكرته أوله، ثم عدلت عنه إلى هذا الاسم، إلى غير ذلك من الضيافات، وقد تكررت من بعض المذكورين ويعلم أوقاتها من الطبقات المكتتبة لذلك، ومن كتاب الرحلة الدمشقية للمحب جار الله المذكور.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره دخل إلى دمشق أوائل الجند العسكر المصري. وفي يوم الجمعة حادي عشريه قرأ المحب جار الله بن فهد المكي، على شيخنا المحيوي النعيمي، جزءه المسمى بالقول المبين المحكم في بيان أهل القربى للنبي صلى الله عليه وسلم، بمجلسه بالجامع الأموي، ثم قام إلى مجلس السيد كمال الدين بن حمزة، فقرأ المحب جار الله المذكور عليهم جزءين.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشريه نودي بدمشق، على لسان المقام الشريف، بالأمان والاطمئان وألا ظلم ولا عدوان، وأن لا يظلم أحد من العسكر أحداً، وفيه أسلم يعقوب صيرفي النائب، بعد عقوبته وأخذ مال، وزف وخلع عليه في اليوم المذكور، ثم في ثاني يوم تولى ناظر الخزانة ونقيب الديوان، وخلع عليه بذلك.
وقد اشتهر في هذه الأيام بدمشق، أن محمداً ولد السلطان نازل مع العسكر، لكونه أمير آخور، وأنه وصل دمشق يسكن في بيت برد بك، الذي هو مسكن النائب، صهره الآن.
وفيها وقع بين هذا الشاب الحموي، المعروف بمعروف، الشاهد بمركز الشهود بمحلة باب السريجة، وهو مع ذلك يعقد العقود، وبين عشيره شهاب الدين أحمد العجمي ثم الحلبي، ذي المئزر الأخضر، المتمصلح المتمنطق، المشهور بمعرفة علم الهيئة، المنزلين بمدرسة النائب، وجرى بينهما كلام يستحي من ذكره، وفيه قذف في حق أولاد الجلال البصروي، فلما اطلع على ذلك النائب عزلهما من مدرسته وولى غيرهما.
وفي بكرة يوم الخميس سابع عشريه وقع أيضاً بين القاضيين، الشهاب الرملي، والتقوى القاري، بسبب إمامة الجامع الأموي، كلمات قبيحات لا تصدر من مثلهما، ولا من أقل منهما يؤدي أمرها إلى شيء عظيم، حتى بقي جماعات من الترك وغيرهم يستهزئون بأهل الشرع، فلما كثر ذلك عزلهما موليهما في الإمامة منها، ومن الحكم أيضاً، وهو القاضي الشافعي، وكان ذلك بدار السعادة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى منها، بعث الأمير علاء الدين بن طالوا نقيب الجيش، إلى شيخنا المحيوي النعيمي، أن يكتب له صفة دخول الأشرف برسباي إلى دمشق، ومن حمل الغاشية على رأسه، وأين نزل، فكتب له ما تيسر له.
وفي يوم الأربعاء ثالثه دخل إلى دمشق الأمير بيبرس، ابن عم السلطان، بطلب. وفي يوم الجمعة خامسه دخل إلى دمشق وإلى مصر، وأحد المقدمين، كرتباي أبو سنة بطلب أيضاً. وفيه بعد صلاتها سافر النائب، وبقية الأمراء إلى ملاقاة السلطان، بعد أن ولي نيابة الغيبة لخازنداره خشقدم.
وفي ليلة السبت سادسه قتل نقيب البعني حسين الرافضي، بسكنه بحارة عريف باب
المصلى، أبي بكر بن المبادل، وحصل له من نائب الغيبة إهانة بسبب ذلك.
وفي يوم الاثنين ثامنه دخل إلى دمشق ثلاثة مقدمين، بثلاثة أطلاب: الأول تنبك الخازندار، والثاني قانصوه كرت، والثالث تمر الزردكاس. وفيه وسط نائب الغيبة رجلاً من جماعة ابن علاق.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره، عقب صلاتها بالجامع الأموي، صلي غائبة على اثنين، أحدهما بمصر وهو العالم العامل ابن عنان، والثاني بالقدس، وهو شهاب الدين أحد الصوفي، وفيه نزل أمير سلاح، الذي كان نائب الشام، أركماس، عند قبة يلبغا، وقد قرب مجيء السلطان.
ثم أخبرني العلاء بن طالوا، نقيب الجيش المنصور، زوج ابنة العم، أنهم يوم الأربعاء عاشر الشهر هذا اجتمعوا هم والسلطان في أرض قلنسوة، فلما قرب ملك الأمراء منه لبس هو ومن معه الكلوتات والقماش على العادة في المواكب؛ فحين رآهم السلطان في الطريق، نزل وضرب له سحابة، وفرش له بساط، ووضع عليه كرسي من فولاذ وجلس عليه.
ثم أذن فجاؤوا وقبلوا الأرض، الأول فالأول، ولم يقم لأحد حتى جاء القضاة الأربعة، فقام لهم نصف قومة، خلا المالكي فعظمه، وقام له أكثر من رفاقته؛ فلما جاء ملك الأمراء قام له وسلم عليه وتشكر له في المجيء، ثم دعا السلطان بفرس ملك الأمراء إلى قرب بساطه، وأمره بالركوب من على البساط، ثم ركبا، وسارا إلى أن جاء إلى قابون فذهبب كل منهما إلى مخيمه.
وأشار السلطان إلى ولده أمير آخور بأن يمشي مع ملك الأمراء إلى مخيمه، وقصد بذلك الملك، استعطاف خاطر ملك الأمراء على ولده، لكونه صهره، فلما وصل معه إلى المخيم، ألبس ملك الأمراء لولد السلطان خلعة، ثم عاد إلى عند والده وقبل الأرض، ثم انصرف.
وأمر السلطان بتهيئة الطعام، فما كان إلا مقدار عشرين درجة، ومد سماط عظيم بين يدي السلطان، فدعي ملك الأمراء ومن معه للأكل، فأكلوا، ثم أتى بالتشطيف، ثم أسقاهم مشروباً، وإذا بفرسين بكنبوشين يدار بهما ين يدي السلطان، ثم التفت إلى ملك الأمراء فاعتذر إليه في إعطائهما فقط بأنه على السفر، ثم دعا بخلعة حمراء فألبسه إياها؛ ثم ألبس القضاة
الأربعة الشاميين، كل واحد منهم خلعة، وكان أيضاً معهم نائب غزة فألبسه خلعة، ثم توجهوا جميعاً إلى مخيماتهم.
وفي صبح يوم الجمعة ثاني عشره وصل الخبر إلى دمشق بما وقع للنائب والقضاة مع السلطان، وكان عند العامة أنه غضبان عليهم، فدقت البشائر في دار السعادة.
وفي صبح يوم الاثنين خامس عشره رجع النائب والقضاة إلى دمشق، ودخلوا في موكب حافل، لابسين الخلع السلطانية، فالنائب خلعته حمراء بمقلب خاص، والشافعي بصوف أبيض والمالكي بأخضر، والحنفي والحنبلي بأحمر، وزينت البلد، وشرع النائب في تهيئة المدة للسلطان.
وفي بكرة يوم الثلاثاء سادس عشره دخل إلى دمشق ابن سلطان جركس بطلبه، ثم الأمير جان بلاط الأبح بطلبه، ثم الأمير أنسباي الحاجب بطلبه، ثم رأس نوبة النوب سودون الدواداري بطلبه، ثم أمير سلاح أركماس الذي كان نائباً بدمشق بطلبه، ثم الأمير الكبير سودون العجمي بطلبه، وهو أحفلهم، ثم أحد المقدمين أمير آخور ثاني آقباي بطلبه، ثم الدوادار الثاني علان أحد المقدمين بطلبه، ونزل الجميع بالمصطبة عند القابون، ثم ركب النائب وذهب لملاقاة السلطان، ثم رجع من عند السلطان إلى القبة وهيأ أمر السماط.
وفي عشية يوم الثلاثاء سادس عشره وصل مخيم السلطان إلى قبة يلبغا خارج دمشق.
وفي بكرة يوم الأربعاء وصل السلطان ونزل بمخيمه بالقبة المذكورة والنائب بها ثم جاء جميع الأمراء من المصطبة وغيرها وحضروا السماط، ثم خلع السلطان على النائب وعلى سبعة آخر معه، ثم دخلوا دمشق في أبهة، واستمر السلطان بالقبة، وهرعت أكابر البلد، من الأمراء والقضاة والمشائخ وغيرهم، إلى السلام عليه وعلى جماعته.
وفي بكرة يوم الخميس ثامن عشره، وهو تاسع عشر حزيران، وثامن برج السرطان، دخل السلطان من قبة يلبغا إلى دمشق، ماراً إلى المصطبة، عند القابون الفوقاني، خارج دمشق من جهة الشرق في موكب عظيم لم يشاهد مثله.
عن يمينه ملك الأمراء حاملاً القبة على رأس السلطان، وهي شبه رأس ستر، وظاهرها حرير أصفر، وفي أعلاها هلال من ذهب والغاشيه؛ قال شيخنا النعيمي، قدامه قصيرة ماسكها بيده، وهو مستور بها لا يرى، وأما يسار السلطان فخال.
وعن يمين النائب، أمير كبير سودون العجمي، وعن يمينه أمير سلاح أركماس، ثم أمير
مجلس قصدهم، فعدتهم خمسة؛ وخلفهم الصنجق السلطاني في ذهب مزركش، ثم من خلفه المماليك.
وقدام السلطان الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بن المستمسك بالله أبي الصبر يعقوب الهاشمي العباسي؛ ثم القضاة الأربعة المصريين: الكمال الطويل الشافعي، وحسام الدين محمود بن الشحنة الحنفي، والمحيوي يحيى الدميري المالكي، والشهاب أحمد بن النجار الحنبلي: ونوابهم وعدتهم أربعة عشره، وهم ستة للشافعي: الشيخ جمال الدين الصاني، وصلاح الدين القليوبي قارئ الحديث بقلعة الجبل بالقاهرة، وزين العابدين، والشيخ زين الدين الظاهري مباشر أوقاف الحرمين، والشيخ شمس الدين بن وحيش، والشيخ شمس الدين البتنوني، وأربعة للحنفي: الشيخ شرف الدين البلقيني المحدث، والشيخ غرس الدين المقرئ، والشريف البرديني، والشيخ زين الدين الشارنقاشي؛ واثنان للمالكي: الشيخ معين الدين بن يعقوب، والشخ شمس الدين المديني، وأربعة للحنبلي: الشيخ شهاب الدين الهيثمي، والشيخ شمس الدين الطرابلسي الشيبي، والشيخ شهاب الدين القدسي، والقاضي عز الدين سبط العز الحنبلي، كذا أملاني عدتهم أخونا في الله المؤرخ جار الله بن فهد.
ثم قدامهم القضاة الأربعة الشاميين، الولوي بن الفرفور، والمحيوي بن يونس، وخير الدين المالكي، وشرف الدين بن مفلح، وبعض نوابهم.
ثم أمير آخور كبير الناصري محمد بن السلطان، وقدامه رأس نوبة كبير سودون الدواداري وحاجب الحجاب أنسباي، ودوادار ثاني علان، وأمير آخور ثاني آقباي، وتاني بك الخازندار، وتمر الزردكاش، وقانصوه كرت، وقانصوه بن سلطان جركس، ويعرف باللوقة، وبيبرس ابن عم السلطان، وجان بلاط الموتر، المعروف بأبي ترسين، وجاني بك الأبح.
وفي بعض المواضع تقدم الأمير الكبير سودون العجمي إلى قدام القضاة، وعن يمينه أمير آخور كبير الناصري محمد بن السلطان، وعن يساره أمير سلاح أركماس، وقدامهم رأس نوبة كبير سودون الدواداري، والمعطوفون عليه، وعدتهم أربعة عشر، كذا أملاني إياهم أحد المقربين عند السلطان: السمرقندي، وذكر لي أن عدتهم ستة عشر، وأنه تقدم كرتباي وأبرك تتمتهم، وتأخر من المقدمين بالقاهرة وأعمالها ثمانية.
ثم أمراء الشام، ثم كاتب الأسرار الشريفة المقر المحبي محمود بن أجا الحنفي، وقدامه
ناظر الجيش القصروي، وناظر الخاص ابن الإمام ومباشر ديوان الجيش ابن الشيرجي، ونائب كاتب السر أحمد بن الجيعان، وبقية المباشرين، وقدامهم التاجي بن الديوان، أمير التركمان بالشام، وديوان القلعة المنصورة بها، وبقية المباشرين الشاميين، وقدامهم خزائن المال، وعدتهم ستة.
وقدامهم خلفاء الصوفية وعدتهم سبعة، وهم: السيد يحيى بن علي الرفاعي، والسيد محمد بن سالم الأحمدي، والسيد محمد بن زين العابدين القادري، والسيد محمد الأدهم، والسيد محمد البسطامي، والسيد محمد الدسوقي، وخليفة الست نفيسة.
وقدامهم أولاد محمد بن بركات صاحب مكة المشرفة، وهما: السيد راجح، والسيد قاسم، ولدا محمد بن بركات بن حسن بن عجلان بن رميثة بن أبي سعد محمد بن أبي عزيز قتادة الحسنى، وابنا أخيهما السيد هزاع، وهما السيدان محارم، وزاير، وابن أخيهما أيضاً السيد شرف الدين رميح، وابن قريبهم الشريف أبو سعد بن رميثة بن بركات، وجماعتهم.
وقدامهم محفتان على بغال، إحداهما للسلطان، والثانية لابنه، وقدامهم من الخيل المجنونة مائة، فمنها خمسون بجلال صفر من أطلس، ومنها ثلاثون بلبوس مذهبة، ومنها عشرة بكنابيش ذهب مرصعة باللآلىء وغيرها، ومنها عشرة من خواص الخيل غير ملبسة.
وقدامهم مائة هجين بأكوار مزركشة، منها خمسون على أحمر، وباقيها مغرق، مكتوب على غالبها اسم السلطان، وعلى بعضها طومان باي، وعلى بعضها قايتباي.
وقدامهم كرسي الملك المحمل على بغل، وهو مرصع بالدر والجوهر والبلخش وغير ذلك، وقدامه ثلاث أبغال للشربدارية، راكب في وسطها ثلاثة أولاد صغار، عمالين في الإنشاد لم نسمع أطرب منهم، وهم سائرون.
وقدامهم أربعة أنفس راكبين، وخلف كل واحد منهم فهد، وقدامهم أحمال الضوية؛ وقدامهم البارودية، وقدامهم الطبل والزمر، وقدامهم السبق، إلى غير ذلك مما يطول تعداده، وكان يوماً مشهوداً.
ولما مر السلطان على باب النصر، الذي في رأس القبيبات، نثر عليه صدقة اليهودي، معلم دار الضرب بدمشق، دراهم وأشرفية أصطنعها لذلك، خفيفة، ويقال إنها ألفا درهم، فاقتتلت الناس على نهبها، فأمره السلطان بالكف عن ذلك.
ولما جاء إلى محلة ميدان الحصى، لاقته الإفرنج المستأمنين هناك، ومعهم قنصلهم،
وفرشوا له قطعاً من الجوخ، ونثروا عليه دراهم وقبارصة؛ وقال إنها مائتا دينار، فاقتتل الناس أيضاً على نهبها، فأمرهم السلطان بالكف عن ذلك، وقطع جماعته الجوخ وتناهبوه، ولما جاء إلى حارة السمرة، نثروا عليه خمسمائة درهم.
ولما نزل بالصطبة قدم له النائب ضيافة عظيمة، فأكلها، وخلع عليه خلعة عظيمة، مزركشة على أخضر، بأكمام مذهبة يلبغاوية، فعاد بها إلى منزله دار السعادة، ومعه غالب الأمراء في موكب عظيم، وكمل له بهذا الخلعة عدة ستة وثلاثين خلعة، من أول كفالته إلى الآن.
ثم بلغني أن الغاشية، أول ركوب السلطان، كان حاملها سودون العجمي الأمير الكبير، إلى أول عمائر دمشق، فقيل لهم إنما العادة يحملها نائب الشام، كما فعل مع برسباي الأشرف، حملها عليه جراقطلي نائب الشام، في يوم الاثينن خامس عشر شعبان سنة ست وثلاثين وثمانمائة، من القبة إلى المصطبة، فلما سمعوا ذلك، حملها النائب سيباي نائب الشام حينئذٍ، ثم خلع السلطان على الأمراء السبعة، كما فعل بالأمس، مع السبعة الأخر، فالجملة أربعة عشرة أميراً.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره خطب بالجامع الأموي قاضي قضاة الشافعية المصري، وصلى خلفه رفاقته الثلاثة ثم صلى بالناس الجمعة، وكبر خلفه مؤذنو السلطان، ولما فرغوا من التسبيح عقيب الصلاة أنشد الصبيان، الذين كانوا مع السلطان، واجتمع الناس عليهم حتى كادوا يقتتلون.
ثم حطوا، فدعا الأربعة المصرية أخانا المحب جار الله بن فهد المكي، فقرأ عليهم المسلسل بالأولية، ثم ثلاثيات الصحيح، وحضر ذلك القضاة الأربعة، ونواب القضاة الثمانية، وخلائق وجلس القاضي الشافعي المصري في المحراب بالمقصورة، وعن يمينه الحنبلي المصري، وتحته الحنفي الشافعي، وعن يساره
…
وتحته الحنفي المصري، ثم الشافعي الشامي ثم المالكي، ثم الحنبلي الشاميين.
وسبب هذا المجلس ما حكيته لأخينا المحب المذكور، من إملاء الحديث المسلسل
…
من حافظ العصر شهاب الدين أبو الفضل بن حجر، قاضي القضاة
الشافعية بالديار المصرية، تجاه محراب الحنفية بالجامع المذكور، لما نزل صحبة الملك الأشراف برسباي، وكان مع رفاقته الثلاثة: قاضي الحنفية بها البدر العيني، وقاضي المالكية الشمس البساطي، وقاضي الحنابلة الزين بن نصر الله، فذكر لهم فذلك فأرادوا مضاهاة ذلك.
وفي ليلة السبت عشريه دخل من مصر إلى دمشق، المعزول من حسبة مصر، لظلمه بعد خروج السلطان منها، الأمير ماماي الصغير، فإن دوادار السلطان بمصر أرسل عرف السلطان بظلمه، فأرسل عزله، وأمره أن يتجهز خلفه، وأن يولي الدوادار في الحسبة من أراد، فامتثل ذلك ولحق السلطان ليلتئذٍ.
وفي يوم السبت المذكور ذهبت في جماعة إلى مخيم السلطان بالصفة عند القابون الفوقاني، فاجتمعت بالخليفة وقرأت عليه بالمسلسل بالأولية، ثم سمعته عليه، ثم قرأت عليه ثلاثيات البخاري، ثم توجهت من عنده إلى القاضي الشافعي، فقرأتها عليه أيضاً، بعد أن سمعت منه المسلسل بالأولية، ثم توجهت إلى عند القاضي الحنفي فقرأت عليه المسلسل بالحنفية، وسمعته عليه، ثم توجهت إلى عند القاضي المالكي، فقرأت عليه جزء الثلاثين حديثاً المنتقاة من صحيح مسلم، ثم توجهت إلى عند القاضي الحنبلي، فقرأت عليه المائة حديث المنتقاة من ثلاثيات مسند أنس والمسلسل بالمصريين، وكان صحبتي أخونا المحب جار الله بن فهد، ومعه الشمسي محمد بن الأكرم، وقصدت بهه القراءة تحرير ما عندهم من أحاسن المرويات، فإن بالأمس لما قرأ على القضاة الأربعة المصريين، بمقصورة الجامع الأموي؛ أخونا جار الله المذكور، المسلسل بالأولية، ثم ثلاثيات الصحيح، ربح سوق أسانيدهم إليها.
وفي يوم الأحد حادي عشريه أرسل النائب تقدمة للسلطان، عدة أربعة عشرة صدراً، على رأس كل رجل صدر مغطى بلون من الألوان، في أربعة صدورة خمسون ألف درهم فضة، وفي بقية الصدورة قماش مفتخر، وخلف هذه الصدورة عدة عشرة من مماليكه الخاص الكتابية الحسان، وخلفهم عدة عشرة من الخيول الخاص، أمير آخور الكبير تنم، وخازنداره خشقدم، والمقدم ناصر الدين بن الحنش.
وفي هذا اليوم قدم المقدم ناصر الدين المذكور للسلطان، تقدمة أخرى كثيرة من المال، قيل ألف دينار، ومن الخيل، ومن الغنم، ومن الجمال، ومن البقر، ومن الأوز، ومن الدجاج، ومن الزيت، ومن العسل، ومن الأرز، ومن الدبس ومن السمن، وغير ذلك.
وفيه أمر السلطان بالمصطبة بإشهار النداء بالأمان والاطمان، وأن لا أذى ولا عدوان، وأن لا يحمل أحد من العوام سلاحاً.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشريه ذهبت في جماعة إلى مخيم السلطان بالمصطبة، فاجتمعت بكاتب السر ابن أجا، وقرأت عليه المسلسل بالأولية والمسلسل بالدعاء في الملتزم المخرجين، في كتابه: تحقيق الرجا لعلو المقر الحبي ابن أجا، تخريج أخينا في الله المحدث جار الله بن فهد المكي بحضوره، ثم اجتمعت ببقية المباشرين المصريين، فرأيت أمثلهم ناظر الخواص الشريفة ابن الإمام، بسبب حبه للفقراء، وحفوه على طلبة العلم.
وفي يوم الأربعاء رابع عشريه رحل السلطان من الصفة، وهدت الزينة من البلد، توجه معه في الترسيم المحبي ناظر الجيش بدمشق، وناظر القلعة بها، وما مع ذلك، بعد أن كان وقع بينه وبين أمير سلاح أركماس مرافعة عظيمة بسبب دين له عليه، وأراد أمير سلاح أن يشتريه من السلطان بخمسين ألف دينار، فالتزم للسلطان بغالبها.
وكذلك توجه معه في الترسيم مباشر القلعة الدمشقية الصفدي، ويوسف السامري ديوانها، والتميمي شاهدها، ليعلموا حسابها، وكذلك ذهب معه في الترسيم أيضاً المحبي بن الخيضري ناظر الجوالي، بسبب مال متأخر عليه منها.
ولم يفرج السلطان في مدة إقامته بهذه المصطبة عن أحد كربة، وكلما رفعت إليه قصة يؤخرها حتى يرجع، وقد ذهبت مع جماعته مدرسة الشيخ أبي عمر بصالحية دمشق ليشكوا له حالهم في قمح داريا، والمال المرتب لهم في القلعة بسبب الطعام في شهر رمضان، فلما وصلوا إلى قربه جلس المتضرون يقرأون القرآن له، فأمر مماليكه فضربوهم بالعصي، وقالوا لهم: عندنا ميت حتى تجيئوا تقرون عليه؟ فرجعنا خائبين منه.
وفي هذا المجلس جاء إليه قنصل الإفرنج وجماعته بهدايا، فقدمهم وأكرمهم؛ وكان السلطان في هذه الأيام التي كان فيها بالمصطبة قد رسم بيناء قبتين بها، فحضر معلّم المعمارية بمصر، ومعلّمهم بدمشق وبقيّة المعلمين، ورسموا مكانهما، ثم شرعوا في ذلك.
ثم ركب السلطان في أواخر هذا النهار، وسافر بعد أن خلع على النائب خلعة أخرى بهذه المصطبة، فكملت خلعه سبعاً وثلاثين.
وفي يوم الخميس خامس عشريه خلع النائب على أمير آخوره تنم بنيابة الغيبة، وأمر بإشهار النداء بأنه لا ظلم ولا عدوان؛ ثم خلع على خازنداره خشقدم. - وفي يوم الجمعة سادس عشريه جاء الخبر بأن نائب حلب خير بك، ونائب حماة جان بردي الغزالي، ومعهما قضاة البلدين، لاقوا السلطان في القطيفة.
وفي يوم السبت سابع عشريه ركب مماليك النائب عليه، وتحصّنوا بالجامع الأموي، وغلقوا أبوابه ومنعوا الناس من الصلاة فيه، وغلق أسواق دمشق خوفاً من نهبها، وخطفت بعض العمائم، بسبب اختلافهم مع أستاذهم على مقدار صرف الجامكية في التوجّه خلف السلطان فإنه أراد أن يصرف لكل واحد منهم خمسين أشرفياً، بأنقص من مماليك السلطان بثمانين أشرفياً، وفرساً، فأبوا ذلك، وقصدوا نهب بيت أمير آخور كبير تنم، فدافعهم، فجرحوه، فبلغ الخبر للنائب، فجاء إليهم ومعه العلاء بن طالوا فقط، فلم يواجهوه، وهربوا، ثم مشى بينهم العلاء ابن طالوا المذكور، وأمير آخور ثاني شكم، والدوادار الثاني، بالصلح ووفّقوا بينهم على كمية.
وفي هذه الأيام نقب الحرامية منزل فرج ابن صبّي الوالي، ودخلوه، وهو وجماعته نائمون فوق السطح، وأخذوا له ما قيمته أربعمائة دينار. - وفيها طلع جماعة من الخيالة على بعض الأمراء قريب القطيفة، وأخذوا خيله وقماشه وماله، فشكا إلى النائب، فأحضر ابن علاق وألزمه السعي في تحصيل غرمائه، وإلا غرم له ما ذهب له.
وفي يوم الثلاثاء مستهلّ جمادى الآخرة منها، شكا ابن علاق للنائب من أهل القيجانة فأمر بنهبهم، فنهب أموالهم وقتل منهم جماعة. - وفي يوم الخميس ثالثه دخل، ابن قرقد الشاب، وهو ابن أخي ملك الروم سليم خان، إلى دمشق من مصر، وتلقّاه النائب وقضاتها، والأمراء، ودخل في موكب عظيم، وهو أمرد، ومعه والدته، وكانت فرّت به من عمّه ملك الروم سليم خان إلى ملك الشرق إسماعيل الصوفي، فلما كسره ملك الروم
و
…
له، فرّت به إلى سلطاننا، ولما عزم على التوجّه إلى عمه أبقاه هو ووالدته بالقاهرة، ثم بدا له في أثناء الطريق صحبته معه، فوجّه إليه دوادار سكين، جاء به، فوصل في هذا اليوم، صحبتهما الخواجا ابن النيربي المعزول. - وفي هذا اليوم خلع النائب على أمير ابن علاق وقرابته.
وفي ليلة الجمعة رابعه ضرب عريف القراونة، موسى بن بلغان، فدافع عنه عبده، فضرب ولم يرجع، وأخذه وهرب به؛ ثم توفي موسى المذكور منها، وخصمه البيطار على خطّة، فلما دفن موسى توفّي خصمه، فدفن، وحضر أخو البيطار، وشكا إلى النائب فأمر بتوسيطه ثم نادى: إن لم تحضر أكابر الشاغور بعد صلاة الجمعة، وإلا حرقت الشاغور، ثم قتل عريف القبيبات.
وفي بكرة يوم الخميس عاشره، وهو عاشر تموز أيضاً، سافر النائب لاحقاً بالسلطان في موكب عظيم، وخرج معه القضاة الأربعة للوداع، ولما نزل بالمصطبة، السلطانية رجعوا، ولم يرحل منها إلى يوم السبت.
وفي يوم الخميس المذكور خلع النائب الغيبة على عرفاء المحلّتين، منهم عريف باب المصلّى أبو بكر بن المبارك، ومنهم عريف الصالحية علي بن الهريري، وسار نائب الغيبة سيراً حسناً، ولم يكن دأبه إلا تتبّع المناحيس وقتلهم.
وفي ليلة السبت ثاني عشره قتل ابن الماخوزي، عريف قبر عاتكة كان. - وفي يوم الأحد ثالث عشره هجم ابن الكركية الحريري الصغير، ومعه ابن عرين من أهل ميدان الحصى، على عريفهم ابن سعيد وضرباه بالسكاكين، فمرّ عليهم كاشف حوران. فقبض على ابن الكركية وفرّ رفيقه، وأتى به إلى نائب الغيبة، فأمر بتوسيطه، ثم ركب وأتى إلى دور أهله ودكاكينهم فختمها، وأما ابن سعيد المضروب فلم يمت.
وفي ليلة الاثنين رابع عشره أبدر القمر، ثم لما توسّط السماء ابتدأ في الخسوف إلى أن خسف جميعه، ثم استمرّ نحو ساعتين وانجلى. - وفي هذا اليوم زعم بعض المنجمين أن السلطان مغلوب مع ملك الروم، وهو مقتضى قاعدة حساب الغالب والمغلوب، فالله يحسن العاقبة.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره بلغني أن النائب بحماة ضعيف، وأنه أرسل يطلب
محفّة. - وفي يوم الأحد سابع عشريه وسّط نائب الغيبة الأربعة من الحرامية، منهم عمر الهجان، الأسمر من زقاق الأمير فارس، خرج عندهم عملات، منها ما أخذ من بيت فرج المتقدّم ذكره.
وفي يوم الاثنين ثامن عشره وسّط نائب الغيبة خمسة منهم أيضاً.
وفيه تخاصم أهل داريا وأهل صحنايا، فخرج إليهم نائب الغيبة ونائب القلعة، وأصلح بينهم.
وفي الثلاثاء تاسع عشريه بلغني أن ديوان نائب القلعة توفي في عسكر السلطان.
وفي يوم الجمعة ثاني رجب منها، خطب بالجامع الأموي خطيب مكة، لابساً السواد وهو صاحبنا الإمام الأصيل الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن بن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن الخطيب أبي الفضل محمد النويري القعيلي المكي الشافعي، وهو ابن أخي شيخنا خطيب مكة الشيخ محبّ الدين. - ثم في يوم الجمعة تاسعه خطب أيضاً بمدرسة النائب خارج باب الجابية.
وفي هذه الأيام تواترت الأخبار بأن السلطان بقلعة حلب، وأن نائب الشام بحيلان. - وفي يوم الخميس ثاني عشريه توفي المجرم نقيب النّوبة ابن عدوس، ويحكى عنه أنه في حال صغره كان ينقش كالنساء في بيت التعيس أبي بكر بن زريق.
وفي بكرة يوم الجمعة ثالث عشريه ورد مرسوم مؤرخ بثامن الشهر من حلب من السلطان، وفيه أنه عزم على التوجّه إلى ملاقاة ملك الروم سليم خان، وأنه يسأل الدعاء من أهل دمشق له، وأن ملك الروم قد جهّز عساكر كثيرة من النصارى والأرمن وغيرهم له، فاجتمع قضاة دمشق الأربعة، والشيخ عبد النبي، ومن يلوذ به من المرائين، في جامع بني أمية بعد صلاتها في المقصورة، وكذا يوم السبت والأحد، وقرأوا سورة الأنعام، ودعوا للسلطان وعسكره، وخصوصاً بين الجلالتين، ولم يحضرهم أحد من المباركين، وألسنتهم ناطقة بالدعاء لمن قصده الخير منهما.
وشاع بين الناس أن سبب توجّهه، بعد أن كان قصده الصلح، توجّه ملك الروم إليه وأخذ قلعة الروم، وما والاها، إلى عينتاب، بسبب أنه اطلع على مطالعات من سلطاننا إلى الخارجي إسماعيل الصوفي، يستعينه على قتال ملك الروم سليم خان، على يد البهلوان، أحد جماعة سلطاننا.
وفي عشية يوم السبت ثاني شعبان منها، وصل الخبر على يد هجانة إلى دمشق، أن سلطاننا التقى مع ملك الروم في مرج دابق، بموضع يعرف بتل الغار، وقيل بمرج الطبقة، فوق أرض مرج دابق، يوم الأحد رابع عشريه رجب الماضي، وهو اليوم الثالث من الثلاثة أيام، التي قرأ فيها قضاة دمشق الأربعة، والشيخ عبد النبي، سورة الأنعام، ودعوا للسلطان كما مر، وأنه كانت النصرة أول النهار لسلطاننا، وفي وقت الظهر اشتغل عسكره بالنهب، فرجع عليهم ملك الروم بالبندق الرصاص فكسرهم.
فلما رأى سلطاننا ذلك دعا بما فشرب، وأغمي عليه، ثم سقط ميتا بالقولنج، وهو يستغيث بالأغواث، وقيل إنه سقط وبه رمق من الحياة، فأركب، ثم سقط ثانياً ميتاً، ولم يقابل أحداً من جماعته مثل ملك الأمراء، فلما سقط سنجقه تفرق عسكره، وبعده الأمير الكبير سودون العجمي، فلما سقط سنجقه تفرق عسكره أيضاً؛ وافتقد جماعات كثيرة، وولى الباقون منهزمين إلى حلب.
وأما سلطاننا فقطع رأسه ووجه إلى إصطنبول، كما قال لي المحب ناظر الجيش؛ وجثته، قيل دفنت عندالشيخ دواد بأرض دابق، وقيل حملت إلى حلب، ودفنت بتربة له فيها، كانت قديماً، لما كان متولياً الحجوبية الكبرى بها، والصحيح أنه لم يعلم حاله.
وفي يوم الأحد ثالثه دخل غز كثيرون إلى دمشق، من عسكرنا المنكسر، وعدة أمراء؛ وغلقت أبواب البلد كلها، واستمرت مغلقة طول النهار، ودارت الزعر في البلد وضواحيها، وقتلوا خلقاً كثيرة، منهم في صالحيتها سبعة أنفس، منهم عبد الله عريف حارتنا، بعد أن كان تاب عن العريفية على يد الشيخ حسين الجناني.
وفي يوم الاثنين رابعه دخل دمشق محمد بن سلطاننا، ومعه الغزالي جان بردي نائب حماة، وأركماس أمير السلاح، سودون الدواداري، وعلان، وتقدمهم أبرك، والمباشرون: كاتب السر ابن أجا، ونائبه سيدي أحمد بن الجيعان، وابن الإمام ناظر الخاص، وتاج الدين بن الديوان بقلعة دمشق، والمحبي ناظر جيش دمشق، وأخبروا أن القصروي ناظر جيش مصر قتل، وكذا ملك الأمراء سيباي، والصحيح أنه لم يعلم حاله، وتبعهم القاضي الحنفي والقاضي المالكي المصريان.
وفي يوم الثلاثاء خامسه نودي لجان بردي الغزالي بدمشق بنيابة الشام، باتفاق جماعة من
الأمراء الراجعين مع ولد السلطان إلى دمشق، في اصطبل دار السعادة، واتفقوا أيضاً على أن ولوا طرابلس، وصفد لشخصين آخرين، وخلع عليهم، ومشوا مع الغزالي إلى دار السعادة، ونادي بالأمان وفتحت أبواب دمشق بعد غلقها، وحرج على الغز أن لا يسافروا إلى مصر، حتى يأتي جواب طومان باي الدوادار الكبير من مصر.
وفي يوم الأحد عاشره وصل أدربش دوادار النائب سيباي، بعد أن كان جزم أهله والناس بقتله، راكباً حماراً مع بعض الفلاحين إلى قارا، وركب منها إلى دمشق فرسا، وفرح به أهله بذلك فرحاً شديداً، وأردبش هذا هو ناظر الخاتونية العصمتية، وخلع عليه الغزالي.
وشاع بدمشق أن ملك الروم سليم خان دخل قلعة حلب، وتسلم المال الذي بها، ووزنه، وأرصده، وأقام بالقلعة نائباً له، قيل بحضرة الخليفة والقضاة.
وفي يوم السبت سادس عشره وصل دوادار الغزالي إلى دمشق، بعد أن كان وجهه أستاذه إلى حلب، ليكشف خبر ملك الروم، وأخبر عنه أنه ملك حلب بأمان من أهلها، وكذا قلعتها. وقد كان نائبها تسحب مع العسكر المهزوم، وأنه بالتحقيق أخذ جميع ما فيها من المال، ويقال إنه مائة وثمانية عشر حملاً، خلا ما كان فيها قبل ذلك، وملكها لشخص من جهته.
ثم سد أبواب حلب خلا بابين، أحدهما من جهة الروم، والآخر من جهة دمشق؛ وسكن في القلعة، وعلى سور البلد أناس من رماة البندق، أخذ جميع ما فيها من الودائع عند أهلها للمنهزمين، وأحسن إلى فقهائها وفقرائها، ودهخل تحت طاعته نائب حلب خير بك، فأكرمه.
وفي يوم الأحد سابع عشره ولي الغزالي حمص وحماة لشخصين، وتوجه متسلمهما إليهما. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره شاع بدمشق أن السلطان لم يمت، وأنه وصل إلى مصر ومعه سيباي، وفيه عرض العسكر بالمصطبة.
وفي يوم الأربعاء عشريه عزم أهل ميدان الحصى الغزالي، لوليمة صنعوها له، فذهب إليهم، وصحبته المحب ناظر الجيش. وفي هذه الساعة أتى اثنان حمويان إلى غلام مصري، كان أمرهما بالمعروف، فضرباه بخنجر بحضرة أهل السويقة المحروقة حتى مات، ثم هربا فعدا خلفهما جماعة فأدرك أحدهما وقتل.
وفي هذا اليوم جاء ابن الحنش إلى المزة، في جماعات من الخيل، حين طلبه الغزالي،
وقد كان الغزالي مسك المقدم علاء الدين بن العماد المقدسي، الشهير بابن علاق، قبل ذلك، ونهب بيوته وأودعه في الحبس، فأرسل ابن الحنش يقول للغزالي: إن قطعت رقبة ابن علاق، العدو الأكبر لي، فأنا أدرك أمر ملك الروم من بلاد حماة إلى بلادي، على أن توليني نيابة حمص، فأمر بقطع رأس ابن علاق في الحبس، وأرسله إليه إلى المزة، ويقال إنه أرشا الغزالي على ذلك؛ ثم جاء ودخل دمشق، فألبسه الغزالي خلعة، وولاه ما طلبه، ثم ألبس الغزالي أيضاً، بعد ذلك، خلعة لصهر ابن الحنش، ابن جانباي البدوي أمير الشام، ودركه بلاد حوران والمرج.
وفيه رجع متسلماً حماة وحمص، منهزمين من ملك الروم، وأخبرا أن ملك الروم ولي فيهما متسملين من عنده، فانزعج لذلك، وتيقن المغلوبية، وجهز حريمه إلى مصر، وكذا غالب الأمراء بدمشق، وغالب القضاة - وفي يوم الخميس حادي عشريه أذن الغزالي للغز بالسفر إلى مصر بعد منعهم، فسافر خلق كثير منهم ومن غيرهم.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريه خرج ابن سلطاننا من دمشق إلى مصر، ومعه جميع العسكر المنهزمين، والمباشرين المصريين، وامرأة نائب الشام سيبباي المقتول، وبنتها، وهي زوجة ابن السلطان المذكور، لكنه لم يدخل بها إلى الآن، وعن جنبتي المحارة لهما ماشياً: أدربش دوادار والدها، وتنم أمير آخور الكبير لوالدها أيضاً، ومعهما نساء كثيرات على جمال بمحاير.
وفي يوم السبت ثالث عشريه لحق من تقدم: تاج الدين بن الديوان، مباشر قلعة دمشق، في محفة، لكون رجله كانت مكسورة، وخرج معه حريمه وخلق من الشاميين، وتبعهم الغزالي بجماعته ملبسين هاربين، ويقال إنه خائف من الزعر، ثم إنهم واجهوه عند باب الجابية، أحد أبواب دمشق، وكان قدامه ماشياً شيخ باب الجابية المعقلي، فقتلوه وغمي عليه.
ثم داروا في البلد وقتلوا جماعات، منهم ابن الحنبلية فقتلوه في بيته، ويقال إنه يستحق القتل، وقد رأيته هد عدة مساجد وترب وباع آلتها وجعل نفسه شريفاً كما قدمناه، وهو ليس بشريف، فإنه ينتسب إلى المسند زين الدين عبد الرحمن بن يوسف الحنبلي الشهير قديماً بابن قريج، وحديثا بابن الطحان، وهو شيخ مشائخنا، ولم نر أحداً منهم، قال ولا كتب ولا أشار إلى أنه شريف.
ثم نهبوا بيت دوادار السلطان والحاجب وغيرهما، ثم ذهبوا إلى حارة السمرة، وأرادوا حرقها ونهبها، فالتزم بهم بعض القلعيين، ويقال إنه زقزوق، بألف دينار، فذهبوا عنها، ثم وقع بين أهل المزة وداريا شر عظيم واستوحوا أهل الصالحية عليهم، ثم انفصلوا عن غير قتال؛ ودار نائب القلعة في دمشق دورة بعد العصر، يخوف الناس، وبات أهل دمشق في خوف عظيم، من هؤلاء الزعر، ومن توجه ملك الروم إليهم.
وفي أوائل ثلث الليل الأخير من ليلة الأحد رابع عشريه وقع حريق في أعلى الجانب الشمالي من بيت فارس، قبلي حمام الزين، ومن ساكنيه الأكراد. وفي هذا اليوم ذهبت الزعر إلى القاضي الحنفي ابن يونس وراموا قتله، فاختفى منهم، فأرادوا الهجم على بيته، فرجعهم حريمه عنه بدفع عدة دراهم إليهم.
ومنه إلى القاضي الشافعي ابن الفرفور، فردهم عنه بجملة من الدنانير، ويقال إنها مائة دفعها إليهم، ثم استخدم عنده قواسة، ومسكوا القاضي ابن الفيقي فشلحوه ثيابه وجرحوا فرسه. وفيه أخرج من القلعة إلى عند ضفة الخضر، قدام باب الفرج، لأجل الحصار، عربة، وبات الناس في خوف عظيم مما تقدم.
وفي ليلة الثلاثاء سادس عشريه رأى شيخنا المحيوي النعيمي في المنام قائلاً يقول: فرغت البيعة، أو فرغت بيعتهم، ولم يخطر بباله من هم، حتى استيقظ وظن أنهم الترك. وفي اليوم المذكور وصل شخص من أهل حمص، وأخبر أن العسكر الرومي وصل أوائله إلى حمص.
وفي يوم الخميس ثامن عشريه وصل متسلم ملك الروم إلى القابون الفوقاني، واسمه مصلح ميزان، ثم وجه اثنين من الخاصكية، ومعهما السمرقندي، ويونس العادلي، وابن عطية التاجر إلى دمشق ليكشفوا هل يسلمون أم يقاتلون؟ وقد كان اجتمع قبل هذا اليوم شيخنا عبد النبي، والشيخ حسين الجناني، والشيخ مبارك القابوني، وخلق، في المصلى بميدان الحصى، واتفقوا هم ومشائخ الحارات على تسليم البلد، فتلقت الخلق لهذين الخاصكبين، ومن معهما، مع تهليل ومشاعلي ينادي بالأمان، إلى أن وصلوا إلى باب الفرج، فوجهوا الأمير إسماعيل بن الأكرم إلى نائب القلعة، فامتنع من تسليمهما، فسلمتهم الناس البلد، ودخلوا إليها، وفتحوا أبوابها، وكان لها من يوم السبت مغلقة.
ثم وجهوا إلى المتسلم إلى القابون ابن قرقماس فأخبره ذلك، فدخل ومعه نحو من مائتي نفس، فأنزل ببيت أردبش، شمالي المدرسة العزيزية، ثم إنه أرسل قفل أبواب البلد، وحط عند كل باب بعضاً من جماعته، وجاء إلى الجامع الأموي، ومعه القضاة الأربعة الشاميون، والشيخ عبد النبي، وكتبوا يعرفون ملك الروم بما وقع، لينادي في عسكره بعدم الأذية وأرسلوا إلى كل حارة من حارات دمشق، كالصالحية، اثنين من جماعته ليدفعوا عن تلك الحارة من يؤذي من العسكر، ففرح بهم العوام.
وفي يوم الجمعة تاسع عشريه دخل دمشق خير بك، المعزول عن حلب، وهو محلوق اللحية، وعليه لبس العثمانية، ومعه يونس العادلي أحد المباشرين بمصر، والمتسلم الجديد مصلح ميزان، وأتوا إلى علي باي نائب قلعة دمشق وتحادثوا، ثم خلع نائب القلعة على المتسلم الجديد.
ثم دخل نائب الشام الجديد من قبل ملك الروم سليم خان، واسمه يونس باشا، ونزل بالمرجة، غربي الميدان الأخضر، فأتى إليه خير بك المذكور، ثم عاد إلى نائب القلعة وأخذه، وذهب به من القلعة إلى نائب القلعة وعلى زيهم بكفوف ذهب، وألبس لجماعته لكل واحد منهم خلعة، وعادوا إلى القلعة، بعد أن اتفق النائب الجديد، مع نائب القلعة، على أن يمسكها إلى أن يحضر السلطان.
ثم في يوم الجمعة خطب على منبر الأموي الولوي بن الفرفور باسم ملك الروم، وكذا في سائر الجوامع.
ثم تتابع دخول العسكر، فذهب بعضهم ونزل على أناس خارج دمشق كرهاً، فذهبوا إلى نائبها واشتكوا عليهم، فجاء ربطهم في حبال، ثم ذهب بهم إلى ضفة الخضر وضرب أعناقهم، فارتدع بقية العسكر بهم.
وتوجه شيخنا عبد النبي والشيخ شمس الدين الكفر سوسي إلى ملاقاة ملك الروم، ومعهما جماعة فلم يجتمعوا به.
ثم جاء قاضٍ حنفي من قبل ملك الروم، وهو علي زين العابدين بن الفنري، ونزل في بيت الولولي بن الفرفوري، فأتى إليه بمشروب، فلم يشربه، وبمأكول، فلم يأكله؛ ثم ولى من تحت يده الشمس بن البهنسي الحنفي، والشهاب الرملي الشافعي، والشمس بن الخيوطي المالكي، وتعاطى الحسبة، ثم حصر الشهود في ثمانية في جميع البلد، وألزمهم أن لا يشهدوا إلا ببابه بدرهم معين، وهو على الورقة غير ورقة العقد خمسة وعشرون درهماً، منها عشرون له، ودرهم للنائب الذي يحمل تلك الورقة، وأربعة للشهود ثم زادوا ذلك درهماً للمحضر؛ وعلى ورقة العقد إن كانت بكرا مائة وإن كانت ثيباً خمسة وسبعون، وما زاد على الخمسة
والعشرين يكون للصوباشي. وجعل إمامة الجامع الأموي للقاضي شهاب الدين الرملي المذكور.
وفي بكرة يوم السبت مستهل رمضان منها، وصل ملك الروم سليم خان بن بايزيد خان بن محمد خان بن مراد بك بن محمد بن يايزيد بن مراد بك بن أردخان بن علي بن سليمان بن عثمان، وعثمان هذا من مماليك أحمد بن طولون صاحب مصر، وقيل من مماليك المأمون إلى المصطبة لصيق القابون الفوقاني، في عساكر عظيمة لم نر مثلها، ويقال إن عدتها مائة ألف وثلاثين ألفاً، ما بين أروام وأرمن وتتر وسوارية وإفرنج وغير ذلك.
وقدامه ثلاثون عربة، وعشرون قلعة على عجل، يسحب كلاً منها بغلان؛ ولما أطلقوا البارود في المصطبة، ظنت أهل دمشق ان السماء انطبقت على الأرض، وخلفهم النايات والطبول النقارة، وخلفهم المشاة رماة البندق، وخلفهم الخنكار الملك المذكور، وخلفه السناجق والطوخان والعساكر على حسب طبقاتهم.
ولما نزل لم يجتمع به أحد، ولكن قضاة دمشق الأربعة كانوا باتوا تلك الليلة عند القاضي كريم الدين بن الأكرم، ثم سروا من عنده، فاجتمعوا في الدرب بقاضي العسكر، فجاء بهم الخنكار، فباسوا يده، الشافعي، ثم الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، ثم قرأوا الفاتحة ومشوا؛ ثم جاء السيد كمال الدين بن حمزة، ومعه جماعة من الشرفاء، ففعل بهم كذلك، ولما نزل جاء نائب القلعة الدمشقية إليه وسلمه مفاتيحها، فقبض عليه وعلى جماعته.
وفي يوم الأحد ثانيه جاء دفتردار الخنكار إلى عند المحب ناظر الجيش، وطلب مباشري الترك السمر، وطلب منهم حسابهم فيما مضى في الدخل والخرج من جهاتهم.
وفي يوم الاثنين ثالثه جاء قاضي العسكر الأكبر، ركن الدين بن زيرك، إلى الجامع الأموي، واجتمعت به ثمة، وفرق دراهم.
وفيه نودي للحج بالتأهب له، وضبطت عدة البيوت والدكاكين وسكانها داخل دمشق، بإشارة قاضي البلد الرومي.
وفيه ذهبت إلى وطاق الخنكار، قاصداً الاجتماع بالمدرسين الذين معه، ويقال إن عدتهم ستة وثلاثون مدرساً حنفياً، فلم يتيسر ذلك لعدم المعرفة بلسانهم؛ فدرت فيه، فذهلت من كثرته، وتعجبت من الأسواق التي فيه، وقلما تروم شيئاً إلا تجده فيها، وهي سائرة معه من بلاده؛ فمن صنف اللحامين خمسة عشر قالياً للحم، ومثلها من الطباخين لعدة ألوان، ومثلها حكماء، ومثلها جرايحة، ومثلها بياطرة، ومثلها أساكفة، ومثلها حدادون، ومثلها علافون، وهذه الاعداد تقريباً، وغالب ظني أنها أكثر من ذلك، إلى غير ذلك من السوقة.
ثم ذهبت إلى العربات والقلاع، فتفرجت فيها، ولم أرها قبل ذلك، فإذا هي أمر عجيب تدل على تمكنه؛ والعربات مجنزرة، بعضها في بعض، بحيث إذا صفت تكون كالسور، وكل عربة ترمى بندقة ملء كف الرجل من رصاص، ولهذا البندق صندوق تحتها، وهي مركبة عليه في طول الشخص.
ثم ذهبت إلى مخيم الخنكار فلم أمكن من القرب به، وتفرجت على طبوله فإذا كل طبل قدر حمولة رجلين، يحمل كل اثنين منها على جمل؛ ومخيمه على نفس المصطبة، والعسكر بالبعد منه قدر رمية حجر من كل جانب، وهم محتاطون به كالسور على البلد.
ثم مررت على المقدم ناصر الدين بن الحنش، فإذا به قد ألبسه باشاوات الخنكار خلعة، وأعطوه سنجقاً، وزادوه على التقدمة إقطاع الأمرية الكبرى بالشام، وإقطاع نوى، وإقطاع ذخيرة ابن السلطان، وألزموه بإحضار العرب، فالتزم ذلك.
وفيه دخل الخليفة وقضاة مصر، خلا الحنفي، فإنه ذهب مع المنهزمين إلى مصر من حلب إلى الصالحية، وهم في حال رثة؛ ثم نزل الخليفة داخل دمشق، والقضاة بالصالحية، والخنكار بعسكره في المصطبة؛ وقد امتلأت دمشق ونواحيها من عسكره.
وفيه شاع بدمشق أن المصريين سلطنوا قانصوه الظاهر، خال الناصر.
وفي يوم الخميس سادسه دخل الخنكار من المصطبة إلى حمام الحموي، الكائن بعمارة السلطان قايتباي، بمحلة مسجد القصب، ودخله وأعطى لمن حلق له خمسمائة درهم، ولمعلم الحمام مثلها، ونودي له بمعلم الحمامين؛ وكان قدامه من الخاصكية جانب كثير، وخلفهم رماة البندق، وخلفهم الشاووشية، ثم هو، وخلفه مملوكان أمردان بشعور، لابسين على رأسيهما كوفيتين من ذهب، وخلفهما جمع من عسكره؛ وكان قبل دخوله بلحية لطيفة، فلما خرج من الحمام رأيناه قد حلقها كغالب عسكره؛ ثم ركب ورجع إلى المصطبة.
وبلغني في هذا اليوم أن شيخنا عبد النبي، وهو من عصبيته، أنكر عليه في أنه ذهب هو وجمع من الطلبة والعلماء فلم يجتمع عليهم، وجاءت الإفرنج وقنصلهم فاجتمع بهم.
وفي يوم الجمعة سابعه أتى الخنكار من المصطبة إلى الجامع الأموي، ودخل من الباب
الشمالي المسمى بالناطفانيين، ثم من باب جب الهريشة، إلى تحت النسر، إلى المقصورة بعد صلاة الجمعة بها، وأبوابها مغلقة.
وكان الخطيب القاضي الشافعي الولوي بن الفرفور أجاد في خطبته، واستطرد في الخطبة الأولى إلى ذكر السبعة، الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم الإمام العادل، وطبق ذلك على ملك الروم الحاضر مسجعاً؛ وذكر في الثانية نسبه باختصار عند الدعاء له، ولقبه بالملك المظفر، وصرح بأنه سلطان الحرمين الشريفين.
وقبل الخطبة قرأ مؤذنو الجامع المذكور بحضرته عشراً من القرآن، بعد أن قرأوا سورة الكهف قبل مجيئه؛ ثم قرأ الحافظ التبريزي، أحد الجماعة الذين كانوا بها، لما استولى عليها بعد كسرة الخارجي إسماعيل الصوفي، عشراً من سورة مريم، بصوت لطيف على طريقة العجم.
ولما فرغت الصلات سكت المؤذنون حتى سنن جميع الناس، كما هو مذهب الحنفية، ثم سبحوا بعد ذلك ودعوا ثم انصرف الخنكار، وانكبت الخلق عليه للفرجة، وخرج من المكان الذي دخل منه، وأرسل للخطيب
…
ومثلها للمؤذنين، ومثلها لأئمة الجامع المذكور، وألفاً لبواب المقصورة، ومع ذلك مائة رأس من الغنم، اقتسموها، ثم ذهب إلى المصطبة.
وبلغني في هذا اليوم أن
…
سة كتب مطالعة على لسان الخنكار للمصريين، ذكر فيها أن لكم الأمان إن سلمتم لنا مصر، وأنتم على وظائفكم وأنا أكسو الكعبة، وأولي في البلاد والقلاع من أختار، وإن لم تسلموا فإنا نأتي إليكم، ولم يأت لذلك جواب شاف من مصر.
وفيه بلغني أن أهل قلعة مدينة صفد أرسلوا مفاتيح القلعة إلى الخنكار.
وفيه قرط قاضي البلد الرومي على أرباب الوظائف الدينية بالمشاعلية، في إحضار مستنداتهم، فجاء بها بعضهم، فنقلها عنده بلسانهم، وأخذ من صاحبها خمسة وعشرين درهماً، وكتب عليه نقل، ووجه صاحبها بها إلى قاضي العسكر ليمضي له ذلك، فإذا رآه وضع رسمه عليه، وتكلف صاحبه مائة درهم أخرى، هذا إن كان المستند غير مستند نظر، وإلا فيحتاج فيه هنا إلى كلفة خمسمائة درهم، كذا قال لي بعض المعدلين.
وفيه شرع الدفتردار يتطلب المربعات للإقطاعات حتى ينظرها، ليتوصل بها إلى أخذ أجودها.
وفي يوم السبت ثامنه خلع الباشوات على نقيب الجيش، العلاء بن طالوا، خلعة على زيهم، ولف عمامته على زيهم من المصطبة، وكذلك للأمير محمد بن يزبك، وللأمير محمد بن مبارك، وجماعته.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره هرب هؤلاء الذين لبسوا الخلع من دمشق دغشة، وهجمت العساكر عليه، وعلى ضواحيها، للسكنى بها، فأخرجت أناس كثيرة من بيوتها، ورميت حوائجهم ومؤنهم، وطرح جمع من النساء الحبالى، وحصل على الناس شدة لم تقع لأهل دمشق وضواحيها قط، حتى سافر من له قدرة، وبعضهم سكن الجوامع والمدارس بحريمهم، وأخرجت من بيتي ورميت كتبي، ولم يوقروا أحداً، لا صغيراً ولا كبيراً، ولا أهل القرآن، ولا أهل العلم، ولا الصوفية، ولا غيرهم.
واستمر الأمر هكذا إلى يوم الخميس ثالث عشره، فنزل السلطان إلى دمشق، وسكن في بيت تنم غيبة سيباي، الذي سافر إلى مصر، خلف المدرسة النورية الكبيرة، وجعل قيسارية القواسين مطبخاً له، ورحل أهل تلك المحلة كلهم، وكان قدامه أرباب الوظائف، ثم رماة البندق، وخلفه أمردان بشعور مسبلة وكوفيين من ذهب، وخلفهم مماليكه، ثم مائة أمرد، ثم العربات والقلاع، ثم الحمول.
وخف الحال عن الناس في النزول في البيوت، ونزل من بقي من العسكر في الخميسيات، وعين الكرشى، والمرجة، وغير هذه الأماكن، وهم مع ذلك يفتشون البيوت للنزول فيها؛ وكان سبب التخفيف أن متولي الشام مسك شخصاً منهم هجم على امرأة في
بيت، وضرب عنقه، وأشهره على رأس رمح في ضواخي دمشق؛ على أن بعضهم جعل مصلى العيدين خاناً للإبل والخيل والبغال، حتى خيام الخلاء لقضاء حاجتهم، وأن بعض جماعة الخنكار جعل المدرسة العذراوية صيرة لغنمه.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشره وجه الخنكار نائب القلعة، ونقيبها ودوادار السلطان، في أناس عدتهم ستة عشر نفساً، إلى مدينة اصطنبول، منفيين مع جماعة من الأروام في الترسيم؛ ففهم بعضهم من نائب القلعة أنه أرسل إلى أناس من التركمان ليخلصوهم، فجاء إلى الخنكار وأخبره بذلك، فأرسل ذبحه، وجماعة معه، بجنينة من ضواحي قرية حرستا خارج دمشق، ويقال إن سبب ذلك مطالعة جاءت من العسكر للمصري إليهم؛ ووجه بقيتهم إلى اصطنبول.
وفي يوم الجمعة رابع عشره تسلطن طومان باي بمصر، غصباً عليه، ولقب بالملك الصالح.
وفي يوم السبت النصف منه، تولى بمصر نيابة دمشق، جان بردي الغزالي.
وفيه فرق الخنكار على جميع أئمة الجوامع والمساجد والمدارس، ومؤذنيهم وخطبائهم وقومتهم وسكانهم، مالاً كثيراً، وأكثر ما ناب الشخص منهم مائة درهم في دمشق وضواحيها كالصالحية، واستمروا في التفرقة نحو ثلاثة أيام.
وفيه ذهب إلى الربوة وتفرج بها، وعاد على النيرب الأعلى، ونزل على الجسر الأبيض، إلى منزله بيت تنم، الذي كان بيت سودون من عبد الرحمن نائب الشام.
وفيه عزل عن نيابة دمشق يونس باشاه، وولى مكانه الأمير شهاب الدين أحمد بن يخشى، وولي نيابة القلعة للأمير حمزة الرومي؛ وذكر لي شيخنا المؤرخ النعيمي أنهما وليا يوم الخميس ثالث عشره.
وفي ليلة الاثنين سابع عشره جاء الخنكار نحو نصف الليل إلى الجامع الأموي ليتأمله، فدخل إليه من باب البريد في أناس قليلة، وصلى بالمقصورة، وقرأ في المصحف العثماني، وزار قبر رأس سيدنا يحيى بن زكريا عليهما السلام، ثم قبر هود عليه السلام، ثم صعد المنارة الشرقية.
ثم جار إلى الكلاسة، فزار بها شخصاً صوفياً يقال له الشيخ محمد البلخشي الصوفي الحنفي، وهو لا بأس به، إلا أنه يقال إنه عربي، ثم مشى مع الخنكار إلى داخل الجامع وجلس معه
ساعة، وأعرض عليه الخنكار دراهم، فأبى أخذها. ويقال إنه وصاه بالرعية؛ وفرق على فقراء الجامع في هذه الليلة مالاً كثيراً، حتى وصلت عطيته إلى نحو العشرين أشرفياً؛ واجتمع عليه الناس لما خرج من باب البريد، فرمى لهم الدراهم بالجفنة، فاشتغلوا بها، وانصرف عنهم.
وفي هذا اليوم أرسل الخنكار من دمشق، إلى بلاد ابن ساعد، يونس باشا، ومعه يونس العادلي، وأربعة آلاف مقاتل.
وفي يوم السبت ثاني عشريه ركب الخنكار من منزله، وخرج إلى قبة يلبغا متفرجاً، ثم رجع وقت الظهر، وكان بالأمس صلى الجمعة بالجامع الأموي.
وفيه بلغني أن الدفتر دار، النازل عند المحبي ناظر الجيش، كتب إلى كل عشر قرى مرسوماً على يد قاصد، بإحضار رؤسائها وأكابرها ومعهم الخدم، فحضروا، فطلب منهم مغل هذه السنة، فتضرر أهل القرى وأربابها بذلك، فكتب القاضي كريم الدين بن الأكرم قصة، ذكر فيها أن بعض هذه الضياع ملك وبعضها وقف، وبعضها إقطاع سلطانية، وبعضها إقطاع الأمراء الجراكسية، وسأل فيها، على لسان أهل دمشق، عدم التعرض لما عدا إقطاع الأمراء الجراكسة.. سنان باشا الوزير الأكبر، وكان قبل هذا قد تعرف به وأهدى له تحفاً، منها مصحف، يقال إنه بخط علي رضي الله عنه، وسيف، يقال إنه كان له أيضاً، وكل
…
العلامة القزويني، وركب إلى غيره من الوزراء الثلاثة، وسألهم في تكلمة السلطان في ذلك، وعدم التعرض لأرزاق الناس، فإنه في غنية عنها، في
…
بعض الجهات، مع كلفة عليها، بعد إحضار مستنداتها الدالة على الملكية والوقفية الأهلية، وأما الرزق والإقطاع السلطانية فاستمروا
…
وصمموا على عدم عودها إلى أهلها، والله مقلب القلوب.
وفي يوم العيد وهو يوم الاثنين مستهل شوال منها، صلى الخنكار العيد بالجامع الأموي و
…
الولوي بن الفرفور القاضي الشافعي كان، ولكنه صلاها على قاعدة مذهب أبي حنيفة، بعد أن تأخر الخنكار في مجيئه إلى أن ارتفع النهار كثيراً، واحتفل
…
في هذا
العيد احتفالاً عظيماً، حتى أحضر حلل الحلوانية وغيرهم للطعامات، وأطعم بعض الفقراء وغالب عسكره.
وفي يوم اللثلاثاء تاسعه عزم الخنكار على هدم ما حوالي القلعة الدمشقية، وسور البلد، من البيوت والدكاكين، كما فعل بحلب، وقال للمعلم أحمد بن العطار: اذهب فانظر ما فيها من الأملاك والأوقاف، فقومها حتى ندفع إلى ملاكها ثمنها وتستبدل عوض الأوقاف؛ فذهب قومها، ثم جاء فرأى ذلك يساوي مالاً كثيراً وبقال إن التقويم كان بمائة وخمسين ألف دينار فرجع عن ذلك، وقال: أنا ما جيت إلا أعمر، وما جيت أخرب.
وحينئذ رفع له قصة بالشكوى الدفتردار النازل في بيت المحبي ناظر الجيش، بسبب تعرضه إلى القرى، فعزله، وجعل أمر إقطاع الأمراء ونائب الشام إلى حسين باشاه، فطلب مباشري هؤلاء إلى بابه، وأمرهم بمباشرة ما كانوا فيه عند الأمراء والنائب.
وفيه عرض عليه ثوب الكعبة، مع طرازه المكتتب عليه اسمه واسم آبائه، وثوب المحمل، وقد عمله من قماش كفاوي، والصنجق.
وفيه عين لبيت المقدس وغزه وما حواليها، من عساكره الرومية، عشرة آلاف، للتوجه إلى تلك الأماكن ليمسكوها، خوفاً من أن يسبق إليها العسكر المصري، ويقطعوا على جماعته المعينين للتوجه إلى مكة المشرفة صحبة الثوب المذكور والحاج.
وفيه قبض على يونس العادلي وسلمه إلى البواب، وقيل إنه إذا سلم إليه شخصاً أتلفه؛ ويقال إن سبب ذلك أنه علم بعبد الكريم بن الجيعان، أحد المباشرين بمصر، أنه كان مختفياً بدمشق، ثم سافر منها إلى القاهرة، ولم يطلعه على ذلك، وهذه البهدلة حصلت ليونس عقيب مجيئه من بلاد ابن ساعد، ثم أطلق قريباً كما سيأتي.
وفي يوم الأربعاء عاشره وقع بين الأروام وبعض الشافعية، بسبب تقدم الشافعية على إمام الحنفية أمين الدين بن شيخنا البرهاني بن عون، بسبب تقدمه إمامهم البرهاني بن الإخنائي في الصلاة قبله في محراب الحنفية بالجامع الأموي؛ ثم منعت الأروام من صلاة الشافعية في المحراب المذكور، ونقلوا البرهاني المذكور إلى محراب المقصورة، وألزمت مباشري الجامع بعمل سدة تجاه محراب الحنفية، وعينت له مؤذنين، جوقا، كما يقع في مقصورة الشافعية بعد أن هددوهم بإخراجهم منه، ووضع الحنفية فيها، وما منع ذلك إلا خوف الفتنة؛ ثم عوضوا عن السدة بدكة جيء بها من عند القاضي خير الدين المالكي، كان يجلس عليها شهوده؛ وفي
يوم وضعت كتب عليها بيتان هجوا، ويقال إنهما من نظم القاضي تقي الدين القاري، فعارضتهما بأبيات ذكرتها في الديوان الصغير.
وفي يوم الخميس حادي عشره توجه أول العشرة آلاف المعينة للتوجه إلى بيت المقدس وغزة وما حولهما، ومعهم نواب تلك الأمكنة، وقضاتهم من قبل ملك الروم، واستمروا ينجروا ثلاثة أيام.
وفي يوم الأحد رابع عشره نودي في البلد بان تحضر أهل الحارات إلى الجامع الأموي، مشائخهم وأعيانهم، فحضروا ثاني يوم، وهو يوم الاثنين، ففرض على كل حارة عدة فعلة، وكذا على النصارى واليهود، ليوجهوا إلى تعزيل وعرة سعسع، والدرب، إلى جسر يعقوب، فما وسع الناس إلا امتثال ما أمر به، وسعوا في تمام ذلك، وجعلوا لكل فاعل في كل يوم عشرة، فبلغ ذلك شيخنا عبد النبي، فمشى إلى قاضي البلد وأبطلها، وثم تبيت من نائبها أحمد بن يخشى عدم إبطالها، وأخذت وتوجهت يوم الأحد ثاني عشريه.
وفي هذه الأيام عمرت الغورية عمارة حسنة، ودخل إليها الخنكار وجلس بها، وجعل بها صناديق المال.
وفي يوم السبت سابع عشريه وضعت الدكة، بفتح الدال، لمؤذني إمام الحنفية، تجاه محرابهم، المتقدم ذكرها.
وفيه أطلق يونس العادلي بضمان عشرة، واعتقل المحبي ناظر الجيش، على سبعين ألف دينار، بقلعة دمشق في قيد وزنجير، وهي القدر الذي كان ترتب لسلطان مصر الغوري عنده.
ومات بالصالحية نائب برصة، وطلعت الأروام إلى مآذنها وصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، على طريقتهم وأعلموا بموته؛ فاجتمع له خلق كثير، وصلي عليه بجامع الجبل المظفري، ودفن شمالي المحيوي بن العربي، بتربة ابن الزكي، بسفح قاسيون؛ وفرق عنه دراهم كثيرة، وقرأوا عنده الربعة ثلاث ليال.
وفي يوم الأحد ثامن عشريه سلم شيخنا المحيوي النعيمي على ملك الأمراء الرومي شهاب الدين أحمد بن يخشى، في خيمته شمالي مصلى العيدين، فرآه محتشماً، وروى له عدة أحاديث، وذكر له أشياء من التاريخ، فاستحسن ذلك، وسأله في التردد إليه فوعده بذلك.
وفي يوم الاثنين تاسع عشريه أتت الفعلة المعزلين للدرب.