الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[
(حرف الباء) ]
(حرف الباء) 79- «البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك
…
(حرف الباء) أي: هذا باب الأحاديث التي أولها حرف الباء الموحدة.
79-
( «البرّ) - بكسر الموحدة-؛ أي: الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبرّ في تغذية البدن، أي: معظم البرّ (حسن الخلق) - بضم اللام-:
فالحصر مجازيّ، وضدّه الفجور، والإثم، ولذا قابله به، والبرّ بهذا المعنى عبارة عما اقتضاه الشارع؛ وجوبا أو ندبا، والإثم ما ينهى عنه، وتارة يقابل البرّ بالعقوق فيكون هو الإحسان، والعقوق الإساءة.
وأمّا حسن الخلق! فهو التخلّق مع الحقّ والخلق، والمراد هنا المعروف، وهو طلاقة الوجه، وكفّ الأذى، وبذل الندى، وأن يحبّ للناس ما يحب لنفسه، وهذا راجع لتفسير البعض له بأنه الإنصاف في المعاملة والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والإحسان في العسر واليسر
…
إلى غير ذلك من الخصال الحميدة.
قال النووي: قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة، وبمعنى الصدق، وبمعنى اللّطف، والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. انتهى.
ففعل أنواع الخير ناشئ عن حسن الخلق، وفعل الشرور يدلّ على سوء الخلق وعدم استقامة الطبيعة. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
(والإثم ما حاك) - بحاء مهملة وكاف- (في صدرك) ؛ أي: تحرّك فيه وتردّد، ولم ينشرح له الصدر، وحصل في القلب منه الشكّ وخوف كونه ذنبا.
وكرهت أن يطّلع عليه النّاس» .
80-
«برّوا آباءكم.. تبرّكم أبناؤكم، وعفّوا.. تعفّ
…
(وكرهت أن يطّلع عليه النّاس» ) ؛ أي: أماثلهم الذين يستحيا منهم كالعلماء والصلحاء، بخلاف من لا يبالى باطلاعهم، والمراد بالكراهة هنا الدينية الخارمة، فخرج العادية؛ كمن يكره أن يرى آكلا لنحو حياء أو بخل، وغير الخارمة؛ كمن يكره أن يركب بين مشاة لنحو تواضع.
وإنما كان التأثير في النفس علامة للإثم!! لأنه لا يصدر إلّا لشعورها بسوء عاقبته.
وظاهر الخبر أن مجرّد خطور المعصية إثم لوجود الدلالة ولا مخصص، وذا من جوامع الكلم. لأن البرّ كلمة جامعة لكلّ خير، والإثم جامع للشرّ. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد» ، ومسلم في «الأدب» ، والترمذي في «الزهد» ؛ عن النّوّاس بن سمعان رضي الله تعالى عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم والبر
…
فذكره. واستدركه الحاكم فوهم، وعجيب ذهول الذهبي عنه في اختصاره.
80-
( «برّوا آباءكم) ؛ أي: وأمهاتكم، وكأنّه اكتفى به عنه من قبيل سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [81/ النحل] ، أو أراد بالآباء ما يشمل الأمهات تغليبا؛ كالأبوين
فإنكم إن فعلتم ذلك (تبرّكم) - بفتح الموحدة- (أبناؤكم) ؛ أي: وبناتكم، و «كما تدين تدان» . عن ثابت البناني قال: رأيت رجلا يضرب أباه في موضع؛ فقيل له ما هذا؟ فقال الأب: خلّوا عنه، فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع؛ فابتليت بابن يضربني في هذا الموضع.
(وعفّوا) - بكسر العين المهملة-: من عفّ يعفّ من «باب ضرب» ، يقال:
عفّ عن كذا فهو لازم؛ أي: لا تزنوا بنساء الغير (تعفّ) - بكسر العين- قال
نساؤكم» .
البرماوي في (شرحه على «لامية ابن مالك» ) : والحاصل: أنّ مضارع المضاعف اللازم: الكسر، والمتعدي: الضم، وما سمع من المضموم في الأول نادر، وما سمع من المكسور في الثاني نادر؛ فيحفظ في كلّ منهما ولا يقاس عليه.
(نساؤكم» ) أي: حلائلكم عن الرجال الأجانب؛ أي لا يزنين.
قال الراغب: دخلت امرأة يزيد بن معاوية وهو يغتسل؛ فقالت: ما هذا!؟
قال: جلدت عميرة «1» ، ثم دخل وهي تغتسل، فقال: ما هذا؟ قالت: جلدني زوج عميرة. انتهى «مناوي» .
والحديث رواه الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. وقال المنذري: إسناده حسن، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد «غير منسوب» !! والظاهر أنّه من المتكثرين من شيوخه؛ فلذلك لم ينسبه. انتهى.
وبالغ ابن الجوزي فجعله موضوعا.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» ، والخطيب في «التاريخ» ، والحاكم في «المستدرك» : كلّهم من طريق علي بن قتيبة عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله تعالى عنه بلفظ:«برّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم، وعفّوا عن النّساء تعفّ نساؤكم، ومن تنصّل إليه فلم يقبل؛ فلن يرد عليّ الحوض» . قال الحاكم:
صحيح. وقال ابن الجوزي: موضوع، لأن عليّ بن قتيبة يروي عن الثقات البواطيل. انتهى.
وتعقبه السيوطي بأن له شاهدا. انتهى، وأورده في «الميزان» في ترجمة عليّ بن قتيبة الرفاعي وقال: قال ابن عدي: له أحاديث باطلة عن مالك، ثم أورده في هذا الخبر. انتهى مناوي رحمه الله تعالى.
(1) هو اسم لفرج الرجل. والمراد الاستمناء بالكف. وكذا يحمل خبرها بعده. (عبد الجليل) .
81-
82-
81-
( «بعثت بمداراة) - بلا همز- (النّاس» ) : كلين الكلام، وخفض الجناح، وترك الإغلاظ عليهم، والقيام لمن يحصل له حقد إذا لم يقم له، وذلك من أسباب الألفة واجتماع الكلمة وانتظام الأمر، ولهذا قيل: من لانت كلمته وجبت محبته، وحسنت أحدوثته، وظمئت القلوب إلى لقائه، وتنافست في مودته.
والمداراة: تجمع الأهواء المتفرقة، وتؤلّف الآراء المتشتتة، وهي غير المداهنة المنهيّ عنها.
والفرق بينهما: أن المداراة بذل الدنيا لسلامة الدين، والمداهنة: بذل الدين لأجل الدنيا، وهي محرمة؛ والمداراة مطلوبة؛ لأنّها من أخلاق المؤمنين. ولذا لما طرق بعض الناس «1» بابه صلى الله عليه وسلم فسأل عنه؛ فقيل له: فلان، فقال: بئس أخو العشيرة، فلما فتح له ودخل عظّمه وفرش له رداءه، وأظهر له البشر؛ فلما ذهب الرجل قيل له: كيف ذلك؟ قال: «إنّا لنبشّ في وجوه قوم- أي: لأجل التأليف- وقلوبنا تلعنهم» أي: لعلمنا بنفاقهم-: أي: تلعنهم ما داموا لم يرجعوا للحقّ.
انتهى (شروح «الجامع الصغير» ) .
والحديث أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف؛ كما قاله العزيزي.
82-
( «البلاء موكّل بالمنطق» ) قال الديلمي: البلاء: الامتحان والاختبار، ويكون حسنا ويكون سيئا، والله يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بما يكره ليمتحن صبره.
ومعنى الحديث: أنّ العبد في سلامة ما سكت، فإذا تكلم عرف ما عنده بمحنة
(1) هو السيد المطاع: الأقرع بن حابس كما سيأتي في الجزء الرابع.
.........
النطق؛ فيتعرض للخطر؛ أو للظفر، ولذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ «أنت في سلامة ما سكتّ، فإذا تكلّمت فلك؛ أو عليك» . ويحتمل أن يريد التحذير من سرعة النطق بلا تثبت؛ خوف بلاء لا يطيق دفعه، وقد قيل: اللسان ذئب الإنسان، وما من شيء أحقّ بسجن من اللسان. وعلى ذلك أنشدوا:
لا تنطقنّ بما كرهت فربّما
…
نطق اللّسان بحادث فيكون
وقال آخر:
لا تمزحنّ بما كرهت فربّما
…
ضرب المزاح عليك بالتّحقيق
وفي «تاريخ الخطيب» : اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فقدموا الكسائي يصلي جهريّة فأرتج عليه في قراءة «الكافرون» ، فقال اليزيدي: قارئ الكوفة يرتجّ عليه في هذه!!، فحضرت جهرية أخرى؛ فقام اليزيدي: فأرتج عليه في الفاتحة، فقال الكسائي:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى
…
إنّ البلاء موكّل بالمنطق
والحديث رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في «الأدب المفرد» ؛ من رواية إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود مرفوعا بهذا اللفظ، وزيادة:«لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا» .
ورواه الخطيب والديلمي وأبو نعيم والعسكري مرفوعا: «البلاء موكّل بالمنطق، فلو أنّ رجلا عيّر كلبة برضاع كلبة لرضعها» وسنده ضعيف.
وهو عند أحمد في «الزهد» ؛ موقوفا على ابن مسعود. قاله السخاوي.
ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة: «ما قال عبد لشيء: والله لا أفعله إلّا ترك الشيطان كلّ شيء وولع به حتى يؤثّمه» . وقد رواه القضاعي وابن السمعاني عن عليّ، والديلمي عن ابن مسعود، والعسكري عن أبي الدرداء رفعوه، وابن لال في «المكارم» عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق موقوفا، وابن
81-
«البيّنة على المدّعي، واليمين
…
أبي الدنيا من مرسل الحسن: خمستهم بلفظ: «البلاء موكّل بالقول» .
وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» من حديث أبي الدرداء وابن مسعود.
قال السخاوي في «المقاصد» :
ومع مجموع ما ذكرناه- يعني هذه الطرق التي لخصت من كلامه- لا يحسن الحكم عليه بالوضع؛ لأن تعدّد الطّرق وتباين مخارجها دليل على أنّ للحديث أصلا، ويشهد لمعناه قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي دخل عليه يعوده، وقال له:
«لا بأس طهور» ، فقال الأعرابي: كلّا بل هي حمى تفور على شيخ كبير، تزيره القبور، قال:«فنعم إذا» . انتهى من الزرقاني على «المواهب» وغيره.
83-
( «البيّنة) قال البيضاوي: البينة في الأصل: الدلالة الواضحة التي تفصل الحقّ من الباطل. وقال غيره: هي ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل، بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، والمراد هنا ما يثبت به الحقّ من شاهد أو شاهدين، أو شاهد ويمين، أو أربعة رجال، أو أربع نسوة.
وسمّي الشهود «بيّنة» !! لأن بهم يتبيّن الحقّ.
وقوله: (على المدّعي) هو: من يخالف قوله الظاهر، والمدّعى عليه: من يوافق قوله الظاهر. وقيل: المدعي من لو سكت خلّي ولم يطالب بشيء، والمدعى عليه من لا يخلّى؛ ولا يكفيه السكوت. وفي رواية:«على من ادعى» .
(واليمين) قال الإمام النووي: هذه اليمين تسمى يمين الصّبر، وتسمى يمين الغموس، وسميت يمين الصبر!! لأنها تحبس صاحب الحقّ عن حقّه، والحبس:
الصبر، ومنه قيل للقتيل والمحبوس عن الدفن «مصبّر» ، قال صلى الله عليه وسلم:«من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر؛ لقي الله وهو عليه غضبان» . وهذه اليمين لا تكون إلّا على الماضي.
على من أنكر» .
ووقعت في القرآن العظيم في مواضع كثيرة منها قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا [74/ التوبة] ، ومنها قوله تعالى إخبارا عن الكفرة ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)[الأنعام] ومنها قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [77/ آل عمران] .. الآية.
ويستحبّ للحاكم أن يقرأ هذه الآية عند تحليفه للخصم لينزجر. انتهى.
(على من) ؛ أي: الذي (أنكر» ) المدّعى به عليه، لأنّ جانب المدعي ضعيف، فكلّف حجة قويّة وهي البيّنة، وجانب المدعى عليه قويّ؛ فقنع منه بحجة ضعيفة، وهي اليمين.
قال الإمام النووي: وإنما كانت اليمين في جانب المدعى عليه! لأنه يدعي ما وافق الأصل؛ وهو براءة الذّمة. ويستثنى مسائل فيقبل فيها قول المدعي بلا بيّنة فيما لا يعلم إلّا من جهته،
كدعوى الأب حاجة إلى الإعفاف. ودعوى السّفيه التوقان إلى النكاح مع القرينة. ودعوى الخنثى الأنوثة أو الذكورة. ودعوى الطفل البلوغ بالاحتلام.
ودعوى القريب عدم المال ليأخذ النفقة. ودعوى المدين الإعسار في دين لزمه بلا مقابل كصداق الزوجة والضمان وقيمة المتلف. ودعوى المرأة انقضاء العدة بالأقراء؛ أو بوضع الحمل. ودعواها أنها استخلت وطلقت، ودعوى المودع تلف الوديعة؛ أو ضياعها بسرقة ونحوها.
ويستثنى أيضا القسامة، فإن الأيمان تكون في جانب المدعي مع اللّوث.
واللّعان، فإن الزّوج يقذف ويلاعن ويسقط عنه الحدود، ودعوى الوطء في مدة العنّة، فإنّ المرأة إذا أنكرته يصدّق الزوج بدعواه، إلّا أن تكون الزوجة بكرا، وكذا لو ادّعى أنّه وطئ في مدّة الإيلاء. وتارك الصلاة إذا قال: صليت في البيت، ومانع الزكاة إذ قال: أخرجتها؛ إلّا أن ينكر الفقراء وهم محصورون؛ فعليه البيّنة، وكذا
.........
لو ادّعى الفقر وطلب الزكاة أعطي؛ ولا يحلّف. بخلاف ما إذا ادّعى العيال، فإنّه يحتاج إلى البيّنة. انتهى ملخصا.
قال ابن العربي: وهذا الحديث من قواعد الشريعة الّتي ليس فيها خلاف، وإنّما اختلف في تفاصيل الوقائع. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه عبد الرزاق والبيهقي في «سننه» وابن عساكر في «التاريخ» والدارقطني عن ابن عمرو بن العاصي بزيادة: «إلّا في القسامة» .
قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث غريب معلول.
وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمرو أيضا بلفظ: «البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه» ، وله شاهد عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما.