الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والسوط: آلة تتخذ من الجلود القوية، يضرب بها الجاني، وإضافتها إلى العذاب، من إضافة الصفة إلى الموصوف. أى: فصب عليهم ربك عذابا. «سوطا» أى: كالسوط في سرعته، وشدته وتتابعه، فهو تشبيه بليغ.
وعبر- سبحانه- على إنزال العذاب بهم بالصب- وهو الإفراغ لما في الظرف بقوة- للإيذان بكثرته وتتابعه.
وسميت أنواع العذاب النازلة بهم سوطا تسمية للشيء باسم آلته..
قال صاحب الكشاف: وذكر السوط. إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها.. «1» .
وقوله- سبحانه-: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب.
والمرصاد في الأصل: اسم للمكان الذي يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شيء ما.
والمراد: إن ربك- أيها الرسول الكريم- يرصد عمل كل إنسان، ويحصيه عليه، ويجازيه به، دون أن يخفى عليه- سبحانه- شيء في الأرض أو السماء.
وفي هذه الآيات الكريمة تخويف شديد للكافرين، وتهديد لهم على إصرارهم في جحودهم، وأنهم إذا ما ساروا في طريق الجحود والعناد، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة.
ثم ذكر- سبحانه- حال الإنسان عند اليسر والعسر، والغنى والفقر، والسراء والضراء فقال:
[سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى 30]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلَاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19)
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24)
فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29)
وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)
(1) تفسير الكشاف ج 4 ص 748. [.....]
والفاء في قوله: فَأَمَّا الْإِنْسانُ
…
للتفريع على ما تقدم، ولترتيب ما بعدها على ما قبلها.
والمراد بالإنسان هنا: جنسه. وقيل المراد به الكافر. ولفظ «الإنسان» مبتدأ، وخبره:
فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ.
والمعنى: هذه سنة ربك- أيها العاقل- في عباده، أنه- تعالى- لهم بالمرصاد، فهو يراقب أعمالهم، ويحاسبهم عليها، ويجازيهم بها، والسعيد من الناس هو الذي يفقه هذه الحقيقة، فيؤدى ما كلفه خالقه به
…
فأما الإنسان، الشقي الغافل عن طاعة ربه..
إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ أى: إذا ما اختبره وامتحنه ربه بألوان من النعم، بأن منحه المال الكثير، والجاه العريض، وأسباب القوة والمنعة فَيَقُولُ على سبيل التباهي والتفاخر.. رَبِّي أَكْرَمَنِ أى: ربي أعطانى ذلك، لأنى مستحق لهذه النعم، كما قال- تعالى-: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ، لَيَقُولَنَّ هذا لِي، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى «1» .
وقوله- سبحانه-: وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
…
بيان لموقف هذا الإنسان عند فقره. أى: وأما إذا ما امتحنا هذا الإنسان بسلب بعض النعم عنه، وبضيق الرزق..
فَيَقُولُ على سبيل التضجر والتأفف وعدم الرضا بقضائه- سبحانه-: رَبِّي أَهانَنِ أى: ربي أذلنى بالفقر، وأنزل بي الهوان والشرور.
(1) سورة فصلت الآية 50.
وقول هذا الإنسان في الحالين، قول مذموم، يدل على سوء فكره، وقصور نظره، وانطماس بصيرته، لأنه في حالة العطاء والسعة في الرزق. يتفاخر ويتباهى، ويتوهم أن هذه النعم هو حقيق وجدير بها، وليست من فضل الله- تعالى- وكأنه يقول ما قاله قارون:
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي وفي حالة المنع والضيق في الرزق يجزع، ويأبى أن يرضى بقضاء الله وقدره.. ولا يخطر بباله أن نعم الله، إنما هي فضل تفضل به- سبحانه- عليه ليختبره، أيشكر أم يكفر. وأن تضييقه عليه في الرزق، ليس من الإهانة في شيء، بل هو للابتلاء- أيضا- والامتحان، كما قال- تعالى-: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ.
قال الإمام الشوكانى عند تفسيره لهاتين الآيتين: وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في متاعها، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، ويوفقه لعمل الآخرة.
ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به من الشر في الدنيا، ليس إلا للاختبار والامتحان، وأن الدنيا بأسرها، لا تعدل عند الله- تعالى- جناح بعوضة.. «1» .
واقتصر- سبحانه- في الآية الكريمة على تقتير الرزق، في مقابلة النعمة، دون غير ذلك من الأمراض والآفات، للإشعار بأن هذا الإنسان يعتبر دنياه جنته ومنتهى آماله. فهو لا يفكر إلا في المال ولا يحزن إلا من أجله، وأن المقياس عنده لمقادير الناس هو على حسب ما عندهم من أموال كما قال شاعرهم:
فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم
…
ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي
…
بنون كرام، سادة لمسوّد
ولما كان هذا القول مذموما من هذا الإنسان في الحالين. لعدم شكره لله- تعالى- في حالة الرخاء، ولعدم صبره على قضائه في حالة البأساء.
لما كان الأمر كذلك جاء حرف الردع بعد ذلك فقال- تعالى-: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ.
فقول- تعالى-: كَلَّا زجر وردع عن قول هذا الإنسان رَبِّي أَكْرَمَنِ عند
(1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 438.
حصول النعمة، وعن قوله رَبِّي أَهانَنِ عند حصول التقتير في الرزق، لأن الله- تعالى- قد يوسع على الكافر وهو مهان ومبغوض منه- تعالى-، وقد يضيق- سبحانه- على المؤمن مع محبته له، وكلا الأمرين حاصل بمقتضى حكمته- عز وجل والمؤمن الصادق هو الذي يشكر عند الرخاء، ويصبر عند البأساء.
و «بل» هنا للإضراب الانتقالى، من ذمهم على القبيح من القول، إلى ذمهم بما هو أشنع منه، وهو ارتكابهم للقبيح من الأفعال.
أى: كلا ليس قولكم هذا وهو أن الإكرام في الإعطاء، والإهانة في المنع- هو القبيح فحسب، بل هناك ما هو أقبح منه، وهو أنكم- أيها الكافرون-.
لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ أى: لا تعطفون على اليتيم وهو الذي مات أبوه وهو صغير، بأن تتركوه معرضا للفقر والاحتياج، دون أن تعملوا على تقديم يد المساعدة إليه.
وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أى: ولا يحث بعضكم بعضا على إطعام المساكين والبائسين.
ونفى الحض على إطعامهم، نفى لإطعامهم من باب أولى، وفي ذلك زيادة لمذلتهم، لأنهم لا يطعمون، ولا يحضون غيرهم عليه، لأنهم قوم خلت قلوبهم من الرحمة والعطف.
قال الآلوسى: قوله- سبحانه-: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ
…
إلخ. انتقال وترق من ذم هذا الإنسان على القبيح من القول، إلى الأقبح من الفعل، والالتفات إلى الخطاب، لتشديد التقريع، وتأكيد التشنيع.. والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد الجنس. أى: بل لكم أفعال وأحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث أكرمكم- سبحانه- بكثرة المال، ولكنكم لم تؤدوا ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم.
والمراد بطعام المسكين: إطعامه، فالطعام مصدر بمعنى الإطعام.. أو المراد به: الشيء المطعوم، ويكون الكلام على حذف مضاف. أى: على بذل طعام المسكين.. «1» .
وقوله- سبحانه-: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا بيان لرذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة. والتراث: هو المال الموروث عن الغير. والمراد بالأكل مطلق الانتفاع، وخص الأكل بالذكر، لأنه يشمل معظم وجوه التصرفات المالية.
(1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 127.
والّمّ: الجمع بدون تفرقة بين الحلال والحرام، مأخوذ من قولهم: لمّ الطعام، إذا أكله كله دون أن يترك منه شيئا.
أى: ومن صفاتكم القبيحة أنكم تأكلون المال الموروث عن غيركم، أكلا شديدا، بحيث لا تتركون منه شيئا، ولا تفرقون بين ما هو حلال أو حرام، ولا بين ما يحمد وما لا يحمد، بل تأخذون حقوقكم وحقوق غيركم من النساء والصبيان.
ومن صفاتكم- أيضا- أنكم تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا أى: حبا كثيرا مع حرص وشره. يقال: جمّ الماء في الحوض، إذا كثر واجتمع، ومنه الجموم للبئر الكثيرة الماء.
والحب المفرط للمال من الصفات الذميمة، لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق، بدون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف هذا النوع من الناس، بأنه قد جمع في سوء سلوكه، بين النطق بالقبيح من الأقوال، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال، وهي: ترك اليتيم بلا رعاية، وعدم الحض على إطعام المحتاج، وجمع المال الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه، والإفراط في حب المال بطريقة ذميمة.
وبعد هذا الزجر والردع لهم، لسوء أقوالهم وأفعالهم، أخذت السورة الكريمة في زجرهم وردعهم عن طريق تذكيرهم بأهوال الآخرة فقال: - تعالى-: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا. وقوله- تعالى-: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ردع لهم وزجر عن أفعالهم السابقة، وهي عدم إكرام اليتيم، وعدم الحض على طعام المسكين.
وقوله: دُكَّتِ الْأَرْضُ من الدك: بمعنى الكسر والدق والزلزلة الشديدة، والتحطيم الجسيم، وانتصب لفظ «دكا» الأول على أنه مصدر مؤكد للفعل، وانتصاب الثاني على أنه تأكيد للأول. وقيل: تكرار «دكا» للدلالة على الاستيعاب، كقولك: قرأت النحو بابا بابا، أى: قرأته كله.
قال القرطبي: قوله- تعالى-: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ
…
أى: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو رد لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض، ولا ينفعه الندم، والدك: الكسر والدق، أى: زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك.
وقوله: دَكًّا دَكًّا أى: مرة بعد مرة، زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل شيء
على ظهرها.. «1» .
وقوله- تعالى-: وَجاءَ رَبُّكَ
…
هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات التي يرى السلف وجوب الإيمان بها كما جاءت، بمعنى أننا نؤمن بمجيء الله- تعالى- ولكن من غير تكييف ولا تمثيل، بل نكل علم كيفية مجيئه إلى مشيئته- تعالى-.
والخلف يؤولون ذلك بأى المجيء هنا بمعنى مجيء أمره وقضائه.
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَجاءَ رَبُّكَ
…
قال منذر بن سعيد، معناه: ظهر- سبحانه- للخلق هنالك، وليس ذلك بمجيء نقلة.. وقيل: الكلام على حذف مضاف للتهويل، أى: وجاء أمر ربك وقضاؤه. واختار جمع أنه تمثيل لظهور آيات اقتداره- تعالى- وتبيين آثار قدرته وسلطانه، مثلت حاله- سبحانه- في ذلك، بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم، وأنت تعلم ما للسلف في المتشابه من الكلام.
وَالْمَلَكُ أى: جنس الملك، فيشمل جميع الملائكة صَفًّا صَفًّا أى: مصطفين، أو ذوى صفوف.. «2» .
وقوله- تعالى-: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ أى: وأحضرت جهنم وظهرت وبرزت للكافرين والفاسقين يوم القيامة، يوم تدك الأرض دكا.
وقوله: يَوْمَئِذٍ منصوب بقوله جِيءَ. وقوله بِجَهَنَّمَ قائم مقام الفاعل.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.. «3» .
يَوْمَئِذٍ أى: في هذا اليوم العسير، وهو يوم القيامة- وهو بدل من قوله- تعالى-: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ- يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أى: يتذكر ما فرط منه من ذنوب، وما ارتكبه من سيئات، وما وقع فيه من كفر وفسوق عن أمر ربه.
وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى أى: ومن أين له الانتفاع بهذا التذكر، لأنه تذكر قد جاء في غير وقت الانتفاع به، وهو وقت الحساب على الأعمال، لا وقت التوبة من السيئ منها.
يَقُولُ هذا الإنسان الشقي يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي أى: يقول حين يرى العذاب
(1) تفسير القرطبي ج 20 ص 54.
(2)
تفسير الآلوسى ج 30 ص 128.
(3)
تفسير ابن كثير ج 7 ص 421.
ماثلا أمامه، يقول- على سبيل التحسر والتفجع-: يا ليتني قدمت أعمالا صالحة لأجل حياتي هذه في الآخرة، فاللام للتعليل، وقدمت أعمالا صالحة في وقت حياتي في الدنيا لأنتفع بها في هذا اليوم، فتكون اللام للتوقيت.
فَيَوْمَئِذٍ أى: ففي هذا اليوم لا ينفعه الندم ولا التحسر، ولا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ والوثاق: الرباط الذي يقيد به الأسير.
أى: ففي هذا اليوم لا يعذّب كعذاب الله أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد، فالضمير في قوله: عَذابَهُ ووَثاقَهُ يعود إلى الله- تعالى- ولفظ «أحد» فاعل.
وقرأ الكسائي: لا يُعَذِّبُ ولا يُوثِقُ- بفتح الذال المشددة، وفتح الثاء- على البناء للمفعول، والضمير في قوله عَذابَهُ ووَثاقَهُ يعود للكافر.
أى: فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإنسان الكافر المتحسر، ولا يوثق أحد مثل وثاقه، ولفظ «أحد» هنا نائب فاعل.
وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى-: قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ- أى: المائدة- فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه البشارة العظيمة للمؤمنين فقال: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.
والنفس المطمئنة: هي النفس الآمنة من الخوف أو الحزن في يوم القيامة. بسبب إيمانها الصادق، وعملها الصالح، والكلام على إرادة القول. أى: يقول الله- تعالى- على لسان ملائكته، إكراما للمؤمنين، عند وفاتهم، أو عند تمام حسابهم: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة، الناعمة بروح اليقين، الواثقة بفضل الله- تعالى- ورحمته. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً أى: ارجعي إلى ربك الذي خلقك، وأنت راضية تمام الرضا بما أعطاك- سبحانه- من ثواب، ومرضى عنك منه- تعالى- بسبب إيمانك الصادق، وعملك الصالح.
فَادْخُلِي فِي عِبادِي أى: فادخلي في زمرة عبادي الصالحين المرضيين. وَادْخُلِي جَنَّتِي التي وعدتهم بها، والتي أعددتها لنعيمهم الدائم المقيم.
وقد ذكروا أن هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن عثمان بن عفان لمّا تصدق ببئر رومة.
وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد.
قال القرطبي: والصحيح أنها عامة في نفس كل مؤمن مخلص طائع..
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من أصحاب النفوس المطمئنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..