الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير افتتح- سبحانه- السورة الكريمة بقوله- تعالى-:
[سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 4]
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)
ولفظ تَبارَكَ فعل ماض لا ينصرف. وهو مأخوذ من البركة، بمعنى الكثرة من كل خير. وأصلها النماء والزيادة أى: كثر خيره وإحسانه، وتزايدت بركاته.
أو مأخوذ من البركة بمعنى الثبوت. يقال: برك البعير، إذا أناخ في موضعه فلزمه وثبت فيه. وكل شيء ثبت ودام فقد برك. أى: ثبت ودام خيره على خلقه.
والملك- بضم الميم وسكون اللام-: السلطان والقدرة ونفاذ الأمر.
أى: جل شأن الله- تعالى- وكثر خيره وإحسانه، وثبت فضله على جميع خلقه، فهو- سبحانه- الذي بيده وقدرته التمكن والتصرف في كل شيء على حسب ما يريد ويرضى، وهو- عز وجل الذي لا يعجزه أمر في الأرض أو في السماء.
واختار- سبحانه- الفعل «تبارك» للدلالة على المبالغة في وفرة العظمة والعطاء، فإن هذه الصيغة ترد للكناية عن قوة الفعل وشدته.. كما في قولهم: تواصل الخير، إذا تتابع بكثرة مع دوامه..
والتعريف في لفظ «الملك» للجنس. وتقديم المسند وهو «بيده» على المسند إليه،
لإفادة الاختصاص. أى: بيده وحده لا بيد أحد سواه جميع أنواع السلطان والقدرة، والأمر والنهى..
قال الإمام الرازي: وهذه الكلمة تستعمل لتأكيد كونه- تعالى- ملكا ومالكا، تقول:
بيد فلان الأمر والنهى، والحل والعقد. وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام قدرته، لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة.. «1» .
وجملة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ معطوفة على قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ الذي هو صلة الموصول، وذلك لإفادة التعميم بعد التخصيص، لأن الجملة الأولى وهي الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ أفادت عموم تصرفه في سائر الموجودات، وهذه أفادت عموم تصرفه- سبحانه- في سائر الموجودات والمعدومات، إذ بيده- سبحانه- إعدام الموجود، وإيجاد المعدوم.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك، ما يدل على شمول قدرته، وسمو حكمته، فقال:
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
…
والموت: صفة وجودية تضاد الحياة. والمراد بخلقه: إيجاده. أو هو عدم الحياة عما هي من شأنه. والمراد بخلقه على هذا المعنى: تقديره أزلا.
واللام في قوله: لِيَبْلُوَكُمْ
…
متعلقة بقوله: خَلَقَ. وقوله: لِيَبْلُوَكُمْ بمعنى يختبركم ويمتحنكم
…
وقوله أَيُّكُمْ مبتدأ، وأَحْسَنُ خبره، وعَمَلًا تمييز، والجملة في محل نصب مفعول ثان لقوله لِيَبْلُوَكُمْ.
والمعنى: ومن مظاهر قدرته- سبحانه- التي لا يعجزها شيء، أنه خلق الموت لمن يشاء إماتته، وخلق الحياة لمن يشاء إحياءه، ليعاملكم معاملة من يختبركم ويمتحنكم، أيكم أحسن عملا في الحياة، لكي يجازيكم بما تستحقونه من ثواب..
أو المعنى: خلق الموت والحياة، ليختبركم أيكم أكثر استعدادا للموت، وأسرع إلى طاعة ربه- عز وجل.
قال القرطبي ما ملخصه: قوله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ.. قيل: الذي خلقكم للموت والحياة، يعنى: للموت في الدنيا والحياة في الآخرة.
وقدم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب.. وقيل: لأنه أقدم، لأن الأشياء في
(1) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 169.
الابتداء كانت في حكم الموت.. وقيل: لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل، من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع على الغرض الذي سيقت له الآية أهم.
قال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله- تعالى- أذل ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء..»
وعن أبى الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه: الفقر والمرض والموت، وإنه مع ذلك لوثّاب..»
وقال العلماء: الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك.. «1» .
وأوثر بالذكر من المخلوقات الموت والحياة، لأنهما أعظم العوارض لجنس الحيوان، الذي هو أعجب موجود على ظهر الأرض، والذي الإنسان نوع منه، وهو المقصود بالمخاطبة، إذ هو الذي رضى بحمل الأمانة التي عجزت عن حملها السموات والأرض..
والتعريف في الموت والحياة للجنس. و «أحسن» أفعل تفضيل، لأن الأعمال التي يقوم بها الناس في هذه الحياة متفاوتة في الحسن من الأدنى إلى الأعلى.
وجملة «وهو العزيز الغفور» تذييل قصد به أن جميع الأعمال تحت قدرته وتصرفه.
أى: وهو- سبحانه- الغالب الذي لا يعجزه شيء الواسع المغفرة لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من عباده، كما قال- تعالى-: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى.
ثم بين- سبحانه- مظهرا آخر من مظاهر قدرته التي لا يعجزها شيء فقال: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً....
والجملة الكريمة صفة للعزيز الغفور، أو عطف بيان أو بدل، أو خبر لمبتدأ محذوف.
وطباقا صفة لسبع سموات. وهي مصدر طابق مطابقة وطباقا، من قولك: طابق فلان النعل، إذا جعله طبقة فوق أخرى، وهو جمع طبق، كجبل وجبال، أو جمع طبقة كرحبة ورحاب.. أى: هو- سبحانه- لا غيره الذي أوجد وخلق على غير مثال سابق سبع
(1) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 206.
سموات متطابقة، أى: بعضها فوق بعض، بطريقة متقنة محكمة.. لا يقدر على خلقها بتلك الطريقة إلا هو، ولا يعلم كنه تكوينها وهيئاتها.. أحد سواه- عز وجل.
وقوله- سبحانه- ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ مؤكد لما قبله، والتفاوت مأخوذ من الفوت، وأصله الفرجة بين الإصبعين. تقول: تفاوت الشيئان تفاوتا، إذا حدث تباعد بينهما، والجملة صفة ثانية لسبع سماوات، أو مستأنفة لتقرير وتأكيد ما قبلها.. والخطاب لكل من يصلح له.
أى: هو- سبحانه- الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، مع تناسقها، وإتقان تكوينها، وإحكام صنعها.. بحيث لا ترى- أيها العاقل- في خلق السموات السبع شيئا من الاختلاف، أو الاضطراب، أو عدم التناسب.. بل كلها محكمة، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع.
وقال- سبحانه-: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ
…
ولم يقل: ما ترى في السموات السبع من تفاوت، للإشعار بأن هذا الخلق البديع، هو ما اقتضته رحمته- تعالى- بعباده، لكي تجرى أمورهم على حالة تلائم نظام معيشتهم.. وللتنبيه- أيضا- على أن جميع مخلوقاته تسير على هذا النمط البديع في صنعها وإيجادها، كما قال- تعالى-: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ «1» . وكما قال- سبحانه-: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
…
«2» .
قال صاحب الكشاف: قوله: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أى: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض، إنما هي مستوية ومستقيمة، وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه، ومنه قولهم: خلق متفاوت، وفي نقيضه متناصف.
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة مما قبلها؟ قلت: هي صفة مشايعة لقوله طِباقاً وأصلها: ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله: خَلْقِ الرَّحْمنِ تعظيما لخلقهن، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب.. «3» .
ثم ساق- سبحانه- بأسلوب فيه ما فيه من التحدي، ما يدل على أن خلقه خال من التفاوت والخلل فقال: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ، يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ.
(1) سورة النمل الآية 88.
(2)
سورة السجدة الآية 7.
(3)
تفسير الكشاف ج 4 ص 576.
والفطور جمع فطر، وهو الشق والصدع، يقال: فطر فلان الشيء فانفطر، إذا شقه، وبابه نصر.
وقوله كَرَّتَيْنِ مثنى كرّة، وهي المرة من الكرّ، وهو الرجوع إلى الشيء مرة أخرى، يقال كر المقاتل على عدوه، إذا عاد إلى مهاجمته بعد أن تركه.
والمراد بالكرتين هنا: معاودة النظر وتكريره كثيرا، بدون الاقتصار على المرتين، فالتثنية هنا: كناية عن مطلق التكرير، كما في قولهم: لبيك وسعديك.
وقوله: خاسِئاً أى صاغرا خائبا لأنه لم يجد ما كان يطلبه ويتمناه.
وقوله: حَسِيرٌ بمعنى كليل ومتعب، من حسر بصر فلان يحسر حسورا إذا كلّ وتعب من طول النظر والتأمل والفحص، وفعله من باب قعد.
والمعنى: ما ترى- أيها الناظر- في خلق الرحمن من تفاوت أو خلل.. فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به، أو في أدنى شك من ذلك، فكرر النظر فيما خلقنا حتى يتضح لك الأمر، ولا يبقى عندك أدنى شك أو شبهه..
والاستفهام في قوله: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ للتقرير. أى: إنك مهما نظرت في خلق الرحمن. وشددت في التفحص والتأمل.. فلن ترى فيه من شقوق أو خلل أو تفاوت..
وقوله: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ تعجيز إثر تعجيز، وتحد في أعقاب تحد.. أى: ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة، فربما يكون قد فاتك شيء في النظرة الأولى والثانية.. بل أعد النظر مرات ومرات.. فتكون النتيجة التي لا مفر لك منها، أن بصرك- بعد طول النظر والتأمل- ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب.. لأنه- بعد هذا النظر الكثير- لم يجد في خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ أى: إن رجعت البصر، وكررت النظر، لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل، وإدراك العيب، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور.. أى: بالبعد عن إصابة الملتمس.
فإن قلت: كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرتين اثنتين؟
قلت: معنى التثنية هنا التكرير بكثرة كقولك لبيك وسعديك..
فإن قلت: فما معنى «ثم ارجع البصر» ؟ قلت: أمره برجع البصر، ثم أمره بأن لا يقتنع