المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 14] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ١٥

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌تفسير سورة الملك

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 5 الى 11]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 12 الى 18]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 19 الى 22]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 23 الى 30]

- ‌تفسير سورة القلم

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 17 الى 33]

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 34 الى 43]

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 44 الى 52]

- ‌تفسير سورة الحاقة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 1 الى 12]

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 13 الى 24]

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 25 الى 37]

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 38 الى 52]

- ‌تفسير سورة المعارج

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 19 الى 35]

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 36 الى 44]

- ‌تفسير سورة نوح

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 5 الى 20]

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 21 الى 28]

- ‌تفسير سورة الجن

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 15]

- ‌[سورة الجن (72) : الآيات 16 الى 28]

- ‌تفسير سورة المزمل

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المزمل (73) : الآيات 1 الى 19]

- ‌[سورة المزمل (73) : آية 20]

- ‌تفسير سورة المدثر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى 30]

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 31 الى 37]

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 38 الى 56]

- ‌تفسير سورة القيامة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 19]

- ‌[سورة القيامة (75) : الآيات 20 الى 40]

- ‌تفسير سورة الإنسان

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 4 الى 22]

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 23 الى 31]

- ‌تفسير سورة المرسلات

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى 15]

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 16 الى 40]

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 41 الى 50]

- ‌تفسير سورة النبأ

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 20]

- ‌[سورة النبإ (78) : الآيات 21 الى 40]

- ‌تفسير سورة النازعات

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 15 الى 26]

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 27 الى 46]

- ‌تفسير سورة عبس

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة عبس (80) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة عبس (80) : الآيات 17 الى 32]

- ‌[سورة عبس (80) : الآيات 33 الى 42]

- ‌تفسير سورة التكوير

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة التكوير (81) : الآيات 15 الى 29]

- ‌تفسير سورة الانفطار

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى 19]

- ‌تفسير سورة المطففين

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 1 الى 17]

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 28]

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 29 الى 36]

- ‌تفسير سورة الانشقاق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى 25]

- ‌تفسير سورة البروج

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 22]

- ‌تفسير سورة الطارق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17]

- ‌تفسير سورة الأعلى

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى 19]

- ‌تفسير سورة الغاشية

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى 26]

- ‌تفسير سورة الفجر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى 30]

- ‌تفسير سورة البلد

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة البلد (90) : الآيات 1 الى 20]

- ‌تفسير سورة الشمس

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 15]

- ‌تفسير سورة الليل

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الليل (92) : الآيات 1 الى 21]

- ‌تفسير سورة والضحى

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11]

- ‌تفسير سورة الشرح

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة التين

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة التين (95) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة العلق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 19]

- ‌تفسير سورة القدر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5]

- ‌تفسير سورة البينة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة البينة (98) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة الزلزلة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الزلزلة (99) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة العاديات

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11]

- ‌تفسير سورة القارعة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11]

- ‌تفسير سورة التكاثر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة العصر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3]

- ‌تفسير سورة الهمزة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9]

- ‌تفسير سورة الفيل

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5]

- ‌تفسير سورة قريش

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4]

- ‌تفسير سورة الماعون

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7]

- ‌تفسير سورة الكوثر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3]

- ‌تفسير سورة الكافرون

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6]

- ‌تفسير سورة النصر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النصر (110) : الآيات 1 الى 3]

- ‌تفسير سورة المسد

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5]

- ‌تفسير سورة الإخلاص

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4]

- ‌تفسير سورة الفلق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5]

- ‌تفسير سورة الناس

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير جزء تبارك وعم

الفصل: ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 14]

التفسير قال الله- تعالى-:

[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 14]

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4)

هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9)

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14)

افتتح- سبحانه- السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء لها شرفها وعظمها، ولها فوائدها الدينية والدنيوية.. ولها دلالتها الواضحة على كمال قدرته- تعالى-.

أقسم أولا- بالفجر، وهو وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، ووقت بزوغ الضياء وانتشاره على الكون بعد ليل بهيم.

فالمراد بالفجر: الوقت الذي يبدأ فيه النهار في الظهور، بعد ظلام الليل، والتعريف فيه للجنس، لأن المقصود هذا الوقت من كل يوم.

وقيل المراد بالفجر هنا: صلاة الفجر، لأنها صلاة مشهودة، أى: تشهدها الملائكة، كما أن التعريف فيه للعهد، فقيل: فجر يوم النحر، وقيل: فجر يوم الجمعة..

ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأن قوله- تعالى- بعد ذلك وَلَيالٍ عَشْرٍ يرجح أن المراد به وقت معين. هذا الوقت يوجد مع كل يوم جديد.

وأقسم- سبحانه- ثانيا بقوله: وَلَيالٍ عَشْرٍ والمراد بها: الليالى العشر الأول من

ص: 382

شهر ذي الحجة، لأنها وقت مناسك الحج، ففيها الإحرام، والطواف، والوقوف بعرفة..

وقيل المراد بها: الليالى العشر الأواخر من رمضان وقيل: الليالى العشر الأول من شهر المحرم..

قال الإمام ابن كثير: والليالى العشر: المراد بها: عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف.

وقد ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس مرفوعا:«ما من أيام العمل الصالح، أحب إلى الله- تعالى- فيهن، من هذه الأيام» - يعنى: عشر ذي الحجة- قالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» ..

وقيل: المراد بذلك: العشر الأول من المحرم. وقيل: العشر الأول من رمضان.

والصحيح القول الأول.. «1» .

وأقسم- سبحانه- ثالثا ورابعا بقوله: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والشفع: ما يكون ثانيا لغيره، والوتر: هو الشيء المنفرد.

وقد ذكر المفسرون في المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة، فمنهم من يرى أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها، ومنهم من يرى أن المراد بالشفع: يوم النحر، لكونه اليوم العاشر من ذي الحجة، وأن المراد بالوتر: يوم عرفة، لأنه اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. ومنهم من يرى أن المراد بهما: الصلاة المكتوبة، ما كان منها شفعا، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح، وما كان منها وترا كالمغرب.

ومنهم من يرى أن المراد بالشفع: جميع المخلوقات، وبالوتر: الله- تعالى- الواحد الصمد.

وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال ما ملخصه: والواقع أن أقرب الأقوال عندي- والله أعلم-. أن المراد بالوتر، هو الله- تعالى-، للحديث:«إن الله وتر يحب الوتر» ، وما سواه شفع.. لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط، حتى الحصاة الصغيرة، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات، والذرة لها نواة ومحيط.

(1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 412.

ص: 383

ولهذا كان القول بأن الوتر هو الله، وبأن الشفع: جميع المخلوقات.. هو الراجح، وهو الأعم في المعنى.. «1» .

وأقسم- سبحانه- خامسا- بقوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ أى: وحق الليل عند ما يسرى ويمضى، تاركا من خلفه ظلامه، ليحل محله النهار بضيائه.

أو المعنى: وحق الليل وقت أن يسرى فيه السارون، بعد أن أخذوا حظهم من النوم، فإسناد السّرى إلى الليل على سبيل المجاز، كما في قولهم: ليل نائم، أى: ينام فيه الناس، وقرأ الجمهور يسر بحذف الياء وصلا ووقفا، اكتفاء عنها بالكسرة تخفيفا.

وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند الوصل، وبحذفها عند الوقف.

والمراد بالليل هنا: عمومه، وقيل: المراد به هنا: ليلة القدر، أو ليلة المزدلفة.

والاستفهام في قوله- تعالى-: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ للتقرير والتعظيم لما أقسم به- سبحانه- من مخلوقات. واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى تلك الأشياء التي أقسم الله- تعالى- بها.

والمراد بالحجر العقل، وسمى بذلك لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب مالا ينبغي، كما سمى عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب السيئات، كما يعقل العقال البعير عن الضلال.

والمعنى: هل في ذلك الذي أقسمنا به من الفجر، والليالى العشر، والشفع والوتر..

قسم، أى: مقسم به، حقيق أن تؤكد به الأخبار عند كل ذي عقل سليم؟.

مما لا شك فيه أن كل ذي عقل سليم، يعلم تمام العلم، أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق أن يقسم به، لكونها- أى: هذه الأشياء- أمورا جليلة، خليقة بالإقسام بها لفخامة شأنها، كما أن كل ذي عقل سليم يعلم- أيضا- أن المقسم بهذا القسم، وهو الله- عز وجل صادق فيما أقسم عليه.

فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء، تحقيق المقسم عليه. بأسلوب فيه ما فيه من التأكيد والتشويق وتحقيق المقسم عليه.

وجواب القسم محذوف دل عليه قوله- تعالى- بعد ذلك: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إلى قوله: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ.

(1) تفسير أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطى ج 8 ص 210.

ص: 384

والتقدير: وحق هذه المخلوقات لتعذبن- أيها الكافرون- كما عذب الذين من قبلكم، مثل عاد وثمود وفرعون.

قال الجمل: فإن قلت: ما فائدة قوله- تعالى-: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ.

بعد أن أقسم- سبحانه- بالأشياء المذكورة؟ قلنا: هو لزيادة التأكيد والتحقيق للمقسم عليه، كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال: أفيما ذكرته حجة؟.

وجواب القسم محذوف، أى: لتعذبن يا كفار مكة، وقيل هو مذكور وهو قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ، وقيل محذوف لدلالة المعنى عليه، أى لنجازين كل أحد بعمله.. «1» .

ثم ذكر- سبحانه- على سبيل الاستشهاد، ما أنزله من عذاب مهين، بالأقوام المكذبين. فقال- تعالى-: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ.

والاستفهام في قوله: أَلَمْ تَرَ.. للتقرير، والرؤية: علمية، تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين.

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية، لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين..

والمراد بعاد: تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم، والتي كانت تسكن الأحقاف، وهو مكان في جنوب الجزيرة العربية، معروف للعرب، قال- تعالى-: وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.

سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح- عليه السلام فقوله- تعالى-: إِرَمَ عطف بيان لعاد، لأنه جده الأدنى.

وقوله- تعالى-: ذاتِ الْعِمادِ صفة لعاد، و «ذات» وصف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة، سمى أولاده باسمه، كما سمى بنو هاشم هاشما.

والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى، التي أرسل الله- تعالى- إليهم هودا- عليه السلام. وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم.. وقد جاء الحديث عنهم كثيرا في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله- تعالى-: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً....

وقوله- سبحانه-: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة أخرى لقبيلة عاد.

والمعنى: لقد وصل إلى علمك- أيها الرسول الكريم- بصورة يقينية، خبر قبيلة عاد، التي جدها الأدنى «إرم بن سام بن نوح «والتي كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة، ترفع عليها

(1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 530.

ص: 385

خيامهم ومبانيهم الفارهة.. والتي لم يخلق مثلها- أى: مثل هذه القبيلة- أحد في ضخامة أجسام أفرادها، وفي قوة أبدانها، وفيما أعطاها الله- تعالى- من غنى وقوة.

قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ هؤلاء كانوا متمردين عتاة.. فذكر- سبحانه- كيف أهلكهم.

وهؤلاء هم عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، وهم الذين أرسل الله إليهم نبيه هودا- عليه السلام فكذبوه فأهلكهم الله- تعالى-.

فقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ عطف بيان، زيادة تعريف بهم. وقوله: ذاتِ الْعِمادِ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشّعر التي ترفع بالأعمدة الشداد.

وقال هاهنا: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ أى: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم، وعظم تركيبهم.. فالضمير في مِثْلُها يعود إلى القبيلة.

ومن زعم أن المراد بقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ مدينة إما دمشق أو الاسكندرية.. ففيه نظر.. لأن المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وليس المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله- تعالى-: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ

مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة.. فهذا كله من خرافات الإسرائيليين.. «1» .

وقوله- تعالى-: وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ معطوف على ما قبله. والمراد بثمود: القبيلة المسماة بهذا الاسم، نسبة إلى جدها ثمود، وقد أرسل الله- تعالى- إليهم نبيهم صالحا- عليه السلام فكذبوه، فأهلكهم الله- تعالى-.

وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز، وما زالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح.

وقوله: جابُوا بمعنى قطعوا. من الجواب بمعنى القطع والخرق، والصخرة الحجارة العظيمة.

والواد: اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم، أى: بالمكان الذي كانوا يسكنونه.

(1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 418.

ص: 386

فقوله: بِالْوادِ علم بالغلبة للمكان الذي كانوا يسكنون فيه، ويسمى بوادي القرى، وقد قال- تعالى- في شأنهم: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ.

والمراد بفرعون هنا: هو وقومه. والمراد بالأوتاد: الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد.

قال الآلوسى: وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم، التي يضربون أوتادها في منازلهم، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد، ويشده بها.. «1» .

وقال بعض العلماء: ووصف فرعون بذي الأوتاد، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات، التي بناها أسلافه، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد: التمكن والثبات على سبيل الاستعارة، أى: ذي القوة.. «2» .

وقال صاحب الظلال: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ وهي على الأرجح الأهرامات، التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان، وفرعون المشار إليه هنا، هو فرعون الطاغية الجبار، الذي أرسل الله- تعالى- إليه موسى- عليه السلام.. «3» .

والمعنى: لقد علمت- أيها الرسول الكريم- وعلم معك كل من هو أهل للخطاب، ما فعله ربك بقبيلة عاد، التي جدها إرم بن سام بن نوح، والتي كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها، والتي لم يخلق في بلادها مثلها في القوة والغنى.

وعلمت- أيضا- ما فعله ربك بقوم ثمود، الذين قطعوا صخر الجبال، واتخذوا منها بيوتا بوادي قراهم، التي ما زالت معروفة.

وعلمت- كذلك- ما فعلناه بفرعون صاحب المبانى القوية الفخمة وصاحب الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه.

والَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فأفسدوها، وتجاوزوا كل حد في العصيان والظلم.

فَأَكْثَرُوا فِيهَا أى: في البلاد الْفَسادَ عن طريق الفسوق والخروج عن طاعتنا. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ أى: فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم، أن أنزل ربك عليهم، نوعا عظيما من العذاب المهين.

(1) تفسير الآلوسى ج 30 ص 124.

(2)

تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 321 للشيخ ابن عاشور.

(3)

تفسير في ظلال القرآن ج 30 ص 571.

ص: 387