المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 16] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ١٥

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌تفسير سورة الملك

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 5 الى 11]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 12 الى 18]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 19 الى 22]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 23 الى 30]

- ‌تفسير سورة القلم

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 17 الى 33]

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 34 الى 43]

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 44 الى 52]

- ‌تفسير سورة الحاقة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 1 الى 12]

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 13 الى 24]

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 25 الى 37]

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 38 الى 52]

- ‌تفسير سورة المعارج

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 19 الى 35]

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 36 الى 44]

- ‌تفسير سورة نوح

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 5 الى 20]

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 21 الى 28]

- ‌تفسير سورة الجن

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 15]

- ‌[سورة الجن (72) : الآيات 16 الى 28]

- ‌تفسير سورة المزمل

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المزمل (73) : الآيات 1 الى 19]

- ‌[سورة المزمل (73) : آية 20]

- ‌تفسير سورة المدثر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى 30]

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 31 الى 37]

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 38 الى 56]

- ‌تفسير سورة القيامة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 19]

- ‌[سورة القيامة (75) : الآيات 20 الى 40]

- ‌تفسير سورة الإنسان

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 4 الى 22]

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 23 الى 31]

- ‌تفسير سورة المرسلات

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى 15]

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 16 الى 40]

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 41 الى 50]

- ‌تفسير سورة النبأ

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 20]

- ‌[سورة النبإ (78) : الآيات 21 الى 40]

- ‌تفسير سورة النازعات

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 15 الى 26]

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 27 الى 46]

- ‌تفسير سورة عبس

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة عبس (80) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة عبس (80) : الآيات 17 الى 32]

- ‌[سورة عبس (80) : الآيات 33 الى 42]

- ‌تفسير سورة التكوير

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة التكوير (81) : الآيات 15 الى 29]

- ‌تفسير سورة الانفطار

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى 19]

- ‌تفسير سورة المطففين

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 1 الى 17]

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 28]

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 29 الى 36]

- ‌تفسير سورة الانشقاق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى 25]

- ‌تفسير سورة البروج

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 22]

- ‌تفسير سورة الطارق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17]

- ‌تفسير سورة الأعلى

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى 19]

- ‌تفسير سورة الغاشية

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى 26]

- ‌تفسير سورة الفجر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى 30]

- ‌تفسير سورة البلد

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة البلد (90) : الآيات 1 الى 20]

- ‌تفسير سورة الشمس

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 15]

- ‌تفسير سورة الليل

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الليل (92) : الآيات 1 الى 21]

- ‌تفسير سورة والضحى

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11]

- ‌تفسير سورة الشرح

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة التين

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة التين (95) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة العلق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 19]

- ‌تفسير سورة القدر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5]

- ‌تفسير سورة البينة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة البينة (98) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة الزلزلة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الزلزلة (99) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة العاديات

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11]

- ‌تفسير سورة القارعة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11]

- ‌تفسير سورة التكاثر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8]

- ‌تفسير سورة العصر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3]

- ‌تفسير سورة الهمزة

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9]

- ‌تفسير سورة الفيل

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5]

- ‌تفسير سورة قريش

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4]

- ‌تفسير سورة الماعون

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7]

- ‌تفسير سورة الكوثر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3]

- ‌تفسير سورة الكافرون

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6]

- ‌تفسير سورة النصر

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة النصر (110) : الآيات 1 الى 3]

- ‌تفسير سورة المسد

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5]

- ‌تفسير سورة الإخلاص

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4]

- ‌تفسير سورة الفلق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5]

- ‌تفسير سورة الناس

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير جزء تبارك وعم

الفصل: ‌[سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 16]

التفسير قال الله- تعالى-:

[سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 16]

بسم الله الرحمن الرحيم

ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (1) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)

وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (14)

إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)

افتتحت سورة «القلم» بأحد الحروف المقطعة، وهي آخر سورة في ترتيب المصحف، افتتحت بواحد من هذه الحروف. أما بالنسبة لترتيب النزول، فقد تكون أول سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في السور المفتتحة بالحروف المقطعة.

وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة: وردت هذه الحروف المقطعة تارة مفردة بحرف واحد، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة.

فالسور التي بدئت بحرف واحد ثلاث سور وهي: ص، ق، ن.

ص: 36

والسور التي بدئت بحرفين تسع سور وهي: طه، يس، طس، وحم، في ست سور، وهي: غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف.

والسور التي بدئت بثلاثة أحرف، ثلاث عشرة سورة وهي:«الم» في ست سور، وهي:

البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة.

والر في خمس سور، وهي: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر.

وطسم في سورتين وهما: الشعراء، والقصص.

وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما: الرعد، «المر» ، والأعراف «المص» .

وهناك سورتان- أيضا- بدئتا بخمسة أحرف، وهما:«مريم» «كهيعص» والشورى: «حم عسق» فيكون مجموع السور التي افتتحت بالحروف المقطعة: تسعا وعشرين سورة.

هذا، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسيين:

الرأى الأول يرى أصحابه: أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهي من المتشابه الذي استأثر الله- تعالى- بعلمه.

وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس- في بعض الروايات عنه- كما ذهب إليه الشعبي، وسفيان الثوري وغيرهم من العلماء.

فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور.

ويروى عن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها.

وعن على بن أبى طالب أنه قال: «إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» .

وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال: «سر الله فلا تطلبوه» .

ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأى، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها.

وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ، لم ينتف الإفهام عنها عند كل أحد، فالرسول

ص: 37

صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض أصحابه المقربين، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور.

وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأى، يضيق المجال عن ذكرها.

أما الرأى الثاني فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله- تعالى- بعلمه.

وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى:

أ- أن هذه الحروف أسماء للسور، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح» ، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة «ص» وسورة «يس» .

ولا يخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح، والغرض من التسمية رفع الاشتباه.

ب- وقيل: إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة، للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى.

ج- وقيل: إنها حروف مقطعة، بعضها من أسماء الله- تعالى-، وبعضها من صفاته، فمثلا: الم أصلها: أنا الله أعلم.

د- وقيل: إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من مقال، والتي أوصلها الإمام السيوطي في كتابه «الإتقان» إلى أكثر من عشرين قولا.

هـ- ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة، قد وردت في افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه في الفصاحة والبلاغة، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة.

وفضلا عن ذلك، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم، إلى الإنصات والتدبر، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم. وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا في هدايتهم واستجابتهم للحق.

ص: 38

هذه خلاصة لآراء العلماء في الحروف المقطعة، التي افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع- مثلا- إلى كتاب «البرهان» للزركشى. وكتاب «الإتقان» للسيوطي، وتفسير «الآلوسى» .

ولفظ «ن» على الرأى الذي رجحناه، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن

وقيل: هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه..

وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى، لا يعتمد عليها لضعفها، ومن ذلك قولهم: إن «نون» اسم لحوت عظيم

أو اسم للدواة.. وقيل: «نون» لوح من نور.. «1» .

والواو في قوله: وَالْقَلَمِ للقسم، والمراد بالقلم: جنسه، فهو يشمل كل قلم يكتب به و «ما» في قوله وَما يَسْطُرُونَ موصولة أو مصدرية. ويَسْطُرُونَ مضارع سطر- من باب نصر-، يقال: سطر الكتاب سطرا، إذا كتبه. والسطر: الصف من الشجر وغيره، وأصله من السطر بمعنى القطع، لأن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة.

وجواب القسم قوله: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ.

أى: وحق القلم الذي يكتب به الكاتبون من مخلوقاتنا المتعددة، إنك- أيها الرسول الكريم- لمبرأ مما اتهمك به أعداؤك من الجنون، وكيف تكون مجنونا وقد أنعم الله- تعالى- عليك بالنبوة والحكمة.

فالمقصود بالآيات الكريمة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المشركين، ودفع تهمهم الباطلة دفعا يأتى عليها من القواعد فيهدمها، وإثبات أنه رسول من عنده- تعالى-.

وأقسم- سبحانه- بالقلم، لعظيم شرفه، وكثرة منافعه، فبه كتبت الكتب السماوية، وبه تكتب العلوم المفيدة.. وبه يحصل التعارف بين الناس..

وصدق الله إذ يقول: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.

قال القرطبي: أقسم- سبحانه- بالقلم. لما فيه من البيان كاللسان. وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء من في الأرض، ومنه قول أبى الفتح البستي:

إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم

وعدّوه مما يكسب المجد والكرم

كفى قلم الكتاب عزا ورفعة

مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم «2»

(1) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 213. وتفسير القرطبي ج 18 ص 223.

(2)

تفسير القرطبي ج 18 ص 225.

ص: 39

والضمير في قوله: يَسْطُرُونَ راجع إلى غير مذكور في الكلام، إلا أنه معلوم للسامعين، لأن ذكر القلم يدل على أن هناك من يكتب به.

ونفى- سبحانه- عنه صلى الله عليه وسلم الجنون بأبلغ أسلوب، لأن المشركين كانوا يصفونه بذلك، قال- تعالى-. وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ، لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.

قال الآلوسى: قوله: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. جواب القسم، والباء الثانية مزيدة لتأكيد النفي. ومجنون خبر ما، والباء الأولى للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال من الضمير في الخبر، والعامل فيها معنى النفي.

والمعنى: انتفى عنك الجنون في حال كونك ملتبسا بنعمة ربك أى: منعما عليك بما أنعم من حصافة الرأى، والنبوة.. «1» .

وفي إضافته صلى الله عليه وسلم إلى الرب- عز وجل مزيد إشعار بالتسلية والقرب والمحبة.

ومزيد إشعار- أيضا- بنفي ما افتراه الجاهلون من كونه صلى الله عليه وسلم مجنونا، لأن هذه الصفة لا تجتمع في عبد أنعم الله- تعالى- عليه، وقربه، واصطفاه لحمل رسالته وتبليغ دعوته.

ثم بشره- سبحانه- ببشارة ثانية فقال: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ.

وقوله: مَمْنُونٍ مأخوذ من المن بمعنى القطع، تقول: مننت الحبل، إذا قطعته.

ويصح أن يكون من المن، بمعنى أن يعطى الإنسان غيره عطية ثم يفتخر بها عليه، ومنه قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى....

أى: وإن لك- أيها الرسول الكريم- عندنا، لأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا نحن، وهذا الأجر غير مقطوع بل هو متصل ودائم وغير ممنون.

وهذه الجملة الكريمة وما بعدها، معطوفة على جملة جواب القسم، لأنهما من جملة المقسم عليه..

ثم أثنى- سبحانه- عليه بأجمل ثناء وأطيبه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

والخلق- كما يقول الإمام الرازي- ملكة نفسانية، يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة

و.... «2» .

والعظيم: الرفيع القدر، الجليل الشأن، السامي المنزلة.

(1) تفسير الآلوسى ج 29 ص 24.

(2)

راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 185.

ص: 40

أى: وإنك- أيها الرسول الكريم- لعلى دين عظيم، وعلى خلق كريم، وعلى سلوك قويم، في كل ما تأتيه وما تتركه من أقوال وأفعال..

والتعبير بلفظ «على» يشعر بتمكنه صلى الله عليه وسلم ورسوخه في كل خلق كريم. وهذا أبلغ رد على أولئك الجاهلين الذين وصفوه بالجنون، لأن الجنون سفه لا يحسن معه التصرف. أما الخلق العظيم، فهو أرقى منازل الكمال، في عظماء الرجال.

وإن القلم ليعجز عن بيان ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة، من ثناء من الله- تعالى- على نبيه صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: قال قتادة: ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل السيدة عائشة عن معنى هذه الآية فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى.

قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن..

ومعنى هذا، أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن أمرا ونهيا، سجية له وخلقا وطبعا، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق الكريم، كالحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة.. «1» .

وكيف لا يكون صلى الله عليه وسلم جماع كل خلق عظيم وهو القائل: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .

ثم بشره- سبحانه- ببشارات أخرى فقال: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ. بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.

والفاء في قوله: فَسَتُبْصِرُ

للتفريع على ما تقدم من قوله: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ.

والفعل «تبصر ويبصرون» من الإبصار الذي هو الرؤية بالعينين، وقيل: بمعنى العلم..

والسين في فَسَتُبْصِرُ

للتأكيد.

والباء في قوله بِأَيِّكُمُ

يرى بعضهم أنها بمعنى في. والمفتون: اسم مفعول، وهو الذي أصابته فتنة. أدت إلى جنونه، والعرب كانوا يقولون للمجنون: فتنته الجن. أو هو الذي اضطرب أمره واختل تكوينه وضعف تفكيره

كأولئك المشركين الذين قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم أقوالا لا يقولها عاقل..

(1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 312.

ص: 41

أى: لقد ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- أنك بعيد عما اتهمك به الكافرون، وأن لك عندنا المنزلة التي ليس بعدها منزلة.. وما دام الأمر كذلك فسترى وستعلم، وسيرى وسيعلم هؤلاء المشركون، في أى فريق منكم الإصابة بالجنون؟ أفي فريق المؤمنين أم بفريق الكافرين..

قال الجمل في حاشيته ما ملخصه: قوله: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ قال ابن عباس:

فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل، وقيل في الدنيا بظهور عاقبة أمرك..

بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير: أيكم المفتون، فزيدت الباء كزيادتها في نحو: بحسبك درهم..

وقيل: الباء بمعنى «في» الظرفية، كقولك: زيد بالبصرة. أى: فيها. والمعنى: في أى فرقة منكم المفتون.

وقيل: المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور. أى، بأيكم الفتون.. «1»

وجملة: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.. تعليل لما ينبئ عنه ما قبله من ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد، وتأكيد لوعده صلى الله عليه وسلم بالنصر، ولوعيدهم بالخيبة والخسران.

أى: إن ربك- أيها الرسول الكريم- الذي خلقك فسواك فعدلك، هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وبمن أعرض عن طريق الحق والصواب.. وهو- سبحانه- أعلم بالمهتدين الذين اهتدوا إلى ما ينفعهم ويسعدهم في دنياهم وآخرتهم..

وما دام الأمر كذلك: فذرهم في طغيانهم يعمهون، وسر في طريقك، فستكون العاقبة لك ولأتباعك.

ثم أرشده- سبحانه- إلى جانب من مسالكهم الخبيثة، وصفاتهم القبيحة، وحذره من الاستجابة إلى شيء من مقترحاتهم، فقال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ.

وقوله: وَدُّوا من الود بمعنى المحبة. وقوله: تُدْهِنُ من الإدهان وهي المسايرة والمصانعة والملاينة للغير. وأصله أن يجعل على الشيء دهنا لكي يلين أو لكي يحسن شكله، ثم استعير للملاينة والمساهلة مع الغير.

(1) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 383.

ص: 42

أى: إن ربك- أيها الرسول الكريم- لا يخفى عليه شيء من أحوالك وأحوالهم، وما دام الأمر كذلك، فاحذر أن تطيع هؤلاء المكذبين في شيء مما يقترحونه عليك، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض مقترحاتهم، وأن تلاينهم وتطاوعهم فيما يريدون منك.. وهم حينئذ يظهرون لك من جانبهم الملاينة والمصانعة.. حتى لكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك، وترك إيذائك وإيذاء أصحابك.

فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التي عرضها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم وما أكثرها، ومنها: ما ذكره ابن إسحاق في سيرته من أن بعض زعماء المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه، فنزلت سورة «الكافرون» .

ومنها ما دار بينه صلى الله عليه وسلم وبين الوليد بن المغيرة تارة، وبينه وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى.. مما هو معروف في كتب السيرة.

ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبى طالب عند ما نصحه بأن يترك المشركين وشأنهم، وقال له: يا ابن أخى أشفق على نفسك وعلى، ولا تحملني من الأمر مالا أطيق.

قال له صلى الله عليه وسلم: يا عماه، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري. على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك فيه..»

والتعبير بقوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ يشير إلى أن الملاينة والمصانعة كانت منهم، لا منه صلى الله عليه وسلم، فهم الذين كانوا يحبون منه أن يستجيب لمقترحاتهم، لكي يقابلوا ذلك بالتظاهر بأنهم على صلة طيبة به وبأصحابه.

قال صاحب الكشاف: قوله: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة، وآلهتهم مدة، ويكفوا عن غوائلهم.

وقوله: لَوْ تُدْهِنُ لو تلين وتصانع فَيُدْهِنُونَ.

فإن قلت: لماذا رفع «فيدهنون» ولم ينصب بإضمار «أن» وهو جواب التمني؟

قلت: قد عدل إلى طريق آخر، وهو أنه جعل خبر مبتدأ محذوف. أى: فهم يدهنون، كقوله: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً على معنى: ودوا لو تدهن فهم يدهنون.. «1» .

(1) تفسير الكشاف ج 4 ص 586.

ص: 43

ثم يكرر- سبحانه- النهى للنبي صلى الله عليه وسلم عن طاعة كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم..

فيقول: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ.

وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآيات الكريمة، نزلت في الوليد بن المغيرة.. وقيل:

إنها نزلت في الأخنس بن شريق..

والآيات الكريمة يشمل النهى فيها كل من هذه صفاته، ويدخل فيها الوليد بن المغيرة، والأخنس بن شريق.. دخولا أوليا.

أى: ولا تطع- أيها الرسول الكريم- كل من كان كثير الحلف بالباطل، وكل من كان مهينا، أى: حقيرا ذليلا وضيعا. من المهانة، وهي القلة في الرأى والتمييز.

هَمَّازٍ أى: عياب للناس، أو كثير الاغتياب لهم، من الهمز، وأصله: الطعن في الشيء بعود أو نحوه، ثم استعير للذي يؤذى الناس بلسانه وبعينه وبإشارته، ويقع فيهم بالسوء، ومنه قوله- تعالى-: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.

مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ أى: نقّال للحديث السّيّئ لكي يفسد بين الناس.. والنميم والنميمة مصدران بمعنى السعاية والإفساد. يقال: نمّ فلان الحديث- من بابى قتل وضرب- إذا سار بين الناس بالفتنة. وأصل النم: الهمس والحركة الخفيفة ثم استعملت في السعى بين الناس بالفساد على سبيل المجاز.

مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ أى: هو شديد المنع لكل ما فيه خير، ولكل من يستحقه، خصوصا إذا كان من يستحقه من المؤمنين.

ثم هو بعد ذلك مُعْتَدٍ أى: كثير العدوان على الناس أَثِيمٍ أى: مبالغ في ارتكابه للآثام، لا يترك سيئة دون أن يرتكبها.

وقد جاءت صفات الذم السابقة بصيغة المبالغة، للإشعار برسوخه فيها، وباقترافه لها بسرعة وشدة.

عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ والعتل: هو الجاف الغليظ، القاسي القلب: الفظ الطبع، الأكول الشروب.. بدون تمييز بين حلال وحرام. مأخوذ من عتله يعتله- بكسر التاء وضمها- إذا جره بعنف وغلظة..

والزنيم هو اللصيق بالقوم دون أن يكون منهم، وإنما هو دعى فيهم، حتى لكأنه

ص: 44

فيهم كالزنمة، وهي ما يتدلى من الجلد في حلق المعز أو الشاة..

وقيل: الزنيم، هو الشخص الذي يعرف بالشر واللؤم بين الناس، كما تعرف الشاة بزنمتها. أى: بعلامتها.

ومعنى: «بعد ذلك» : كمعنى «ثم» أى: ثم هو بعد كل تلك الصفات القبيحة السابقة: جاف غليظ، ملصق بالقوم، دعى فيهم..

فهذه تسع صفات، كل صفة منها قد بلغت النهاية في القبح والسوء، ساقها- سبحانه- لذم الوليد بن المغيرة وأشباهه في الكفر والفجور.

وقوله: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ.... متعلق بقوله قبل ذلك وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ

أى: ولا تطع من كانت هذه صفاته لكونه ذا مال وبنين، فإن ماله وولده لن يغنى عنه من الله- تعالى- شيئا.

وقوله: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ كلام مستأنف جار مجرى التعليل للنهى عن طاعته، والأساطير جمع أسطورة بمعنى أكذوبة.

أى: لا تطعه- لأنه فضلا عما اتسم به من صفات قبيحة- تراه إذا تتلى عليه آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا.. وعلى صدقك يا محمد فيما تبلغه عنا، قال هذا العتل الزنيم، هذه الآيات أكاذيب الأولين وترهاتهم.

ثم ختم هذه الآيات بأشد أنواع الوعيد لمن هذه صفاته فقال- تعالى- سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ.

أى: سنبين أمره ونوضحه توضيحا يجعل الناس يعرفونه معرفة تامة لا خفاء معها ولا لبس ولا غموض، كما لا تخفى العلامة الكائنة على الخرطوم، الذي يراد به هنا الأنف. والوسم عليه يكون بالنار.

أو سنلحق به عارا لا يفارقه، بل يلازمه مدى الحياة، وكان العرب إذا أرادوا أن يسبوا رجلا سبة قبيحة.. قالوا: قد وسم فلان ميسم سوء.. أى: التصق به عار لا يفارقه، كالسمة التي هي العلامة التي لا يمحى أثرها..

وذكر الوسم والخرطوم فيه ما فيه من الذم، لأن فيه جمعا بين التشويه الذي يترتب على الوسم السّيّئ، وبين الإهانة، لأن كون الوسم في الوجه بل في أعلى جزء من الوجه وهو الأنف.. دليل على الإذلال والتحقير.

ومما لا شك فيه أن وقع هذه الآيات على الوليد بن المغيرة وأمثاله، كان قاصما لظهورهم،

ص: 45