الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ببيان أن هذا القرآن من عنده- تعالى- وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه، فقال:
[سورة التكوير (81) : الآيات 15 الى 29]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24)
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (27) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَما تَشاؤُنَ إِلَاّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (29)
والفاء في قوله- تعالى-: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ.. للتفريع على ما تقدم من تحقيق وقوع البعث، وهي تعطى- أيضا- معنى الإفصاح، و «لا» مزيدة لتأكيد القسم، وجواب القسم قوله- تعالى- إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ.
وبِالْخُنَّسِ- بزنة ركّع- جمع خانس، والخنوس: الاستخفاء والاستتار، يقال:
خنست الظبية والبقرة، إذا اختفت في بيتها.
والْجَوارِ جمع جارية، وهي التي تجرى بسرعة، من الجري بمعنى الإسراع في السير.
والْكُنَّسِ جمع كانس. يقال: كنس الظبى، إذا دخل كناسه- بكسر الكاف- وهو البيت الذي يتخذه للمبيت، وسمى بذلك لأنه يتخذه من أغصان الأشجار، ويكنس الرمل إليه حتى يكون مختفيا عن الأعين.
وهذه الصفات، المراد بها النجوم، لأنها بالنهار تكون مختفية عن الأنظار، ولا تظهر إلا بالليل، فشبهت بالظباء التي تختفى في بيوتها ولا تظهر إلا في أوقات معينة.
أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن البعث حق
…
فأقسم بالنجوم التي تخنس
بالنهار، أى: يغيب ضوؤها عن العيون بالنهار، ويظهر بالليل، والتي تجرى من مكان إلى آخر بقدرة الله- تعالى- ثم تكنس- أى: تستتر وقت غروبها- كما تتوارى الظباء في كنسها
…
إن هذا القرآن لقول رسول كريم.
قال ابن كثير ما ملخصه: قوله- تعالى- فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ:
هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل، روى ذلك عن على بن أبى طالب وابن عباس ومجاهد.
وقال بعض الأئمة: وإنما قيل للنجوم «الخنس» أى: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها، يقال لها «كنس» ، من قول العرب. أوى الظبى إلى كناسه:
إذا تغيب فيه.
وفي رواية عن ابن عباس: أنها الظباء، وفي أخرى أنها بقر الوحش حين تكنس إلى الظل أو إلى بيوتها.
وتوقف ابن جرير في قوله: بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ هل هي النجوم أو الظباء وبقر الوحش قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادا.. «1» .
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ معطوف على ما قبله. وداخل في حيز القسم.
وقوله عَسْعَسَ أدبر ظلامه أو أقبل، فهذا اللفظ من الألفاظ التي تستعمل في الشيء وضده، إلا أن المناسب هنا يكون المراد به إقبال الظلام، لمقابلته بالصبح إذا تنفس، أى:
أضاء وأسفر وتبلج.
وقيل: العسعسة: رقة الظلام وذلك في طرفي النهار، فهو من المشترك المعنوي، وليس من الأضداد، أى: أقبل وأدبر معا. أى: وحق النجوم التي تغيب بالنهار، وتجرى في حال استتارها.. وحق الليل إذا أقبل بظلامه، والصبح إذا أقبل بضيائه.
إِنَّهُ أى: القرآن الكريم لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وهو جبريل- عليه السلام الذي أرسله ربه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لكي يبلغه وحيه- تعالى-.
وأقسم الله- تعالى- بهذه الأشياء، لأنها في حركاتها المختلفة، من ظهور وأفول، ومن إقبال وإدبار.. تدل دلالة ظاهرة على قدرة الله- تعالى-، وعلى بديع صنعه في خلقه.
(1) تفسير ابن كثير ج 7 ص 360.
ونسب- سبحانه- القول إلى الرسول- وهو جبريل- لأنه هو الواسطة في تبليغ الوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم وصف- سبحانه- أمين وحيه جبريل بخمس صفات: أولها: قوله كَرِيمٍ أى:
ملك شريف، حسن الخلق، بهى المنظر، ثانيها: ذِي قُوَّةٍ أى: صاحب قوة وبطش.
كما قال- تعالى-: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى.. ثالثها: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أى: أن من صفات جبريل- عليه السلام أنه ذو مكانة رفيعة، ومنزلة عظيمة عند الله- تعالى-.
رابعها: قوله- تعالى- مُطاعٍ أى يطيعه من معه من الملائكة المقربين.
وخامسها: قوله: - سبحانه- ثَمَّ أَمِينٍ و «ثم» بفتح الثاء- ظرف مكان للبعيد. والعامل ما قبله أو ما بعده، والمعنى: أنه مطاع في السموات عند ذي العرش، أو أمين فيها، أى: يؤدى ما كلفه الله- تعالى- به بدون أية زيادة أو نقص.
قال الشوكانى: ومن قال إن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى: أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة، مطاع يطيعه من أطاع الله، أمين على الوحى.
وقوله: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ: الخطاب لأهل مكة، والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: وما محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يرمونه من الجنون وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك، عن علم منهم، بأنه أعقل الناس وأكملهم، وهذه الجملة داخلة في جواب القسم.
فأقسم- سبحانه- بأن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون، وأنه يأتى بالقرآن من جهة نفسه «1» .
فالمقصود بالآية نفى الجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم بأكمل وجه، وتوبيخ أعدائه الذين اتهموه بتهمة هم أول من يعلم- عن طريق مشاهدتهم لاستقامة تفكيره، وسمو أخلاقه- أنه أكمل الناس عقلا وأقومهم سلوكا.
وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ معطوف- أيضا- على قوله- تعالى- قبل ذلك: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ فهو من جملة المقسم عليه.
(1) تفسير فتح القدير ج 5 ص 391، للشوكانى.
والمقصود بهذه الرؤية: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل- عليه السلام لأول مرة، على الهيئة التي خلقه الله عليها، عند ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء، وكان صلى الله عليه وسلم قد سأل جبريل أن يريه نفسه، على الهيئة التي خلقه الله- تعالى- عليها.
والأفق: هو الفضاء الواسع الذي يبدو للعين ما بين السماء والأرض.
والمبين: وصف للأفق، أى: بالأفق الواضح البين، الذي لا تشتبه معه المرئيات.
والمعنى: وو الله لقد رأى صاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم جبريل، بصورته التي خلقه الله عليها، بالأفق الواضح البين، الذي لا تلتبس فيه المرئيات، ولا مجال فيه للأوهام والتخيلات.
والمقصود من الآية الكريمة الرد على المشركين الذين كانوا إذا أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه رأى جبريل. كذبوه واستهزءوا به، وتأكيد أن هذه الرؤية كانت حقيقة واقعة، لا مجال معها للتشكيك أو اللبس.
قال الإمام ابن كثير: وقوله- تعالى- وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ يعنى: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله- عز وجل وعلى الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أى: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء- أى بالمكان المجاور لغار حراء. وهي المذكورة في قوله- تعالى-: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى.. «1» .
والضمير في قوله- تعالى-: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم المعبر عنه قبل ذلك بِصاحِبِكُمْ.
والغيب: ما غاب عن مدارك الناس وحواسهم، لأن الله- تعالى- قد استأثر بعلمه.
والضنين: هو البخيل بالشيء، مأخوذ من الضن- بالكسر والفتح- بمعنى البخل.
قال الآلوسى: «وما هو» أى: رسول الله صلى الله عليه وسلم «على الغيب» أى: على ما يخبر به من الوحى إليه وغيره من الغيوب «بضنين» من الضن- بكسر الضاد وفتحها- بمعنى البخل، أى: ببخيل، أى: لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التعليم والتبليغ، ومنح كل ما هو مستعد له من العلوم، على خلاف الكهنة فإنهم لا يطلعون غيرهم على ما يزعمون معرفته إلا بإعطائهم حلوانا.
(1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 361، وراجع تفسيرنا لهذه الآيات في سورة النجم.
وقرأ ابن كثير والكسائي وأبو عمر بظنين- بالظاء- أى: وما هو على الغيب بمتهم، من الظنة- بالكسر- بمعنى التهمة.
ثم قال: ورجحت هذه القراءة، لأنها أنسب بالمقام، لاتهام الكفرة له صلى الله عليه وسلم بذلك، ونفى التهمة، أولى من نفى البخل. «1» .
وهذا القول لا نوافق الآلوسى- رحمه الله عليه، لأن القراءة متى ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز التفاضل بينها وبين غيرها التي هي مثلها في الثبوت، والقراءتان هنا سبعيتان، ومن ثم فلا ينبغي التفاضل بينهما. والمعنى عليهما واضح ولا تعارض فيه.
أى: وما محمد صلى الله عليه وسلم ببخيل بتبليغ الوحى، بل هو مبلغ له على أكمل وجه وأتمه، وما هو- أيضا- بمتهم فيما يبلغه عن ربه، لأنه صلى الله عليه وسلم سيد أهل الصدق والأمانة.
وقوله- سبحانه- وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ معطوف- أيضا- على قوله- تعالى- إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ والضمير هنا يعود على القرآن الكريم.
أى: وليس هذا القرآن الكريم، المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقول شيطان مرجوم مسترق للسمع.. وإنما هو كلام الله- تعالى- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وهذا رد آخر على المشركين الذين زعموا أن القرآن الكريم إنما هو من باب الكهانة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو كاهن، تلقنه الشياطين هذا القرآن.
وقوله- سبحانه-: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ جملة معترضة بين ما سبقها، وبين قوله- تعالى- بعد ذلك إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، والمقصود فيها توبيخهم وتعجيزهم عن أن يأتوا ولو بحجة واحدة يدافعون بها عن أنفسهم.
والفاء لتفريع هذا التعجيز والتوبيخ، على الحجج السابقة، المثبتة بأن هذا القرآن من عند الله- تعالى- وليس من عند غيره.
وأين اسم استفهام عن المكان، والاستفهام هنا للتعجيز والتقريع، وهو منصوب بقوله: تَذْهَبُونَ.
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم، فأى طريق تسلكون أوضح وأبين من هذا الطريق الذي أرشدناكم إليه؟ إنه لا طريق لكم سوى هذا الطريق الذي أرشدناكم إليه.
(1) راجع تفسير الآلوسى ج 30 ص 61.
قال صاحب الكشاف: قوله: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة اعتسافا أو ذهابا في بنيات الطريق- أى: في الطريق المتشعبة عن الطريق الأصلى- أين تذهب؟ مثلت حالهم في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل «1» .
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أى: ما هذا القرآن الكريم، إلا تذكير وإرشاد وهدايات للبشر جميعا.
وهذا الذكر العظيم إنما هو لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أى: هو نافع لمن شاء منكم- أيها الناس- أن يستقيم على طريق الحق، وأن يلزم الرشاد ويترك الضلال.
والجملة الكريمة بدل مما قبلها، للإشعار بأن الذين استجابوا لهدى القرآن قد شاءوا لأنفسهم الهداية والاستقامة.
فالمقصود بهذه الجملة: الثناء عليهم، والتنويه بشأنهم.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، ببيان أن مشيئته- تعالى- هي النافذة، فقال:
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
أى: وما تشاءون الاستقامة أو غيرها، إلا إذا شاءها وأرادها الله- تعالى- رب العالمين، إذ مشيئة الله- تعالى- هي النافذة، أما مشيئتكم فلا وزن لها إلا إذا أذنت بها مشيئته- تعالى-.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مشيئة لا قيمة لها ولا وزن.. إلا إذا أيدتها مشيئة الله- عز وجل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) تفسير الكشاف ج 4 ص 713.