الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5]
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (2) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4)
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)
ومعنى تَبَّتْ هلكت وخسرت، ومنه قوله- تعالى-: وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ وقوله- سبحانه-: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ.
وقوله: وَتَبَّ أى: وقد تب وهلك وخسر، فالجملة الأولى دعاء عليه بالهلاك والخسران، والجملة الثانية: إخبار عن أن هذا الدعاء قد استجيب، وأن الخسران قد نزل به فعلا.
أى: خسرت وخابت يدا أبى لهب، وقد نزل هذا الهلاك والخسران به، بسبب عداوته الشديدة للحق، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه- سبحانه-.
والمراد باليدين هنا: ذاته ونفسه، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما في قوله- تعالى-: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ.
ويجوز أن يكون المراد باليدين حقيقتهما، وذلك لأنه كان يقول: يعدني محمد صلى الله عليه وسلم بأشياء، لا أدرى أنها كائنة، يزعم أنها بعد الموت، فلم يضع في يدي شيء من ذلك، ثم ينفخ في يديه ويقول: تبا لكما ما أرى فيكما شيئا.
وقوله- سبحانه-: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ كلام مستأنف للانتقال من ذمه والدعاء عليه بالهلاك، إلى بيان أن ماله وجاهه
…
لن يغنى عنه من عذاب الله- تعالى- شيئا.
أى: أن أبا لهب لن يغنى عنه ماله الكثير، وكسبه الوفير من حطام الدنيا
…
لن يغنى عنه شيئا من عذاب الله- تعالى-، أو شيئا من انتشار رسالة الله- تعالى- في الأرض، فإن الله- سبحانه- ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم ومؤيده بروح منه.
والتعبير بالماضي في قوله: ما أَغْنى
…
لتحقيق وقوع عدم الإغناء.
والراجح أن «ما» الأولى نافية، والثانية موصولة. أى: ما أغنى عنه شيئا ماله الذي ورثه عن أبيه، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذي جمعه واكتسبه هو بنفسه عن طريق التجارة وغيرها.
وقوله- سبحانه-: سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ بيان للعاقبة السيئة التي تنتظره، بعد هذا الذم والتأنيب والوعيد. أى: سيلقى بأبى لهب في نار شديدة الحرارة، تشوى الوجوه والأبدان، ووصف- سبحانه- النار بأنها «ذات لهب» لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وكفره، إذ هو معروف بأبى لهب، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد.
ثم أعقب- سبحانه- ذلك، بذم زوجه التي كانت تشاركه العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.
وقوله: وَامْرَأَتُهُ معطوف على الضمير المستتر العائد على أبى لهب في قوله سَيَصْلى، وانتصاب لفظ «حمالة» على الذم بفعل مضمر، لأن المقصود به هنا الذم، وقرأ الجمهور حَمَّالَةَ- بالرفع- على أنه صفة لها، أو خبر لمبتدأ محذوف، أى: هي حمالة الحطب.
والمقصود بقوله- تعالى- حَمَّالَةَ الْحَطَبِ الحقيقة، فقد روى أنها كانت تحمل بنفسها حزمة الشّوك والحسك والسّعدان، فتنثرها بالليل في طريقه صلى الله عليه وسلم، لإيذائه به، ويصح أن يكون المراد بهذه الجملة الكناية عن مشيها بين الناس بالنميمة، وإشاعة السوء حول الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقال لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس، إنسان يحمل الحطب بين الناس، أى: أنه يفسد بينهم.
ويصح أن يكون المقصود بهذه الجملة، حملها للذنوب والخطايا، من قولهم: فلان يحطب على ظهره، إذا كان يكتسب الذنوب والخطايا، فاستعير الحطب لذلك.
وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم «1» .
(1) راجع تفسير ابن جرير ج 20 ص 220.
وقوله- سبحانه-: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ زيادة في تبشيع صورتها، وتحقير هيئتها.
والجيد: العنق، والمسد: الليف المتين الذي فتل بشدة، يقال: حبل ممسود، أى مفتول فتلا قويا.
والمعنى: سيصلى أبو لهب نارا شديدة، وستصلى معه امرأته التي تضع الشوك في طريق النبي صلى الله عليه وسلم هذه النار المشتعلة- أيضا-، وسيزيد الله- تعالى- في إذلالها وتحقيرها، بأن يأمر ملائكته بأن تضع في عنقها حبلا مفتولا فتلا قويا، على سبيل الإذلال والإهانة لها، لأنها كانت في الدنيا تزعم أنها من بنات الأشراف الأكابر.
روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان لها قلادة ثمينة فقالت: لأبيعنها ولأنفقن ثمنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فأبدلها الله عنها حبلا في جيدها من مسد النار.
والذي يتأمل هذه السورة الكريمة، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة وأبلغ المعجزات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، فإن الله- تعالى- قد أخبر بشقاء أبى لهب وامرأته. وأنهما سيصليان نارا ذات لهب
…
وقد علما بما جاء في هذه السورة من عقاب الله لهما
…
ومع ذلك فقد بقيا على كفرهما حتى فارقا الحياة، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد، ولو في الظاهر- فثبت أن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه- عز وجل.
نسأل الله- تعالى- أن يلحقنا بعباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.