الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث عشر: أصول مذاهب المرجئة نظريا
أولا: منطلق الشبهة وأساسها
إن منطلق الشبهات كلها في الإيمان وأساس ضلال الفرق جميعها فيه هو أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعها ، ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه: وذلك أن الخوارج والمعتزلة والمرجئة - الجهمية منهم والفقهاء والكرامية - اتفقوا على أصل واحد انطلقوا منه: هو أن الإيمان شئ (1) واحد لا يزيد ولا ينقص ، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق ، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان.
والعجيب أن هذه الفرق تحسب أن هذا موضع إجماع وتدعي ذلك ، وعليه تبني معتقدها، وإنما هو إجماع بينها فقط ، وربما كان ذلك لأن أكثر المصنفين في الفرق والمقالات هم من غير أهل السنة ، ولا يذكرون مذهب أهل السنة ، وإنما يذكرون مذاهب أهل الكلام والجدل.
على هذا الأصل بنى الخوارج قولهم: أن مرتكب الكبيرة غير مؤمن ، لأن إيمانه زال بارتكاب الكبيرة ، ثم اختلف عليهم بعض فرقهم في معنى هذا الكفر وبعض لوازم هذا القول.
ووافقهم المعتزلة على هذا ، لكن لما رأوا أن التسوية في الحكم بين الكافر والمرتد ، وبين الزاني والسارق
والشارب يستبعده العقل والشرع ، حيث فرق الله بين حكم كل من هذين في الدنيا والآخرة ، اكتفوا بإزالة اسم الإيمان عنه ولم يدخلوه في مسمى الكفر ، فابتدعوا ما أسموه " المنزلة بين المنزلتين ".
أما في المآل والعاقبة - أي أحكام الآخرة - فهم والخوارج سواء ، فقد اتفقتا في الحكم وهو التخليد في النار ، واختلفتا في الاسم ، فالخوارج سموه كافرا ، وهؤلاء جعلوه في منزلة بين المنزلتين. وأما المرجئة فإنهم - مع الإيمان بالأصل المذكور - وجدوا النصوص الكثيرة (2) والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج ومعهم المعتزلة ، ووجدوا كذلك - وهذه شبهة أساس عندهم - أن ارتكاب المحظورات وترك الفرائض هو من جنس الأعمال لا الاعتقادات ، فاتفقت سائر فرقهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان حتى يسلم لهم الأصل المذكور ، فيظل تارك الفريضة أو مرتكب المحرم مؤمنا ، بل لم يتورع بعضهم عن التصريح بمساواة إيمانه بإيمان الملائكة والنبيين بناء على هذا الأصل.
ثم إن المرجئة اختلفت فرقهم ، فمنهم من يقول: الإيمان محله القلب ، ومنهم من يضيف إليه إقرار اللسان.
والذين قالوا محله القلب اختلفوا في التسمية ، فقال بعضهم: هو المعرفة ، وقال آخرون: هو التصديق.
والذين قالوا: أن الإيمان يشمل الاعتقاد والإقرار معا افترقوا ، فمنهم من خص الاعتقاد بالتصديق ، ومنهم من أدخل سائر أعمال القلب فيه. والذين خصوه بالتصديق أولوا أصل مذهبهم في الإقرار والنطق بأنه علامة على ما في القلب فقط ، أو ركن زائد وليس بأصلي ونحو ذلك.
والكرامية - خاصة - بقوا على الأصل نفسه أنه شئ واحد، لكن جعلوه الإقرار والنطق فقط.
وبهذا الإيجاز والإجمال يتبين لنا أنه يمكن هدم مذاهب المخالفين في الإيمان جميعها بهدم هذا الأصل الفاسد الذي هو رأي مجرد عن النصوص ، كما يمكن وضع ضابط لمعرفة مذاهب الناس في الإيمان - ولا سيما المرجئة - بحسب محل الإيمان من الأعضاء.
(1) وهو ما أطلقوا عليه بعد استخدام المصطلحات الفلسفية والمنطقية "الماهية"، وقالوا: إن للإيمان ماهية معينة لا تقبل التعدد ولا التبغض، وسيأتى بسط هذا فى فصل قريب.
(2)
كنصوص دخول الموحدين الجنة مهما عصوا ولو بعد حين، ونصوص إثبات الإسلام لمرتكب الكبيرة.
ثانيا: هدم هذا الأصل شرعا: من أسهل الأمور وأجلاها بيان فساد هذا الأصل ، ولهذا سنكتفي بإيراد هذه الأدلة المجملة (1).1 - انعقاد الإجماع على ذلك من الصحابة والتابعين وتابعيهم - كما سبق - وهو إجماع مستند إلى النصوص الصريحة من الكتاب والسنة في زيادة الإيمان ونقصه ، واجتماع النفاق والإيمان في القلب الواحد واجتماع الشرك والإيمان في عمل الرجل الواحد (2).
2 -
تفاضل المؤمنين في الأعمال الظاهرة تفاضلا لا ينكره إلا مكابر ، فمنهم القانت الأواب ، والمجاهد الدائب ، ومنهم المقتصد ، ومنهم الظالم لنفسه المنهمك في فسقه.
3 -
تفاوت المؤمنين في الأعمال الباطنة ، كالحب والخوف والرجاء والذكر والتفكر في آلاء الله وآياته والخشوع
واليقين ونحو ذلك مما لا يجحده إلا معاند عامد.
4 -
تفاوت الناس في العلم بما يؤمن به - حتى لو سلم جدلا أنه التصديق - فمنهم من يعلم من صفات الله وآياته وأسباب سخطه ومرضاته الشىء الكثير ، ويؤمن بذلك ويعتقده مفصلا ، ومنهم من لا يعلم منه إلا النزر اليسير المجمل ، فلا مراء في أن الأول مصدق بأضعاف ما الآخر مصدق به ، فالمعرفة والعلم واليقين كل منها درجات متفاوتة ، والإنسان الواحد نفسه يكون إيمانه بشىء أقوى من إيمانه بشىء آخر ، ويكون إيمانه بالشىء اليوم أقوي منه غدا أو العكس.5 - أن الإيمان يتفاوت بتفاوت سببه ومستنده ، فمن آمن بسبب آية خارقة رآها ، ليس كمن آمن تبعا لإيمان غيره من الناس أو نحو ذلك من الأسباب العارضة (3).
ثالثا: ضابط معرفة أصول الفرق في الإيمان: يمكن معرفة أصول الفرق المختلفة في الإيمان بتقسيم الأقوال منطقيا حسب الأعضاء الثلاثة: " القلب ، اللسان ، والجوارح " وقد وضع هذا الضابط - نصا أو تلميحا - بعض المؤلفين من العلماء ، عوضا من استعراض الفرق الذي سارت عليه كتب الفرق والمقالات ، ومنهم الإمام الطبري (4). وابن حزم (5) وشيخ الإسلام ابن تيمية (6) وابن أبى العز (7) ، وقد رأيت أن أستفيد من مجموع كلامهم، وأوجز كلامهم وأستخرج منه مع الزيادة والإيضاح ضابطا محددا يعين على معرفة الأقوال والتفريق بينها بيسر وسهولة فكان هذا التقسيم:
- أن الإيمان بالقلب واللسان والجوارح
1 -
أهل السنة
2 -
الخوارج
3 -
المعتزلة
أن الإيمان بالقلب واللسان فقط
المرجئة الفقهاء
ابن كلاب
- أن الإيمان باللسان والجوارح فقط
الغسانية أو فرقة مجهولة 6
- أن الإيمان بالقلب فقط
الجهمية
المريسية
الصالحية
الأشعرية
الماتريدية
وسائر فرق المقالات
- أن الإيمان باللسان فقط
الكرامية
وبعض هذه الأقسام تحتاج لتفصيل إيضاحى وهى:
أ - الذين قالوا إنه بالقلب واللسان والجوارح طائفتان
1 -
الذين قالوا: الإيمان فعل كل واجب وترك كل محرم، ويذهب الإيمان كله بترك الواجب أو فعل الكبيرة، هم:
1 -
الخوارج:
ومرتكب الكبيرة عندهم كافر.
2 -
المعتزلة:
(1) أما هدمه من جهة هدم أساسه الذى بنى عليه أثناء تطور الظاهرة وهو المنطق، حيث أثبتوا ما أسموه الماهية فقد عقدنا له فصلا خاصا يأتى عما قليل
(2)
والمقصود هو النفاق الأصغر والشرك الأصغر.
(3)
لزيادة البيان فى هذا انظر: ((الإيمان)) لشيخ الإسلام (219 - 224).
(4)
انظر ((تهذيب الآثار)) (2/ 189 - 199)، وقد ذكر أربعة أصول غير مذهب السلف.
(5)
انظر: ((المحلى)) (13/ 9) طبعة أبى المكارم 1392هـ.
(6)
((الإيمان)) (ص184)، هو هنا تحدث عن المرجئة خاصة.
(7)
((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص309)، تحقيق: الأرناؤوط. كما فعل قريبا من ذلك الحافظ فى ((الفتح))، (1/ 46)، لكن على كلامه ما يستدرك، وقد فعلنا ذلك هنا، وقد استوفى الزبيدى أصول المرجئة وغيرها عدا مذهب السلف فلم يذكره – ((إتحاف السادة المتقين)) (2/ 243).
ومرتكب الكبيرة عندهم في منزلة بين المنزلتين.2 - الذين قالوا: الإيمان قول وعمل (1) ، وكل طاعة هى شعبة من الإيمان أو جزء منه، الإيمان يكمل باستكمال شعبه وينقص بنقصها، ولكن منها ما يذهب الإيمان كله بذهابه ومنها ما ينقص بذهابه.
فمن شعب الإيمان أصول لا يتحقق إلا بها، ولا يستحق مدعيه مطلق الاسم بدونها.
ومنها واجبات لا يستحق الاسم المطلق بدونها.
ومنها كمالات يرتقى صاحبها إلى أعلى درجاته.
(وتفصيل هذا كله حسب النصوص)
وهم أهل السنة والجماعة.
ب - الذين قالوا: إنه يكون بالقلب واللسان فقط: طائفتان
1 -
الذين منهم يدخلون أعمال القلب وهم بعض قدماء المرجئة الفقهاء وبعض محدثى الحنفية المتأخرين
2 -
الذين لا يدخلون أعمال القلب، وقد تطور بهم الأمر إلى إخراج قول اللسان أيضا" من الإيمان وجعلوه علامة فقط وهم عامة الحنفية (الماتريدية)
ج-الذين قالوا: إنه يكون بالقلب فقط: ثلاث طوائف
1 -
الذين يدخلون فيه أعمال القلب جميعا، وهم سائر فرق المرجئة كاليونسية والشمرية والتومنية.
2 -
الذين يقولون:
هو المعرفة فقط:
الجهم بن صفوان.
3 -
الذين يقولون:
هو التصديق فقط:
الأشعرية والماتريدية.
هذه هي الأصول النظرية عامة.
أما في واقع الظاهرة فقد تقلصت هذه الفرق إلى أقل من ذلك نظرا للتداخلات والتطورات الفكرية التى كان أهمها وأجلاها:
1 -
استخدام قواعد المنطق وإدخاله علما معياريا يحكم في القضايا النظرية الخلافية عامة، ومنها قضية الإيمان.
2 -
تحول مباحث العقيدة أو التوحيد والإيمان إلى "علم الكلام" الذى يقوم على أسس فلسفية ويستخدم القواعد المنطقية، وإجمالا هو مباحث نظرية عقلية ليس للنصوص فيها - إن وجدت - إلا مكانة ثانوية، لا سيما في العصور الأخيرة. وهذا ما سوف نفصل الحديث فيه عما قليل.
والمهم هنا أن هذه الأسباب وغيرها من الأسباب التاريخية البحتة أدت إلى انقراض بعض الفرق الإرجائية، وهي:
1 -
الكرامية: لم يعد لهم وجود ولا لفكرهم إلا في كتب المخالفين، مع أنها آخر المذاهب المبتدعة في الإيمان (2) ، ظهورا. وانقراضهم قديم نسبيا، يقول الذهبى (فى القرن الثامن):" وكان الكرامية كثيرين بخراسان ولهم تصانيف، ثم قلوا وتلاشوا، نعوذ بالله من الأهواء"(3).هذا مع أنه كان لهم وجود ظاهر حتى نهاية القرن السادس ومطلع السابع، فإن المؤرخين للرازى وعلى رأسهم ابن السبكى (4). ذكروا مناظراته لهم، وكتب الرازى تنضح بذلك، والرازى هو الإمام الثانى للأشعرية توفى سنة 606هـ (5).
وقبل ذلك أثناء ظهور إمام الأشعرية الأول وناشر المذهب (أبو بكر الباقلاني)، كان في مقدمهم ابن الهيصم يكتب ويناظر في الطرف الآخر. قال شيخ الإسلام:" وقد رأيت لابن الهيصم فيه مصنفا في أنه قول اللسان فقط، ورأيت لابن الباقلانى فيه مصنفا أنه تصديق القلب فقط، وكلاهما في عصر واحد وكلاهما يرد على المعتزلة والرافضة "(6) ..
2 -
الجهمية وأصحاب المقالات (كاليونسية والشمرية):
انقرض القائلون بأن الإيمان هو مجرد المعرفة القلبية.
ولكن العجيب هو قيام أعظم مذهبين في الإرجاء وهما الأشعرية والماتريدية اللذان يشكلان جملة الظاهرة العامة على أصوله في أن الإيمان هو ما في القلب فقط، حتى إن الماتريدية أولت ما هو مشهور عن أبي حنيفة أن الإقرار باللسان ركن آخر للإيمان، وجعلوه علامة فقط كما سيأتى عنهم.
(1) على ما سبق فى شرح هذه العبارة.
(2)
قال ذلك شيخ الإسلام، ((مجموع الفتاوى)) (13/ 56).
(3)
((سير أعلام النبلاء)) (11/ 524)، ترجمة محمد بن كرام "المؤسس".
(4)
انظر ترجمة الرازى فى "طبقاته"(8/ 81).
(5)
انظر: ((لسان الميزان)) (4/ 429)، وإمامهم المتقدم هو الباقلانى.
(6)
((مجموع الفتاوى)) (13/ 58).
هذا مع أن الأشعري نفسه صرح بمذهب جهم وجعله الفرقة الأولى من فرق المرجئة، والمنتسبون إليه يقرؤون ذلك إلى اليوم، بل إن كلام إمامهم المتقدم " الباقلاني " في الإيمان يماثل ما ذكره إمامهم المنتسبون إليه " الأشعرى " عن جهم!! وهذا من تناقضهم.
وعلى هذا يصح أن نقول إن مذهب الجهمية في جملته لم ينقرض، وإنما انقرض القسمان الأولان من الأقسام الثلاثة المتفقة على الإيمان يكون بالقلب وحده - أعني سائر الفرق ذات المقالات والجهمية -.أما الفرقة الثالثة فكل ما عملته هو تحوير أو تعديل في كلام جهم، فوضعت التصديق بدلا من المعرفة، وصرحت بنفي أعمال القلب الأخرى مثلما صرح جهم وجعلت الأعمال المكفرة مجرد علامة على الكفر الباطن، وجعلت كل من حكم الشرع بكفره فاقدا للتصديق القلبي، ونحو ذلك من الآراء واللوازم التي لم يخالفوا جهما في شئ منها ، إلا إذا صح أن جهما التزم القول بأن من أعلن التثليث في دار الإسلام وحمل الصليب بلا تقية أنه يكون مؤمنا إذا كان يعرف الله (1). على أن ابن حزم نسب هذا الالتزام للأشعرى معه، ولا يصح هذا عن الأشعري.
لكن الأشعرية يقولون إنه يمكن أن يكون مؤمنا في الباطن، ولكن إعلانه التثليث وحمله الصليب دليل على كفره، وعلامة عليه، فهو كافر " ظاهرا " مع كونه مؤمنا " باطنا " إذا كان مصدقا!! وعلى أية حال فإن الفرق بين التصديق المجرد من أعمال القلب وبين المعرفة مما يتعذر على العقول إدراكه، كما نص شيخ الإسلام على أن الانقراض قد شمل أيضا آراء بعض قدماء المذهب الأشعري؛ فمؤسسه ابن كلاب كان على عقيدة المرجئة الفقهاء (2).، وأما أبو عبدالله بن مجاهد تلميذ الأشعري وشيخ الباقلاني، وأبو العباس القلانسي، ونحوهم؛ فكانوا على عقيدة السلف في الإيمان - كما نقله عنهم أبو القاسم الأنصارى شيخ الشهرستاني في شرح كتاب الإرشاد للجويني (3). وكل هؤلاء لم يبق لهم في مذهب الأشعرية أثر.
3 -
المرجئة الفقهاء:
بعد أن استقرت الأمة على التمذهب بالمذاهب الأربعة المشهورة، استقر مذهب المرجئة الفقهاء ضمن مذهب أبي حنيفة رحمه الله، ولهذا أصبح يسمى مذهب الحنفية.
وأبو حنيفة رحمه الله تضاربت الأقوال في حقيقة مذهبه - وموقفه من أعمال القلوب خاصة - أهي داخلة في الإيمان أم لا؟ ولم يثبت لدي فيما بحثت أي نص من كلام الإمام نفسه، إلا أنني لا أستبعد أنه رحمه الله رجع عن قوله ووافق السلف في أن الأعمال من الإيمان، وهذا هو المظنون به (4). أما المشهور المتداول عنه فهو مذهب المرجئة الفقهاء ، أي إن الإيمان يشمل ركنين: تصديق القلب وإقرار اللسان، وأنه لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى فيه، وأن الفاسق يسمى مؤمناً ، إذ الإيمان شىء واحد ينتفي كله أو يبقى كله حسب الأصل المذكور سابقاً.
(1) انظر: الفصل (3/ 47)، وأما أبوعبيد فلم يقل إنه مذهب جهم، بل قال إنه لازم له، الإيمان ص80. وانظر:((الإيمان)) لابن تيمية (ص1410 - 152)، ففيه تفصيل لموافقة الأشعرية للجهمية ورد عليهم فى تلك الآراء واللوازم وكذا (ص115،184)، ومواضع كثيرة، و ((درء التعارض)):(2/ 274).
(2)
انظر: ((درء التعارض)) (ص114)، و ((إتحاف السادة المتقين)) يشرح الإحياء للزبيدى (2/ 243)
(3)
انظر: ((إتحاف السادة المتقين)) (ص138،114).
(4)
روى الإمام ابن عبد البر بسنده أن حماد بن زيد ناظر أبا حنيفة في الإيمان، وذكر له حديث " أي الإسلام أفضل، وفيه ذكر أن الجهاد والهجرة من الإيمان " فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه؟ قال: لا - أو بم - أجيبه وهو يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ((التمهيد)) (9/ 247)، ونسبها ابن أبي العز للطحاوى (331).
وأشهر من يمثل هذا المذهب هم فقهاء الحنفية المتمسكون بعقيدة السلف وعلى رأسهم الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المشهورة، والإمام القاضي ابن أبي العز شارحها، وقليل من المتأخرين. وحقيقة الأمر أن مذهب هؤلاء مضطرب متردد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" إنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضاً ، فإنها لازمة لها ". (1). وعبارة الطحاوي رحمه الله تدل على هذا فإنه قال: " والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى، ملازمة الأولى (2).
فقوله: " والإيمان واحد " شاهد لما قلنا من أن أصل الشبهة ومنطلقها هو هذا.
وقوله: "في أصله سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقى" إلخ ، مخالف لذلك، فاضطربت عبارته؛ لأن قوله:"وأهله في أصله سواء" يدل عل أن للإيمان أصلاً وفرعاً أو فروعاً - هو أعمال الجوارح وأعمال القلب-.
فيقال: إن كان الفرع داخلاً في مسمى الأصل كما هو الشرع واللغة والعرف لم يعد الإيمان واحداً، بل متفاوتاً متفاضلاً - كإثباته التفاضل في الخشية والتقى -.
وإن كان غير داخل في مسماه فقوله: "وأهله في أصله سواء" غير دقيق فينبغي أن يقول "وأهله فيه سواء".والذي دفعه رحمه الله إلى الوقوع في هذا هو محاولة الجمع بين مذهبي السلف وأبي حنيفة ، لأن الرجل حنفي سلفي، وكذا شارح عقيدته، فإنه حاول ذلك أيضاً وأراده، ولهذا قال في شرح العبارة " ولهذا - والله أعلم - قال الشيخ رحمه الله: وأهله في أصله سواء يشير إلى أن التساوي إنما هو في أصله، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه ". (3).فيقال له: ما هذا الأصل من التصديق الذي يكون أهل الإيمان كلهم مشتركين فيه ويكون ما فوقه زيادة عليه؟ ومن الذي وضعه؟ وهذا في الحقيقة يقودنا إلى قضية فلسفية منطقية هي إثبات الماهية المشتركة خارج الذهن (4). وهو ما لا يقره رحمه الله.
وهاهنا قضية مهمة، وهي أن بعض الناس يثبتون أن الخلاف بين مذهب السلف ومذهب أبي حنيفة لفظي بإطلاق، مستدلين بظواهر بعض كلام شيخ الإسلام وبمثل صنيع الطحاوي والشارح، والأخير نص على أن الخلاف صوري، ونحن وإن كان غرضنا هنا ليس التفصيل وإنما هو إثبات الظاهرة ، فإننا نبين وجه الحق في ذلك وعلاقته بتطور الظاهرة قائمة أيضاً؛ لأن بعض الناس قد يحسب أن الماتريدية - وهي الطور النهائي للظاهرة بالنسبة للمرجئة الفقهاء- هي على مذهب أبي حنيفة كما تزعم، والخلاف بينها وبين السلف صوري.
وسوف نبطل ذلك ببيان حقيقة الخلاف بين أبي حنيفة والسلف، ثم نبين بعد خروج مذهب الماتريدية عن حقيقة مذهب الإمام.
بل إن بيان مذهب أبي حنيفة والمرجئة الفقهاء عامة لهو مما يدل على انقراضه إلا من أمثال هذين الإمامين.
فما حقيقة الخلاف بين مذهب السلف ومذهب الحنفية؟
قبل الإجابة المباشرة يجب أن نتذكر ما سبق في فصل " المرجئة الفقهاء " من نقل ذم علماء السلف للمرجئة وأنهم هم هؤلاء، وبيان ظلالهم وبدعتهم، وهو ما تنصح به كتب العقيدة الأثرية عامة، فهل يعقل أن يكون هذا كله والخلاف لفظي فقط؟!
والذي تبينته من خلال الدراسة والتتبع أن سبب اللبس الواقع أحياناً هو أن للمسألة جانبين:
الأول: ما يتعلق بحقيقة الإيمان أو ماهيته التصورية إن صح التعبير:
(1)((الإيمان)) (ص183).
(2)
الفقرات من (62 - 64) من ((متن العقيدة)): (ص307) من ((الشرح)).
(3)
((شرح العقيدة الطحاوية))، (ص310).
(4)
وهو المعقود له فصلاً خاصاً بعنوان الأثر المنطقي وسيأتي (ص445).
والخلاف فيها حقيقي قطعاً، وله ثمراته الواضحة وأحكامه المترتبة مثل:
1 -
فالسلف يقولون بزيادته ونقصانه، وهؤلاء يقولون بعدمها.
2 -
إطلاقه على الفاسق أو عدمه ، فالسلف لا يطلقونه على الفاسق إلا مقيداً، وهؤلاء بعكسهم.
3 -
هل يقع تاماً في القلب مع عدم العمل أم لا؟ عند السلف لا يقع تاماً في القلب مع عدم العمل، وعند هؤلاء يقع.
4 -
وعند السلف أعمال القلب هي من الإيمان، وعند هؤلاء خشية وتقوى لا تدخل في حقيقته.
5 -
وعند السلف الإيمان يتنوع باعتبار المخاطبين به
…
فيجب على كل أحد بحسب حاله وعلمه ما لا يجب على الآخر من الإيمان، وعند هؤلاء لا ينوع.
6 -
السلف يقولون إنه يستثنى فيه باعتبار، وهؤلاء يقولون لا يجوز ذلك لأنه شك.
7 -
إطلاق نصوص الإيمان على العمل أهو حقيقة أم مجاز؟ فالسلف يقولون حقيقة، وهؤلاء يقولون مجاز.
8 -
وهؤلاء يقولون: يجوز أن يقول أحد: إن إيماني كإيمان جبريل، والسلف يقولون: لا يجوز بحال.
الثاني: ما يتعلق بالأحكام والمآلات وأهمها:
1 -
حكم مرتكب الكبيرة عند الله، وأنه لا يطلق عليه الكفر في الدنيا، ولا يخلد في النار في الآخرة، بل هو تحت المشيئة.
2 -
كون الأعمال مطلوبة، لكن أهي أجزاء من الإيمان أم مجرد شرائع له وثمرات؟ فمن نظر إلى هذا فقط قال إن الخلاف صوري أو إن النزاع لفظي.
ولكن مما يرد به على أصحاب هذا المذهب في القول نفسه - فضلاً عن القسم الأول -:
1 -
أن إخراج الأعمال من مسمى الإيمان بدعة لم يعرفها السلف.
2 -
أن ذلك اتخذ ذريعة لإرجاء الجهمية - كما سبق ، بل أدى إلى ظهور الفسق - كما ذكر شيخ الإسلام.
3 -
أنه تكلف وتعسف في فهم الأدلة ورد ظواهرها الصريحة.
4 -
أن كل شبهة لهم في ذلك منقوضة بحجة قوية.
على أن القضية المهمة في الموضوع والتي ترتب عليها خلافهم في حكم تارك الصلاة - وقولهم أنه يقتل حداً- هي قضية ترك جنس العمل بالكلية.
فقولهم: إنه مؤمن يجعل الخلاف حقيقياً بلا ريب، بل هم يجعلونه كامل الإيمان على أصلهم المذكور. فالخلاف فيها لا يقتصر على التسمية والحكم في الدنيا بل في المآل الأخروي أيضاً، هذا ما أخطأ فيه شارح الطحاوية حين قال:" وقد أجمعوا - أي السلف والحنفية - على أنه صدق بقلبه وأقر بلسانه وامتنع عن العمل بجوارحه أنه عاص لله ورسوله، مستحق للوعيد ". (1).
واستدل بهذا على أن الخلاف صوري، والواقع أن مجرد الاتفاق على العقوبة لا يجعل الخلاف كذلك. بل مذهب السلف أن تارك العمل بالكلية كافر؛ إذ انعقد إجماع الصحابة عليهم رضوان الله على تكفير تارك الصلاة، ولم يخالف في ذلك أحد حتى ظهرت المرجئة وتأثر بها بعض أتباع الفقهاء الآخرين، دون علم بأن مصدر الشبهة وأساسها هو الإرجاء " (2).
ونعود إلى موضوع انقراض هذا المذهب وتطور الظاهرة، فنقول: إن أحداً في النصف الثاني من القرن الثاني لم يكن يتوقع انقراض هذا المذهب؛ لأنه كان يمثل مذهب الدولة الرسمي - أو شبه الرسمي - ويكاد يسيطر على أصحاب المناصب العلمية والقضائية الرسمية في بغداد والأقاليم.
ولكن لم يلبث أن انقرضت صورته وتحول إلى مذهب فلسفي كلامي منذ القرن الرابع، ومن أهم أسباب ذلك:1 - المقاومة الشديدة التي بذلها أهل السنة في محاربته، وعلى رأسهم الإمام أحمد - الذي كان يدرس كتاب الإيمان وكتاب الأشربة (3) له في الحلقات العامة - وماثله واقتدى به علماء الحديث والرجال (4) فلم يحقق مذهب الحنفية أي انتصار علمي يذكر.
وبعد التغير الجذري الذي انتهت إليه فتنة الإمام أحمد، والمكانة العليا التي تبوأها لدى الخلفاء والعلماء والعامة، وبروز المذاهب الأخرى - لا سيما الشافعية - تقلصت مكانة هذا المذهب في الفروع، وكان تقلصها في الأصول أكثر.2 - انتشار المنطق والفلسفة وعلم الكلام، فقد حاول متكلموا هذا المذهب تعويض الهزيمة التي لحقته في المجال العلمى النصي (الكتاب والسنة) بإضفاء الطابع الفلسفي عليه، مستفيدين من هذا الانتشار الذي لم يقابله أهل السنة بما يستحق - لأسباب يطول ذكرها - فمال إليه الطبقة المثقفة، وتخلى معظم الفقهاء الحنفية (وغيرهم) عن التعرض لأمور العقيدة وأحالوها إلى علماء الكلام، وهنا برز من متكلمي الحنفية رجل كان له أعظم الأثر في الانتصار لمذهب جهم وتحويل مذهب الحنفية إليه، وهو أبو منصور الماتريدي. (5).
وقد اضطر الحنفية في بعض المراحل إلى الالتصاق بالأشعرية الذين كانوا أكثر منهم تعمقاً في الكلام ، حتى أصبح كلام الباقلاني والرازي من أهم مصادرهم. وهذا مما جعل الفرقتين تتقاربان كثيراً، حتى إن مسائل الخلاف بينهما حصرت في قضايا معدودة أكثرها فلسفي.
المصدر:
ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - 2/ 401
(1)((شرح الطحاوية))، (ص310).
(2)
انظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/ 616)، وسيأتي لهذا تفصيل وإيضاح في حكم ترك العمل.
(3)
لأن الحنفية يبيحون النبيذ.
(4)
لا سيما البخاري وأبو داود
(5)
انظر كتابه، (ص 373) – إلى آخر الكتاب.