المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث السادس: رأي المعتزلة في القرآن ومناقشتهم - موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام - جـ ٣

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث العاشر: الرد على الماتريدية في تفسيرهم لصفة "الألوهية" "بصفة" "الربوبية

- ‌مراجع للتوسع

- ‌المبحث الأول: تعريف المرجئة

- ‌المبحث الثاني: نشأة الإرجاء

- ‌المبحث الثالث: أول نزاع وقع في الأمة وهو في مسألة الإيمان والإسلام

- ‌المبحث الرابع: في ترتيب الفرق ظهورا وظلمة، وتحديد الزمن الذي ظهرت فيه بدعة الإرجاء

- ‌المبحث الخامس: براءة الصحابة رضي الله عنهم من الإرجاء

- ‌المبحث السادس: الخوارج ونشأة الإرجاء

- ‌المبحث السابع: المرجئة الأولى

- ‌المبحث الثامن: الإرجاء خارج مذهب الخوارج

- ‌المبحث التاسع: البدايات والأصول

- ‌المبحث العاشر: مؤسس هذه الطائفة

- ‌المبحث الحادي عشر: حول إرجاء الحسن بن محمد بن الحنفية

- ‌المبحث الثاني عشر: في صلة المرجئة بالقدرية

- ‌المبحث الثالث عشر: أصول مذاهب المرجئة نظريا

- ‌المبحث الرابع عشر: الأثر الكلامي في تطور الظاهرة

- ‌المبحث الخامس عشر: حكم ترك العمل في الطور النهائي للظاهرة

- ‌المبحث الأول: العلاقة بين إيمان القلب وإيمان الجوارح

- ‌المبحث الثاني: علاقة قول اللسان بقول القلب وعمله

- ‌المبحث الثالث: العمل وتركه بالكلية كناقض من نواقض الإيمان:

- ‌المبحث الرابع: اللوازم المترتبة على إخراج العمل من الإيمان

- ‌المبحث الخامس: أهمية عمل القلب

- ‌المبحث السادس: إثبات عمل القلب

- ‌المبحث السابع: نماذج من أعمال القلوب

- ‌المبحث الثامن: أثر عمل الجوارح في أعمال القلب

- ‌المبحث الأول: مرجئة الفقهاء

- ‌المبحث الثاني: الجهمية

- ‌المبحث الثالث: الكلابية

- ‌المبحث الرابع: الكرامية

- ‌المبحث الخامس: الأشاعرة

- ‌أولا: مسمى الإيمان عند مرجئة الفقهاء

- ‌ثانيا: مفهوم الإرجاء عند بعض فقهاء أهل السنة، والفرق بينهم وبين غلاة المرجئة:

- ‌المطلب الثاني: مسمى الإيمان عند الجهمية

- ‌المطلب الثالث: مسمى الإيمان عند الكرامية

- ‌المطلب الرابع: مسمى الإيمان عند الأشاعرة

- ‌المطلب الخامس: حجج المرجئة

- ‌المبحث الأول: الإسلام والإيمان عند مرجئة الفقهاء

- ‌المطلب الأول: الإسلام والإيمان عند الجهمية

- ‌المطلب الثاني: الإسلام والإيمان عند الكرامية

- ‌المطلب الثالث: الإسلام والإيمان عند الأشاعرة

- ‌الفصل السادس: مفهوم الإيمان والكفر عند المرجئة

- ‌المبحث الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان

- ‌المبحث الثاني: قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص، والرد عليه

- ‌المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه عند مرجئة الفقهاء

- ‌المبحث الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه عند الجهمية

- ‌المبحث الخامس: زيادة الإيمان ونقصانه عند الكرامية

- ‌المبحث السادس: زيادة الإيمان ونقصانه عند الخوارج والمعتزلة

- ‌المبحث السابع: في ذكر أدلتهم وشبههم وبيان بطلانها

- ‌المبحث الثامن: في بيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه، والرد عليهم

- ‌المبحث التاسع: في ذكر سبب نشوء الخلاف في هذه المسألة

- ‌المبحث العاشر: في ذكر هل الخلاف في هذه المسألة عائد إلى الخلاف في تعريف الإيمان أم لا

- ‌المبحث الحادي عشر: في الكلام عن الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو حقيقي

- ‌المبحث الأول: الاستثناء في الإيمان عند مرجئة الفقهاء

- ‌المبحث الثاني: الاستثناء في الإيمان عند الجهمية

- ‌المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان عند الكرامية

- ‌المبحث الرابع: الاستثناء في الإيمان عند الأشاعرة

- ‌المبحث الأول: حكم مرتكب الكبيرة عند مرجئة الفقهاء

- ‌المبحث الثاني: حكم مرتكب الكبيرة عند الجهمية

- ‌المبحث الثالث: حكم مرتكب الكبيرة عند الكرامية

- ‌المبحث الرابع: حكم مرتكب الكبيرة عند الأشاعرة

- ‌المبحث الأول: موقف علماء السلف من الإرجاء والمرجئة

- ‌المبحث الثاني: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من المرجئة إجمالا

- ‌المبحث الثالث: المرجئة وسوء مذاهبهم عند العلماء

- ‌المبحث الرابع: فتوى اللجنة الدائمة في التحذير من مذهب الإرجاء وتحقيق النقل عن شيخ الإسلام فيه

- ‌المبحث الأول: تعريف المعتزلة لغةً واصطلاحاً

- ‌المبحث الثاني: أصل تسمية المعتزلة

- ‌المبحث الثالث: أسماء المعتزلة وعلة تلقيبهم بها

- ‌المبحث الرابع: تاريخ ومكان نشأة المعتزلة وممن استقوا آراءهم

- ‌المبحث الخامس: إبطال مزاعم الشيعة والمستشرقين حول نسبة المعتزلة إلى الصحابة

- ‌المبحث السادس: عوامل ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم

- ‌المبحث السابع: انتشار مذهب المعتزلة

- ‌المطلب الأول: دراسة نقدية لشخصية واصل بن عطاء

- ‌المطلب الثاني: دراسة نقدية لشخصية عمرو بن عبيد بن باب:

- ‌المطلب الثالث: بعض الأقوال التي انفرد فيها عمرو بن عبيد

- ‌المبحث التاسع: فرق المعتزلة

- ‌المبحث العاشر: أبرز ملامح الاعتزال

- ‌المبحث الأول: التوحيد عند المعتزلة

- ‌المبحث الثاني: موقف المعتزلة من الصفات عامة

- ‌المطلب الأول: تقسيم المعتزلة للصفات

- ‌المطلب الثاني: رأي جمهور المعتزلة في الصفات وشبهاتهم والجواب عليها

- ‌المطلب الثالث: ذكر بعض أقوال المعتزلة التي فيها إشارة إلى شبهة التعدد والتركيب

- ‌المطلب الرابع: توضيح شبهة التركيب والرد عليها

- ‌المطلب الخامس: بيان تناقض المعتزلة في إثباتهم الأسماء ونفيهم الصفات

- ‌المطلب الأول: دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند فرق المبتدعة

- ‌المطلب الثاني: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند المعتزلة

- ‌المطلب الثالث: وجه استدلال المعتزلة بدليل الأعراض وحدوث الأجسام على مذهبهم في الصفات

- ‌المطلب الأول: رأي العلاف في الصفات ومناقشته

- ‌المطلب الثاني: معاني معمر ومناقشتها

- ‌المطلب الأول: رأي المعتزلة في الإرادة ومناقشتهم

- ‌المطلب الثاني: رأي المعتزلة في صفتي السمع والبصر ومناقشتهم

- ‌المبحث السادس: رأي المعتزلة في القرآن ومناقشتهم

- ‌المبحث السابع: رأي المعتزلة في الرؤية مع ذكر أدلتهم ومناقشتها وذكر أدلة أهل السنة على جواز الرؤية

- ‌المطلب الأول: المذاهب في رؤية الله تعالى

- ‌المطلب الثاني: نفاة الرؤية، وأدلتهم ومناقشتها

- ‌المطلب الثالث: الأدلة العقلية للمعتزلة

- ‌المطلب الرابع: أدلة أهل السنة على جواز الرؤية

- ‌المبحث الثامن: رأي المعتزلة في بعض مسائل التشبيه والتجسيم

- ‌الفصل الثالث: الأصل الثاني العدل

- ‌المبحث الأول: رأي المعتزلة في أفعال الله ومناقشتهم

الفصل: ‌المبحث السادس: رأي المعتزلة في القرآن ومناقشتهم

‌المبحث السادس: رأي المعتزلة في القرآن ومناقشتهم

حقيقة الكلام عند المعتزلة: هو الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، شاهداً وغائباً (1).وقد انتقد القاضي عبدالجبار هذا التعريف قائلاً: إن فيه إخراج لما يتألف من حرفين من أن يكون كلاماً، وفيه ضرب من التكرار؛ لأن الأصوات المقطعة هي الحروف المنظومة، ولذلك فقد عرفه بتعريف آخر، فقال:"هو ما انتظم من حرفين فصاعداً، أو ماله نظام من الحروف مخصوص"(2).

ثانياً: خلاف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، وهل هو مخلوق؟:

لقد اختلف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، على أقوال، أهمها ما يلي:

القول الأول: قول بعضهم؛ أن كلام الله جسم وأنه مخلوق، وأنه لا شيء إلا جسم.

القول الثاني: رأي النظام وأصحابه: وهو أن كلام الخلق عرض؛ وهو حركة، لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخالق جسم، وأن ذلك الجسم صوت مقطع مؤلف مسموع، وهو فعل الله وخلقه، وإنما يفعل الإنسان القراءة؛ والقراءة الحركة، وهي غير القرآن. القول الثالث: رأي أبي الهذيل، وجعفر بن حرب ومعمر، والأسكافي ومن تبعهم؛ وهو أن الكلام عرض مخلوق (3).

من هذا العرض لخلافهم؛ يتضح أن المعتزلة قد اختلفوا في الكلام هل هو جسم أم لا؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه مخلوق. يقول القاضي عبدالجبار: "والذي يدل على حدوث كلامه الذي ثبت أنه كلام له؛ أن الكلام على ما قدمناه لا يكون إلا حروف منظومة، وأصواتاً مقطعة، وقد ثبت - فيما هذه حاله - أنه محدث؛ لجواز العدم عليه على ما بيناه في حدوث الأعراض"(4).

وإذا كان كلام الله مخلوقاً؛ فالقرآن - أيضاً - مخلوق، لأنه كلامه. يقول القاضي عبدالجبار - وهو يتكلم عن مذاهب الناس في القرآن -:"وأما مذهبنا، فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث .... "(5).ويقول ابن منتويه: "وقد أطلق مشايخنا كلهم في القرآن أنه مخلوق"(6).ويقول المقبلي - وهو يعرض اختلاف الناس في الكلام -: "والمتكلمون نظروا في كيفيته فاختلفوا

ورتبت المعتزلة على ذلك إطلاق المخلوق على القرآن" (7).

من هذا العرض يتضح لنا عقيدة المعتزلة في القرآن، وهو أنه مخلوق.

وقد تمسكوا في قولهم هذا بشبهات نقلية وعقلية، منها ما يلي:

الشبهة الأولى:

قال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

[الرعد: 16].

وجه الدلالة: يقول القاضي - بعد أن أورد هذه الآية-: "الآية تدل بعمومها على حدوث القرآن، وأنه تعالى خلقه

ولا دلالة توجب إخراج القرآن من العموم، فيجب دخوله فيه" (8).

المناقشة:

(1)((شرح الأصول الخمسة)) (ص528)، و ((نهاية الإقدام)) (ص 388).

(2)

((شرح الأصول الخمسة)) (ص529).

(3)

((المقالات)) (1/ 267، 268، 269)، وانظر ((المعتزلة)) (ص77).

(4)

((المفتي في أبواب العدل والتوحيد)) (7/ 84).

(5)

((شرح الأصول الخمسة)) (ص528).

(6)

((المحيط بالتكليف)) (ص331).

(7)

((العلم الشامخ)) (ص128).

(8)

((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (7/ 94).

ص: 436

يقال لهم: إن تمسككم بهذه الآية على زعم أن القرآن شيء فيكون داخلاً في عموم كل، فيكون مخلوقاً لمن أعجب العجب!؛ وذلك أن أفعال العباد كلها عندكم غير مخلوق لله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها الله، فأخرجتموها من عموم "كل"، وأدخلتم كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة؛ إذ بأمره تكون المخلوقات. قال تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ .... [الأعراف: 54]. ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقاً، للزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل؛ وهو باطل. وطرد باطلكم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة، وغيرهما؛ وذلك صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء

فيدخل ذلك في عموم "كل"، فيكون مخلوقاً بعد أن لم يكن، تعالى الله عما تقولون علواً كبيراً.

وأيضاً كيف يصح أن يكون الله متكلماً بكلام يقوم بغيره، ولو صح ذلك؛ للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك - أيضا - ما خلقه في الحيوانات؛ وألا يفرق بين نطق وأنطق

بل يلزم أن يكون متكلماً بكل كلام خلقه في غيره زوراً كان أو كذباً - تعالى الله عن ذلك -. ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره؛ لصح أن يقال للبصير أعمى والعكس؛ ولصح أن يوصف تعالى بالصفات التي خلقها في غيره من الألوان غيرها.

أما تمسككم بعموم "كل" فإن عمومها في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن، ألم ترى

قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: 25]. ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟؛ وذلك لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة، وما يستحق التدمير. وكذلك قوله تعالى - حكاية عن بلقيس-: وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ

[النمل: 23]. والمراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام. وعلى ذلك؛ فالمراد من قوله تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

[الرعد: 16]. أي: كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله، فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتماً، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى وصفاته، لأنه سبحانه وتعالى هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته عنه (1)

وبما أن القرآن كلام الله، وكلامه تعالى صفة من صفاته. إذاً القرآن ليس داخلاً في عموم الآية، فهو ليس مخلوقاً؛ وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم.

الشبهة الثانية:

قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا .... [الزخرف: 3].

وجه الدلالة: يقول القاضي: "وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] يوجب حدوثه، لأن الجعل والفعل سواء في الحقيقة

فدل ذلك على حدوث القرآن" (2).ويقول الزمخشري: "

إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] أي: خلقناه عربياً غير عجمي إرادة أن تعقله العرب، ولئلا يقولوا لولا فصلت آياته

" (3).

الجواب عن هذه الشبهة: إن استدلال المعتزلة بهذه الآية باطل. من وجوه، منها:-

(1)((شرح الطحاوية)) (ص183 - 186)، وانظر ((فتاوى ابن تيمية)) (5/ 54).

(2)

((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (7/ 94).

(3)

((الكشاف)) للزمخشري (3/ 477).

ص: 437

أولاً: أن "جعل" تكون بمعنى: خلق إذا تعدت إلى مفعول واحد. كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ

الآية [الأنعام: 1]. وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: 30].أما إذا تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى خلق، قال تعالى: وَلَا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً

الآية [النحل: 91]. وقال تعالى: وَلَا تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ .... [البقرة: 224]. والآية التي استدلوا بها: "جعل" فيها قد تعدت إلى مفعولين، فهي ليست بمعنى خلق (1).

ثانياً: أن معنى "جعل" هنا "صرف" فيكون معنى الآية: إنا صرفناه من لغة إلى لغة؛ أي: صرفه الله إلى اللغة العربية؛ وذلك أن كلام الله واحد وهو سبحانه وتعالى محيط بجميع اللغات، فهو إن شاء جعل كلامه عبرياً، وإن شاء جعله عربياً. يقول الطبري - عند تفسير هذه الآية -: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] أي: "أنزلناه بلسان عربي"(2).

فإذا كانت "جعل" ليست بمعنى خلق؛ بل بمعنى صرف، بطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.

الشبهة الثالثة: يقول القاضي عبد الجبار: "وقوله تعالى: .... نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30] يوجب حدوث النداء؛ لأنه جعل الشجرة ابتداء غايته، وهذا يوجب حدوثه فيها"(3).ويروى الرازي استدلال المعتزلة بهذه الآية، فيقول: "احتجت المعتزلة على قولهم: إن الله تعالى تكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله تعالى:

مِنَ الشَّجَرَةِ، فإن هذا صريح في أن موسى عليه السلام سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وتعالى، وهو تعالى منزه أن يكون في جسم، فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم" (4).

الجواب عن هذه الشبهة:

(1)((شرح الطحاوية)) (ص186)، بتصرف.

(2)

((مختصر تفسير الطبري)) (2/ 223).

(3)

((متشابه القرآن)) (2/ 545).

(4)

((التفسير الكبير)) للرازي (24/ 244).

ص: 438

يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة، فسمعه موسى منها باطل؛ ودليل ذلك أول الآية وآخرها. فأما أولها: فقوله تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ

الآية [القصص: 30]. والنداء: هو الكلام من بعد، فسمع موسى عليه السلام النداء من حافة الوادي؛ ثم قال: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَة [القصص: 30] أي: أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، يكون من البيت ابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم، ومثل ذلك قوله تعالى:

مِنَ الشَّجَرَةِ

الآية لابتداء الغاية؛ لا أن الشجرة هي المتكلمة. وأما آخر الآية: فقوله تعالى: .... يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30]. فإنه لو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة، لكانت هي القائلة لهذا الكلام، وهو باطل، وما يؤدي إلى الباطل مثله، ولو كان هذا الكلام بدأ من غير الله لكان قول فرعون:

أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: 24]. صدقاً؛ إذ كل من الكلامين - عندكم - مخلوق قد قاله غير الله!، وقد فرقتم بين الكلامين على أصولكم الفاسدة: فزعمتم أن ذلك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفتم وبدلتم، واعتقدتم خالقاً غير الله (1).وأيضاً: فإنه لو سمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى من غير الله، لما كان له عليه السلام فضل علينا؛ لأننا نسمع كلام الله عز وجل من غيره (2) ....

وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.

الشبهة الرابعة:

قال تعالى: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: 2].

وجه الدلالة: يقول القاضي: "الآية تدل على حدوث القرآن، لأنه تعالى نص على أن الذكر محدث، وبين بغير آية أن الذكر هو القرآن، كقوله تعالى:

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [يس: 69]. وقوله تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ .... الآية [الأنبياء: 50]. فإذا صح أنه ذكر وثبت بهذه الآية حدوث الذكر، فقد وجب القول بحدوث القرآن" (3).ويروي الرازي احتجاج المعتزلة بهذه الآية، فيقول - بعد إيراده الآية -: "احتجت المعتزلة على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا: القرآن ذكر، والذكر محدث؛ فالقرآن محدث

" (4).

(1) انظر ((شرح الطحاوية)) (ص186 - 187)، و ((الفتاوى)) (5/ 52، 53).

(2)

انظر ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) لابن حزم (3/ 5).

(3)

((متشابه القرآن)) (2/ 496).

(4)

((التفسير الكبير)) (22/ 140).

ص: 439

الجواب عن هذه الشبهة: يقال لهم: إن تمسككم بهذه الآية على أن القرآن مخلوق باطل. وذلك أن دلالة الآية على نقيض قولكم أقوى منها على قولكم؛ فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث، وبعضه ليس بمحدث، وهو ضد قولكم؛ ثم إن الحدوث في لغة العرب العام ليس هو الحدوث في اصطلاحكم، فإن العرب يسمون ما تجدد حادثاً، وما تقدم على غيره قديماً؛ وإن كان بعد أن لم يكن كقوله تعالى:

كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: 39]. ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلمه ثم علمه الله إياه كان بالنسبة إليه محدثاً وكذلك من سوى الرسول صلى الله عليه وسلم من أمته يعتبر محدثاً إليهم فهو كقول القائل: حدث اليوم عندنا ضيف، ومعلوم أن الضيف كان موجوداً قبل ذلك، فالحدوث في الآية؛ إنما هو إشارة إلى أن القرآن محدث الإتيان، لا محدث العين (1).يقول القرطبي - عن تفسير الآية-: " مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ

الآية [الأنبياء: 2] المراد به في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى في وقت بعد وقت لا أن القرآن مخلوق" (2). وإذا كان الحدوث في الآية المراد به حدوث الإتيان، بطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم.

الشبهة الخامسة: يقول القاضي: "لو كان الله تعالى متكلماً لذاته؛ لكان يجب أن يكون قائلاً فيما لم يزل إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ .... الآية [نوح: 1]؛ وإن لم يكن قد أرسل وأهلك عادا وثمودا وإن لم يكن قد أهلك

" (3).ويروي الرازي هذه الشبهة فيقول: "والشبهة الثانية: أنه سبحانه وتعالى أخبر بلفظ الماضي في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا

[نوح: 1]

فلو كان الإخبار قديما كان هذا الإخبار قديماً أزلياً، لكان قد أخبر في الأزل عن شيء مضى قبله، وهذا يقتضي أن يكون الأزل مسبوقاً بغيره، وأن يكون كلام الله تعالى كذباً، ولما كان كل واحد منهما محاولاً علمنا أن هذا الإخبار يمتنع كونه أزلياً" (4).

الجواب عن هذه الشبهة: يقال لهم: أولاً: معلوم أنه تعالى كان عالماً في الأزل بأنه سيخلق العالم، ثم لما خلقه صار العلم متعلقاً بأنه قد خلقه في الماضي، ولما لم يقتضي هذا حدوث العلم وتغيره، فكذلك الخبر (5). وبهذا يتبين: بطلان هذه الشبهة.

ثانيا: على فرض صحة هذه الشبهة، فإنها تلزمنا لو قلنا: أن كلام الله قديم الآحاد، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد. وبذلك يتبين فساد شبهتكم؛ وعلى فرض صحتها؛ فإنها لا تلزمنا. والله أعلم.

الشبهة السادسة: يقول القاضي: "إن العدم مستحيل على القديم تعالى، فلو كان الكلام قديماً؛ لما جاز أن يعدم

" (6).ويقول الرازي - وهو يروي هذه الشبهة -: "إن كلام الله تعالى لو كان قديماً أزلياً لكان باقياً أبدياً، لأن ما ثبت قدمه يمتنع عدمه، فيكون قوله تعالى لزيد صل صلاة الصبح باقياً بعد أن صلى زيد صلاة الصبح وبعد أن مات، وبعد أن قامت القيامة، وهكذا يكون باقياً أبد الآباد

ومعلوم أن ذلك على خلاف المعقول، فإنه تعالى إذا أمر عبده بفعل من الأفعال أتى ذلك العبد بذلك الفعل لم يبق ذلك الأمر متوجهاً إليه، وإذا ثبت أن ذلك الأمر قد زال ثبت أنه كان محدثاً لا قديماً" (7).

الجواب عن هذه الشبهة: لقد أجاب الرازي على هذه الشبهة فقال: "والجواب عن هذه الشبهة؛ هو أن قدرته تعالى كانت متعلقة من الأزل إلى الأبد بإيجاد العالم، فلما أوجد العالم لم يبق ذلك التعلق، لأن إيجاد الموجود محال، فقد زال هذا التعلق، فلما لم يقتض ذلك حدوث قدرة الله تعالى، فكذلك القول في الكلام"(8).

وبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة.

‌المصدر:

المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص 116

(1) انظر ((محاسن التأويل)) (11/ 4246)، و ((منهاج السنة النبوية)) (2/ 189).

(2)

((تفسير القرطبي)) (11/ 267).

(3)

((شرح الأصول الخمسة)) (ص554).

(4)

((الأربعين)) للرازي (ص183).

(5)

((الأربعين)) للرازي (ص184)، بتصرف.

(6)

((شرح الأصول الخمسة)) (ص549 - 550).

(7)

((الأربعين في أصول الدين)) (ص183).

(8)

((الأربعين في أصول الدين)) (ص184).

ص: 440