الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: دراسة نقدية لشخصية عمرو بن عبيد بن باب:
ولد عمرو بن عبيد سنة (80هـ)(1)، وهو مولى لبني تميم (2)، وجده "باب، من سبي فارس، مولى لآل عرادة، من بلعدوية، من حنظلة تميم، وعبيد أبو عمرو، كان نساجا، ثم تحول شرطيا للحجاج، وهو من سبي سجستان"(3)، وقال ابن قتيبة، والفسوي (ت 277هـ):"هو عمرو بن عبيد بن باب، مولى لآل عرادة بن يربون بن مالك، ويكنى أبا عثمان، وكان عبيد أبوه يختلف إلى أصحاب الشر "ولعله يقصد الشرط" بالبصرة؛ فكان الناس إذا رأوا عمرا مع أبيه، قالوا: خير الناس ابن شر الناس، فيقول عبيد: صدقتم هذا إبراهيم، وأنا آزر"(4)، وقال ابن كثير ت (774هـ) عند التعريف به:"عمرو بن عبيد بن ثوبان، ويقال ابن كيسان التيمي، مولاهم، أبو عثمان البصري، من أبناء فارس، شيخ القدرية، والمعتزلة"(5).يتضح لنا من هذه النصوص أن عمرو بن عبيد، ووالده، وجده، هم من الموالي، وواضح – أيضا – أن هذا الولاء يعني العبودية؛ لأنهم أخذوا من السبي، والذي يهمنا هو طبيعة النشأة التي عاشها عمرو في ظل والده، ومن الملاحظ أن عمرا في بداية حياته كان مستقيماً؛ لملازمته لمجلس العلم، ولكن والده كان يتوسم فيه شيئاً آخر؛ حيث "قيل لعبيد بن باب أبي عمرو بن عبيد، وكان من حرس السجن: إن ابنك يختلف إلى الحسن، ولعله أن يكون
…
قال: وأي خير يكون من ابني، وقد أصبت أمه من غلول، وأنا أبوه؟ " (6).
(1) ابن الخطيب، ((تاريخ بغداد)) (12/ 187)، وابن خلكان، ((وفيات الأعيان))، (3/ 460).
(2)
ابن سعد، ((الطبقات)) (7/ 201)، وانظر الرازي، ((الجرح والتعديل)) (6/ 246).
(3)
((تاريخ بغداد)) (12/ 166).
(4)
ابن قتيبة، ((المعارف)) (ص272)، والفسوي، ((المعرفة والتاريخ))، (2/ 126) و (3/ 464)، ((والوفيات))، (3/ 460).
(5)
ابن كثير، ((البداية والنهاية)) (10/ 81).
(6)
((تاريخ بغداد)) (12/ 175).
طلبه العلم: ولقد كان عمرو، يختلف إلى مجلس الحسن البصري في سن مبكرة، ولعل هذا المجلس كان له أثره في نشأته العلمية فيما بعد، ولكن عمرو بن عبيد كان يأخذ من مشارب شتى، خلطت عليه ذلك الخير الذي كان يتلقاه في مجلس الحسن البصري؛ حيث كان يصاحب واصلاً إلى مجالس الثنوية والمجوس التي سبق وأشرنا إليها، فلا نعلم إذا كانت هذه المجالس أثرت به؛ حتى أخذ عنهم مقالاته الفاسدة، فيما بعد، وبعكس واصل، فلم يزعم أحداً أن عمرو بن عبيد قد تلقى العلم من آل البيت الهاشمي، إلا ما قاله "طاش كبرى زاده" متابعاً بذلك لابن المرتضى، الذي يقول "على لسان شبيب ابن شبة" ما رأيت من غلمان ابن الحنفية أكمل من عمرو بن عبيد، فقيل له: متى اختلف عمرو بن عبيد إلى ابن الحنفية، فقال: إن عمراً غلام واصل، وواصل غلام محمد" (1)، وقد سبق وبينا تهافت هذا الزعم؛ فابن الحنفية توفي بعد ميلاد واصل بسنة، واحدة، ومحال على طفل رضيع أن يتلقى العلم، ثم إن عمرا قرين واصل في العمر، فكيف يكون غلامه؟! وقد رد الدكتور النشار على "طاش كبرى زاده"، فقال: "وهذا خطأ؛ فإن عمرو بن عبيد لم يتقابل مع أبي هاشم إطلاقاً" (2)، ولكن من الذي كان له الأثر الأكبر على الآخر: هل هو واصل، أم عمرو بن عبيد؟ لقد كان الاثنان من رواد حلقة الحسن البصري – رحمه الله –، وكان واصل يمتاز بالصمت الطويل، حتى نطق ببدعته الممقوتة، في المنزلة بين المنزلتين، ولكن الخطيب البغدادي يرى أن واصلاً كان له الأثر الأكبر على عمرو بن عبيد؛ حيث قال: "كان عمرو يسكن البصرة، وجالس الحسن البصري، وحفظ عنه، واشتهر بصحبته، ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب السنة، فقال بالقدر، ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحسن" (3).ويبدو أن واصل بن عطاء قد أقنع عمرا بالسير في طريق المبتدعة، وتفضيل مجالس الجدال، وكانت مجالس الثنوية ترضي طموحه، ولعل عمرو بن عبيد عندما تمكنت منه شبه واصل، كان يذهب إلى الحسن، ويقول له برأيه، فقد روى العقيلي، قال: "كان لعمرو بن عبيد من الحسن منزلة، فلما بان له ما بان، أتى على الحسن، فكلمه فيما بينه وبينه، فقال الحسن: لا، ثم عاود ثانية، فقال الحسن: لا، ولا كرامة، قال: فلما ولي عمرو، قال الحسن: والله، لا يفلح أبداً" (4).ولا شك أن عمرا قد اختط طريقا يخالف طريق الحسن البصري – رحمه الله– وكان الحسن له توسم في الرجال؛ فقد كان يلمح من عمرو رغبة في الإحداث، والابتداع، ولكن، على أي أساس كان هذا؟ هل كان يسأل عن القدر، ويجادل فيه، أم كان يثير من المسائل ما يبدو أنها ستؤسس بدعة ضالة؟ فقد روى الفسوي، قال: "رأى الحسن أيوب السختياني (ت131هـ)"، فقال: هذا سيد شباب أهل البصرة، قال: ورأى عمرو بن عبيد، فقال: هذا من سيدي شباب أهل البصرة، إن لم يحدث"(5).
(1) ابن المرتضى، ((المنية والأمل)) (ص131)، وانظر ((طاش كبرى زاده)) (ص2)، (ص35).
(2)
((نشأة الفكر)) (1/ 400).
(3)
((تاريخ بغداد)) (2/ 166).
(4)
((الضعفاء الكبير)) (3/ 283 - 284).
(5)
الفسوي، ((المعرفة والتاريخ)) (2/ 260)، و ((تاريخ بغداد)) (2/ 170).
وقد حدث ما توسم به الحسن البصري؛ فكان أن أحدث عمرو، وابتدع بدعته في الاعتزال، وبقي أيوب السختياني على المنهج الحق، وكان من أشد الناس على عمرو، والمعتزلة، ومن نحا نحوهم من فرق الضلال، وتعتمد شهادة الحسن البصري على ما كان عليه عمرو بن عبيد من الورع، والعبادة، في بداية أمره، وقبل الإحداث؛ قال ابن حبان:"كان عمرو بن عبيد من العباد الخشن، وأهل الورع الدقيق، ممن جالس الحسن سنين كثيرة، ثم أحدث ما أحدث، واعتزل مجلس الحسن البصري، ومعه جماعة؛ فسموا المعتزلة، وكان عمرو بن عبيد داعية إلى الاعتزال، ويشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكذب، مع ذلك، في الحديث"(1).وفي رسالة لواصل بن عطاء بعث بها إلى عمرو بن عبيد، يذكر فيها شكوى الحسن البصري منه، وتوقعه أن يحدث في دين الله، وفي هذه الرسالة يتضح ارتداد عمرو عن منهج السلف، واختيار منهج الابتداع، والمخالفة، وهذه أجزاء منها؛ حيث يقول واصل: "وقد عرفت ما كان يطعن به عليك، وينسب إليك، ونحن بين ظهراني الحسن بن أبي الحسن – رحمه الله –؛ لاستبشاع قبح مذهبك، نحن، ومن قد عرفته من جميع أصحابنا، ولمة إخواننا
…
ثم ينقل دعاء الحسن البصري، يقول فيه:"اللهم إني قد بلغت ما بلغني عن رسولك، وفسرت من محكم تأويلك ما قد صدقه حديث نبيك، إلا وإني خائف عمرا، ألا وإني خائف عمرا"، ثم يقول واصل: "وقد بلغني كبر ما حملته نفسك، وقلدته عنقك، من تفسير التنزيل، وعبارة التأويل، ثم نظرت في كتبك، وما أدته إلينا روايتك، من تنقيص المعاني، وتفريق المباني؛ فدلت شكاية الحسن بالتحقيق؛ بظهور ما ابتدعت، وعظيم ما تحملت، وسوف يكون لنا وقفة مع هذه الرسالة فيما بعد، وسنعطي عليها بعض الملاحظات (2).
(1) ابن حبان، ((المجروحين)) (2/ 69)، ت. محمود إبراهيم، دار المعرفة، لبنان، 1412هـ، وانظر إلى أحكام علماء الحديث عليه في الجرح والتعديل، (6/ 247).
(2)
ابن عبد ربه، ((العقد الفريد)) (2/ 224 - 225)، ت. د. مفيد قميحه، دار الكتب العلمية، بيروت.
ما قيل عن زهده وورعه: وكان عمرو بن عبيد مشهوراً في زهده، وورعه، ولعل نص ابن حبان "ت (354هـ) " الذي سبق يؤكد ذلك، ولكن هذا الزهد، والورع، لم يمنعه من الابتداع، والإحداث في الدين، وقد قام ببناء علاقات طيبة مع أبي جعفر المنصور، وكان لورعه وزهده، الأثر في هذه العلاقة؛ حيث اغتر به المنصور؛ ولهذا السبب غفل عن بدعته في الدين، وروي أنه كان يعظ أبا جعفر المنصور؛ حيث يقول الخطيب البغدادي:"ت (463هـ) "، ويقال إنه دخل على أبي جعفر المنصور "ت (158هـ) "، "فقال: يا أبا عثمان، عظني: فقال: إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك، لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك، فأحذرك بليلة تمخص بيوم لا ليلة بعده" (1)، وروى إسحاق بن الفضل، قال: "إني لعلى باب المنصور، وإلى جنبي عمارة بن حمزة، إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره، ونجل البساط برجله، وجلس دونه، فالتفت إلى عمارة، فقال: لا تزال بصرتكم ترمينا منها بأحمق، فما فصل كلامه من فيه، حتى خرج الربيع، وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد، قال: فوالله، ما دل على نفسه، حتى أرشد إليه، فاتكأ بيده، ثم قال: أجب أمير المؤمنين. فمر متوكئا عليه، فالتفت إلى عمارة، فقلت: إن الرجل الذي قد استحمقت قد دعي، وتركنا، فقال: كثير ما يكون مثل هذا" (2).وقد رد بعض العلماء من أهل السنة على هذه الأخبار؛ حيث يقول عبدالقاهر البغدادي: "وذكر الكعبي في مقالاته أن المنصور مدح عمرا، وقال: نثرت الحب فلقطوا، غير عمرو بن عبيد" (3)، وهذا من أكاذيب الكعبي، وهو الذي روى أن عمرا كان من الداعين إلى البيعة ليزيد الناقص في ولايته، أفترى المنصور، مع صرامته، وعداوته لبني أمية، يمدح داعيهم، ومن خرج عليهم، مع إبراهيم بن عبيدالله بن الحسن بالبصرة، حتى لحقه شؤم عمرو؛ فقتل في حربه؟ "(4).
(1)((تاريخ بغداد)) (12/ 166 – 167)، بتصرف.
(2)
((تاريخ بغداد)) (12/ 166 – 167)، بتصرف.
(3)
يشير إلى الأبيات المنسوبة لأبي جعفر والتي يقول فيها: كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد
(4)
((الملل والنحل)) (ص87).
ونحن نرى أن عمرا ربما لبس على أبي جعفر المنصور، وإن كان قد دعا إلى بيعة يزيد، فمما لا شك فيه أنها إحدى أساليب الفرق المنحرفة؛ وذلك لمناصرة هذا الخليفة القدري؛ ليمكن القدرية من رقاب الأمة، واضطهاد علمائها، وقد اهتم عمرو بن عبيد في تمتين روابطه مع الخلافة الجديدة، ولم تمض فترة من الزمن حتى تمكنت المعتزلة من عدة خلفاء من خلفاء بني العباس، وساموا الأمة العذاب في محنة خلق القرآن. ويؤكد الإمام الذهبي "ت (748هـ) "، وابن كثير – رحمهما الله – تعالى -، أن أبا جعفر اغتر بزهد عمرو، وأخفى بدعته، فيقول الذهبي: قد كان أبو جعفر المنصور يعظم عمرو بن عبيد، ويثني عليه، ويقول:"كلكم يمشي رويداً، وكلكم يطلب صيداً، غير عمرو بن عبيد"(1)، وعلق على ذلك، فقال:"اغتر بزهده، وإخلاصه، وأغفل بدعته"(2)، وقال ابن كثير: "كان عمرو يغر الناس بتقشفه، وهو مذموم ضعيف الحديث جدا
…
، وقد كان محظياً عند أبي جعفر المنصور، وكان المنصور يحبه، ويعظمه؛ لأنه كان يفد على المنصور مع القراء، فيعطيهم المنصور، فيأخذون، ولا يأخذ عمرو منه شيئاً، وكان يسأله أن يقبل كما يقبل أصحابه، فلا يقبل منه؛ فكان ذلك يغر المنصور، ويروج به عليه حاله؛ لأن المنصور كان بخيلاً، وكان يعجبه ذلك منه، ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الأرض مثل عمرو بن عبيد، والزهد لا يدل على صلاح؛ فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد ما لا يطيقه عمرو، ولا كثير من المسلمين في زمانه" (3).هذه صورة موجزة عن حياة عمرو بن عبيد، الذي توفي سنة "(144هـ) " (4)، وسوف نرى خطورة بدعته، وآرائه الضالة، عند حديثنا عن الآراء التي جاء بها عمرو مع واصل بن عطاء، أو منفرداً عنه، بإذن الله.
3 -
طبيعة العلاقة بين واصل، وعمرو بن عبيد:
أما عن طبيعة العلاقة التي ربطت بين واصل، وعمرو بن عبيد، وكيف اتحدت جهودهما للدعوة لهذه البدعة الجديدة، فمن المعلوم أن واصلاً كان في المدينة المنورة، وقد سبق أن عرضنا لرسالة ذكرها صاحب (العقد الفريد)، وفيها يذكر واصل شكوى الحسن البصري من عمرو بن عبيد، ومخافته من الإحداث، والابتداع في الدين؛ فهذه الرسالة تبين وجود علاقة قوية بين واصل، وعمرو بن عبيد، ولكن هل يعني هذا أن واصلاً لم يقابل عمرو بن عبيد من قبل، فما طبيعة هذه العلاقة إذن؟ أم أن واصلاً قد قابله، ثم رجع إلى المدينة، وقابل الحسن البصري عند زيارته لها؟ ولكننا نريد أن نضع بعض الملاحظات على هذه الرسالة، كما سبق وقلت؛ فهل كان عمرو بن عبيد يغلو في آرائه، وفي تأويلاته أكثر من واصل؟ وهل لاحظ واصل أن عمرا قد تسرع في الإفصاح عن مذهبهما القبيح؛ كما جاء في نص الرسالة؟ وهل كان هذا المذهب يخوض في القدر، والأسماء، والصفات، وغيرها من مسائل الاعتقاد؟.
ولكن هذه الرسالة لا نجد فيها أي أثر يذكر للخلاف المذكور فيما بين واصل، وعمرو بن عبيد؛ مما يجعلنا نضعها تحت اعتبارين:
(1)((تاريخ الإسلام)) (6/ 242).
(2)
((سير أعلام النبلاء)) (6/ 105).
(3)
ابن كثير، ((البداية والنهاية)) (10/ 82).
(4)
((تاريخ بغداد)) (12/ 187).
الاعتبار الأول: هو أن يكون هناك خلاف حقيقي في الإفصاح عن هذه البدعة مبكراً، ولعل رأي واصل هو التأني في طرح البدعة التي تحيك في صدريهما، والاعتبار الثاني: هو أن يكون خلافاً صورياً، يعرض فيه واصل أمام الناس اتباعه لمذهب الحسن البصري، وأن المخالف هو عمرو بن عبيد، ومهما يكن من الاعتبارات السابقة، إلا أن أرباب البدع يجعلون من مثل هذه المراسلات، والنصوص، سبيلاً لدفع الشبه المثارة حولهم، مع بقاء بدعتهم قائمة، لم ينقصوها بشيء، بل عن سبيل البدعة، وازدياد انحرافها، فاق التصور. ولكن طبيعة العلاقة بين الرجلين يبدو فيها بعض الجدال، والمحاورة، حتى استقامت، ووضعت في إطارها الموحد؛ فقد قيل إن هناك جدالاً بين واصل، وعمرو بن عبيد، في مسألة الفاسق، وهذه المحاورة لا ندري مدى صحتها، ولكننا سنثبتها؛ فقد ساقها ابن المرتضى على النحو التالي:"قال واصل لعمرو: ألست تزعم أن الفاسق يعرف الله - تعالى -، خرجت المعرفة من قلبه عند قذفه، فإن قلت: لم يزل يعرف الله، فما حجتك، وأنت لم تسمه منافقا قبل القذف؟ وإن زعمت أن المعرفة خرجت من قلبه عند قذفه، قلنا لك: فلم لا أدخلها في القلب بتركه القذف، كما أخرجها بالقذف، وقال له: أليس الناس يعرفون الله بالأدلة، ويجهلونه بدخول الشبهة، فأي شبهة دخلت على القاذف، فرأى عمرو لزوم هذا الكلام، فقال: ليس بيني، وبين الحق عداوة، فقبله، وانصرف، ويده في يد واصل"(1).
وبغض النظر عن صحة هذا النص، فالعبرة في أن عمراً قد وضع يده في يد واصل، وقال له: ليس بيني وبين الحق عداوة؛ فأي حق يعبر عنه عمرو، إذا كان يرى أن ما عليه من بدعة هو الحق، ولكنهم اتخذوا الباطل، ومعاداة الحق وأهله، منهجا لهم، ولو صحت هذه المناظرة، وكانت أمام جمع من الناس، فهي عبارة عن استعراض متفق عليه لإعلان الوحدة بين الرجلين، لتكثير سواد المبتدعة، الذين بدأ نجمهم يبرز مع قدوم واصل إلى البصرة، ووضع يده بيد عمرو بن عبيد. ومنذ قدوم واصل إلى البصرة، بدا نشاط المعتزلة يأخذ طابع التنظيم، والتنسيق، وذلك بالإعلان عن خطب لواصل يقدمه فيها، ويعقب عليها عمرو بن عبيد نفسه، فقد روى الخطيب البغدادي عن أبي عوانه "ت (170هـ) " قال:"شهدت عمرو بن عبيد، وأتاه واصل الغزال، قال: وكان خطيب القوم "يعني المعتزلة"، فقال عمرو: تكلم يا أبا حذيفة، فخطب، فأبلغن قال: ثم سكت، فقال عمرو: ترون لو أن ملكاً من الملائكة، أو نبيا من الأنبياء، كان يزيد على هذا؟! "(2).ويقيني أن هذا التعقيب من عمرو بن عبيد قد قيل لقوم استسلمت عقولهم، وجوارحهم، لهذا الهراء الاعتزالي، والذي لم يجد من يرد عليه في ذلك المجلس، ولكن هذه الدعاية المقصود منها الرفع من قيمة المبتدعة، في وسط هؤلاء الأغرار، الذين يتوهمون أن كل ما يقال في هذه المجالس إنما هو لنصرة هذا الدين، وحتى عمرو بن عبيد، كان يمتدح نفسه بمثل المديح السابق، فهذا أبو عوانة يقول – أيضا -:"ما رأيت عمرو بن عبيد قط، ولا جالسته إلا مرة واحدة، فتكلم، وطول، ثم قال: لو نزل ملك من السماء ما زادكم على هذا"(3).وتتوثق العلاقة بين عمرو، وواصل، عندما يزوج عمرو أخته لواصل، قال ابن علية:"أول من تكلم في الاعتزال واصل بن عطاء الغزال، فدخل معه في ذلك عمرو بن عبيد، فأعجب به، وزوجه أخته، وقال لها: زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة"(4)، وبهذه المصاهرة أصبحت المعتزلة تنمو بصورة علنية، وتؤسس البدع، وتنشرها في أوساط المسلمين، وهذا ما ينقلنا إلى استجلاء مقالات المعتزلة التي ابتدعوها، وخالفوا فيها عقيدة السلف.
المصدر:
العقيدة الإسلامية لعطا الله المعايطة - ص 623
(1)((المنية والأمل)) (ص144).
(2)
((تاريخ بغداد)) (12/ 175).
(3)
((تاريخ بغداد)) (12/ 175).
(4)
الذهبي، ((تاريخ الإسلام)) (6/ 241).