المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر شىء من الشعر المقول في ذم العشق والحب - نهاية الأرب في فنون الأدب - جـ ٢

[النويري، شهاب الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌الفن الثانى فى الإنسان وما يتعلق به

- ‌القسم الأوّل فى اشتقاقه، وتسميته، وتنقلاته، وطبائعه، ووصفه، وتشبيهه

- ‌الباب الأوّل من القسم الأوّل من الفن الثانى (فى اشتقاقه، وتسميته، وتنقلاته، وطبائعه، وما يتصل بذلك)

- ‌فصل

- ‌فصل وأما ترتيب أحواله وتنقل السنّ به إلى أن يتناهى:

- ‌فصل فى ظهور الشيب وعمومه

- ‌الباب الثانى من القسم الأوّل من الفن الثانى (فى وصف أعضاء الإنسان وتشبيهها)

- ‌فصل فى تفصيل أوصافه

- ‌ذكر ما قيل في الشيب والخضاب من المدح والذم

- ‌ومما وصف به صفاء الوجه ورقّة البشرة، فمن ذلك ما قيل مذكرا

- ‌فصل فى عوارض العين

- ‌فصل فى كيفية النظر وهيئته

- ‌فصل فى ترتيب البكاء

- ‌فصل فيما قيل في الأنف

- ‌فصل فى تقسيم ماء الفم

- ‌فصل فى ترتيب الضحك [1]

- ‌فصل فى مقابحها

- ‌فصل فى ترتيب الأسنان

- ‌فصل فى عيوبه

- ‌فصل فى ترتيب العىّ

- ‌فصل فى ترتيب الصّمم

- ‌ما يتمثل به من ذكر الأنف

- ‌ما يتمثل به من ذكر الفم، واللسان، والأسنان

- ‌ما يتمثل به من ذكر الأذن

- ‌ما يتمثل به من ذكر العنق

- ‌ما يتمثل به من ذكر اليد

- ‌ما يتمثل به من ذكر الصدر والقلب

- ‌ما يتمثل به من ذكر الظهر والبطن والجنب

- ‌ما يتمثل به من ذكر الكبد والدّم والعروق

- ‌ما يتمثل به من ذكر الساق والقدم، يقال:

- ‌من ضرب به المثل من الرجال على لفظ أفعل للتفضيل

- ‌وأمّا من ضرب بها المثل من النساء

- ‌الباب الثالث من القسم الأوّل من الفن الثانى (فى الغزل، والنّسيب، والهوى، والمحبة، والعشق)

- ‌فأما كلام الحكماء والفلاسفة

- ‌وأما كلام الإسلاميين وما قالوه فيه

- ‌ذكر مراتب العشق وضروبه

- ‌ذكر ما قيل في الفرق بين المحبة والعشق

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ذكر شىء من الشعر المقول في ذمّ العشق والحب

- ‌ذكر شىء مما ورد في التحذير من فتنة النساء، وذمّ الزنا، والنظر إلى المردان، والتحذير من اللّواط، وعقوبة اللّائط

- ‌ذكر نبذة مما قيل في الغزل والنسيب

- ‌فمما قيل في المذكر

- ‌ومما قيل في المطلق والمشترك

- ‌ومما قيل في طيف الخيال

- ‌الباب الرابع من القسم الأوّل من الفن الثانى في الأنساب

- ‌الطبقة الأولى الجذم

- ‌والطبقة الثانية الجماهير، والتجمهر:

- ‌والطبقة الثالثة الشعوب

- ‌والطبقة الرابعة القبيلة

- ‌والطبقة السادسة البطون

- ‌والطبقة السابعة الأفخاذ

- ‌والطبقة الثامنة العشائر

- ‌والطبقة التاسعة الفصائل

- ‌والطبقة العاشرة الرهط

- ‌أصل النسب

- ‌(أبو البشر آدم عليه السلام

- ‌إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام

- ‌ذكر نسب قيس وبطونها

- ‌الياس بن مضر بن نزار

- ‌مدركة بن الياس بن مضر

- ‌كعب بن لؤىّ بن غالب

- ‌مرّة بن كعب

- ‌كلاب بن مرة بن كعب

- ‌عبد مناف بن قصىّ

- ‌عبد المطّلب بن هاشم

الفصل: ‌ذكر شىء من الشعر المقول في ذم العشق والحب

‌ذكر شىء من الشعر المقول في ذمّ العشق والحب

قال الأصمعىّ: سئل أعرابىّ عن الحبّ، فقال: وما الحب؟ وما عسى أن يكون؟

هل هو إلا سحر أو جنون. ثم قال:

هل الحبّ إلا زفرة بعد زفرة،

وحرّ على الأحشاء ليس له برد؟

وفيض دموع العين منّى كلّما

بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو؟

وقال: قلت لأعرابىّ: ما الحب؟ فقال:

الحبّ مشغلة عن كلّ صالحة

وسكرة الحبّ تنفى سكرة الوسن.

وقال محمد بن عبد الله بن مبادر:

من فتى أصبح في الحبّ

سقاه الحبّ سمّا؟

كلّما أخفى جوى الحبّ

، عليه الدمع نمّا.

ساهر لا يطعم النو

م إذا الليل ادلهمّا.

كلّما راقب نجما

فهوى، راقب نجما.

أنتمو همّى فإن لم

تصلونى متّ غمّا.

يا ثقاتى، خطم الحبّ

لكم انفى وزمّا!

يا أخى، دائى جوى الحبّ

وداء الناس حمّى.

لا تلم مفتضحا في ال

حبّ، إن الحبّ أعمى!

وقال محمد بن ابى أمية:

فو الله، ما أدرى امن لوعة الهوى

صبرت على التقصير أم ليس لى قلب؟

أقبّح أمرا، والفؤاد يودّه،

أجنّ فؤادى في الهوى؟ بل هو الحبّ.

ص: 150

وقال أبو عبادة البحترىّ:

قال بطلا وأفال الراى من

لم يقل إن المنايا في الحدق!

إن تكن محتسبا من قد ثوى

بحمام، فاحتسب من قد عشق!

وقال أبو تمام:

أمّا الهوى فهو العذاب، فإن جرت

فيه النّوى فالتّيم كلّ التّيم.

وقال ابن أبى حصينة:

والعشق يجتذب النفوس إلى الرّدى

بالطّبع، واحسدا لمن لم يعشق!

طرق الخيال فهاج لى بطروقه

ولها، فليت خيالها لم يطرق!

وقال صالح بن عبد القدّوس:

عاص الهوى إن الهوى مركب

يصعب بعد اللّين منه الذّلول!

إن يجلب اليوم الهوى لذّة

ففى غد منه البكا والعويل.

وقال ابن المعتزّ:

فكأنّ الهوى امرؤ علوىّ

ظنّ أنّى وليت قتل الحسين!

وكأنّى لديه نجل زياد

فهو يختار أوجع القتلتين!

وقال أبو عبد الله بن الحجاج:

ويحك، يا قلبى ما أغفلك!

تعشق من يعشق أن يقتلك؟

وأنت يا طرفى أوقعتنى،

ويحك يا طرفى مالى ولك؟

قد كان من حقّ بكائى على

تبتّلى بالحبّ أن يشغلك.

حتّى توصلت لقتلى، فلا

كنت ولا كان الذى أرسلك!

ص: 151

وقال عبد المحسن بن غالب الصورىّ:

وكان ابتداء الذى بى مجونا،

فلمّا تمكّن أمسى جنونا.

وكنت أظنّ الهوى هيّنا

فلاقيت منه عذابا مهينا.

وقال أبو بكر بن محمد بن عمر العنبرىّ:

يا صاح، إنّى مذ عرفت الهوى

غرقت في بحر بلا ساحل!

عينى لحينى نظرت نظرة

رحت بها في شغل شاغل.

علّقته في البيت من فارس؛

لكنّه في السّحر من بابل.

يظلمنى، والعدل من شأنه!

ما أوجع الظّلم من العادل!

وقال آخر:

من سرّه أن يرى المنايا

بعينه منظرا صراحا.

فليحس كأسا من التجنّى

وليعشق الأوجه الملاحا!

يا أعينا أرسلت مراضا

فاختلست أعينا صحاحا!

وقال آخر:

ما أقتل الحبّ! والإنسان يجهله

وكلّ ما لم يذقه فهو مجهول.

راح الرّماة إلى بعض المها، فإذا

بعض الرّماة ببعض الصّيد مقتول!

وأما الآفات التى تجرى على العاشق من المرض والضّنا والجنون والمخاطرات بالنفوس وإلقائها إلى الهلاك، فهى كثيرة جدّا، مشاهدة ومسموعة.

فمن ذلك ما حكاه أبو الفرج بن الجوزىّ بسند يرفعه، قال: لما بعثت قريش عمارة بن الوليد مع عمرو بن العاص إلى النجاشىّ يكلمانه فيمن قدم عليه من المهاجرين، فراسل عمارة جارية لعمرو بن العاص كانت معه فصغت إليه. فاطلع عمرو على ذلك

ص: 152

فوجد على عمارة. وكان عمارة أخبر عمرا أن زوجة النجاشىّ علقته وأدخلته إليها فوشى عمرو بعمارة عند النجاشىّ وأخبره بالخبر، فقال له النجاشىّ: ائتنى بعلامة أستدلّ بها على ما قلت! ثم عاد عمارة فأخبر عمرا بأمره وأمر زوجة النجاشىّ، فقال له عمرو:

لا أقبل هذا منك إلا أن تعطيك من دهن الملك الذى لا يدّهن به غيره. فكلمها عمارة فى ذلك، فقالت: أخاف من الملك فأبى أن يرضى منها حتّى تعطيه من ذلك الدّهن فأعطته منه فأعطاه عمرا فجاء به عمرو إلى النجاشىّ فنفخ سحرا في إحليل عمارة. فذهب مع الوحش (فيما تقول قريش) فلم يزل متوحّشا يرد ماء في جزيرة بأرض الحبش حتى خرج إليه عبد الله بن أبى ربيعة في جماعة من أصحابه فرصده على الماء فأخذه فجعل يصيح به: يا بجير أرسلنى! فإنى أموت إن أمسكتنى! فأمسكه فمات في يده.

وحكى عن محمد بن زياد الأعرابىّ قال: رأيت بالبادية أعرابيا في عنقه تمائم وهو عريان وعلى سوأته خرقة وفي رجله حبل ومن خلفه عجوز آخذة بطرف الحبل وهو يعضّ ذراعيه، فقلت للعجوز: من هذا؟ فقالت: ابن ابنتى! فقلت لها:

أبه مسّ من الجنّ؟ فقالت: لا والله ولكنه نشأ وابنة عمّ له في مكان واحد، فعلّقها وعلّقته. فحبسها أهلها ومنعوها منه فزال عقله وصار إلى ما ترى! فقلت لها: ما اسمه قالت: عكرمة. فقلت: أيا عكرمة ما أصابك؟ قال: أصابنى داء قيس وعروة وجميل: فالجسم منى نخيل، والفؤاد عليل. قال: فتركته ومضيت.

وحكى عن عباس بن عبيد، قال: كان بالمدينة جارية ظريفة حاذقة بالغناء فهويت فتى من قريش، فكانت لا تفارقه ولا يفارقها. فملّها الفتى وفارقها، وتزايدت محبتها له حتى ولهت. وتفاقم الأمر بها حتّى هامت على وجهها ومزّقت ثيابها، فرآها مولاها فى ليلة من الليالى، وهى تدور في السّكك ومعه أصحاب له، فجعلت تبكى وتقول:

ص: 153

الحبّ أوّل ما يكون لجاجة

تأتى به وتسوقه الأقدار.

حتّى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى

جاءت أمور لا تطاق كبار.

قال: فما بقى أحد إلا رحمها. فقال لها مولاها: يا فلانة، امضى معنا إلى بيتنا! فأبت وقالت:

شغل الحلى أهله أن يعارا

قال: وذكر بعض من رآها ليلة وقد لقيتها جارية أخرى مجنونة فقالت لها:

فلانة، كيف أنت؟ قالت: كما لا أحب، فكيف أنت من ولهك وحبّك؟ قالت:

على ما لم يزل، يتزايد على مرّ الأيام! قالت لها: فغنّى بصوت من أصواتك فإنى قريبة.

الشّبه بك! فأخذت قصبة توقّع بها وغنّت:

يا من شكا ألما للحبّ شبّهه

بالنار في القلب من حزن وتذكار!

إنّى لأعظم ما بى أن أشبّهه

شيئا يقاس إلى مثل ومقدار.

لو أنّ قلبى في نار لأحرقها،

لأنّ أجزاءه أذكى من النّار!

ثم مضت.

وحكى عن سليمان بن يحيى بن معاذ قال: قدم علىّ بنيسابور إبراهيم بن سبابة الشاعر البصرى. فأنزلته علىّ فجاء ليلة من الليالى وهو مكروب قد هاج. فجعل يصيح بى: يا أبا أيوب! فخشيت أن يكون قد غشيته بلية، فقلت: ما تشاء؟

فقال:

أعيانى الشادن الرّبيب!

فقلت: بماذا؟

فقال:

أشكو إليه فلا يجيب!

فقلت: داره وداوه!

ص: 154

فقال:

من أين أبغى شفاء دائى؟

وإنما دائى الطّبيب!

فقلت: إذن يفرّج الله عز وجل! فقال:

يا ربّ، فرّج إذا وعجّل،

فإنّك السامع المجيب!

ثم انصرف.

وحدث عن على بن محمد النوفلىّ عن أبى المختار عن محمد بن قيس العبدىّ، قال:

إنى لبمزدلفة بين النائم واليقظان إذا سمعت بكاء حرقا وغناء عاليا. فاتبعت الصوت فإذا أنا بجارية كأنها الشمس حسنا ومعها عجوز. فلطئت بالأرض لأمتع عينى بحسنها، فسمعتها تقول:

دعوتك يا مولاى سرا وجهرة

دعاء ضعيف القلب عن محمل الحبّ!

بليت بقاسى القلب لا يعرف الهوى

وأقتل خلق الله للهائم الصبّ!

فإن كنت لم تقض المودّة بيننا

فلا تخل من حبّ له أبدا قلبى!

رضيت بهذا ما حييت فإن أمت

فحسبى معادا في المعاد به حسبى!

قال: وجعلت تردّد هذه الأبيات وتبكى، فقمت إليها وقلت: بنفسى من أنت؟

مع هذا الوجه وهذا الجمال يمتنع عليك من تريدين؟ قالت: نعم! والله إنه يفعل تصبرا وفي قلبه أكثر مما في قلبى! قلت: فإلى كم البكاء؟ قالت: أبدا! أو يصير الدمع دما وتتلف نفسى غما. فقلت: إن هذه آخر ليلة من ليالى الحج، فلو سألت الله تعالى التوبة مما أنت فيه، رجوت أن يذهب حبه من قلبك! قالت: يا هذا، عليك بنفسك في طلب رغبتك، فإنى قد قدّمت رغبتى إلى من ليس يجهل بغيتى! وحوّلت وجهها عنى، وأقبلت على بكائها وشعرها.

ص: 155

وحكى أبو الفرج، عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزىّ في كتابه المترجم ب «ذمّ الهوى» بسند رفعه إلى هشام بن عروة، قال: أذن معاوية بن أبى سفيان يوما للناس، فكان فيمن دخل عليه فتى من بنى عذرة. فلما أخذ الناس مجالسهم، قام الفتى العذرىّ بين السماطين فأنشأ يقول:

معاوى، يا ذا الفضل والحلم والعقل

وذا البرّ والإحسان والجود والبذل!

أتيتك لمّا ضاق في الأرض مسكنى

وأنكرت مما قد أصبت به عقلى.

ففرّج- كلاك الله- عنّى فإننى

لقيت الذى لم يلقه أحد قبلى!

وخذ لى- هداك الله- حقّى من الذى

رمانى بسهم كان أهونه قتلى!

وكنت أرجّى عدله إن أتيته

فأكثر تردادى مع الحبس والكبل!

سبانى سعدى وانبرى لخصومتى

وجار ولم يعدل وغاصبنى أهلى.

فطلّقتها من جهد ما قد أصابني!

فهذا أمير المؤمنين من العدل؟

فقال معاوية: أدن بارك الله عليك! ما خطبك؟ فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين! إننى رجل من بنى عذرة، تزوّجت ابنة عمّ لى. وكانت لى صرمة من الإبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتنى نائبة الزمان وحادثات الدهر، رغب عنى أبوها.

وكانت جارية فيها الحياء والكرم، فكرهت مخالفة أبيها. فأتيت عاملك مروان بن الحكم مستصرخا به راجيا لنصرته. فذكرت له قصتى، فأحضر أباها وسأله عن قضيتى. وكان قد بلغه جمالها، فدفع لأبيها عشرة آلاف درهم، وقال له: هذه لك، وزوّجنى بها وأنا أضمن خلاصها من هذا الأعرابىّ! فرغب أبوها في البذل فصار الأمير لى خصما وعلىّ منكرا! فانتهرنى وأمر بى إلى السجن وأرسل إلىّ أن أطلقها فلم أفعل. فحبسنى وضيق علىّ وعذبنى بأنواع العذاب، فلما أصابنى مسّ الحديد وألم العذاب ولم أجد

ص: 156

بدّا عن ذلك، طلقتها. فما استكملت عدّتها حتّى تزوّج بها. فلما دخل بها أرسل إلىّ فأطلقنى. وقد أتيتك يا أمير المؤمنين مستجيرا بك، وأنت غياث المكروب، وسند المسلوب. فهل من فرج؟ ثم بكى وقال في بكائه:

فى القلب منّى نار

والنار فيها استعار!

والجسم منّى نحيل

واللون فيه اصفرار.

والعين تبكى بشجو

فدمعها مدرار.

والحبّ داء عسير

فيه الطّبيب يحار.

حمّلت منه عظيما

فما عليه اصطبار.

فليس ليلى ليلا

ولا نهارى نهار!

فرقّ له معاوية وكتب إلى ابن الحكم كتابا غليظا، وكتب في آخره:

ركبت أمرا عظيما لست أعرفه

أستغفر الله من جور امرئ زانى!

قد كنت تشبه صوفيّا له كتب

من الفرائض أو آيات فرقان.

حتّى أتانا الفتى العذرىّ منتحبا

يشكو إلىّ بحقّ غير بهتان.

أعطى الإله عهودا لا أخيس بها:

أو لا فبرّئت من دين وإيمان!

إن أنت راجعتنى فيما كتبت به

لأجعلنّك لحما بين عقبان!

طلّق سعاد، وجهّزها معجّلة

مع الكميت، ومع نصر بن ذبيان!

فما سمعت كما بلّغت من عجب

ولا فعالك حقّا فعل إنسان!

ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الكميت ونصر بن ذبيان وقال: اذهبا به إليه! قال: فلما ورد كتاب معاوية على ابن الحكم وقرأه تنفس الصّعداء، وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلّى بينى وبينها سنة ثم عرضنى على السيف! وجعل يؤامر نفسه

ص: 157

فى طلاقها فلا يقدر. فلما أزعجه الوفد طلقها وأسلمها إليهما. فلما رآها الوفد على هذه الصورة العظيمة وما اشتملت عليه من الجمال المفرط، قالوا: لا تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين! وكتب ابن الحكم كتابا لأمير المؤمنين معاوية، ودفعه إليهما مع الجارية. فكان مما كتب فيه يقول:

لا تحنثنّ أمير المؤمنين فقد

أوفى بعهدك في رفق وإحسان.

وما ركبت حراما حين أعجبنى،

فكيف سمّيت باسم الخائن الزانى؟

أعذر فانك لو أبصرتها لجرت

منك الأمانى على تمثال إنسان!

وسوف تأتيك شمس ليس يعدلها

عند البريّة من إنس ومن جان!

حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت،

أقول ذلك في سرّ وإعلان!

فلما ورد الكتاب على معاوية وقرأه، قال: لقد أحسن في الطاعة، ولكن أطنب فى ذكر الجارية! ولئن كانت أعطيت حسن النّغمة مع هذا الوصف الحسن فهى أكمل البرية! فأمر بإحضارها، فلما مثلت بين يديه، استنطقها فإذا هى أحسن الناس كلاما وأكملهم شكلا ودلالا. فقال: يا أعرابىّ، هذه سعدى! ولكن هل لك عنها من سلوة بأفضل الرغبة؟ قال نعم، إذا فرّقت بين رأسى وجسدى! فقال: أعوّضك عنها يا أعرابىّ ثلاث جوار أبكار ومع كل واحدة ألف دينار وأقسم لك من بيت المال ما يكفيك في كل سنة ويعينك على صحبتهنّ. فشهق شهقة ظن معاوية أنه مات. فقال له: ما بالك يا أعرابىّ؟ قال: أشرّبال وأسوأ حال، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم، فعند من أستجير من جورك؟ ثم أنشأ يقول:

لا تجعلنى والأمثال تضرب بى

كالمستغيث من الرّمضاء بالنار!

اردد سعاد على حيران مكتئب

يمسى ويصبح في همّ وتذكار!

ص: 158

قد شفّه قلق ما مثله قلق.

وأسعر القلب منه أىّ إسعار!

كيف السّلوّ، وقد هام الفؤاد بها

وأصبح القلب عنها غير صبّار؟

قال: فغضب معاوية غضبا شديدا، ثم قال: يا أعرابىّ، أنت مقرّ بأنك طلقتها! ومروان مقرّ بأنه طلقها، ونحن نخيرها فان اختارتك أعدناها إليك بعقد جديد، وإن اختارت سواك زوّجناه بها. ثم التفت إليها أمير المؤمنين وقال: ما تقولين، يا سعدى؟

أيما أحبّ إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وسلطانه وما تصيرين إليه عنده، أو مروان بن الحكم في عسفه وجوره، أو هذا الأعرابى في فقره وسوء حاله؟

فأنشأت تقول:

هذا [1] ، وان كان في فقر وإضرار،

أعزّ عندى من قومى ومن جارى!

وصاحب التّاج أو مروان عامله

وكلّ ذى درهم عندى ودينار!

ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدزات الأيام! وإن لى معه صحبة لا تنسى ومحبة لا تبلى! والله إنى لأحق من صبر معه في الضراء كما تنعّمت معه في السرّاء! فعجب كلّ من كان حاضرا. فأمر له بها ثم أعادها له بعقد جديد، وأمر لهما بألف دينار. فأخذها وانصرف يقول:

خلّوا عن الطّريق للأعرابى!

ألم ترقّوا، ويحكم ممّا بى؟

قال: [2] فضحك معاوية وأمر بها فأدخلت في قصوره حتى انقضت عدّتها من ابن الحكم ثم أمر برفعها إلى الأعرابى.

[1] روى هذا الشعر في نسخة أخرى على وجه آخر وهو:

هذا وإن أصبح في أطمار

وكان في نقص من اليسار

أكثر عندى من أبى وجارى

وصاحب الدرهم والدينار

أخشى إذا غدرت حرّ النار

[2]

وجدت هذه الزيادة في بعض النسخ.

ص: 159

ولقد ساق ابن الجوزى في كتابه من أخبار العشاق وما نالهم من الأمراض والجنون والضنا، وقصّ كثيرا من أخبارهم، تركنا إيراد ذلك رغبة في الاختصار، لأنه أمر غير منكور.

وأما من خاطر بنفسه وألقاها إلى الهلاك لأجل محبوبه، فمن ذلك ما روى عن أبى ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان أنه قال: كان عبد الملك يجلس يومين في الأسبوع جلوسا عامّا للناس: فبينا هو جالس في مستشرف له وقد ادخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصّة غير مترجمة. فيها:

«إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنينى ثلاثة أصوات ثم ينفذ فىّ ما شاء من حكمه، فعل!» .

فاستشاط من ذلك غضبا وغيظا، وقال: يا رباح! علىّ بصاحب هذه القصة! فخرج الناس جميعا فأدخل عليه غلام كما عذّر، من أحسن الفتيان، فقال له عبد الملك:

يا غلام، هذه قصتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وما الذى غرّك منّى؟ والله لأمثلنّ بك ولأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة! ثم قال: علىّ بالجارية فجىء بها كأنها فلقة قمر! وبيدها عودها ووضع لها كرسىّ، فجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال لها: يا جارية، غنينى بشعر قيس بن ذريح:

لقد كنت حسب النفس، لو دام ودنا؛

ولكنما الدنيا متاع غرور!

وكنّا جميعا قبل أن يظهر الهوى

بأنعم حالى غبطة وسرور.

فما برح الواشون حتّى بدت لنا

بطون الهوى مقلوبة لظهور.

ص: 160

فغنّت. فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنك الصوت الثانى! فقال: غنينى بشعر جميل:

ألا ليت شعرى! هل أبيتنّ ليلة

بوادى القرى؟ إنى إذا لسعيد!

إذا قلت: ما بى يا بثينة قاتلى

من الحبّ! قالت: ثابت ويزيد!

وإن قلت: ردّى بعض عقلى أعش به

مع الناس! قالت: ذاك منك بعيد!

فلا أنا مردود بما جئت طالبا،

ولا حبّها فيما يبيد يبيد!

يموت الهوى منّى إذا ما لقيتها،

ويحيا إذا فارقتها فيعود!

فغنته الجارية. فسقط الغلام مغشيّا عليه ساعة. ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث! فقال يا جارية! غنينى بشعر قيس بن الملوّح:

وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة

غزال غضيض المقلتين ربيب.

فلا تحسبى أن الغريب الذى نأى،

ولكنّ من تنأين عنه غريب!

فغنته الجارية فطرح نفسه من المستشرف، فتقطع قبل وصوله إلى الأرض. فقال عبد الملك: ويحه! لقد عجّل على نفسه! ولقد كان تقديرى فيه غير الذى فعل! وأمر بإخراج الجارية عن قصره، فأخرجت. ثم سأل عن الغلام فقالوا: غريب، لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادى في الأسواق، ويده على رأسه:

غدا يكثر الباكون منا ومنكم،

وتزداد دارى من دياركم بعدا!

وحكى أن مثل هذه الحكاية جرت في مجلس سليمان بن عبد الملك.

حكى عن أبى عثمان الجاحظ أنه قال: قعد سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم وعرضت عليه القصص فمرّت به قصة فيها: إن رأى امير المؤمنين أن يخرج إلىّ فلانة

ص: 161

(إحدى جواريه) حتّى تغنينى ثلاثة أصوات، فعل. فاغتاظ سليمان وأمر أن يؤتى برأسه. ثم أتبع الرسول برسول آخر فأمره أن يدخل الرجل إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: ما الذى حملك على ما صنعت؟ فقال: الثقة بحلمك، والاتكال على عفوك! فأمره بالجلوس، فجلس حتى لم يبق من بنى أمية أحد. ثم أمر بإخراج الجارية فأخرجت ومعها عود، ثم قال: اختر! فقال: تغنى لى بقول قيس بن الملوّح:

تعلّق روحى روحها قبل خلقنا

ومن بعد أن كنّا نطافا وفي المهد!

فعاش كما عشنا فأصبح ناميا،

وليس- وإن متنا- بمنقصف العهد.

يكاد فضيض الماء يخدش جلدها،

اذا اغتسلت بالماء من رقّة الجلد.

وإنّى لمشتاق إلى ريح جيبها،

كما اشتاق إدريس إلى جنّة الخلد!

فغنت. ثم قال: تأمر لى برطل. فأمر له به فشربه. ثم قال: تغنى بقول جميل:

علقت الهوى منها وليدا، فلم يزل

إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد.

وأفنيت عمرى في انتظار نوالها

وأبليت فيها الدّهر وهو جديد.

فلا أنا مردود بما جئت طالبا،

ولا حبّها فيما يبيد يبيد.

إذا قلت: ما بى يابثينة قاتلى

من الحبّ! قالت: ثابت ويزيد.

وإن قلت: ردّى بعض عقلى أعش به

مع الناس! قالت: ذاك منك بعيد.

فغنّت، فقال له سليمان: قل ما تريد؟ قال: تأمر لى برطل، فأمر له به فشربه.

ثم قال: تغنى بقول قيس بن ذريح:

«لقد كنت حسب النفس»

الأبيات

ص: 162

فغنت. فقال له سليمان: قل ما تشاء! قال: تأمر لى برطل! فأمر له به، فما استتمه حتّى وثب فصعد إلى أعلى قبة ثم زجّ نفسه على دماغه فمات. فاسترجع سليمان وقال: أتراه توهّم الجاهل أنى أخرج إليه جاريتى وأردّها إلى ملكى؟ يا غلام خذ بيدها فانطلق بها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها وتصدّقوا بثمنها عنه.

فلما انطلقوا بها، نظرت إلى حفرة في الدار قد أعدّت للمطر، فجذبت يدها من أيديهم وأنشأت تقول:

من مات عشقا فليمت هكذا!

لا خير في عشق بلا موت!

وزجت نفسها في الحفرة على دماغها. فماتت.

وقد حكى أيضا مثل هذه، وأنها وقعت للرشيد.

روى عن أبى بكر محمد بن علىّ المخزومىّ قال: اشتريت للرشيد جارية مدنية.

فأعجب بها وأمر الفضل بن الربيع أن يبعث في حمل أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها.

وأراد بذلك تشريفها. فوفد إلى مدينة السلام ثمانون رجلا، ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة كان يهوى الجارية. فلما بلغ الرشيد خبر مقدمهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ليكتب اسم كل واحد منهم وحاجته، ففعل. فلما بلغ إلى العراقىّ قال: ما حاجتك؟ قال له: إن أنت كتبتها وضمنت لى عرضها مع ما يعرض، أنبأتك بها. فقال: أفعل ذلك، فقال: حاجتى أن أجلس مع فلانة حتّى تغنّينى ثلاثة أصوات وأشرب ثلاثة أرطال، وأخبرها بما تجنّ ضلوعى من حبها! فقال الفضل: أنت موسوس مدخول عليك في عقلك! فقال: يا هذا، قد أمرت أن تكتب ما يقول كلّ واحد منا فاكتب ما أقول واعرضه، فإن أجبت إليه وإلا فأنت في أوسع العذر، فدخل الفضل مغضبا فوقف بين يدى الرشيد، وقرأ عليه ما كتب من حوائجهم. فلما فرغ

ص: 163

قال: يا أمير المؤمنين فيهم واحد مجنون! سأل ما أجلّ مجلس أمير المؤمنين عن التفوّه به.

فقال: قل، ولا تجزعنّ! فقال: قال كذا وكذا. فقال: اخرج إليه، وقل له «إذا كان بعد ثلاث، فاحضر لينجز لك ما سألت» . وكن أنت متولّى الاستئذان له. ثم دعا بخادم فقال له: امض إلى فلانة فقل لها: حضر رجل يذكر كذا وكذا وقد أجبناه إلى ما سأل فكونى على أهبة. وخرج الفضل إلى الرجل وأخبره بما قال الرشيد، فانصرف وجاء فى اليوم الثالث. فعرّف الفضل الرشيد خبره فقال: يوضع له بحيث أرى كرسىّ من فضة، وللجارية كرسىّ من ذهب! وليخرج إليه ثلاثة أرطال! ففعلوا ذلك وجاء الفتى فجلس على الكرسىّ، والجارية بإزائه، فجعل يحدّثها والرشيد يراهما، فقال له الخادم: لم تدخل فتشتو وتصيّف! فأخذ رطلا وخرّ ساجدا، وقال: إن شئت أن تغنّى فغنّى:

خليلىّ عوجا! بارك الله فيكما

وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا!

وقولا لها: ليس الضلال أجازنا؛

ولكنّما جزنا لنلقاكما عمدا!

غدا يكثر الباكون منا ومنكم،

وتزداد دارى من دياركم بعدا!

فغنت، فشرب الرطل، وحادثها ساعة. فاستحثه الخادم فأخذ الرطل بيده وقال:

غنى جعلنى الله فداءك!

تكلّم منّا في الوجوه عيوننا،

فنحن سكوت والهوى يتكلّم!

ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا،

وذلك فيما بيننا ليس يعلم!

فغنته وشرب الرطل الثانى وحادثها ساعة. واستعجله الخادم فخرّ ساجدا يبكى واخذ الرطل بيده واستودعها الله وقام ودموعه تستبق استباق المطر وقال: إذا شئت أن تغنّى فغنّى.

ص: 164

أحسن ما كنّا تفرّقنا

وخاننا الدّهر وما خنّا!

فليت ذا الدّهر لنا مرّة

عاد لنا الدّهر كما كنا!

فغنته الصوت، فقلّب الفتى طرفه فبصر بدرجة في الصحن، فأمها. فاتبعه الخدم ليهدوه الطريق، ففاتهم وصعد الدرجة فألقى نفسه إلى الأرض على رأسه فمات. فقال الرشيد: عجّل الفتى! ولو لم يعجّل لوهبتها له! وممن خاطر بنفسه في هواه وعرّضها للتلف فنجا ونال خيرا، ما حكاه ابن الجوزى بسند يرفعه إلى أبى الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم الفقيه المعروف بابن الترسى قال: كنت جالسا بحضرة أبى، وأنا حدث، وعنده جماعة.

فحدّثنى حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الظريفة. وكان ممن حضر صديق لأبى. فسمعته يحدّث أبى، قال: حضرت عند صديق لى من التّجّار- كان يتّجر بمائة ألف دينار- فى دعوة. وكان حسن المروءة، فقدّم مائدة وقدّم عليها ديكريكة [1] فلم يأكل

[1] فى الباب الثانى الخاص بالحوامض من كتاب «صفة الأطعمة» الموجود منه نسخة فتوغرافية بدار الكتب المصرية مانصه:

«ديكبريكة. يقطّع اللحم أوساطا ويترك في القدر ويلقى عليه يسير ملح وكف حمص مقشور وكسفرة يابسة ورطبة وبصل مقطع وكراث ويطرح عليه غمرة ما، ويغلى ثم تؤخذ رغوته ويلقى عليه شيرج يسير وخل خمر ومرى ويلقى عليه قليل فلفل مسحوق ناعم ويطبخ حتّى يتبين طعمه. ومن الناس من يحليها بقليل سكر فاذا نضجت طرح فيها أطراف الطيب مع فلفل وكزبرة يابسة وتترك حتى تهدأ وترفع» انتهى.

والظاهر أن صواب اللفظ (ديكبرديكة) ثم اختصر أو حرف الى ديكبريكة وديكريكة لأن الذى فى المعاجم الفارسية (ديك برديك) فمعنى (ديك) القدر و (بر) فوق وعلى، فيكون المراد قدر فوق قدر. وتقول هذه المعاجم إن هذا النوع المزدوج يستعمل لأعمال التصعيد والتقطير. ولا يبعد أن يكون هذا الطعام مما يعالج في طبخه بالبخار أى بوضع قدره على قدر أخرى فيها ماء يغلى على النار فسمى الطعام باسم وعائه اه.

أفادنيه حضرة صاحب السعادة العلامة أحمد تيمور باشا.

ص: 165

منها، فامتنعنا. فقال: كلوا! فإنى أتأذّى بأكل هذا اللون. فقلنا: نساعدك على تركه.

قال: بل أساعدكم على الأكل، واحتمل الأذى! فأكل وأكلنا، فلما أراد غسل يده أطال. فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة. فقلت: يا هذا، وسوست! فقال: هذه الأذية التى قرفت منها! فقلت: وما سببها؟ فامتنع من ذكر السبب، فلما ألححت عليه، قال: مات أبى وسنى عشرون سنة، وخلّف لى نعمة وفيرة ورأس مال ومتاعا في دكانه. فقال لما حضرته الوفاة: يا بنىّ! إنه لا وارث لى غيرك، ولا دين علىّ ولا مظلمة. فإذا أنا متّ فأحسن جهازى وتصدّق عنى بكذا وكذا، وأخرج عنى حجّة بكذا، وبارك الله لك في الباقى! ولكن احفظ وصيتى! فقلت: قل! قال: لا تسرف فى مالك، فتحتاج إلى ما في أيدى الناس فلا تجده. واعلم أن القليل مع الإصلاح كثير، والكثير مع الفساد قليل. فالزم السّوق وكن أوّل من يدخلها، وآخر من يخرج منها.

وإن استطعت أن تدخلها سحرا بليل فافعل، فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام، ومات. فأنفذت وصيته، وعملت بما أشار به. وكنت أدخل السوق سحرا، وأخرج منها عشاء. فلا أعدم من يجىء يطلب كفنا فلا يجد من قد فتح غيرى فأحتكم عليه، ومن يبيع شيئا والسوق لم تقم فأبتاع منه، وأشياء من هذه الفوائد. ومضى علىّ سنة وكسر، فصار لى بذلك جاه عند أهل السوق وعرفوا استقامتى وأكرمونى.

فبينا أنا جالس يوما ولم تتكامل السوق، وإذا بامرأة راكبة حمارا مصريا وعلى كفله منديل دبيقىّ [1] ومعها خادم وهى بزىّ القهارمة. فبلغت آخر السوق ثم رجعت، فنزلت عندى. فقمت إليها وأكرمتها، وقلت: ما تأمرين؟ وتأملتها فإذا بامرأة لم أر قبلها

[1] دبيق (بالباء الموحدة ثم الياء) مدينة كانت بالقرب من دمياط وكانت مشهورة بنفائس المنسوجات التى تعرف باسمها.

ص: 166

ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شىء. فتكلمت وقالت: أريد كذا وكذا (ثيابا طلبتها) . فسمعت نغمة ورأيت شكلا قتلنى فعشقتها في الحال أشدّ عشق، وقلت:

اصبرى حتى يخرج الناس، فآخذ ذلك لك فليس عندى إلا القليل مما يصلح لك.

وأخرجت الذى عندى وجلست تحادثنى، وكأن السكاكين في فؤادى من عشقها.

وكشفت عن أنامل رأيتها كالطّلع، ووجه كدارة القمر. فقمت لئلا يزيد علىّ الأمر، وأخذت لها من السوق ما أرادت، وكان ثمنه مع مالى نحو خمسمائة دينار، فأخذته وركبت ولم تعطنى شيئا. وذهب عنى لما تداخلنى من حبها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال، وأن أستدل على منزلها ومن دار من هى؟ فحين غابت عنى، وقع لى أنها محتالة وأن ذلك سبب فقرى. فتحيرت في أمرى وكتمت خبرى، لئلا أفتضح بما للناس علىّ. وأجمعت على بيع ما في يدى من المتاع وإضافته إلى ما عندى من الدراهم وأدفع أموال الناس إليهم ولزوم البيت والاقتصار على غلة العقار الذى ورثته. وأخذت أشرع فى ذلك مدة أسبوع، وإذا بها قد أقبلت ونزلت عندى، فحين رأيتها أنسيت جميع ما جرى علىّ، وقمت إليها. فقالت: يا فتى، تأخرنا عنك لشغل عرض لنا، وما شككنا فى أنك لم تشك أنا احتلنا عليك، فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا! فقالت، هات التخت والطيار [1] ، فأحضرته، فأخرجت دنانير عتقا، فوفتنى المال بأسره. وأخرجت تذكرة بأشياء أخر. فأنفذت إلى التجّار أموالهم وطلبت منهم الذى أرادت، وحصّلت أنا

[1] فى شرح المقامات الحريرية للطرّزى المسمى بالايضاح في تفسير قول الحريرى في المقامة الثانية والأربعين

«ثم اعتضد عصا التّسيار

وأنشد ملغزا في الطيار.

وذى طيشة شقه مائل

وما عابه بهما عاقل»

ما نصه: «الطيار معيار الذهب لأنه على شكل الطائر وقيل هو ميزان لا لسان له أفادنيه حضرة صاحب السعادة العلامة أحمد تيمور باشا.

ص: 167

فى الوسط ربحا جيدا. وأحضر التّجّاز الثياب فقمت وثمنتها معهم لنفسى. ثم بعتها عليها بربح عظيم، وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر من تألّف حبها، وهى تنظر إلىّ نظر من فطنت بذلك ولم تنكره. فهممت بخطابها ولم أقدر عليه. وجمعت المتاع فكان ثمنه ألف دينار. فأخذته، وركبت ولم أسألها عن موضعها. فلما غابت عنى، قلت: هذه الآن الحيلة المحكمة! أعطتنى خمسمائة دينار وأخذت ألف دينار، وليس إلا بيع عقارى الآن، والحصول على الفقر! وتطاولت غيبتها عنى بنحو شهر. وألحّ التجّار علىّ بالمطالبة، فعرضت عقارى على البيع، ولازمنى بعض التجّار فوزنت جميع ما كنت أملكه ورقا وعينا. فبينا أنا كذلك، إذ نزلت عندى. فزال عنى جميع ما كنت فيه برؤيتها. واستدعت الطيّار والتخت، فوزنت المال ورمت إلىّ تذكرة يزيد ما فيها على ألفى دينار بكثير. فتشاغلت بإحضار التجّار ودفع أموالهم إليهم وأخذ المتاع منهم، وطال الحديث بيننا. فقالت لى: يا فتى، ألك زوجة؟ فقلت: لا، والله ما عرفت امرأة قط، وأطمعنى ذلك فيها، وقلت: هذا وقت خطابها، والإمساك عنها عجز، ولعلها تعود أو لا تعود. وأردت كلامها فهبتها. وقمت كأنى أحثّ التجار على جمع المتاع. وأخذت يد الخادم وأخرجت إليه دنانير وسألته أن يأخذها ويقضى لى حاجة. فقال: أفعل، فقصصت عليه قصتى وسألته توسط الأمر بينى وبينها.

فضحك وقال: والله إنها لك أعشق منك لها! وو الله ما بها حاجة إلى أكثر هذا الذى تشتريه، وإنما تأتيك محبة لك وطريقا إلى مطاولتك، فخاطبها ودعنى، فجسّرنى على خطابها فخاطبتها وكشفت لها عشقى ومحبتى وبكيت، فضحكت. وتقبلت ذلك أحسن قبول. وقالت: الخادم يأتيك برسالتى. ونهضت ولم تأخذ شيئا من المتاع، فرددته على أصحابه. وحصل لى مما اشترته أوّلا وثانيا ألوف دراهم ربحا،

ص: 168

ولم أعرف النوم في تلك الليلة شوقا إليها، وخوفا من انقطاع السبب بيننا. فلما كان بعد أيام جاءنى الخادم، فأكرمته وسألته عن خبرها، فقال: هى والله عليلة من شوقها إليك، فقلت: اشرح لى أمرها، فقال: هذه مملوكة السيدة أم المقتدر وهى من أخص جواريها، واشتهت رؤية الناس والدخول والخروج. فتوصلت حتّى جعلتها قهرمانة.

وقد والله حدّثت السيدة بحديثك وبكت بين يديها وسألتها أن تزوّجها منك، فقالت السيدة: لا أفعل أو أرى هذا الرجل. فإن كان يستأهلك وإلا لم أدعك ورأيك.

وتحتاج أن تحتال في إدخالك الدار بحيلة، فإن تمت وصلت بها إلى تزويجك بها، وإن انكشفت ضرب عنقك. وقد أنقذتنى إليك في هذه الرسالة، وقالت لك:

إن صبرت على هذا، وإلا فلا طريق لك والله إلىّ، ولا لى إليك بعدها! فحملنى ما في نفسى أن قلت: أصبر، فقال: إذا كانت الليلة فاعبر إلى المحرم، وادخل إلى المسجد، وبت فيه. ففعلت ذلك. فلما كان وقت السّحر، إذا بطيار [1] قد قدم، وخدم قد رفعوا صناديق فراغا. فجعلوها في المسجد وانصرفوا. وخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد، والخادم معها. فجلست وفرقت باقى الخدم في حوائج، واستدعتنى فعانقتنى وقبلتنى. ولم أكن نلت ذلك منها قبله. ثم أجلستنى في بعض الصناديق وأقفلته. وطلعت الشمس وجاء الخدم بثياب وحوائج من المواضع التى كانت أنفذتهم إليها، فجعلت ذلك بحضرتهم في باقى الصناديق، وأقفلتها. وحملت إلى الطيار وانحدر. فلما حصلت فيه ندمت وقلت: قتلت نفسى لشهوة، وأقبلت ألومها تارة، وأشجّعها وأمنّيها أخرى، وأنذر النّذور على خلاصى، وأوطّن مرة نفسى على القتل إلى أن بلغنا الدار. وحمل الخدم الصناديق، وحمل صندوقى

[1] أى زورق من الزوارق الخفيفة.

ص: 169

الخادم الذى يعرف الحديث، وبادر به أمام الصناديق وهى معى، والخدم يحملون بقيتها. وكلما جازت بطائفة من الخدم والبوّابين، قالوا: نريد أن نفتّش الصندوق، فتصيح عليهم وتقول: متى جرى الرسم معى بهذا؟ فيمسكون عنها وروحى في السّياق إلى أن انتهينا إلى خادم خاطبته هى بالأستاذ. فعلمت أنه أجل الخدم، فقال:

لا بدّ من فتح الصندوق الذى معك، فخاطبته بلين وذل، فلم يجبها. وعلمت أنها ما ذلّت ولها حيلة، فأغمى علىّ. وأنزلوا الصّندوق ليفتحوه. فبلت من شدّة ما نالنى من الفزع، فجرى البول من خلال الصندوق. فصاحت: يا أستاذ، أهلكت علينا متاعا بخمسة آلاف دينار في الصندوق. ثياب مصبّغات وماء ورد، وقد انقلب على الثياب، والساعة تختلط ألوانها، وهى هلاكى مع السيدة! فقال لها: خذى صندوقك إلى لعنة الله أنت وهو، مرّى! فصاحت بالخدم: احملوا، فأدخلت الدار ورجعت إلىّ روحى، فبينا نحن كذلك إذ قالت: وا ويلاه! الخليفة والله! فجاءنى أعظم من الأوّل. وسمعت كلام خدم وهو يقول من بينهم: ويك يا فلانة! إيش في صندوقك؟ أرينى هو، فقالت: ثياب لستى يا مولاى، والساعة أفتحه بين يديها، وتراه، وقالت للخدم: أسرعوا ويلكم! فأسرعوا فأدخلتنى إلى الحجرة وفتحت الصندوق وقالت: اصعد من هذه الدرجة إلى الغرفة فاجلس فيها، وفتحت صندوقا آخر فقلبت بعض ما فيه إلى الصندوق الذى كنت فيه، وأقفلت الجميع. وجاء المقتدر وقال: افتحيه، ففتحته، فلم ير شيئا فيه. فصعدت إلىّ وجعلت تقبلنى وترشفنى. ونسيت ما جرى. ثم تركتنى، وأقفلت باب الحجرة يومها.

ثم جاءتنى ليلا فأطعمتنى وسقتنى وانصرفت. فلما كان من غد جاءتنى، فقالت:

السيدة الساعة تجىء، فانظر كيف تخاطبها، ثم عادت بعد ساعة مع السيدة،

ص: 170

وقالت: انزل، فنزلت. فإذا بالسيدة جالسة على كرسىّ وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتى. فقبّلت الأرض وقمت بين يديها، فقالت: اجلس، فقلت: أنا عبد السيدة وخادمها، وليس من محلى أن أجلس بحضرتها، فتأملتنى وقالت:

ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب، ونهضت، فجاءتنى صاحبتى بعد ساعة، وقالت: أبشر، فقد أذنت لى في تزويجك، وما بقى الآن عقبة إلا الخروج.

فقلت: يسلم الله! فلما كان من غد حملتنى في الصندوق. فخرجت كما دخلت بعد مخاطرة أخرى وفزع ثان. ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلى، فتصدّقت، وحمدت الله تعالى على السلامة. فلما كان بعد أيام جاءنى الخادم ومعه كيس وفيه ثلاثة آلاف دينار عينا وقال: أمرتنى ستى بإنفاذ هذا إليك من مالها، وقالت:

اشتر به ثيابا ومركوبا وخدما، وأصلح به ظاهرك، واحضر يوم الموكب إلى باب العامّة، وفف حتّى تطلب. فقد وافق الخليفة أن يزوجك بحضرته. فأخذت المال وأجبت عن رقعة كانت معه، واشتريت ما قالوه بشىء يسير منه وبقى الأكثر عندى. وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزىّ حسن. وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة، ووقفت إلى أن استدعيت ودخلت. فإذا أنا بالمقتدر جالسا والقضاة والقوّاد وغيرهم من الهاشميين. فهبت المجلس وعلّمت كيف أسلّم. ففعلت.

وتقدّم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لى وزوّجنى. وخرجت من حضرته. فلما انتهيت إلى بعض الدهاليز، عدل بى إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخرة وفيها من الآلات والخدم والقماش ما لم أر مثله قطّ. وانصرف من أدخلنى. فجلست يومى لا أقوم إلا إلى الصلاة. وخدم يدخلون وخدم يخرجون، وطعام عظيم ينقل وهم يقولون: الليلة تزف فلانة باسم صاحبتى إلى زوجها البزّاز،

ص: 171

وأنا لا أصدّق فرحا. فلما جاء الليل أثّر فيّ الجوع وأقفلت الأبواب، ويئست من الجارية، فقمت أطوف الدار فوقعت على المطبخ. ووجدت الطباخين جلوسا فاستطعمتهم فلم يعرفونى وقدّرونى بعض الوكلاء. فقدّموا إلىّ هذا اللون مع رغيفين فأكلتهما وغسلت يدى بأشنان كان في المطبخ وقدّرت أنها قد نقيت.

وعدت إلى مكانى. فلما جنّ الليل إذا طبول وزمور وأصوات عظيمة. وإذا أنا بالأبواب قد فتّحت وصاحبتى قد أهديت إلىّ وجاءوا بها فجلوها علىّ، وأنا أقدّر أن ذلك في النوم. ثم تركت معى في المجلس. وتفرّق ذلك البوش. فلما خلونا، تقدّمت إليها فقبلتها وقبلتنى. فلما شمّت رائحة لحيتى، رفستنى فرمت بى عن المنصّة وقالت: أنكرت والله أن تفلح يا عامّى، يا سفلة، وقامت لتخرج، فقمت وعلقت بها وقبلت الأرض ورجليها، وقلت: عرفينى ذنبى واعملى بعده ما شئت، فقالت: ويحك، أكلت ولم تغسل يدك! فقصصت عليها قصتى، فلما بلغت إلى آخرها قلت: علىّ وعلىّ- وحلفت بطلاقها وطلاق كل امرأة أتزوّجها وصدقة مالى وجميع ما أملكه والحجّ ماشيا على قدمىّ وكلّ ما يحلف به المسلمون- لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدى أربعين مرة. فاستحيت وتبسمت وصاحت:

يا جوارى! فجاء مقدار عشر جوار ووصائف، فقالت: هاتوا شيئا نأكل، فقدّمت ألوان ظريفة وطعام من أطعمة الخلفاء. فأكلنا وغسلنا أيدينا.

واستدعت شرابا فشربنا وغنّى أولئك الوصائف أطيب غناء وأحسنه، ثم قمنا إلى الفراش فخلوت بها وبتّ بأطيب ليلة، ولم نفترق أسبوعا. وكانت يوم الأسبوع وليمة عظيمة اجتمع فيه الجوارى. فلما كان من الغد، قالت لى: إن دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا مع جارية غيرى، لمحبة سيدتى لى. وجميع ما تراه

ص: 172

فهو هبة من السيدة لى. وقد أعطتنى خمسين ألف دينار من عين وورق وجوهر.

ولى ذخائر في خارج القصر كثيرة من كل لون. وجميعها لك، فاخرج إلى منزلك، وخذ معك مالا واشتردارا سريّة واسعة الصحن، فيها بستان، كثيرة الحجر.

وتحوّل إليها، وعرفنى لأنقل إليها هذا كله، ثم آتيك، وسلمت إلىّ عشرة آلاف دينار عينا. فخرجت وابتعت الدار وكتبت إليها بالخبر. فحملت إلىّ تلك النعمة بأسرها. فجميع ما أنا فيه منها، فأقامت عندى كذا وكذا سنة أعيش معها عيش الخلفاء، ولم أدع مع ذلك التجارة. فزاد مالى وعظمت منزلتى وأثرت حالى، وولدت لى هؤلاء الفتيان وأومأ إلى أولاده. ثم ماتت (رحمها الله) وبقى علىّ من مضرّة الديكيريكة ما شاهدته.

وبالجملة فلا يغترّ أحد بهذه الحكاية وأمثالها، فيجهل بنفسه فيهلكها. «فما المغرّر محمود وإن سلما» .

وأما من كفر بسبب العشق فكثير جدّا لا ينحصرون، ومما ورد فى ذلك حكاية عجيبة أوردتها لغرابتها وهى مما حكاه ابن الجوزىّ في كتابه المترجم «بذم الهوى» قال:

سمعت شيخنا أبا الحسن علىّ بن عبيد الله الزعفرانى يحكى أن رجلا اجتاز بباب امرأة نصرانية، فرآها فهويها من وقته، وزاد الأمر به حتّى غلب على عقله، فحمل إلى البيمارستان. وكان له صديق يتردّد إليه ويترسّل بينه وبينها. ثم زاد الأمر به، فقالت أمّه لصديقه: إنى أجىء إليه فلا يكلمنى، فقال: تعالى معى،

ص: 173

فأتت معه. فقال له: إن صاحبتك بعثت إليك رسالة، قال: كيف؟ قلت:

هذه أمك تؤدّى رسالتها. فجعلت أمه تحدّثه عنها بشىء من الكذب. ثم زاد الأمر عليه ونزل به الموت، فقال لصديقه: قد جاء الأجل وحان الوقت وما لقيت صاحبتى في الدّنيا، وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة. فقال له: كيف تصنع؟

قال: أرجع عن دين محمد، وأقول عيسى ومريم والصليب الأعظم. فقال ذلك ومات.

فمضى صديقه إلى تلك المرأة فوجدها عليلة فجعل يحدّثها، وأخبرها بموت صاحبها، فقالت: أنا ما لقيته في الدّنيا وأنا أريد أن ألقاه في الآخرة. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأنا بريئة من دين النصرانية.

فقام أبوها فقال للرجل: خذوها الآن فإنها منكم، فقام الرجل ليخرج، فقال له:

قف ساعة؛ فوقف، فما لبث أن ماتت.

قال: وبلغنى عن رجل ببغداد (يقال له صالح المؤذن، أذّن أربعين سنة، وكان يعرف بالصلاح) أنه صعد يوما إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت رجل نصرانىّ كان بيته إلى جانب المسجد. فافتتن بها، فجاء فطرق الباب فقالت له: من أنت؟ قال: أنا صالح المؤذن. ففتحت له الباب فدخل وضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات، فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتينى على ما أريد وإلا قتلتك، فقالت: لا، إلا أن تترك دينك، فقال كلمة الكفر وبرئ من الإسلام. ثم تقدّم إليها فقالت: إنما قلت هذا لتقضى غرضك ثم تعود إلى دينك. فكل من لحم الخنزير، فأكل منه، قالت: فاشرب الخمر، فشرب. فلما دبّ الشراب فيه دنا منها فدخلت بيتا وأغلقت بينها وبينه

ص: 174

الباب، وقالت له: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبى زوّجنى منك. فصعد فسقط فمات. فخرجت إليه ولفته في مسح. وجاء أبوها فقصت عليه القصة فأخرجه فى الليل ورماه في السكة. وظهر حديثه، فرمى على مزبلة.

وأما من قتل بسبب العشق فلا يكاد ذلك يحصر كثرة، وأعظمه وأشدّه واقعة عبد الرحمن بن ملجم المرادىّ، لعنه الله.

قال النبىّ صلى الله عليه وسلم لابن عمه علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه: «يا علىّ أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الأوّلين والآخرين قاتلك، وهو هذا» وأشار إلى ابن ملجم قبحه الله تعالى ولعنه

، وأوجب له خزيه ومقته وعذابه، وذلك نكالا لما اجترأ عليه في قتله أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. وذلك أن ابن ملجم قبحه الله رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام، كانت من أجمل النساء وكانت ترى رأى الخوارج، وقد قتل علىّ رضى الله عنه قومها يوم النّهروان.

فلما رآها ابن ملجم عشقها فخطبها فقالت: لا أتزوّجك إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، وأن تقتل علىّ بن أبى طالب. فحمله العشق على أن خسر الدّنيا والآخرة، وتزوّجها على ذلك. وكان من خبره في قتل علىّ رضى الله عنه ما نذكره إن شاء الله تعالى في التاريخ.

وفي ذلك يقول الشاعر:

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة

كهر قطام بيّنا غير معجم.

ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة،

وضرب «علىّ» بالحسام المصمّم.

فلا مهر أغلى من «علىّ» وإن علا

ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم!

ص: 175

ومنهم من حمله العشق على قتل أبيه. وهو أبو عبد الملك مروان بن عبد الرحمن ابن مروان بن عبد الرحمن الناصر، ويعرف هذا «بالطليق» . كان يتعشق جارية كان أبوه قد ربّاها معه وذكر أنها له، ثم استأثر بها وخلا معها. فحمله العشق على أن انتضى سيفا ورصد أباه في بعض خلواته بها فقتله. فسجنه المنصور بن أبى عامر سنين، ثم أطلقه. فلقّب «بالطّليق» واعتراه من ذلك شبه الجنون فكان يصرع فى بعض الأوقات.

وأما من قتل بسبب العشق، فروى عن الشعبىّ قال: دخل عمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال له عمر: يا عمرو، أخبرنى عن أشجع من لقيت، فقال: نعم يا أمير المؤمنين.

خرجت مرة أريد الغارة. فبينا أنا أسير إذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا رجل جالس، وهو كأعظم ما يكون من الرجال خلقا، وهو محتب بسيف.

فقلت له: خذ حذرك فإنى قاتلك، فقال: ومن أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معديكرب، فشهق شهقة فمات.

فهذا أجبن من رأيت يا أمير المؤمنين.

وخرجت يوما حتّى انتهيت إلى حىّ. فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا صاحبه في وهدة يقضى حاجة. فقلت: خذ حذرك فإنى قاتلك، قال: من أنت؟

قلت: أنا عمرو بن معديكرب، قال: أبا ثور، ما أنصفتنى، أنت على ظهر فرسك، وأنا في بئر، فأعطنى عهدا أنك لا تقتلنى حتى أركب فرسى وآخذ حذرى، فأعطته عهدا أن لا أقتله حتى يركب فرسه ويأخذ حذره. فخرج من الموضع الذى كان فيه

ص: 176

حتى احتبى بسيفه وجلس. فقلت له: ما هذا؟ فقال: ما أنا راكب فرسى ولا بمقاتلك، فإن نكثت عهدك فأنت أعلم، فتركته ومضيت فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت! ثم إنى خرجت يوما آخر حتّى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه. فلم أر أحدا فأجريت فرسى يمينا وشمالا فظهر لى فارس. فلما دنا منى إذا هو غلام قد أقبل من نحو اليمامة. فلما قرب منى سلّم فرددت عليه وقلت: من الفتى؟ قال أنا الحارث بن سعد، فارس الشهباء، فقلت له: خذ حذرك، فإنى قاتلك فقال: الويل لك! من أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معديكرب، قال: الحقير الذليل؟ والله ما يمنعنى من قتلك إلا استصغارك، فتصاغرت نفسى إلىّ وعظم عندى ما استقبلنى.

فقلت له: خذ حذرك، فو الله لا ينصرف إلا أحدنا، قال: أغرب، ثكلتك أمّك! فإنى من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط! فقلت: هو الذى تسمع، قال: اختر لنفسك، إما أن تطرد لى، وإما أن أطرد لك، فاغتنمتها منه، فقلت: أطرد لى، فأطرد وحملت عليه، حتى إذا قلت إنى وضعت الرمح بين كتفيه، إذا هو قد صار حزاما لفرسه، ثم اتبعنى فقرع بالقناة رأسى، وقال: يا عمرو، خذها إليك واحده، فو الله لولا أنى أكره قتل مثلك لقتلتك، فتصاغرت إلىّ نفسى، وكان الموت والله يا أمير المؤمنين أحبّ إلىّ مما رأيت، فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا، فقال:

اختر لنفسك، فقلت: أطرد لى، فأطرد لى. فظننت أنى قد تمكنت منه واتبعته حتّى إذا ظننت أنى قد وضعت الرمح بين كتفيه، فإذا هو قد صار لببا لفرسه، ثم اتبعنى ففرع رأسى بالقناة وقال: يا عمرو، خذها إليك اثنتين، فتصاغرت إلىّ نفسى فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا، فقال: اختر لنفسك، فقلت: أطرد

ص: 177

لى، فأطرد حتّى إذا قلت إنى وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه فإذا هو على الأرض، فأخطأته ومضيت، فاستوى على فرسه واتبعنى فقرع بالقناة رأسى وقال:

يا عمرو، خذها إليك ثالثة، ولولا أنى أكره قتل مثلك لقتلتك، فقلت له:

اقتلنى، فإن الموت أحب إلىّ مما أرى بنفسى وأن تسمع فتيان العرب بهذا، فقال يا عمرو: إنما العفو ثلاث، وإنى إن استمكنت منك الرابعة قتلتك، وأنشأ يقول:

وكّدت أغلاظا من الأيمان

إن عدت يا عمرو إلى الطّعان،

لتوجرنّ لهب السّنان

أولا، فلست من بنى شيبان!

فلما قال هكذا، كرهت الموت، وهبته هيبة شديدة، وقلت: إنّ لى إليك حاجة، قال: وما هى؟ قلت: أكون لك صاحبا، ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين، قال:

لست من أصحابى، فكان ذلك والله أشدّ علىّ وأعظم مما صنع. فلم أزل أطلب إليه حتى قال: ويحك، وهل تدرى أين أريد؟ قلت: لا، قال: أريد الموت عيانا، فقلت: رضيت بالموت معك، فقال: امض بنا، فسرنا جميع يومنا وليلتنا حتّى جنّنا الليل وذهب شطره. فوردنا على حىّ من أحياء العرب، فقال لى: يا عمرو فى هذا الحىّ الموت، ثم أومأ إلى قبة في الحىّ فقال: وفي تلك القبة الموت الأحمر، فإما أن تمسك علىّ فرسى فأنزل فآتى بحاجتى، وإما أن أمسك عليك فرسك فتنزل فتأتينى بحاجتى، فقلت: لا، بل انزل أنت، فأنت أعرف بموضع حاجتك، فرمى إلىّ بعنان الفرس ونزل، فرضيت لنفسى يا أمير المؤمنين أن أكون له ساسا. ثم مضى حتّى دخل القبة فاستخرج منها جارية لم تر عيناى قط مثلها حسنا وجمالا، فحملها على ناقة، ثم قال: يا عمرو، قلت: لبيك، قال: إما أن تحمينى وأقود أنا، وإما أن

ص: 178

أحميك وتقود أنت، قلت: بل تحمينى أنت، وأقود أنا، فرمى إلىّ بزمام الناقة، وسرنا بين يديه وهو خلفنا حتّى أصبحنا، فقال لى: يا عمرو، قلت: لبيك، ما تشاء؟

قال: التفت فانظر هل ترى أحدا؟ قال: فالتفت، فقلت: أرى جمالا، قال:

أغذّ السير، ثم قال لى: يا عمرو، قلت: لبيك، قال: انظر، فإن كان القوم قليلا فالجلد والقوّة والموت، وإن كانوا كثيرا فليسوا بشىء، قال: فالتفتّ، فقلت:

هم أربعة أو خمسة، قال: أغذّ السير، ففعلت، وسمع وقع الخيل، فقال لى: يا عمرو، قلت: لبيك! قال: كن عن يمين الطريق، وقف وحوّل وجوه دوابنا إلى الطريق، ففعلت، ووقفت عن يمين الراحلة ووقف هو عن يسارها. ودنا القوم منا، فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ وهو أبو الجارية وأخواها غلامان شابان، فسلموا فرددنا السلام، ووقفوا عن يسار الطريق. فقال الشيخ: خلّ عن الجارية يا ابن أخى، فقال:

ما كنت لأخلّيها ولا لهذا أخذتها، فقال لأصغر ابنيه: اخرج إليه، فخرج وهو يجرّ رمحه وحمل عليه الحارث وهو يقول:

من دون ما ترجوه خضب الذابل

من فارس مستلئم مقاتل،

ينمى إلى شيبان خير وائل

ما كان سيرى نحوها بباطل!

ثم شدّ عليه قطعنه طعنة دقّ منها صلبه، فسقط ميتا. فقال الشيخ لابنه الآخر: اخرج إليه يا بنىّ، فلا خير في الحياة على الذّلّ، فخرج إليه وأقبل الحارث يقول:

لقد رأيت كيف كانت طعنتى!

والطّعن للقرن الشديد همّتى.

والموت خير من فراق خلّتى

فقتلتى اليوم ولا مذلّتى!

ص: 179

ثم شدّ عليه فطعنه طعنة سقط منها ميتا. فقال له الشيخ: خلّ عن الظعينة يا ابن أخى، فإنى لست كمن رأيت، قال: ما كنت لأخلّيها ولا لهذا قصدت، فقال له الشيخ: اختر يا ابن أخى، فإن شئت طاردتك، وإن شئت نازلتك، فاغتنمها الفتى ونزل. ونزل الشيخ وهو يقول:

ما أرتجى بعد فناء عمرى؟

سأجعل السّنين مثل الشّهر.

شيخ يحامى دون بيض الخدر.

إنّ استباح البيض قصم الظّهر.

سوف ترى كيف يكون صبرى.

فأقبل الحارث وهو يقول:

بعد ارتحالى وطويل سفرى

وقد ظفرت وشفبت صدرى.

والموت خير من لباس الغدر،

والعار أهديه لحىّ بكر.

ثم دنا فقال له الشيخ: يا ابن أخى، إن شئت نازلتك، وإن بقيت فيك قوّة ضربتنى؛ وإن شئت فاضربنى، فان بقيت في قوّة ضربتك. فاغتنمها الفتى فقال:

وأنا أبدؤك، قال: هات، فرفع الحارث السيف، فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه، ضرب بطنه ضربة فقد معاه، ووقعت ضربة الحارث في رأسه. فسقطا ميتين. فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف، ثم أقبلت إلى الناقة فعقدت أعنة الأفراس بعضها إلى بعض وجعلت أقودها. فقالت الجارية: يا عمرو، إلى أين؟ ولست لى بصاحب، ولست كمن رأيت، ولو كنت صاحبى لسلكت سبيلهم! فقلت: اسكتى، قالت: فإن كنت صادقا فأعطنى سيفا ورمحا، فإن غلبتنى فأنا لك، وإن غلبتك قتلتك، فقلت لها: ما أنا بمعطيك ذلك، وقد عرفت أصلك وجرأة قومك وشجاعتهم، فرمت بنفسها عن البعير وهى تقول:

ص: 180

أبعد ما شيخى وبعد إخوتى

أطلب عيشا بعدهم في لذّة؟

هل لا تكون قبل ذا منيّتى؟

وأهوت إلى الرّمح فكادت تنتزعه من يدى. فلما رأيت ذلك خفت إن هى ظفرت بى أن تقتلنى، فقتلتها فهذا أشدّ ما رأيته يا أمير المؤمنين.

فقال عمر بن الخطاب: صدقت يا عمرو.

وروى ابن الجوزىّ بسند يرفعه إلى الليث بن سعد أنه قال: أتى عمر رضى الله عنه بفتى أمرد قد وجد قتيلا ملقى في الطريق. فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر، ولم يعرف قاتله. فشقّ ذلك عليه، وقال: اللهم ظفّرنى بقاتله.

حتّى إذا كان رأس الحول أو قريب من ذلك، وجد صبىّ مولود ملقى بموضع القتيل فأتى به عمر. فلما أتى به وأخبر بمكانه، قال: ظفرت تالله بدم القتيل إن شاء الله تعالى، فدفع الصبىّ إلى امرأة، وأمرها أن تقوم بشأنه وأعطاها نفقة. وقال: انظرى من يأخذه منك، فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلمينى بمكانها. فلما شبّ الصبىّ جاءت جارية فقالت للمرأة إن سيدتى بعثتنى إليك لتبعثى إليها بالصبىّ لتراه وتردّه إليك. قالت: نعم، اذهبى به إليها وأنا معك، فذهبت بالصبىّ والمرأة معها إلى سيدتها. فلما رأته أخذته فقبلته وضمّته إلى صدرها. وإذا هى بنت شيخ من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرت عمر خبرها. فاشتمل على سيفه، ثم أقبل على منزلها، فوجد أباها متكئا على باب داره. فسلم عليه، وقال له: أبا فلان، قال: لبّيك، قال: ما فعلت ابنتك فلانة؟ قال: يا أمير المؤمنين، جزاها الله خيرا، هى من أعرف الناس بحق الله تعالى وحق أبيها، مع حسن صلاتها

ص: 181

وصيامها والقيام بدينها، فقال عمر: قد أحببت أن أدخل إليها فأزيدها رغبة في الخير وأحثّها على ذلك. فقال: جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين، امكث مكانك حتّى أعود إليك، فاستأذن بعمر، فلما دخل عمر، أمر من كان عندها بالخروج عنها، فخرجوا. وبقيت هى وعمر ليس معهما ثالث. فكشف عمر عن السيف، وقال:

لتصدقينى وإلا ضربت عنقك، وكان عمر لا يكذب، فقالت: على رسلك يا أمير المؤمنين، فو الله لأصدقنّك. إن عجوزا كانت تدخل علىّ فاتخذتها أمّا، وكانت تقوم من أمرى بما تقوم به الوالدة، وكنت لها بمنزلة البنت، فأمضت بذلك حينا.

ثم إنها قالت لى يوما: يا بنية، إنه قد عرض لى سفر، ولى بنت في موضع أتخوّف عليها فيه أن تضيع، وقد أحببت أن أضمها إليك حتّى أرجع من سفرى، فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد، فهيأته كهيئة الجارية وأتتنى به لا أشك أنه جارية. فكان برى منى ما ترى الجارية من الجارية حتّى أغفلنى يوما وأنا نائمة فما شعرت حتّى علانى وخالطنى. فمددت يدى إلى شفرة كانت إلى جنبى فقتلته.

ثم أمرت به فألقى حيث رأيت. فاشتملت منه على هذا الصبى، فلما وضعته ألقيته فى موضع أبيه. فهذا والله خبرهما، فقال عمر: صدقت، بارك الله فيك، ثم أوصاها ووعظها ودعا لها وخرج، وقال لأبيها: بارك الله لك في ابنتك، فنعم الابنة هى! وقد وعظتها وأمرتها، فقال: وصلك الله يا أمير المؤمنين، وجزاك خيرا عن رعيّتك.

وروى أيضا بسنده إلى أبى عباد قال: أدركت الخادم الذى كان يقوم على رأس الحجاج، فقلت له: أخبرنى بأعجب شىء رأيته من الحجاج! قال: كان ابن اخيه أميرا على واسط، وكان بواسط امرأة يقال لها أبّة، لم يكن بواسط في ذلك الوقت

ص: 182

أجمل منها. فأرسل ابن أخيه إليها يراودها عن نفسها مع خادم له. فأبت عليه وقالت: إن أردتنى فاخطبنى إلى إخوتى، وكان لها أربعة إخوة فأبى، وقال:

لا، إلا كذا. وعاودها فأبت، فراجعها وأرسل إليها بهدية فأخذتها وعزلتها.

وأرسل إليها عشية الجمعة: إنى آتيك الليلة، فقالت لأمّها: ان الأمير بعث إلىّ بكذا وكذا. فأنكرت أمّها ذلك، وقالت أمها لاخوتها إن أختكم قد زعمت كيت وكيت: فأنكروا ذلك وكذبوها. فقالت إنه قد وعدنى أن يأتينى الليلة، ترونه.

قال: فقعد إخوتها في بيت حيال البيت الذى هى فيه، وجويرية لها على باب الدار تنتظره. فجاء ونزل عن دابته وقال لغلامه: إذا أذن المؤذن في الغلس، فأتنى بدابتى، ودخل والجارية أمامه. فوجد أبّة على سرير مستلقية. فاستلقى إلى جانبها ثم وضع يده عليها، وقال: إلى كم ذا المطل؟ فقالت له: كف يدك يا فاسق، ودخل إخوتها عليه بأيديهم السيوف فقطّعوه ثم لفوه في نطع وجاءوا به إلى سكة من سكك واسط فألقوه فيها. وجاء الغلام بالدابة فجعل يدقّ الباب دقّا رفيقا فلا يكلمه أحد. فلما خشى الضوء وأن تعرف الدابة انصرف. وأصبح الناس فإذا هم به على تلك الصفة. فأتوا به الحجاج فأخذ أهل تلك السكة، فقال أخبرونى: ما قصته؟

قالوا: لا نعلم حاله، غير أنا وجدناه ملقى. ففطن الحجاج فقال: علىّ بمن كان يخدمه، فأتى بذلك الخصىّ الذى كان الرسول بينهما، فقالوا: هذا كان صاحب سره، فقال له الحجاج: اصدقنى عن خبره وقصته، فأبى. فقال: إن صدقتنى لم أضرب عنقك، وإن لم تصدقنى فعلت بك وفعلت. قال: فأخبره الأمر على جهته. فأمر بالمرأة وأمها وإخوتها، فجىء بهم، وعزلت المرأة عنهم. فسألها فأخبرته بمثل ما أخبر به الخصىّ، ثم سأل إخوتها، فأخبروه بمثل ذلك ولم يختلفوا، وقالوا: نحن صنعنا به الذى ترى،

ص: 183

فأمر برقيقه ودوابه للمرأة، فقالت المرأة: هديته عندى، فقال: بارك الله لك فيها، وكثّر في النساء مثلك، هى لك، وما ترك من شىء فهو لك، وقال: مثل هذا لا يدفن.

فألقوه للكلاب، ودعا بالخصىّ فقال: أما أنت فقد قلت لك إنى لا أضرب عنقك! وأمر بضرب وسطه، فقطع نصفين.

والأخبار في مثل هذا كثيرة، فلا تطوّل بذكرها.

وأما من قتله العشق فكثير جدّا لا يكاد يحصر، روى عن عكرمة قال:

إنى لمع ابن عباس عشية عرفة، إذ أقبل فتية يحملون فتى من بنى عذرة في كساء، وهو ناحل البدن، أحلى من رأيت من الفتيان، فوضعوه بين يديه ثم قالوا: استشف لهذا يا ابن عمّ رسول الله، فقال: وما به؟ فترنم الفتى بصوت ضعيف خفىّ الأنين، وهو يقول:

بنا من جوى الأحزان والحبّ لوعة

تكاد لها نفس الشّفيق تذوب!

ولكنّما أبقى حشاشة معول

على مابه عود هناك صليب!

وما عجب موت المحبّين في الهوى؛

ولكن بقاء العاشقين عجيب!

قال: ثم حمل فمات في أيديهم، فقال ابن عباس: هذا قتيل الحبّ، لا عقل ولا قود.

قال عكرمة: فما رأيت ابن عباس سأل الله تعالى تلك الليلة- حتّى أمسى- إلا العافية مما ابتلى به ذلك الفتى.

وروى عن الأصمعىّ قال: حدّثنى أبو عمرو بن العلاء قال: حدّثنى رجل من بنى تميم قال: خرجت في طلب ضالّة لى. فبينا أنا أدور في أرض بنى عذرة أنشد ضالّتى،

ص: 184

إذا بيت معتزل عن البيوت، وإذا في كسر البيت شابّ مغمى عليه، وعند رأسه عجوز لها بقيّة من جمال، وهى ساهية تنظر إلى وجه الفتى. فسلمت فردّت السلام. فسألتها عن ضالّتى فلم يك عندها منها علم. فقلت: أيتها العجوز، من هذا الفتى؟ قالت:

ابنى، ثم قالت: هل لك في أجر لا مؤنة فيه؟ فقلت: والله إنى لأحبّ الأجرو إن رزئت! فقالت: إن ابنى هذا يهوى ابنة عمّ له علقها وهما صغيران. فلما كبر حجبت عنه، فأخذه شبيه بالجنون. ثم خطبها إلى أبيها فامتنع من تزويجه، وخطبها غيره فزوّجها إياه. فنحل جسم ولدى واصفرّ لونه وذهل عقله. فلما كان منذ خمس، زفّت إلى زوجها، فهو كما ترى: لا يأكل ولا يشرب، مغمى عليه. فلو نزلت إليه فوعظته! قال: فنزلت إليه فلم أدع شيئا من الموعظة إلا وعظته به حتّى أن قلت له فيما قلت:

إنهنّ الغوانى صاجبات يوسف، ناقضات العهد، وقد قال فيهن كثيّر عزّة:

هل وصل عزّة إلا وصل غانية

فى وصل غانية من وصلها خلف؟

قال: فرفع رأسه، محمرة عيناه كالمغضب، وقال: لست ككثيّر عزة! إنّ كثيّرا رجل مائق، وأنا رجل وامق! ولكننى كأخى تميم حيث يقول:

ألا لا يضير الحبّ ما كان ظاهرا،

ولكنّ ما اختاف الفؤاد يضير!

ألا قاتل الله الهوى كيف قادنى

كما قيد مغلول اليدين أسير!

فقلت له: فإنه قد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بى» .

فأنشأ يقول:

ألا ما للمليحة لا تعود؟

أبخل بالمليحة أم صدود؟

مرضت فعادنى أهلى جميعا

فما لك لا نرى فيمن يعود!

ص: 185

فقدتك بينهم فبكيت شوقا،

وفقد الإلف يا أملى شديد!

وما استبطأت غيرك فاعلميه

وحولى من ذوى رحمى عديد!

ولو كنت السقيمة، كنت أسعى

إليك ولم ينهنهنى الوعيد!

قال: ثم شهق شهقة وخفت، فمات. فبكت العجوز وقالت: فاضت والله نفسه! فدخلنى أمر لم يدخلنى مثله قط. فلما رأت العجوز ما حلّ بى، قالت: يا فتى لا ترع! عاش بأجل، ومات بقدر، وقدم على ربّ كريم، واستراح من تباريحه وغصصه! ثم قالت: هل لك في استكمال الصنيعة؟ قلت: قولى ما أحببت! قالت: تأتى البيوت فتنعاه اليهم ليعاونونى على رمسه، فإنى وحيدة. قال: فركبت فرسى وقصدت البيوت وأقبلت أنعاه إليهم. فبينا أنا أنعاه، إذا خيمة رفع جانب منها، وإذا امرأة قد خرجت كأنها القمر ليلة البدر. ناشرة شعرها، تجرّ خمارها، وهى تقول: بفيك الكثكث! بفيك الحجر! من تنعى؟ قلت: أنعى فلانا! قالت: أوقد مات؟ قلت: إى والله قد مات! قالت: فهل سمعت له قولا، قلت: اللهم لا، إلا شعرا، قالت:

وما هو؟ فأنشدتها قوله:

ألا ما للمليحة لا تعود

الأبيات.

فاستعبرت باكية وأنشأت تقول:

عدانى أن أزورك يا مناى

معاشر كلّهم واش حسود!

أشاعوا ما علمت من الدّواهى

وعابونا، وما فيهم رشيد!.

فأما إذ ثويت اليوم لحدا

فكلّ الناس دورهم لحود.

فلا طابت لى الدّنيا فواقا

ولا لهم ولا أثرى عديد!

ص: 186

ثم شهقت شهقة وخرّت مغشيّا عليها، وخرج النساء من البيوت واضطربت ساعة وماتت. فو الله ما برحت حتّى دفنتهما جميعا.

وروى الساجى عن الأصمعىّ قال: رأيت بالبادية رجلا قددق عظمه، وضؤل جسمه، ورق جلده. فتعجبت ودنوت منه أسأله عن حاله. فقالوا: اذكر له شيئا من الشعر يكلمك، فقلت:

سبق الفضاء بأنّنى لك عاشق

حتّى الممات، فأين منك مذاهبى؟

فشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقته، ثم أنشأ يقول:

أخلو بذكرك لا أريد محدّثا،

وكفى بذكرك سامرا وسرورا!

قال: فقلت له: أخبرنى عنك! قال: إن كنت تريد علم ذلك فاحملنى وألقنى على باب تلك الخيمة! ففعلت، فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه:

ألا ما للمليحة لا تعود

أبخل بالمليحة أم صدود؟

فلو كنت المريضة كنت أسعى

إليك ولم ينهنهنى الوعيد!

فإذا جارية مثل القمر، قد خرجت فألقت نفسها عليه فاعتنقا. وطال ذلك، فسترتهما بثوبى خشية أن يراهما الناس. فلما خفت عليهما الفضيحة، فرّقت بينهما، فإذا هما ميتان. فما برحت حتّى صليت عليهما ودفنا. فسألت عنهما، فقيل لى:

عامر بن غالب، وجميلة بنت أميل المزنيّان.

وروى ابن الجوزىّ بسند يرفعه إلى محمد بن خلف قال: ذكر بعض الرواة عن العمرىّ قال: كان أبو عبد الله الجيشانىّ يعشق صفراء العلاقمية. وكانت سوداء، فاشتكى من حبها، وضنبى حتّى صار إلى حدّ الموت. فقال بعض أهله لمولاها: لو وجهت

ص: 187

صفراء إلى أبى عبد الله الجيشانى، فلعله أن يعقل إذا رآها! ففعل. فلما دخلت عليه قالت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: بخير ما لم تبرحى! قالت:

ما تشتهى؟ قال: قربك! قالت: ما تشتكى؟ قال: حبّك! قالت: فتوصى بشىء؟ قال: نعم، أوصى بك إن قبلوا منى! فقالت: إنى أريد الانصراف! قال: فتعجلى ثواب الصلاة علىّ! فقامت فانصرفت، فلما رآها مولية تنفس الصعداء.

ومات من ساعته.

وروى أيضا بسند يرفعه إلى عوانة بن الحكم أن عبد الله بن جعفر وفد إلى عبد الملك بن مروان فحدّثه، قال: اشتريت جارية بعشرة آلاف درهم، فوصفت ليزيد بن معاوية فأرسل إلىّ يقول: إما أن تهديها إلىّ، وإما أن تبيعها بحكمك، فكتبت إليه: لا تخرج والله من ملكى ببيع ولا هبة أبدا. ومكثت عندى لا أزداد لها إلا حبا. حتّى أتتنى عجوز من عجائزنا، فذكرت أن بعض عزّاب المدينة يهواها، وأنه يجىء في كل يوم متنكرا فيقف بالباب حتّى يسمع غناءها. فراعيت مجيئه ليلة، فإذا به قد أقبل متقنع الرأس حتّى قعد مستخفيا فدعوت قيّمة الجارية، فقلت: انطلقى الساعة فأصلحى هذه الجارية بأحسن ما أمكن، وعجلى بها، ففعلت. فقمت وقبضت على يدها وفتحت الباب وأتيت إلى الرجل فحركته فانتبه مذعورا. فقلت: لا بأس عليك، خذ هذه الجارية، هى لك، فإذا هممت ببيعها فارددها إلىّ، فدهش الفتى. فدنوت إلى أذنه فقلت: ويحك، قد أظفرك الله عز وجل ببغيتك، فانصرف إلى منزلك، فإذا الفتى ميت، فلم أر شيئا قط أعجب من ذلك، وهانت علىّ الجارية، فكرهت أن أوجّه بها إلى يزيد فيعلم حالها أو تخبره

ص: 188

عن نفسها فيحقد ذلك علىّ. فمكثت مدّة مديدة ثم ماتت. ولا أظنها ماتت إلا كمدا وأسفا على الفتى.

وروى ابن الجوزىّ أيضا بسنده قال: حكى عن شبابة بن الوليد العذرىّ أن فتى من بنى عذرة يقال له أبو مالك بن النضر، كان عاشقا لابنة عمّ له عشقا شديدا.

فكان على ذلك مدّه، ثم إنه فقد بضع عشرة سنة، لا يحسّ له خبر. قال شبابة:

فأضللت إبلا لى. فخرجت في طلبها. فبينا أنا أسير في الرمال إذا بهاتف يهتف.

بصوت ضعيف:

يا ابن الوليد، ألا تحمون جاركم

وتحفظون له حتّى القرابات؟

عهدى إذا جار قوم نابه حدث،

وقوه من كلّ مكروه الملمّات!

هذا أبو مالك المسمى ببلقعة

من الضّباع وآساد بغابات!

طليح سوق، بنار الحبّ محترق،

تعتاده زفرات إثر لوعات!

أما النهار فيصيه تذكّره،

والليل مرتقب للصبح هل ياتى.

يهدى بجارية من عذرة اختلست

فؤداه، فهو منها في بليّات!

فقلت: دلّنى عليه، رحمك الله! قال: نعم، اقصد الصوت، فقصدته، فسمعت أتينا من خباء فاذا قائل يقول:

يا رسيس الهوى، أذبت فؤادى

وحشوت الحشا عذابا أليما!

فدنوت منه فقلت: أبو مالك؟ قال: نعم! قلت: ما بلع بك إلى ما أرى؟ قال:

حبّى سعاد ابنة أبى الهندام العذرىّ، شكوت يوما ما أجد من حبها إلى ابن عمّ لنا فاحتملنى إلى هذا الوادى، منذ بضع عشرة سنة، يأتينى كل يوم بخبرها ويقوتنى من عنده. فقلت إنى أصير إلى أهلها فأخبرهم ما رأيت. قال: أنت وذاك، قال: فانصرفت

ص: 189

فأخبرتهم، فرقّوا له فزوّجوه بحضرتى. فرجعت إليه لأفرّج عنه، فلما أخبرته الخبر، نظر إلىّ، ثم تأوّه تأوّها شديدا بلغ من قلبى، ثم قال:

ألآن إذ حشرجت نفسى وخامرها

فراق دنيا وناداها مناديها!

ثم زفر زفرة فمات. فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأخبرتهم الخبر. فأقامت الجارية بعده ثلاثا لا تطعم، ثم ماتت.

وحكى عن المبرد قال: خرجت أنا وجماعة من أصحابى مع المأمون. فلما قربنا من الرّقّة، إذا نحن بدير كبير، فقال لى بعض أصحابى: مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه ونحمد الله تعالى على ما رزقنا من السلامة، فدخلنا إلى الدير، فرأينا مجانين مغلغلين، وهم فى نهاية القذارة، فاذا فيهم شابّ عليه بقية من ثياب ناعمة، فلما بصربنا قال: من أنتم يافتيان؟ حياكم الله! فقلنا: نحن من العراق. فقال: بأبى العراق وأهلها! بالله أنشدونى أو أنشدكم! فقال المبرد: قلت: والله إن الشعر من هذا لظريف، فقلنا:

أنشدنا، فأنشأ يقول:

الله يعلم أنّنى كمد

لا أستطيع أبثّ ما أجد!

روحان لى: روح تضمّنها

بلد وأخرى حازها بلد!

وأرى المقيمة ليس ينفعها

صبر ولا يقوى لها جلد.

وأظنّ غائبتى كشاهدتى

فكأنّها تجد الذى أجد!

قال المبرد: بالله زدنا، فأنشأ يقول:

لمّا أناخوا قبيل الصّبح عيرهم

ورحّلوها فثارت بالهوى الإبل،

وقلّبت من خلال السّجف ناظرها

ترنو إلىّ ودمع العين منهمل،

ص: 190

وودّعت ببنان عقدها عنم،

ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل!

ويلى من البين! ماذا حلّ بى وبها

من نازل البين؟ حان البين فارتحلوا!

يا راحل العيس، عرّج كى نودّعها!

يا راحل العيس، فى ترحالك الأجل؟

إنّى على العهد لم أنقض مودّتهم،

يا ليت شعرى! بعد العهد ما فعلوا؟

قال: فقال رجل من البغضاء الذين معى: ماتوا! قال: قال إذن فأموت! فقال له: إن شئت! فتمطّى واستند إلى السارية التى كان مشدودا فيها فمات. فما برحنا حتّى دفناه.

وحكى عن أبى يحيى التيمى، قال: كنا نختلف إلى أبى مسعر بن كدام، وكان يختلف معنا فتى من النّسّاك، يقال له أبو الحسن، ومعه فتى حسن الوجه يفتتن به الناس إذا رأوه. فأكثر الناس القول فيه وفي صحبته إياه. فمنعه أهله أن يصحبه وأن يكلمه. فذهل عقله حتّى خيف عليه التلف. فلقيته فأخبرته بذلك، فتنفس الصّعداء ثم أنشأ يقول:

يا من بدائع حسن صورته

تثنى إليه أعنّة الحدق!

لى منك ما للناس كلّهم:

نظر وتسليم على الطّرق.

لكنّهم سعدوا بأمنهم

وشقيت حين أراك بالفرق!

ثم صرخ صرخة وشخص بصره نحو السماء وسقط إلى الأرض. فحرّكته فإذا هو ميت.

وروى ابن الجوزىّ قال: أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطىّ، قال:

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى نصر الحميدىّ قال: حدّثنى أبو محمد علىّ بن أحمد

ص: 191

الفقيه الحافظ قال: حدّثنى أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجىّ الأديب، قال:

نت أختلف في النحو إلى أبى عبد الله محمد بن خطاب النحوى في جماعة، أيام الحداثة. وكان معنا أسلم بن سعيد قاضى قضاة الأندلس. قال محمد بن الحسن:

وكان من أجمل من رأته العيون. وكان معنا عند ابن خطاب أحمد بن كليب.

وكان من أهل الأدب والشعر فاشتدّ كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متسترا بذلك، إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وأنشدت في المحافل.

فلعهدى بعرس في بعض الشوارع و «البكورىّ» الزامر في وسط المحفل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم.

أسلّمنى في هوا

هـ أسلم، هذا الرّشا!

غزال له مقلة

يصيب بها من يشا!

وشى بيننا حاسد

سيسأل عمّا وشى!

ولو شاء أن يرتشى

على الوصل روحى، ارتشى!

ومغنّ محسن يسايره. فلما بلغ هذا المبلغ، انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه. فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم نهاره كله. فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا. فإذا صلّى المغرب واختلط الظلام، خرج مستروحا، وجلس على باب داره. فعيل صبر أحمد بن كليب.

فتحيل في بعض الليالى ولبس جبّة من جباب أهل البادية، واعتمّ بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجا وبالأخرى قفصا فيه بيض. وجاء كأنه قدم من بعض الضّياع، فتقدّم إلى أسلم وقبل يده، وقد اختلط الظلام، وقال: يا مولاى، من يقبض

ص: 192

هذا؟ فقال له أسلم: من أنت؟ فقال: أجيرك في الضّيعة الفلانية- (وقد كان يعرف أسماء ضياعه) . فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم. ثم جعل أسلم يسأله عن أحوال الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه، فقال له: يا أخى! وإلى هاهنا تتبعنى؟ أما كفاك انقطاعى عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على بابى نهارا حتّى قطعت علىّ جميع مالى فيه راحة فصرت في سجنك؟ والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلى، ولا جلست بعدها على بابى، لا ليلا ولا نهارا، ثم قام. وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا.

قال محمد: واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب: وخسرت دجاجك وبيضك؟

فقال: هات كلّ ليل قبلة في يده، وأخسر أضعاف ذلك! فلما يئس من رؤيته البتة، نهكته العلة وأضجعه المرض. قال محمد بن الحسن: فأخبرنى شيخنا محمد بن خطاب قال: فعدته فوجدته بأسوإ حال. فقلت له: لم لا تتداوى؟ فقال: دوائى معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم فيّ البتة، فقلت له: وما دواؤك؟ قال: نظرة من أسلم! فلو سعيت في أن يزورنى لأعظم الله جزاءك بذلك، وآجره. قال: فرحمته وتقطعت نفسى عليه، فنهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه، فأذن لى وتلقّانى بما يجب، فقلت:

لى حاجة، فقال: وما هى؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندى. فقال: نعم، ولكن قد تعلم أنه برّح بى، وشهر اسمى وآذانى.

فقلت له: كل ذلك يغتفر في مثل هذه الحال التى هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته. فقال لى: والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلّفنى هذا! فقلت: لا بدّ من ذلك فليس عليك فيه شىء، وإنما هى عيادة مريض. قال: ولم أزل به حتّى أجاب، فقلت له: فقم الآن، قال: لست والله أفعل، ولكن غدا، فقلت له: ولا خلف،

ص: 193

قال: نعم. فانصرفت إلى أحمد بن كليب فأخبرته بوعده فسرّ بذلك وارتاحت نفسه.

فلما كان من الغد بكّرت إلى أسلم، وقلت له: الوعد، قال: فوجم، وقال: والله لقد تحملنى على خطّة صعبة علىّ، وما أدرى كيف أطيق ذلك؟ فقلت له: لا بدّ أن تفى بوعدك لى، قال: فأخذ رداءه ونهض معى راجلا، فلما أتينا منزل أحمد، وكان يسكن في درب طويل. فعند ما توسّط الزّقاق وقف واحمرّ وخجل، وقال:

يا سيدى، للساعة والله أموت! وما أستطيع أن أعرض هذا على نفسى! فقلت:

لا تفعل بعد أن بلغت المنزل، قال: لا سبيل والله إلى ذلك البتّة! ورجع هاربا فاتّبعته وأخذت بردائه، فتمادى وتمزق الرداء وبقيت قطعة منه في يدى لشدّة إمساكى له. ومضى ولم أدركه. فرجعت ودخلت على أحمد، وكان غلامه قد دخل عليه لما رآنا من أوّل الزقاق مبشّرا. فلما رآنى تغير وجهه وقال: أين أبو الحسن؟

فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع. فاستبشعت الحال وجعلت أتوجّع وقمت، فثاب إليه ذهنه، وقال لى: يا أبا عبد الله، قلت: نعم، قال: اسمع منى، واحفظ عنّى، وأنشأ يقول:

أسلم، يا راحة العليل

رفقا على الهائم النّحيل!

وصلك أشهى إلى فؤادى

من رحمة الخالق الجليل!

قال: فقلت له: اتق الله، ما هذه العظيمة؟ قال: قد كان، فخرجت عنه فو الله ما توسطت الزقاق حتّى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدّنيا.

وهذه الحكاية مشهورة عند أهل الأندلس. وأسلم هذا من بنى خالد وكانت فيهم وزارة وحجابة. وهذا الباب طويل والحكايات والأخبار والوقائع فيه كثيرة يطول الشرح بذكرها.

ص: 194

وأما من قتل نفسه بسبب العشق، فحكى عن عبد الرحمن بن إسحاق القاضى قال: انحدرت من «سرّ من رأى» مع محمد بن إبراهيم أخى إسحاق، ودجلة تزخر من كثرة مائها. فلما سرنا ساعة، قال: ارفقوا بنا، ثم دعا بطعامه فأكلنا، ثم قال:

ما ترى في النبيذ؟ قلت له: أعز الله الأمير، هذه دجلة قد جاءت بمدّ عظيم يرغب مثله، وبينك وبين منزلك مبيت ليلة، فلو شئت أخرته، قال: لا بدّ لى من الشراب، واندفعت مغنية فغنّت، واندفعت أخرى فغنته:

يا رحمتا للعاشقينا،

ما إن أرى لهم معينا!

كم يشتمون ويضربو

ن ويهجرون، فيصبرونا!

فقالت لها المغنية الأولى: فيصنعون ماذا؟ قالت: يصنعون هكذا، ورفعت الستارة وقذفت بنفسها في دجلة. وكان بين يدى محمد غلام ذكر أنّ شراءه ألف دينار، بيده مذبّة، لم أر أحسن منه. فوضع المذبّة من يده وقذف بنفسه في دجلة، وهو يقول:

أنت التى غرّقتنى

بعد الفضا، لو تعلمينا!

فأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفهما، فصاح بهم محمد: دعوهما يغرقا إلى لعنة الله! قال: فرأيتهما وقد خرجا معتنقين ثم غرقا.

وحكى عن جميل بن معمر العذرىّ أنه قال: دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لى: يا جميل حدّثنى بعض أحاديث بنى عذرة، فإنه بلغنى أنهم أصحاب أدب وغزل، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، انتجعوا عن حيّهم مرة فوجدوا النّجعة بموضع نازح فقطنوه. فخرجت أريدهم. فبينا أنا أسير، غلطت الطريق وجنّ علىّ الليل،

ص: 195

فلاح لى باب فقصدته. فوردت على راع في أصل جبل قد ألجأ غنمه إلى كهف فى الجبل، فسلمت عليه، فردّ علىّ السلام، وقال: أحسبك قد ضللت الطريق؟

قلت: قد كان ذلك، فأرشدنى! قال: بل أنزل حتّى تريح ظهرك، وتبيت ليلتك، فإذا أصبحت وقّفتك على القصد. فنزلت فرحّب بى وأكرمنى، وعمد إلى شاة فذبحها، وأجّج نارا، وجعل يشوى ويلقى بين يدىّ، ويحدّثنى في خلال ذلك. ثم قام إلى كساء فقطع به جانب الخباء ومهّد لى جانبا، ونزل جانبا خاليا. فلما كان في الليل سمعته يبكى ويشكو إلى شخص. فأرقت ليلتى. فلما أصبحت، طلبت الإذن فأبى، وقال:

الضيافة ثلاث! فأقمت عنده، وسألته عن اسمه ونسبه وحاله، فانتسب لى. فإذا هو من بنى عذرة، من أشرافهم. فقلت: يا هذا، وما الذى أحلّك هذا الموضع؟ فأخبرنى أنه كان يهوى ابنة عمّ له وتهواه، وأنه خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوّجه إيّاها لقلّة ذات يده، وأنه زوّجها رجلا من بنى كلاب فخرج بها عن الحىّ وأسكنها في موضعه ذلك، وأنه تنكّر ورضى أن يكون راعيا لتأتيه ويراها. وجعل يشكو إلىّ صبابته بها وعشقه لها، حتى إذا جنّنا الليل وحان وقت مجيئها، جعل يتقلقل ويقوم ويقعد كالمتوقّع لها. فلما أبطأت عن الوقت المعتاد وغلبه الشوق، وثب قائما وأنشأ يقول:

ما بال ميّة لا تأتى لعادتها!

أهاجها طرب أم صدّها شغل؟

لكن قلبى لا يلهيه غيرهم

حتّى الممات، ولالى غيرهم أمل!

لو تعلمين الّذى بى من فراقكم

لما اعتللت ولا طابت لك العلل!

روحى فداؤك! قد هيّجت لى سقما

تكاد من حرّه الأعضاء تنفصل!

لو أن عاديّه منّى على جبل،

لزال وانهدّ من أركانه الجبل!

ص: 196

ثم قال: يا أخا بنى عذرة، مكانك حتّى أعود إليك! فما أتوهّم أن أمر ابنة عمّى صحيح! ثم مضى. فما لبث أن أقبل وعلى يده شىء محمول، وقد علا شهيقه ونحيبه، فقال: يا أخا بنى عذرة، هذه ابنة عمى، أرادت أن تأتينى فاعترضها الأسد فأكلها! ثم وضعها عن يده، وقال: على رسلك حتّى أعود اليك، ومضى فأبطأ حتّى يئست من رجوعه. ثم أقبل ورأس الأسد على يده، فألقاها وجعل ينكت على أسنان الأسد ويقول:

ألا أيّها الليث المخيل بنفسه!

هلكت! لقد حرّت يداك لنا حزنا!

وغادرتنى فردا وقد كنت آلفا

وصيّرت بطن الأرض ثمّ لنا سجنا!

أقول لدهر خاننى بفراقه:

معاذ إلهى أن أكون له خدنا!

ثم قال: يا أخا بنى عذرة، إنك سترانى بين يديك ميّتا! فإذا متّ فاعمد إلىّ وابنة عمّى، فأدرجنا في كفن واحد، واحفر لنا جدثا واحدا، وادفنّا فيه، واكتب على قبرى هذين البيتين:

كنّا على ظهرها، والعيش في مهل!

والشّمل يجمعنا والدار والوطن

ففرّق الدهر والتصريف ألفتنا

فصار يجمعنا في بطنها الكفن.

وردّ الغنم إلى صاحبها وأعلمه بقصتنا، ثم عمد إلى خناق فطرحه في عنقه، فناشدته الله تعالى أن لا يفعل، فأبى وجعل يخنق نفسه حتّى سقط ميتا. فكفّنتهما ودفنتهما فى قبر واحد، وكتبت البيتين على قبرهما، ورددت الغنم إلى صاحبها، وأعلمته بقصتهما فحزن حزنا شديدا أشفقت منه على نفسه.

ص: 197