الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الراغب: الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض في اللفظ، ولهذا سمي كتاب الله - وإن لم يكتب - كتابا (1)
* * *
قوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ)
معناه أنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب العاقل) إلى آخره.
قال الطيبي: يعني ما نفى الريب بحيث ينتفي به المرتابون، وإنما نفى بطريق يرشد إلى أنه لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه، فإذن الكلام مع المرتابين، ويدل عليه أيضاً تصدير الكلام بأسامي حروف التهجي؛ لأنها كالتنبيه وقرع العصا لهم، كأنه قيل: أيها المرتابون تنبهوا من رقدة الجهالة، واعلموا أن القرآن من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه، فينطبق على هذا استشهاده بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا)[سورة البقرة 22]
وتفسيره حتى إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس فيه مجال للشبهة (2)
قوله: (فإنه ما أبعد عنهم الريب) إلى آخره
قال الطيبي: أي خاطب المصرين على الريب الجازمين فيه بما يدل على خلوهم عنه، ولم يقصد به أنهم غير مرتابين، وإنما قصد به إرشادهم وتعريفهم الطريق إلى مزيل الريب على سبيل الاستدراج، يعني أن الارتياب من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء، فلا يفرض إلا كما يفرض المحالات، وأنتم عقلاء ألباء تفكروا فيه، وجربوا نفوسكم، وانظروا هل تجدون فيه مجالا للريب (3).
قوله: (و (هدى) حال من الضمير المجرور، والعامل فيه الظرف)
قال أبو حيان: هذا مشكل؛ لأن الحال تقييد، فيكون انتفاء الريب مقيدا بالحال، أي لا ريب يستقر فيه في حال كونه هدى للمتقين، لكن يزيل الإشكال أنها حال لازمة (4).
قوله: (سمي به الشك).
ظاهره ترادفهما، وليس كذلك، بل الريب أخص.
قال بعضهم: الريب شك مع تهمة.
وقال الإمام: الريب قريب من الشك، وفيه زيادة كأنه ظن سوء (1).
وقال الراغب: الفرق بين الشك والمرية والريب أن الشك وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة، والمرية التردد في المتقابلين وطلب الأمارة، مأخوذ من مَرَى الضَّرْعَ، أي مسحه للدر، فكأنَّه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن، والريب أن يتوهم في الشيء أمرٌ ما، ثم ينكشف عما توهم فيه (2).
وقال الخويي: الشك لما استوى فيه الاعتقادان، أو لم يستويا ولكن لم ينته أحدهما درجة الظهور الذي يبني عليه العاقل الأمور المعتبرة، والريب لما لم يبلغ درجة اليقين وإن ظهر نوع ظهور، ولهذا حسن (لَا رَيْبَ فِيهِ) هنا، فإنه بيان لكون الأمر ظاهرا بالغا درجة اليقين بحيث لا يحصل فيه ريب فضلا عن شك.
قوله: (وفي الحديث " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشك ريبة، والصدق طمأنينة ")
أخرجه الترمذي من حديث الحسن بن علي، وصححه بلفظ " فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة "(3).
قال الطيبي: دع ما اعترض لك الشك فيه منقلبا إلى ما لا شك فيه، فإذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه، فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق، وترتاب من الكذب، فارتيابك في الشيء منبئ عن كونه باطلا، فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بكون حقا، فاستمسك به، وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة
القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب، وأوساخ الآثام.
قال: وظهر أن قوله: " فإن الشك ريبة " لا يستقيم رواية، ولا دراية (1). انتهى.
وقد أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن أبي الدرداء موقوفا بلفظ: " فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة "
قوله: (والهدى في الأصل مصدر)
قال الطيبي: اضطرب كلام سيبويه في الهدى، فمرة يقول: هو عوض من المصدر؛ لأن فُعَلاً لا يكون مصدرا، وأخرى يقول: هو مصدر هدى (2)
قوله: (ومعناه الدلالة) إلى آخره
مأخوذ من كلام الإمام حيث قال: الهدى عبارة عن الدلالة.
وقال صاحب " الكشاف ": " هي الدلالة الموصلة إلى البغية " والذي يدل على صحة الأول، وفساد الثاني أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرة في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء؛ لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء محال، لكن الله تعالى أثبت الهدى مع عدم الاهتداء في قوله (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)[سورة فصلت 18]
واحتج صاحب " الكشاف " بثلاثة أمور:
أحدها: وقوع الضلالة في مقابل الهدى في قوله تعالى (لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[سورة سبأ 25](اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)
ثانيها: أنه يقال: مهدي في موضع المدح كمهتدي، فلولا أن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهديا مدحا؛ لاحتمال أنه هدي، فلم يهتد.
ثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى، يقال: هديته فاهتدى كما يقال: كسرته فانكسر وقطعته فانقطع، فكما أن الانكسار والانقطاع لازمان للكسر والقطع وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى.
والجواب عن الأوّل: أن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال، ومقابل الاهتداء هو الضلال، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع.
وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى يسمى مهديا، وغير المنتفع به لا يسمى مهديا؛ لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة العدم.
وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه أمرا حصول الائتمار، فكذا هذا (1). انتهى كلام الإمام.
قال الطيبي: والجواب عن إثبات الهدى مع عدم الاهتداء في آية (وأما ثمود) أن يقال: لا نسلم حصول الهدى الحقيقي؛ لأن المراد بإثبات الهدى تمكينهم عليه، بسبب إزاحة العلل من بعثة الرسول، وبيان الحق.
وعن قوله: " فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع " أن لو كان ممتنعا لم يقع في الآيتين، ولأن المراد بالمقابلة في الصناعة: الجمع بين اللفظين الدالين على المعنيين المتضادين حقيقة، أو تقديرا، سواء كانا متعديين، أم لازمين، أم أحدهما متعديا والآخر لازما، وهذا المعنى موجود في الآيتين، لا سيما في الأولى، فإنه صريح فيها لتوسيط كلمة التقابل.
وعن قوله: " إن المنتفع بالهدى يسمى مهديا، بخلاف غيره تنزيلا له منزلة العدم " أن هذا مجاز، والمهدي من الأوصاف التي تستعمل في المدح مطلقا، وذلك علامة الحقيقة.
وعن قوله: " أمرته فائتمر " ما قاله البزدوي (2) في أصوله أن قضية الأمر لغة أن لا يثبت إلا بالامتثال؛ لأن أمر فعل متعد، لازمه ائتمر، ولا وجود للمتعدي إلا أن يثبت لازمه، كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار، إلا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه لسقط الاختيار من المأمور أصلا، وللمأمور ضرب عندنا من الاختيار (3).
ومعنى هذا الكلام أن أصحاب اللغة ما أثبتوا لكل فعل متعد لازما إلا إذا اتفقا
في الوجود.
وقال ابن الحاجب: معنى المطاوعة حصول فعل عن فعل، فالثاني مطاوِعٌ؛ لأنه طاوع الأول، والأول مطاوَعٌ؛ لأنه طاوعه الثاني، فإذا وجد المطاوَعُ وجب أن لا يتخلف عنه المطاوِعُ (1).
فإذن معنى أمرته فائتمر جعلته مؤتمرا فائتمر، لكن منع الائتمار معنى سقوط الاختيار، ولزوم الجبر، فعرض له عارض، فوجب العدول عن الحقيقة (2). هذا
كلام الطيبي.
ثم قال: والواجب تحرير معنى الهدى، أهو حقيقة في الدلالة المطلقة، مجاز في الدلالة المخصوصة، أم عكسه، أم مشترك بينهما، أم موضوع للقدر المشترك، وهو البيان، فكلام الإمام يميل إلى الأول، وصاحب " الكشاف " إلى الثاني، والزجاج والواحدي إلى الأخير (1).
قوله: (واختصاصه بالمتقين) إلى آخره.
هذا السؤال مع ما أجاب به على ما اختاره من تفسير الهدى بمطلق الدلالة، أما على التفسير الثاني فلا يتوجه السؤال ألبتة، كما نبه عليه الإمام (2)؛ لأن كون القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين.
نعم يقال عليه: كيف يستقيم (هدى للمتقين) والمتقون هم المهتدون؟ فهو من تحصيل الحاصل (3).
ويجاب بجوابين:
أحدهما: أنه باعتبار الثبات والزيادة.
والثاني: أنه باعتبار ما يؤول، أي هدى للضالين المشارفين للتقوى، الصائرين إليها.
قوله: (وهو في عرف الشرع) إلى آخره
هذا حد المتقي، ويؤخذ منه حد التقوى.
الراغب: التقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف، وفي التعارف حفظ النفس عن كل ما يؤثم (1).
قوله: (حتى الصغائر عند قوم)
اعلم أنه اختلف في التقوى هل يدخل فيها اجتناب الصغائر، وأنه إذا لم يتوقها هل يستحق هذا الاسم؟ على قولين، وظاهر كلام المصنف، والإمام - وهو المجزوم به في " الكشاف "(2) - أنه لا يشترط في التقوى، واستحقاق الوصف بالمتقي اجتنابها، وإلا لم يكد يستحق هذا الوصف أحد.
وقد شق على الصحابة لما نزل قوله تعالى (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)[سورة آل عمران 103] المفسر بأن يطاع فلا يعصى، فنسخ بقوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(3)[سورة التغابن 17] وقال تعالى (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)[سورة النجم 33] فاستثنى اللمم، فلم يقدح في الإحسان، وهو كالتقوى، بل أخص منها.
وأصرح منه في الاستدلال قوله تعالى (أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء) إلى أن قال (والذين إذا فعلوا فاحشة)[سورة آل عمران 134 - 136] الآية.
وأما حديث الترمذي " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس "(4) فمحمول على الكمال، أي أعلى درجات المتقين.
ثم الكلام فيما لا ينتهي إلى حد الإصرار السالب للعدالة، بحيث تغلب صغائره على حسناته، على ما حرر في باب الشهادات من كتب الفقه.
قوله: (واعلم أن الآية تحتمل أوجها من الإعراب) إلى آخره
قال أبو حيان: قد ركبوا وجوها من الإعراب في قوله (ذلك الكتاب لا ريب فيه) والذي نختاره. منها أن قوله (" ذلك الكتاب) جملة مستقلة من مبتدإ وخبر؛ لأنه متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار، ولا افتقار كان أولى من أن يسلك به مسلك الإضمار والافتقار.
وقالوا: يجوز أن يكون (ذلك) خبرا لمبتدإ محذوف، تقديره هو (ذلك الكتاب) و (الكتاب) صفة، أو بدل، أو عطف بيان
ويحتمل أن يكون مبتدأ، وما بعده خبر، وفي موضع خبر (الم) و (لا ريب فيه) جملة تحتمل الاستئناف فلا يكون لها موضع من الإعراب، وأن تكون في موضع رفع خبرا لـ (ذلك)، و (الكتاب) صفة، أو بدل، أو عطف، أو خبر بعد خبر إذا كان (الكتاب) خبرا، وقلنا بتعدد الأخبار، وأن تكون في موضع نصب على الحال، أي مبرأ من الريب.
وجوزوا في قوله (فيه) أن يكون خبرا لـ (لا) على مذهب الأخفش، وخبرا لها مع اسمها على مذهب سيبويه، وأن يكون صفة، والخبر محذوف، وأن يكون من صلة (ريب) يعني أنه يضمر عامل من لفظ ريب، فيتعلق به، لا أنه يكون متعلقا بنفس (لا ريب) إذ يلزم إذ ذاك إعرابه؛ لأنه يصير اسم " لا " مطولا بمعموله، نحو لا ضاربا زيدا عندنا.
والذي نختاره أن الخبر محذوف؛ لأن الخبر في باب " لا " إذا علم لم يلفظ به بنو تميم، وكثر حذفه عند أهل الحجاز، وهو هنا معلوم.
وجوزوا في قوله تعالى: (هدى للمتقين) أن يكون (هدى) في موضع رفع على أنه مبتدأ، و (فيه) في موضع الخبر، أو خبر مبتدإ محذوف، أي هو (هدى)، أو على فيه مضمرة إن جعلنا (فيه) من تمام (لا ريب) أو خبر بعد خبر، فتكون قد
أخبرت بالكتاب عن (ذلك) وبقوله (لَا رَيْبَ فِيهِ) ثم جاء (هدى) خبرا ثالثا، أو كان (الكتاب) تابعا، و (هدى) خبر ثان، أوفي موضع نصب على الحال، وبولغ بجعل المصدر حالا، وصاحب الحال اسم الإشارة، أو (الكتاب) والعامل فيها على هذين الوجهين معنى الإشارة، أو الضمير في (فيه) والعامل ما في الظرف من الاستقرار.
والأولى جعل كل جملة مستقلة، فـ (ذلك الكتاب) جملة، و (لا ريب) جملة، و (فيه هدى للمتقين) جملة.
ولم يحتج إلى حرف عطف؛ لأن بعضها آخذ بعنق بعض (1). انتهى كلام أبي حيان.
قوله: (و (لا ريب) في المشهورة مبني، لتضمنه معنى " من " منصوب المحل) إلى آخره.
قال ابن يعيش في " شرح المفصل ": اعلم أن " لا " النافية على ضربين: عاملة، وغير عاملة، فالعاملة التي تنفي على جهة (2) استغراق الجنس؛ لأنها جواب ما كان على طريقة هل من رجل في الدار، فدخول " من " في هذا لاستغراق الجنس، ولذلك تختض بالنكرات لشمولها، ألا ترى أنه لا يجوز هل من زيد في الدار؟ كما يجوز في هل زيد في الدار، فهذه التي لاستغراق الجنس عاملة النصب فيما بعدها من النكرات المفردة، ومبنية معها بناء خمسة عشر.
وإنما استحقت أن تكون عاملة لشبهها بـ " إن " الناصبة للأسماء.
ووجه المشابهة بينهما أنها داخلة على المبتدإ والخبر، كما أنَّ " إنَّ " كذلك، وأنها نقيضة من الإعراب، نحو ضربت زيدا، وما ضربت زيدا، فقولك: ضربت زيدا فعل وفاعل ومفعول، وقولك: ما ضربت زيدا نفي لذلك، ومع ذلك فقد أعربته بإعرابه من حيث كان نقيضه، ليشعر بمعنى الرفع له، فلما أشبهت " لا "" إن " وكانت " إن " عاملة في المبتدإ والخبر كانت " لا " كذلك عاملة في المبتدإ والخبر؛ لأنها تقتضيهما جميعا، كما تقتضيهما " إن " ولما نصبوا بها لم تعمل إلا في نكرة على سبيل حرف الخفض الدي في المسألة؛ لأنها كالنائبة عنه إلا أن " لا " بنيت مع
النكرة؛ لأنها وقعت في جواب هل من رجل عندك، على سبيل الاستغراق، فوجب أن يكون الجواب أيضاً بحرف الاستغراق الذي هو " من " ليكون الجواب مطابقا للسؤال، فكان قياسه لا من رجل في الدار، ليكون النفي عاما، كما كان السؤال عاما، ثم حذفت " من " من اللفظ تخفيفا، وتضمن الكلام معناها، فوجب أن يبنى لتضمنه معنى الحرف، كما بني خمسة عشر حين تضمن حرف العطف (1).
* * *
لطيفة: قال ابن جني في " الخصائص ": باب في اقتضاء الموضع لك لفظا، وهو معك إلا أنه ليس بصاحبك، من ذلك قولهم: لا رجل عندك، ولا غلام لك، فـ " لا " هذه ناصبة لاسمها، وهو مفتوح إلا أن الفتحة فيه ليست فتحة النصب التي تتقضاها " لا " إنما هذه فتحة بناء وقعت موقع فتحة الإعراب الذي هو عمل " لا " في المضاف، نحو لا غلام رجل عندك.
قال: ونظير ذلك قولك: مررت بغلامي، فالميم تستحق جرة الإعراب بالباء، والكسرة فيها ليست الموجبة بحرف الجر، إنما هي التي تصحب ياء المتكلم في الصحيح؛ لأنها تثبت في الرفع وفي النصب، وذلك دليل على أنها ليست كسرة الإعراب وإن كانت بلفظها (3).
قوله: (وفي قراءة أبي الشعثاء)
هو بفتح الشين وسكون العين، اسمه سليم بن الأسود المحاربي، تابعي مشهور (4)
قوله: (مرفوع ب " لا ")
زاد في " الكشاف ": " والفرق بينها وبين المشهورة أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه "(5).
وقال الإمام: والذي يدل على إيجاب المشهورة للاستغراق أن نفي الجنس نفي الماهية، وهو يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، فلو ثبت فرد من أفرادها ثبتت الماهية.
وأما قراءة (لَا رَيْبَ فِيهِ) بالرفع فهو وإن كان نكرة في سياق النفي لكنه نقيض قولنا: ريب فيه، وهو يحتمل أن يكون إثباتا لفرد واحد منها، ونفيه يفيد انتفاءه (1).
وقال الزجاج: إذا قلت: لا رجلٌ في الدار جاز أن يكون فيها رجلان، وإذا قلت: لا رجلَ في الدار فهو نفي عام (2).
وقال الشيخ أكمل الدين: قد رد ما ذكره صاحب " الكشاف " من الفرق بأن (ريب) في (لَا رَيْبَ فِيهِ) نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، فينتفي جميع آحاد الريب، فلا فرق في ذلك بين نفي الجنس وغيره.
قال: والجواب أنه غلط؛ لأن الذي ذكره من كون النكرة تعم دليل جواز الاستغراق؛ إذ لولا ذلك لكان نكرة في سياق الإثبات، ولم تكن عامة، ولأن المبني في تقدير " من " الاستغراقية؛ لكونها مؤكدة للنفي، والنفي المؤكد ليس كغيره، وإلا كان الشيء مع غيره كالشيء لا مع غيره، ولأن " من " المقدرة زائدة، لعدم اختلال أصل المعنى بتركه، وأَقَلُّ مراتبها التأكيد، وتأكيد العام ينفي احتمال الخصوص، فكان محكما في الاستغراق، لا يفارقه، وليس كذلك الذي مع " لا " المشبهة بليس، فإن احتمال الخصوص فيه باق؛ لعدم ما يقطعه، فكانت دلالته على الاستغراق جائزة الافتراق، وهو ظاهر لا محالة (3).
وقال أبو حيان: قرئ بالرفع، والمراد أيضاً الاستغراق؛ بأنه لا يريد نفي ريب واحد عنه، فيكون مبتدءا، و (فيه) الخبر، وهذا ضعيف، لعدم تكرار " لا "، أو يكون أعملها إعمال ليس، وهو ضعيف، فيكون (فيه) في موضع نصب على قول الجمهور من أن لا إذا أعملت عمل ليس رفعت الاسم، ونصبت الخبر (4).
قوله: (ولم يقدم كما قدم في قوله (لَا فِيهَا غَوْلٌ) لأنه لم يقصد تخصيص نفي الريب به من بين سائر الكتب، كما قصد ثمة).
قال أبو حيان: انتقل الزمخشري من دعوى الاختصاص بتقديم المفعول إلى دعواه بتقديم الخبر، ولا نعلم أحدا يفرق بين: ليس في الدار رجل، وليس رجل في الدار (5).
قوله: (فلذلك وقف على (ريب)
عزي هذا الوقف لنافع وعاصم (1).
قال الإمام: والأولى الوقف على (فيه) لأن الوقف عليه يكون الكتاب نفسه هدى، وقد تكرر في التزيل أنه هدى، وأنه نور، وعلى الأول لا يكون نفسه هدى، بل فيه هدى (2).
قوله: (والتقدير (لَا رَيْبَ فِيهِ) فيه (هدى)
قال في " المرشد ": إن جعلت (لا ريب) بمعنى حقا فالوقف عليه تام، ولا حاجة إلى تقدير فيه، وكأنه قال: الم ذلك الكتاب حقا (3).
قوله: (تؤكد كونه حقا لا يحوم الشك حوله).
قال الطيبي: أي قوله (هدى) تأكيد لقوله (لَا رَيْبَ فِيهِ) لأنه لا يكون هاديا إذا كان فيه مجال للشبهة، ففي قوله:(لا يحوم الشك حوله) كناية، كقوله (4):
فَمَا جَازَهُ جُوْدٌ وَلا حَلَّ دُوْنَهُ. . . وَلَكِنْ يَصِيْرُ الجُوْدُ حَيثُ يَصِيْرُ
وهذه المبالغة مستفادة من إيقاع المصدر خبراً لـ هو، كما أن المبالغة في الجملة الثانية حصلت من تعريف الخبر، وفي الثالثة من الاستغراق (5)
قوله: (ذات جزالة) هي خلاف الركاكة
قوله: (ففي الأولى الحذف)
قال الطيبي: أي حذف المبتدإ، أي هذه (الم) إذا جعلت اسما للسورة (6)
قوله: (والرمز إلى المقصود)
قال الطيبي: أي التحدي (7)
قوله: (مع التعليل)
أي الإشارة إليه بألطف وجه، وهو أنها مشيرة إلى أن المتحدى به من جنس