الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفاعل أيضاً، نحو رأيت رجلا أسدا أبوه، إما لقصد معنى المشابهة، أو لاعتبار اللازم، سواء جعل تابعا أو مستعملا فيه اللفظ. انتهى (1).
قوله: (وثلاثتها قرئت بالنصب على الحال من مفعول " تركهم)
قال أبو حيان: على أن ترك لا يتعدى لمفعولين، أو يكون تعدى إليهما وقد أخذهما.
قال: أو يكون مفعولا ثانيا لترك، على تعدد الخبر، أو منصوبا على الذم، كأنه قال: أذم صما بكما عميا (2) ..
قوله:: (لا يعودون إلى الهدى) إلى آخره.
قال الطيبي: أي لا يرجعون متعلقة بمحذوف، فإما أن يقدر المتعلق " إلى " فالرجوع إذن بمعنى الإعادة إلى ما كان، فالمعنى: لا يعودون إلى الهدى؛ لأن المراد تمكنهم من الهدى.
وإما أن يقدر " عن " فالمعنى: لا يرجعون عن الضلالة، فإن المتمسك بالشيء لا يرجع عنه، وإما أن لا يقدر شيء، ويترك على الإطلاق (3).
وفي الحاشية المشار إليها: تلخيصه أنه يصلح أن يكون الضمير في (لا يرجعون) عائدا إلى المنافقين، وأن يكون عائدا إلى المستوقد، والأول يحتمل وجهين؛ لأنه يقال: رجع عن الشيء إذا تركه، ورجع إليه إذا أقبل عليه، فعلى الأول فهم لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروه، وعلى الثاني فهم لا يرجعون إلى الهدى بعد أن باعوه.
والاحتمال الثاني في أصل المسألة للمستوقدين، ومعناه لا يدرون كيف يذهبون، ولا كيف يرجعون.
* * *
قوله: (أي كمثل ذوي صيب)
قال في بعض الحواشي: مراده أن المنافقين لا يشبهون نفس الصيب، وإنما يشبهون مَن أصابه الصيب الموصوف.
قوله: (و " أو " في الأصل للتساوي في الشك، ثم اتسع فيها، فأطلقت للتساوي
من غير شك)
قال صاحب " الفرائد ": الوجه أن يقال: " أو " لتعليق الحكم بأحد المذكورين فصاعدا، والتفاوت في المؤدى إنما يقع بحسب التركيب الذي وقعت فيه، فإن وقعت في الخبر فالحاصل تعلق الحكم بأحدهما، وهو غير معين، فأمكن أن يقع الشك فيه، وإن وقعت في الطلب ولم يمكن وقوع الشك فيه أفاد التخيير والإباحة، والحاصل أيضاً تعلق الحكم بأحدهما، وذلك غير مانع لتعلق الحكم بكل واحد منهما، فعلى هذا لم تلزم الاستعارة، وهي في المواضع كلها على معناها.
قال الطيبي: حاصل تقريره أنَّ " أو " حقيقة في القدر المشترك بين الشك والتخيير والإباحة، وهو تعليق الحكم بأحد الأمرين.
قال الحديثي (1): دلالة " أو " و " أم " و " إمُّا " على أحد الشيئين، لا غير، وأما الشك والتخيير والإباحة وغيرها فإنها من صفات الكلام الذي هي فيه، وإضافتها إليها مجاز.
وقال ابن الحاجب في " شرح المفصل ": إنما قال المصنف: ويقال في " أو " و " إما " في الخبر: إنهما للشك، بلفظة " يقال " تنبيها على أن ذلك ليس بلازم، إذ قد يكون المتكلم مُبْهِماً.
أما في الأمر فيقال: إنهما للتخيير والإباحة على وضعهما لإثبات الحكم لأحد الأمرين، إلا أنه إن حصلت قرينة يفهم معها أن الأمر غير حاجز عن الآخر، مثل قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين سمي إباحة، وإلا سمي تخييرا، وهو لأحد الأمرين في الموضعين، وإنما علم نفي حجز الأمر عن الآخر في الإباحة من أمر خارج، كما في النهي، نحو قوله تعالى (ولا تطع مثهم آثما أو كفورا)[سورة الإنسان 24] جاء التعميم من جهة النهي الداخل على معنى النفي؛ لأن المعنى قبل وجود النهي تطيع آثما أو كفورا، أي واحدا منهما، فإذا جاء النهي تبقى على بابها ويصير المعنى: ولا تطع واحدا منهما، فلا يحصل الانتهاء عن أحدهما حتى ينتهي عنهما مطلقا (2).
قال الطيبي: وجه التوفيق بين كلاميه في " الكشاف " و " المفصل " هو أن " أو " في
أصل اللغة موضوعة لتساوي شيئين في الشك، ثم فيه طريقان:
أحدهما: أن يستعار لمعنى التخيير أو الإباحة؛ لعلاقة تعليق الحكم بأحد المذكورين، كما يستعار الأسد للشجاع؛ لعلاقة الجراءة.
وثانيهما: أن يحمل على عموم المجاز؛ لتعليق الحكم بأحد المذكورين، فيقال: أما في الخبر فإنها للشك، وفي الأمر للتخيير، والإباحة، وعلى الأول ورد في " الكشاف " وعلى الثاني في " المفصل ".
وفي كلام الزجاج إشعار بما ذهب إليه المصنف. قال: (أو) في قوله تعالى (أو كصيب من السماء) دخلت لغير شك، وهذه يسميها الحذاق باللغة " أو " الإباحة.
والمعنى أن التمثيل مباح لكم في المنافقين، إن مثلتموهم بالمستوقدين فذاك مثلهم، أو مثلتموهم بأصحاب الصيب فهو مثلهم، أو مثلتموهم بهما جميعا فهما مثلاهم (1).
قال الطيبي: فاختصاص الحذاق - أي المهرة - بهذا المعنى دون من سواهم دليل على دقة هذا المعنى، ولم يكن كذلك إذا كان حقيقة، لاستواء الحذاق وغيرهم من أهل اللغة فيه.
وهذا خلاف تلك القاعدة، وهي أن " أو " في الأمر للإباحة؛ لكونها داخلة هاهنا على الخبر، وهي للإباحة؛ ولأن " أو " عند الإطلاق يتبادر منها الشك، دون ما سواه من المعاني، وذلك أمارة الحقيقة (2).
قوله: (وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما)
قال في " الكشاف ": فإن قلت: أَيُّ التمثيلين أبلغ؟
قلت: الثاني؛ لأنه أدلّ على فرط الحيرة، وشدة الأمر، وفظاعته، ولهذا أخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ (3) ".
قوله: (ويقال للمطر وللسحاب)
عبارة " الكشاف ": " والصيب المطر الذي يصوب، أي ينزل ويقع، ويقال
للسحاب: صيب أيضاً " (1)
قال الشريف: أي على أنه صفة له (2).
وقال الشيخ أكمل الدين: لم يبين أن إطلاقه على السحاب حقيقة أو مجاز، وهو محتمل لهما، والمجاز أبلغ (3).
قوله: (قال الشماخ (4):
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأسْحَمُ دانٍ صادِقُ الرَّعدِ صَيِّبُ (5))
صدره:
مَحَا آيَهُ نَسجُ الجَنُوْبِ مَعَ الصَّبَا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
قال الطيبي: الأسحم: السحاب الأسود. ودان: قريب من الأرض.
صادق الرعد: أي غير خلب.
المعنى: محا آثَارَ رَبْعِ المحبوب، وَغَيَّرَ رُسُوْمَهُ = اختلافُ هاتين الريحين، وتتابع هبوبهما، مثل اختلاف الريحين بنسج الصانع الثوب، فإن إحدى الريحين بمنزلة السَّدَى، والأخرى اللحمَةِ، فإن ريح الصبا تهب من جانب المشرق، والجنوب من يمين من يكون متوجه المشرق (6).
وقال الشيخ سعد الدين: لا خفاء في أن هذه الأوصاف إنما تحسن في السحاب، دون المطر (7).
وفي الحاشية المشار إليها: صادق الرعد من باب المجاز، فإن الرعد لما كان مبشرا بالمطر صار كأنه واعد بنزول المطر، ثم صدق وعده بنزوله.
* * *
فائدة: الشماخ بالشين المعجمة، هو ابن ضرار بن حرملة بن صيفي بن أصرم، شاعر مشهور.
وقد رأيت البيت في " ديوان النابغة الذبياني (1) " من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر.
وأولها:
أرَسْماً جَدِيداً مِن سُعادَ تَجَنَّبُ. . . عَفَتْ رَوضَةُ الأَجْدَادِ مِنها فتنضب
محا آيَهُ ريحُ الجَنُوبِ مَعَ الصَّبَا. . . وَأسْحَمُ دانٍ مُزْنُهُ مُتَصَوِّبُ (2)
قوله: (وفي الآية يحتملهما)
أقول: الثابت في التفسير أن المراد به في الآية المطر.
أخرجه ابن جرير (3) من عدة طرق عن ابن عباس، وعن ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والربيع، وابن زيد، وسفيان، ولا مخالف لهم.
قوله: (قال:. . . . . . . . . . ومن بُعْدِ أرضٍ بَينَنَا وَسَمَاءِ)
صدره:
فَأوَّهُ لِذِكْرَاهَا إِذا ما ذكَرْتُهَا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
قال الشيخ سعد الدين: حيث نكَّرَ أرضاً، وسماءً للبعضية؛ إذ ليس بينهما بُعْدُ جميع الأرض، وجميع السماء.
يعني أتوجع من ذكراها، ومن حيلولة قطعة من الأرض، وناحية من السماء بيننا (4).
وقال الطيبي: سمى بعض الأرض أرضا، وبعض السماء سماء، وأراد ببعد السماء والأرض، ما تقابل من السماء والأرض، التي بينهما.
ولا يجوز أن يراد بالسماء المطلقة؛ لأنها ليست بينه وبينها (5).
وقال الشيخ أكمل الدين: الاستشهاد على أنه أراد بالسماء طائفة منها تتخلل بينه وبين محبوبته؛ إذ السماء المطلقة ليس بينه وبينها (6).
قلت: والبيت أورده ابن جني في " الخصائص (1) " شاهدا على أن " أَوَّ " لغة في " أَوَّهُ " اسم، بمعنى أتألّم.
قال: ويروى: فأوَّ لذكراها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
وهي لغة فيها.
قوله: (ما في صيب من المبالغة من جهة الأصل)
عبارة " الكشاف ": " من جهة التركيب (2) "
قال الشيخ سعد الدين: أي من جهة المادة الأولى؛ لأن الصاد من المستعلية، والياء مشددة، والباء من الشديدة، ومن جهة المادة الثانية؛ لأن الصوب فرط الانسكاب والوقوع (3).
قوله: (والبناء)
قال الطيبي: لأنها بنيت على وزن فَيْعِلٍ، وهي صفة مشبهة، تدل على شيء ثابت (4).
قال السجاوندي: وهي بناء يختص بالمعتل، وفيه مبالغة.
قوله: (والتنكير)
قال الشيخ سعد الدين: لأنه للتعظيم والتهويل (5).
قوله: (مع ظلمة الليل)
قال الطيبي: قيل: ظلمة الليل من أين تستفاد من الآية، وليس فيها ما يدل عليها.
فيقال: تستفاد من الجمع، ومقام المبالغة، فإن أقَلَّ الجمع ثلاثة (6).
وقال الشيخ سعد الدين: الغرض إثبات ثلاث ظلمات في الصيب، على ما هو أَقَلُّ الجمع، وظلمة الليل مستفادة من قوله تعالى " كلما أضاء لهم " الآية (7).
قوله: (وجعله مكانا للرعد والبرق)
قال الشريف: يعني أن ظرفية السحاب للرعد والبرق ظاهرة، دون ظرفية المطر لهما (1).
قوله: (لأنهما في أعلاه ومنحدره ملتبسين به)
قال الطيبي: هو من إطلاق أحد المتجاورين على الآخر (2).
وقال الشيخ سعد الدين: جعلا كأنهما فيه بطريق استعارة كلمة " في " للتلبس المخصوص الشبيه بتلبس الظرفية الحقيقية.
قال: وما قاله الطيبي رُدَّ بأنه يكون المعنى حينئذ: أن في السحاب رعدا وبرقا، لا فى المطر على ما هو المطلوب.
قال: فإن قيل: يكون المراد بالصيب المطر، وبضميره السحابُ المجاورُ له على طريق التجوز. قلنا، فلا يكون ظلمة التكاثف، وظلمة الغمام في المطر إلا أن يقدر: وفيه رعد وبرق، ويراد بالضمير الأول المطر، وبالثاني السحاب الملاصق.
قال: ومنشأ هذه التعسفات الذهول عن اعتبار التجوز في كلمة " في "(3).
قوله: (وارتفاعها بالظرف وفاقا؛ لأنه معتمد على موصوف)
قال الشيخ سعد الدين: يعني الاتفاق على جواز ذلك، بخلاف ما إذا لم يعتمد، فإنه مختلف فيه، فسيبويه لا يجعله مرفوعا بالظرف، بل بالابتداء (4).
وقال الشريف: أي يجوز ذلك بالاتفاق لا أنه يجب، بخلاف ما إذا لم يعتمد، فإن سيبويه لا يجوز إعماله (5).
وفي الحاشية المشار إليها: لا يربد به أنه يجب ارتفاعه به، فإنه يجوز أن يرفع مبتدأ، ويجعل (فيه) الخبر بالاتفاق أيضاً، ولكن مراده أنه إذا لم يعتمد لا يرفع الفاعل عند البصريين دهان أجازه الكوفيون.
وأما إذا اعتمد فالرفع به جائز عند الفريقين.
قوله: (والرعد صوت يسمع من السحاب، والمشهور أن سببه اضطراب
أجرام السحاب واصطكاكها إذا حدتها الريح)
تبع في ذلك " الكشاف "(1) ولا عبرة به؛ فإن الأحاديث والآثار وردت بخلافه.
قال الطيبي: الصحيح الذي عليه التعويل ما ورد في الحديث (2).
أخرج الإمام أحمد في " مسنده " والترمذي - وصححه - والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه في تفاسيرهم، والطبراني في " معجمه " وأبو نعيم، والبيهقي، كلاهما في " دلائل النبوة " عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد، قال:" ملك من ملائكة الله، موكل بالسحاب، بيده مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمر الله " قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: " صوته " قالوا: صد قت (3).
وأخرج ابن أبي الدنيا في " كتاب المطر " وابن جرير، وابن المنذر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:" الرعد ملك، والبرق ضربه السحاب بمخراق من حديد (4) "
وأخرج البخاري في " الأدب المفرد " وابن أبي الدنيا في " كتاب المطر " وابن
جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" الرعد ملك ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه، وكان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان الذي سبحت له (1) "
وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ ابن حيان، عن ابن عباس قال:
" الرعد ملك يسوق السحاب بالتسبيح، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه (2) "
وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس قال:" الرعد ملك من الملائكة، اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته، والبرق سوط من نور يزجر به الملك السحاب (3) "
وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس قال:" الرعد ملك، اسمه الرعد، وصوته هذا تسبيحه (4) "
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: " الرعد ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير (5) "
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: " ما خلق الله شيئا أشد سوقا من السحاب، ملك يسوقه، والرعد صوت الملك يزجر به، والمخاريق يسوقه بها "
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو أنه سئل عن الرعد فقال: " - ملك وكله الله بسياقة السحاب، فإذا أراد الله أن يسوقه إلى بلدة أمره فساقه، فإذا تفرق عليه زجره بصوته حتى يجتمع، كما يود أحدكم ركابه " ثم تلا هذه الآية (ويسبح الرعد بحمده (6)) [سورة الرعد 13]
وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن مجاهد قال:" الرعد ملك ينشئ السحاب، ودويه صوته (7) ".
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أن رجلا سأله عن الرعد فقال: " ملك يسبح بحمده "
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله تعالى: (يسبح الرعد بحمده) قال " هو ملك يسمى الرعد، وذاك الصوت تسبيحه (1).
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن أبي صالح قال:" الرعد ملك من الملائكة يزجر السحاب بصوته (2) ".
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: " الرعد ملك من الملائكة، قد وكل بالسحاب، يسوقها كما يسوق الراعي الإبل (3) ".
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن شهر بن حوشب قال:" الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقه كما يسوق الحادي الإبل، كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه، فهي الصواعق "(4).
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال " البرق مصع ملك (5) ".
قوله: (حدتها الريح)
قال الشريف: أي ساقتها (6).
قوله: (من الارتعاد)
قال الطيبي: لم يرد أن أصله منه؛ لأن أصله من الرعدة، بل أراد أن فيه معنى الاضطراب والحركة (7).
وقال الشريف: أي مشتق من الارتعاد، فإن المصنف قد يرد المجرد إلى المزيد إذا كان المزيد أعرف في المعنى الذي اعتبره في الاشتقاق، كالقدر من التقدير،
والوجه من المواجهة.
وقيل: " من " هذه اتصالية، أي هما من جنس واحد، يجمعهما الاشتقاق من الرعدة، وكذا التي في قوله:" من برق الشيء بريقا (1) "
وقال الشيخ سعد الدين: يعني أن الرعد من الارتعاد، كما أن البرق من البريق.
ولو قال: من الرعدة لكان أنسب، إلا أنه لا يبالي بجعل المجرد من المزيد، كالوجه من المواجهة قصدا إلى إلحاق الأخفى بالأعرف في ذلك المعنى الذي يتناسب اللفظان فيه (2).
قوله: (كما عَوَّلَ حسَّانُ في قوله:
يَسقُونَ مَنْ وَردَ البَرِيْصَ عَلَيهِمِ. . . بَردَى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيْقِ السلْسَلِ)
البريص - بالصاد المهملة كما ضبطه ابن يعيش في " شرح المفصل " - نهر يتشعب من بردى، وبردى نهر دمشق. وتصفيق الشراب تحويلة من إناء إلى إناء. وبالرحيق حال من فاعل يصفق. والرحيق الخمر. السلسل السهل الدخول في الحلق (3).
قال الشيخ سعد الدين: وتعدية وردب " على " مع ذكر المفعول على تضمين معنى النزول، كأنه قال: ورد البريص نازلا عليهم، ضيفا لهم، وإلا فالاستعمال ورد الماءَ ورودا، وورد البلدَ حضر، وورد عليه الكتاب وصل إليه.
والباء في ب " الرحيق " للمصاحبة. وألف بردى للتأنيث، فتذكير الضمير في " يصفق " لعوده إلى المضاف المحذوف، أي ماء بردى، كجمع الضمير في (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ)[سورة الأعراف 3] ولو روعي حال اللفظ القائم مقام المضاف لأنث هنا، وأفرد ثمة.
والبيت من قصيدة معدودة في المختارات، وأولها:
أَسَألْتَ رَسْمَ الدارِ، أَمْ لَمْ تَسألِ. . . بَيْنَ الجَوابِي، فالبُضَيْعِ، فَحَوْمَلِ
لِلهِ دَرُّ عِصابةٍ نادْمتُهُمْ. . . يَوْماً بِجِلَّقَ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ
أوْلادُ جَفْنةَ حولَ قَبْرِ أَبِيْهِمِ. . . قَبْرِ ابنِ مَارِيةَ الكَرِيمِ المُفْضِلِ
بِيضُ الوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحسَابُهُمْ. . . شُمُّ الأنُوْفِ مِنَ الطِّرَازِ الأَوَّلِ
يُغْشَوْنَ حَتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهُمْ. . . لا يَسْألُوْنَ عَنِ السَّوَادِ المُقْبِلِ
اللاحِقِيْنَ فَقِيرَهُمْ بِغنِيِّهِمْ. . . المُنْفِقِينَ عَلَى اليَتِيْمِ الأَرْمَلِ
يسقون من ورد البريص عليهم. . . بردى يصفق بالرحيق السلسل (1)
قوله: (والجملة استئناف)
قال أبو حيان: فلا محل لها من الإعراب
قال: وجوزوا أن يكون موضعها الجر على الصفة لـ " ذوي " المحذوف، والنصب على الحال من الهاء في " فيه " والراجع على الحال (2) محذوف، نابت الألف واللام عنه، والتقدير: من صواعقه (3).
قوله: (وإنما أطلق الأصابع موضع الأنامل للمبالغة)
قال ابن المنير: فيه إشعار بأنهم يدخلون أصابعهم في آذانهم فوق المعتاد فرارا من شدة الصوت (4).
قوله: (أي من أجلها)
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنها الباعث، وذلك أن " من " هنا تغني عنها اللام في المفعول له، فقد يكون غاية يقصد حصوله، وقد يكون باعثا يتقدم وجوده (5).
قوله: (سقاهم (6) من العيمة)
أي بسبب العيمة، وهي شهوة اللبن، كما أن القرم شهوة اللحم.
قوله: (والصاعقة قصفة رعد)
قال القطب: أي صوت رعد، والقصف في الأصل الكسر (7).
وقال الشيخ سعد الدين: أي شدة صوته (8).
وقال أبو زيد: الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد (1).
قوله: (إلا أتت عليه)
قال الطيبي: أي أهلكته (2).
قوله: (وقرئ من الصواقع، وهو ليس بقلب من الصواعق؛ لاستواء كلا البناءين في التصرف)
قال الطيبي: أي فيما يلزم الفعل من التشعب والاشتقاق، فيقال: صقع الديك، وخطيب مصقع، وصقعه على رأسه، ولو كان مقلوبا لم يتجاوز عن صورة واحدة (3).
الراغب: الصاعقة، والصاقعة متقاربان، وهما الهدَّة الكبيرة، إلا أن الصقع يقال: في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية.
وقال بعض أهل اللغة: الصاعقة ثلاثة أوجه:
الموت: كقوله تعالى (فصعق من في السموات)[سورة الزمر 69]
والعذاب: كقوله تعالى (أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) سورة فصلت 14]
والنار: كقوله تعالى (ويرسل الصواعق)[سورة الرعد 14]
قال الطيبي: وما ذكره فهي أشياء متولدة من الصاعقة، فإن الصاعقة هي الصوت الشديد من الجو، ثم يكون منه نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها (5).
قوله: (صقع الديك) أي صاح.
قوله: (وخطيب مصقع) بكسر الميم، أي مِجهر، يقال: رجل مجهر - بكسر الميم - إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه.
قوله: (وصقعته الصاعقة) أي أهلكته.
قوله: (وهي في الأصل إما صفة)
زاد قوله: (في الأصل) على " الكشاف " ولابد منه.
وقد نبه على ذلك الشيخ سعد الدين فقال: كون الصاعقة صفة للقصفة، أو للرعد، أو مصدرا إنما هو بحسب الأصل، وإلا فهو اسم.
قال: وعلى كل تقدير لا شذوذ في جمعها على صواعق (1).
وكذا قال الشريف: هي الآن " اسم، وجمعها - على التقادير - على صواعق، جار على القياس (2).
قوله: (لقصفة الرعد)
قال الطيبي: لأن فاعلة صفة المؤنث، يجيء جمعها على فواعل، كضاربة، وضوارب (3).
قوله: (أو للرعد، والتاء للمبالغة)
قال الطيبي: أي هو فاعل صفة للمذكر، والتاء للمبالغة، فيجمع على فواعل شذوذا، كفارس وفوارس (4).
قوله: (كما في الراوية) هو الرجل الكثير الرواية
قوله: (أو مصدر كالعافية والكاذبة) بمعنى المعافاة والكذب
وفي الحاشية المشار إليها: قد جاء المصدر على وزن فاعلة في القرآن في مواضع:
منها: (ولا تزال تطلع على خائنة منهم)[سورة المائدة 13] أي خيانة
(لا تسمع فيها لاغية)[سورة الغاشية 11]، أي لغو (والعاقبة للمتقين)[سورة القصص 83] أي العقبى.
(ليس لوقعتها كاذبة)[سورة الواقعة 2] أي كذب.
(ليس لها من دون الله كاشفة)[سورة النجم 58] أي كشف.
قوله: (حذر الموت) نصب على العلة)
قال أبو حيان: كذا أعربوه، وشروط المفعول له موجودة فيه، إذ هو مصدر متحد بالعامل فاعلا وزمانا.
وفيه نظر؛ لأن قوله (من الصواعق) هو في المعنى مفعول من أجله، ولو كان
معطوفا لجاز، كقوله تعالى (ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم)[سورة البقرة 265]
وقد جوزوا أن يكون نصبا على المصدر، أي يحذرون حذر الموت (1).
قوله: (وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَريمِ ادِّخَارَهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
تمامه (2). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَأعْرِضُ عَن شَتْمِ اللُّئِيمِ تَكَرُّمًا.
قال الطيبي: العوراء الكلمة القبيحة، أي أسترها لتبقى الصداقة، وأدخره ليوم احتياج إليه فيه؛ لأن الكريم إذا فرط منه قبيح ندم على فعله، ومنعه كرمه أن يعود إلى مثله.
واستشهد به لكون المفعول له مضافا إلى المعرفة، وهو نادر (3).
قلت: والبيت لحاتم الطائي (4)، من قصيدة أولها:
أَتَعْرِفُ أَطْلالاً ونُؤْياً مُهَدَّماً. . . كخَطِّكَ في رَقٍّ كِتاباً مُنَمْنَمَا
فنفسَكَ أكْرِمْهَا فَإِنَّكَ إِنْ تَهُنْ. . . عليكَ فَلَن تُلْفَى لَهَا الدَّهْرَ مُكْرِمَا
أَهِنْ فِي الذي تَهوَى التِّلادَ فإِنَّهُ. . . إذا مِتَّ صَارَ اْلمالُ نَهْباً مُقَسَّمَا
ولا تَشْقَيَنْ فِيهِ فَيَسْعَدَ وَارِثُ. . . بِهِ حِينَ تَخشَى أَغْبَرَ الجَوِّ مُظْلِمَا
تَحَلَّمْ عَنِ الأَدْنَيْنَ واستَبْقِ وُدَّهُم. . . وَلَنْ تَستَطِيعَ الحِلْمَ حَتى تَحَلَّمَا (5)
قوله: (والموت زوال الحياة)
قال الطيبي: هو على هذا الوجه ليس بعرض، بل هو أمر عدمي (6).
قوله: (وقيل: عرض يضادها)
قال الشريف: فيكون أمرا وجوديا (7).
وذهبت فرقة ثالثة من أهل الحديث إلى أن الموت جسم؛ لورود الأحاديث والآثار مصرحة بذلك، غير أن للأولين أن يقولوا: إنهم لم يقصدوا حقيقة الموت في الواقع، بل أثره القائم ببدن الحيوان عند مفارقة الروح له، فاختلف محل النزاع.
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في. قوله تعالى (الذي خلق الموت والحياة)[سورة الملك 2] قال: الحياة فرس جبريل، والموت كبش أملح.
وقال مقاتل والكلبي: خلق الله الموت في صورة كبش لا يمر على أحد إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس لا يمر على شيء إلا حيَّ.
وأخرج أبو الشيخ ابن حيان في " كتاب العظمة " عن وهب بن منبه (1) قال: خلق الله الموت كبشا أملح مستترا بسواد وبياض، له أربعة أجنحة، جناح تحت العرش، وجناح في الثرى، وجناح في المشرق، وجناح في المغرب (2).
وأخرج الشيخان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله علية وسلّم: " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت "
وأخرج الشيخان والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت - زاد ابن حبان -: وكلهم قد رأوه - ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت - وكلهم قد رأوه - فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود، فلا موت، ويا أهل النار خلود، فلا موت (3) ".
وأخرج البزار وأبو يعلى، والطبراني في " الأوسط " بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي منادٍ يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فيذبح كما تذبح الشاة، فيأمن هؤلاء، وينقطع رجاء هؤلاء (1) "
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار أتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار.
والأحاديث في هذا كثيرة، بحيث إن طائفة من أهل الكلام استشكلت ذلك بناء على أن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، فكيف يذبح؟
وتجاسرت طائفة فأنكرت صحة الحديث، ودفعته.
والتحقيق ما أشرنا إليه، وهو أن الموت دي الحقيقة هو هذا الجسم الذي على صورة الكبش، كما أن الحياة جسم على صورة فرس لا تمر على شيء إلا حيَّ.
وأما المعنى القائم بالبدن عند مفارقة الروح فإنما هو أثره، فإما أن تكون تسميته بالموت من باب المجاز، لا الحقيقة، أو من باب الاشتراك، وحينئذ فالأمر في النزاع قريب.
* * *
تنبيه: تابع المصنف " الكشاف (2) " في هذه المسألة حتى إنه مشى معه على مذهبه.
قال المازري (3) في " شرح مسلم ": الموت عند أهل السنة عرض من
الأعراض، وعند المعتزلة عدم محض (1). انتهى.
فأنت ترى المصنف كيف صدر بالقول الذي هو مذهب المعتزلة مرجحا له، ثم ثنى بالقول الذي هو مذهب أهل السنة بصيغة التمريض، وما كفاه ذلك حتى ذكره حجته وردَّها، ولكن كل هذا تلخيص كلام " الكشاف ".
ومما يدل أن الموت جسم، أو عرض مخلوق قوله تعالى (أو خلقا مما يكبر في صدروكم)[سورة الإسراء 51] فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالموت (2).
قال الطيبي هناك: معناه: لو كنتم نفس الموت لأحياكم على المبالغة، كما يقال: لو كنت عين الحياة لأماتك، وإلا فالموت عرض لا ينقلب الجسم إليه، وهو لا ينقلب إلى ضده الذي هو الحياة (3).
قوله: (لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ)
قال القطب: فهو استعارة تمثيلية، شبه حاله تعالى، مع الكفار - في أنهم لا يفوتونه، ولا محيص لهم عن عذابه - بحال المحيط بالشيء - في أنه لا يفوته المحاط - واستعير لجانب المشبه الإحاطة (1).
وقال الطيبي: هي استعارة تمثيلية، شبهت حالة إنزال الله تعالى عذابه على الكافرين من كل جانب بحيث لا محيد لهم عنه، بحالة الجيش الذي صبح القوم، وقد أحاط بهم عن آخرهم، فلا يفوت منهم أحد (2).
وقال الشيخ سعد الدين: شبه حال قدرته الكاملة التي لا يفوتها المقدور ألبتة بإحاطة المحيط بالمحاط، بحيث لا يفوته، فتكون الاستعارة تبعية جارية في الإحاطة، وهذا لا ينافي كونها تمثيلية، لما في الطرفين من اعتبار التركيب.
وأما كونها تمثيلا بمعنى تشبيه حاله تعالى مع الكفار بحال المحيط مع المحاط، بحيث تكون المفردات على حقيقتها، كما في " أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى " ففيه نظر (1).
وقال الشريف: إن شبه شمول قدرته تعالى إياهم بإحاطة المحيط بما أحاط به - في امتناع الفوات - كان هناك استعارة تبعية في الصفة، سارية إليها من مصدرها.
وإن شبه حاله تعالى معهم بحال المحيط مع المحاط، أي شبه هيئة منتزعة من عدة أمور بأخرى مثلها كان هذا استعارة تمثيلية، لا تصرف في شيء من ألفاظ مفرداتها.
ومن زعم (2) أن كون هذه الاستعارة تبعية لا ينافي كونها تمثيلية لما في الطرفين من اعتبار التركيب = إن أراد به أن معنى الإحاطة مركب ففساده ظاهر؛ لأنها كالضرب مدلولها مفرد، وإن أراد اعتبار هيئة في مدلوله مع غيره لم يكن مدلول الإحاطة حينئذ مشبها به، فكيف تسري منه استعارة إلى الوصف المشتق منها.
ومن هنا ينكشف لك أن الاستعارة التمثيلية لا تكون تبعية أصلاً (3). انتهى.
قوله: (والجملة اعتراضية لا محل لها)
قال أبو حيان: لأنها دخلت بين هاتين الجملتين، وهما (يجعلون أصابعهم) و (يكاد البرق) وهما من قصة واحدة (4).
قال الطيبي: فإن قلت: كيف يصح أن تقع معترضة، وهي لتأكيد معنى المعترض فيها، والكلامان اللذان اعترضت هذه فيهما في شأن ذوي الصيب، وهو الممثل به، وهذه بعض أحوال المنافقين الممثل له؟
قلت: هذا من وجيز الكلام وبليغه، وذلك أن مقتضى الظاهر أن يذكر هذا قبيل
(كصيب) ليكون بعضا من أحوال المشبه، فنزل هنا ليدل على ذلك، ويعطي معنى التأكيد لهاتين الجملتين، وفيه من الغرابة أنه مؤكد لحال المشبه، وهو من حال المشبه به، وفائدته شدة المناسبة بين المشبه والمشبه به، فإن المشبه به مما يهتم بشأنه، ويعتنى بحاله (1).
وقال الشيخ سعد الدين: من مذهب صاحب " الكشاف " أن لنا واوًا اعتراضية، لا عاطفة، ولا حالية، وأن الاعتراض قد يكون في آخر الكلام، كقوله:(ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)[سورة البقرة 92]
وذلك لأن كلا من الجمل الثلاث، أعني (يجعلون) و (يكاد) و (كلما أضاء) استئناف مستقل، منشأ الأول (ورعد) والأخيرين (وبرق) فيكون (والله محيط بالكافرين) في آخر الكلام.
والنكتة في الاعتراض التنبيه على أن الحذر من الموت لا يفيد.
وقيل: هذا الاعتراض من جملة أحوال المشبه، على أن المراد بالكافرين المنافقون، فإنهم من عذابه تعالى في الآخرة، وإهلاكه إياهم في الدنيا بحيث لا مدفع له، وَوَسَّطَ بين أحوال المشبه به تنبيها على شدة الاتصال، وفرط التناسب (2).
قوله: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) استئناف ثان)
قال أبو حيان: ويحتمل أن يكون في موضع جر صفة لـ " ذوي " المحذوفة (3).
قوله: (ويخَطِّفُ على أنه يختطف)
القراءة على هذه بكسر الطاء المشددة وبفتحها.
قوله: (وكذلك أظلم)
قال الأزهري: كل واحد من " أضاء " و " أظلم " يكون لازما ومتعديا (4).
قال الشيخ بهاء الدين ابن عقيل: إن كان أظلم هنا متعديا، فالفاعل ضمير " الله " أو " البرق " أي أظلم البرق بسبب خفائه معاينة الطريق.
قوله: (منقولا من ظلم الليل)
في " الصحاح ": ظَلِمَ الليل بالكسر، وأظلم. حكاه الفراء (1).
قوله: (ويشهد له قراءة أظلم على البناء للمفعول)
قال القطب: فيه نظر، لجواز أن يكون (أظلم) مسندا إلى (عليهم)(2) كقوله (غير المغضوب عليهم)
وحينئذٍ فلا يدل على تعدية.
وكذا قال الحلبي: لا دليل في ذلك، لاحتمال أن أصله: وإذا أظلم الليل عليهم، فلما بني للمفعول حذف الليل، وقام " عليهم " مقامه (3).
قال الطيبي: والجواب أن " عليهم " ليس صلة لأظلم، بل هو ظرف مستقر.
والأصل وإذا أظلم الليل مَمْشىً عليهم قاموا، فبنى للمفعول، فاستتر فيه ضمير " ممشى " فحينئذٍ يطابق قوله فيما سبق (كلما نور لهم ممشى أخذوه)(4)
وقال الشريف: أجيب بأن (عليهم) مقابل (لهم) في (أضاء لهم) فإن جعلا مستقرين لم يصلح (عليهم) أن يقوم مقام الفاعل أصلا، وإن جعلا صلتين للفعلين على تضمينهما معنى النفع والضر صح أن يقام مقام فاعل المضمن، دون المضمن فيه.
وعلى تقدير صلوحه لذلك فعطف (إذا أظلم) على (كلما أضاء لهم) مع كونهما معا جواباً للسؤال عما يصنعون في تارتي خفوق البرق، وخفيته يقتضي أن يكون (أظلم) مسندا إلى ضمير البرق، كأضاء، على معنى كلما نفعهم البرق بإضاءته اغتنموه، وإذا أضرهم بإظلامه واختفائه دهشوا.
قال: وقد يجاب أيضاً بأن بناء الفعل للمفعول من المتعدي بنفسه أكثر، فالحمل عليه أولى (5).
قوله: (وقول أبي تمام
هُمَا أَظْلَمَا حَالَيَّ ثُمَّتَ أَجلَيَا. . . ظَلامَيْهِمَا عَنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ)
قبله - وهو أول القصيدة -:
أَحَاوَلْتِ إِرْشَادِي فَعَقْلِي مُرْشِدِِي. . . أمِ استَمْتِ تَأْدِيبي، فَدَهْرِيْ مُؤدِّبيْ (1)
الاستيام الطلب. يقول: لا تتعرضي لإرشادي فعقلي مرشدي، ولا تجشمي تأديبي فدهري (2) مؤدبي. هما أي العقل والدهر.
قال القطب، والطيبي، والتفتازاني، والشريف: وإنما أسند الإظلام إلى العقل؛ لأن العاقل لا يطيب له عيش.
زاد التفتازاني، والشريف: وإلى الدهر؛ لأنه يعادي كل فاضل.
قال التفتازاني: ويجوز أن يكو لإرشاد العاذلة وتأديبها.
وقوله: حاليَّ، قال القطب أي الديني والدنيوي
وقال الطيبي: أي الشيب والشباب.
وقال التفتازاني والشريف: أراد بحاليه ما يتوارد عليه من المتقابلين، كالخير والشر، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والعسر واليسر.
قال الشريف: والمقصود التعميم (3).
وقوله: ثمت أجليا، أي كشفا ظلاميهما.
وقوله:. . . . . . . . . . . . . . . عن وجه أمرد أشيب
من باب التجريد (4)، أي عن وجهي وأنا شاب في السن، وشيخ أشيب في تجربة الأمور وعرفانها، أو أشيب في غير أوانه لمقاساة الشدائد.
والهمزة في " أحاولت " للإنكار، أي ما كان ينبغي أن تتجشمي في الإرشاد والتأديب. والفاء تعليل لمحذوف، أي لا تحاوليني لشيء منهما؛ فإن العقل والدهر كفاية فيهما.
قوله: (فإنه وإن كان من المحدثين)
هم الشعراء الذين نشؤوا بعد الصدر الأول من الإسلام، لا يحتج
بكلامهم؛ لكونهم بعد فساد الألسنة، وأولهم بشار بن برد (1).
والشعراء طبقات:
الجاهليون: مثل امرئ القيس (2)، وزهير بن أبي سلمى (3)، وطرفة (4)، والنابغة الذبياني.
والمخضرمون: وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، مثل حسان، ولبيد.
والمتقدمون من أهل الإسلام كالفرزدق، وجرير، ويستشهد بأشعارهم في اللغة والعربية.
ثم المحدثون كالبحتري (5)، وأبي تمام، والمتنبي، ولا يستشهد بشعرهم في لغة، ولا في عربية.
نقل ثعلب عن الأصمعي قال: ختم الشعراء بإبراهيم بن هرمة (6)، وهو آخر الحجج.
وقال الأندلسي (7) في " شرح بديعية رفيقه ابن. . . . . . . . . . . . . . .
جابر (1) ".
علوم الأدب ستة: اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع.
قال: فالثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب نظما ونثرا؛ لأن المعتبر فيها ضبط ألفاظهم، والعلوم الثلاثة الأخيرة يستشهد عليها بكلام العرب، وغيرهم من المولدين؛ لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق فيها في ذلك بين العرب وغيرهم؛ إذ هو أمر راجع إلى العقل، ولذلك قبل من أهل هذا الفنّ الاستشهاد بكلام البحتري، وأبي تمام، وأبي الطيب، وأبي العلاء (2)، وهلمَّ جرا (3).
قوله: (لكنه كان (4) من علماء العربية).
ولذا ترجمة الكمال ابن الأنباري في كتابه المسمى " نزهة الألباء في طبقات الأدباء " فقال: هو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطائي، شامي الأصل، قدم بغداد وجالس بها الأدباء، وعاشر العلماء، وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر (5) وغيره أخبارا مسندة. ورثاه الحسن بن وهب (6) بقوله:
فُجِعَ القَرِيضُ بِخَاتَمِ الشُّعَرَاءِ. . . وغَدِيْرِ رَوْضَتِهَا حَبِيبِ الطَّائِيْ
مَاتَا مَعاً فَتَجَاوَرَا فِي حُفرَةٍ. . . وَكَذَاكَ كَانَا قَبْلُ فِي الأَحْيَاءِ (7)
وجمع الصولي (1) أخبار أبي تمام في مجلد (2).
قوله: (فلا يبعد أن يجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه)
أي لأنه موثوق به في الرواية، فلو لم يسمع من العرب لم يقل.
قلت: ولا يخفى ما في هذا؛ إذ لو فتح هذا الباب لاحتج بكل ما وقع في شعر المحدثين بهذا الطريق.
وكم أخذ النحاة، واللغويون على أبي تمام، والمتنبي، وأضرابهما من موضع ولَحَّنُوهُم (3).
وفي الحاشية المشار إليها: ما ذكره المصنف ممنوع؛ فإن الإنسان قد يتساهل فيما ينطق به، ولا يتساهل فيما ينقله إذا كان عدلا.
ولو صح ما قاله لم يقتصر ذلك على أبي تمام، ولجاز الاستشهاد بقول الحريري، وغيره ممن جمع بين الأدب والعدالة، وليس كذلك.
وقال الشيخ بهاء الدين ابن عقيل في تفسيره: الظاهر لزوم أظلم، فالأصل عدم الحذف، وكون الهمزة للنقل خلاف الظاهر، وقول أبي تمام ليس كروايته؛ لجواز صدور قوله عن اجتهاد أخطأ فيه، فالحجة فيما رواه، لا فيما رآه.
وكذا قال الشيخ سعد الدين: قد يفرق بأن مبنى الرواية على الوثوق والضبط،
ومبنى القول على الدراية والإحاطة بالأوضاع والقوانين، والإتقان في الأول لا يستلزم الإتقان في الثاني، فغاية الأمر أنه جمع في " الحماسة " أشعار من يستشهد بشعرهم، وصدق في ذلك، فمن أين يجب أن يكون ما يستعمله في شعره مسموعا
ممن يوثق به، أو مأخوذا من استعمالاتهم.
والقول بأنه بمنزلة نقل الحديث بالمعنى ليس بسديد، بل هو بعمل الراوي أشبه، وهو
لا يوجب السماع (1).
قوله: (وإنما قال مع الإضاءة (كلما) ومع الإظلام (إذا) لأنهم حراص على المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، ولا كذلك التوقف)
الفرصة النوبة والشرب، يقال: وجد فلان فرصة، أي نهزة، وجاءتك فرصتك في النهز، أي نوبتك.
وفي " الصحاح ": انتهزت الفرصة إذا اغتنمتها (2).
وقد ذهب بعضهم إلى أن التكرار مراد في الإظلام أيضاً، وأنه ترك استغناء بذكره في الجملة الأولى، أو لاستفادة التكرار منها، فإن تكرار الإضاءة لا يتحقق إلا بتكرار الإظلام.
وقال أبو حيان: لا فرق عندي بين (كلما) و (إذا) هنا من جهة المعنى إذ التكرار متى فهم من (كلما أضاء) لزم منه التكرار أيضاً في أنه (إذا أظلم عليهم قاموا) إذ الأمر دائر بين إضاءة البرق والإظلام، متى وجد ذا فُقِدَ ذا، ولزم من تكرار وجود ذا عدم ذا.
على أن من النحاة من ذهب إلى أن " إذا " تدل على التكرار، كـ " كلما " وأنشد:
إِذا وَجَدتُّ أُوَارَ الحُبِّ فِي كَبِدِي. . . أَقبَلْتُ نَحْوَ سِقاءِ القَوْمِ أبْتَرِدُ (3)
فمعناه معنى " كلما "(4).
والتكرار الذي يذكره أهل أصول الفقه والفقهاء في " كلما (5) " إنما ذلك فيها من العموم، لا أن لفظ " كلما " وضع للتكرار، كما يدل عليه كلامهم، وإنما جاءت " كل " توكيدا للعموم المستفاد من " ما " الظرفية، فإذا قلت:" كلما جئتني أكرمتك " فالمعنى: أكرمك في كل فرد من جيأتك إليَّ.
قوله: (ومنه قامت السوق إذا ركدت)
قال التفتازاني: أي سكنت.
قال: وقد سبق قامت السوق، بمعنى نفقت، وكلاهما مذكور في كتب اللغة (1).
قال الشريف: فهو من الأضداد (2).
قوله: (بقصيف الرعد) أي شدة صوته.
قوله: (بوميض البرق) أي لمعانه.
قوله: (ولقد تكاثر حذفه في شاء وأراد)
في الحاشية المشار إليها: ليس على ظاهره، بل إنما يكون ذلك مع " إِنْ " الشرطية، و " لولا " الامتناعية، وما شاكلهما، ك " إذا " ونحوها، لافتقارها إلى جواب فيغني الجواب عن المفعول المضمر.
فأمَّا إذا تجردا عن ذلك فحكمهما حكم سائر الأفعال في ظهور مفعولهما.
وكذا قال الشريف: أي تكاثر حذف المفعول في شاء وأراد ومتصرفاتهما إذا وقعت في حيز الشرط؛ لدلالة الجواب على ذلك المحذوف، مع وقوعه في محله لفظا، ولأن في ذلك نوعا من التفسير بعد الإبهام (3).
قوله: (فَلَوْ شِئْتُ أن أَبْكِيَ دَماً لَبَكَيتُهُ. . . . . . . . . . . . . . . .)
تمامه:
. . . . . . . . . . . . . . . . . عَلَيكَ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ (4)
قال الطيبي: أتى بالمفعول؛ لأن بكاء الدم مستغرب، ونصب " دما " باعتبار تضمين البكاء معنى الصب (5).
قلت: والبيت من قصيدة لأبي يعقوب الخريمي (6)، يرثي بها خريم بن عامر
المري، وبعده - وهو آخرها -:
وإنِّي وإنْ أَظهَرْتُ صَبْرًا وَحسبَةً. . . وَصَانَعْتُ أَعدَائِيْ، عَلَيكَ لَمُوْجَعُ
قوله: (و " لو " من حروف الشرط، وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني، ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء لازمه)
قال الشيخ سعد الدين: الظاهر أن " لو " هاهنا لمجرد الشرط، بمنزلة " إِنْ " لا بمعناه الأصلي من انتفاء الشيء لانتفاء غيره (1).
وقال الشريف: كلمة " لو " هنا مستعملة لربط جزائها بشرطها مجردة عن الدلالة على أن انتفاء أحدهما لانتفاء الآخر، فهي بمنزلة " إن "
وقد يقال: إنها باقية على أصلها وقصد بها التنبيه على أن مشقتهم بسبب الرعد والبرق وصلت غايتها، وقاربت إزالة الحواس بحيث لو تعلقت به المشيئة لزالت بلا حاجة إلى زيادة في قصيف الرعد وضوء البرق (2).
قوله: (وقرئ لأذهب بأسماعهم، بزيادة الباء)
قال الطيبي: يعني دلت الهمزة على التعدية، والباء كعضادة للتعدية وتأكيدها، كما يعضد الباب بعضادتيه (3).
وفي الحاشية المشار إليها: القياس أن لا يجمع بين أداتي تعدية، بل إما الهمزة، أو الباء، وقد جاء الجمع بينهما قليلا، ومنه هذه القراءة.
قوله: (وفائدة هذه الشرطية إبداء المانع) إلى آخره.
قال الطيبي: وفائدته الراجعة إلى الممثل له هي أنه تعالى يمهل المنافقين فيما هم فيه؛ ليتمادوا في الغي والفساد؛ ليكون عذابهم أشد (4).
قوله: (والشيء يختص بالموجود)
قال في " الانتصاف ": فإن قيل: إذا كان المعدوم لا يسمى شيئا، وإذا وجد صار شيئا لا تتعلق به القدرة؛ إذ القدرة إنما تتعلق بالشيء أول وجوده، فكيف يكون قادرا على كل شيء؟
فجوابه أنه من باب " قتل قتيلا " أي تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كأنه قال: قادر على كل ما يصير شيئا (1).
قال في " الإنصاف ": وفيه نظر، فإن القدرة تتعلق به في أول زمن وجوده، وهو في أول زمن وجوده شيء، بلا خلاف بين المسلمين؛ إذ لو لم يكن شيئا في أول زمن وجوده لم يكن شيئا في ثاني الأحوال (2).
قوله: (أطلق بمعنى شاء تارة)
قال الطيبي: أي مريد.
(وبمعنى مشيء أخرى) هو بفتح الميم، اسم مفعول كمبيع.
قال ابن عقيل: فالأول بمعنى الفاعل، والثاني بمعنى المفعول.
قوله: (وقول امرئ القيس:
كَأنَّ قُلُوْبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيابِساً. . . لَدَى وَكرِهَا العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِيْ)
قال الشيخ سعد الدين: يصف العقاب، وهو مخصوص بأنه لا يأكل قلب الطير.
و " رطبا " و " يابسا " حال، أي رطبا بعضها، ويابسا بعضها، وكذا " لدى وكرها "
وقد شبه الرطب بالعناب، واليابس بالحشف البالي، أي أراد التمر اليابس (4).
وقال ابن قتيبة (5) في " أبيات المعاني ": قلوب الطير أطيب ما فيها، فهي تأتي به تزق به - فراخها (6). وأول القصيدة:
أَلا عِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الطَّلَلُ البَالِيْ. . . وَهَلْ يَعِمْنَ مَنْ كَانَ فِي العُصُرِ الخَالِيْ
وَهَلْ يَعِمْنَ إِلا سَعِيدٌ مُخَلَّدُ. . . قَلِيْلُ الهُمُوْمِ مَا يَبيْتُ بِأوْجَالِيْ
كَأنِّيْ بِفَتْخَاءِ الجَنَاحَينِ لِقْوَةٍ. . . عَلىَ عَجَلٍ مِنْهَا أطأْطِئُ شِمْلالِ
تَخَطَّفُ خِزَّانَ الأَنيعمِ بِالضُّحَى. . . وَقَدْ حَجَرَتْ منها ثَعَالِبُ أَوْرالِ
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا (1). . . . . . . . . . . . البيت
وفتخاء الجناحين لينتها. واللقوة بكسر اللام العقاب.
وقال المبرد في " الكامل ": هذا البيت - بإجماع الرواة - أحسن ما جاء في تشبيه شيء في حالين مختلفين بشيئين مختلفين (2).
وقال ابن عساكر في " تاريخه ": يقال: إن لبيدا قدم المدينة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشعر الناس؟ فقال: " يا حسان أعلمه " فقال حسان: الذي يقول:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا. . . لدى وكرها العناب والحشف البالي
فقال: هذا امرؤ القيس.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أدركته لنفعته " ثم قال: " معه لواء الشعراء يوم القيامة حتى يتدهدى بهم في النار (3) "
وفي " أمالي القالي ": عن روح بن زنباع (4) قال: أشعر الشعراء الذي يقول:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا. . . لدى وكرها العناب والحشف البالي (5)
والعناب بضم العين بوزن رمان. ذكره في القاموس (6).
قوله: (خفقة) من خفق البرق، أي لمع.
قوله: (انتهزوها فرصة)
قال الشريف: الانتهاز يتعدى إلى مفعول واحد، فقوله:" فرصة " حال (1).
قال الشيخ سعد الدين: والأحسن أن يكون مفعولا ثانيا على تضمين معنى الاتخاذ، أي اتخذوا الخفقة فرصة (2).