الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلا سِيَّمَا يَومٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ (1)
فهو مخطئ.
ويجوز في الاسم الذي بعد " ما " الجر على الإضافة، و " ما " زائدة بينهما، والرفع على أنه خبر لمحذوف، و " ما " موصولة، أو نكرة موصوفة بالجملة، أي " ولا مثل الذي هو " أو " ولا مثل شيء هو " فإن كان نكرة جاز نصبه أيضاً على التمييز، و " ما " كافة عن الإضافة (2).
* * *
قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)
تعليل للحكم السابق، وبيان ما يقتضيه)
قال الطيبي: تقريره أن الآية جارية مجرى السبب الموجب لكون الهدى لا ينفع فيهم، فإنه تعالى لما أظهر عليهم تصميمهم على الكفر بقوله (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) اتجه لسائل أن يقول: فما بالهم كذلك؟ فأوقع قوله تعالى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) إلى ساقته جوابا منطويا على بيان الموجب.
وقد بولغ في المعنى حيث جعل الختم على القلوب ليمنع من الفكر في الدلائل المعقولة الصرفة، وعلى السمع لأن لا ينفذ في القلوب بسببه الدلائل المصنوعة، وجعل على البصر الغشاوة لأن لا يصل إليها الدلائل المبصرة، فيستدلوا بها على وجود منشئها، فسد الطريق عليهم من كل وجه (3).
قوله: (والختم الكتم)
عبارة " الكشاف ": " الختم والكتنم أخوان "(4)
قال القطب: أي في الاشتقاق الأكبر؛ لقرب اللفظ واشتباك المعنى؛ لأن في الختم - وهو ضرب الخاتم على الشيء - معنى الكتم، فإن المختوم مكتوم (5).
قال الشيخ أكمل الدين - بعد إيراده -: وهو كلام صحيح، لكنه بعيد المناسبة، فإن الكتم فيما نحن فيه لا يصلح تفسيراً للختم (6).
الشريف: " أخوان " أي متشاركان في العين واللام، ومتناسبان في المعنى (7).
قوله: (سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه؛ لأنه كتم له، والبلوغُ آخره، نظرا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه)
مأخوذ من كلام الراغب حيث قال: الختم والطبع الأثر الحاصل عن نقش شيء، ويتجوز به يقال: ختمت كذا في الاستيثاق من الشيء والمنع منه، نظرا إلى ما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، ويقال ذلك ويعنى بلوغ آخر الشيء نظرا إلى أنه آخر فعل في إحراز الشيء، ومنه قيل: ختمت القرآن. انتهى (1).
وعلم بذلك أن قول المصنف: (والبلوغ آخره) معطوف على الاستيثاق، عطف قسيم على قسيم.
قوله: (والغشاوة فِعالةٍ، من غَشَّاه إذا غَطَّاه، بنيت لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة).
قال الزجاج: كل ما اشتمل على الشيء مبني على " فِعالةِ " نحو العمامة والقلادة، وكذلك أسماء الصناعات، فإن الصناعة مشتملة على كل ما فيها، نحو الخياطة والقصارة، وكذلك ما استولى على اسم، فاسم ما استولى عليه الفِعالةِ نحو الخلافة والإمارة (2).
قوله: (ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة)
هي عبارة " الكشاف "(3) وهو أحد مسالك أهل السنة، يجعلون إحداث الهيئة الآتية فعل الله حقيقة، وتسميتها ختما وتغشية مجاز (4).
والأقوى أنهما ختم وتغشية حقيقيتان، والأحاديث صريحة في ذلك:
منها: ما أخرج البزار (1) عن ابن عمر رفعه قال: " الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا اشتكت الرحم، وعمل بالمعاصي، واجترئ على الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه، فلا يعقل بعد ذلك شيئا "(2)
وكثير من هذه الأحاديث ونحوها يحملها من لم يتضلع من الحديث على المجاز والاستعارة.
والأقوى - كما قاله البغوي في " شرح السنة "(3) وغيره - إجراؤها عنى الحقيقة؛ إذ لا مانع من ذلك، والتأويل خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا لمانع، وهو مفقود هنا.
قوله: (وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم) إلى آخره مأخوذ من كلام الراغب حيث قال: قد قيل: للإنسان ثلاثة أنواع من الذنوب، يقابلها من الدنيا ثلاث عقوبات:
الأَوَّلُ: الغفلة عن العبادات، وذلك يورث جسارة على ارتكاب الذنوب، وهو
المشار إليه بقوله: " إن المؤمن إذا أذنب أورث في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه "(1)
والثاني: الجسارة على ارتكاب المحارم (2)، إما لشهوة تدعوه إليها، أو شرارة تحسنه في عينه فتورثه وقاحة، وهي المعبر عنها بالرين في قوله تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[سورة المطففين 14].
والثالث: الضلال، وهو أن يسبق إلى اعتقاد مذهب باطل، وأعظمه الكفر، فلا يكون تلفت منه بوجه إلى الحق، وذلك يورثه هيئة تمرنه على استحسانه المعاصي، واستقباحه الطاعات، وهو المعبر عنه بالطبع والختم في قوله (وختم على سمعه وقلبه)[سورة الجاثية 23] و (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم)[سورة النحل 108] وبالأقفال في قوله (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)[سورة محمد 24] إلى غير ذلك (2)
قوله: (وسماه على الاستعارة ختما وتغشية، أو مَثُّلَ قُلُوبَهُم) إلى آخره.
قال الطيبي: لا يخلو هذا الكلام عن تسامح (4)؛ لأن ظاهره جعل التمثيل قسيما للاستعارة، ونوعا من المجاز لقوله أول الكلام:" ولا ختم على الحقيقة " فإن عنى بالتمثيل ما هو واقع على سبيل التشبيه، بأن يكون وجهه منتزعا من عدة أمور غير حقيقية، فهو ليس بمجاز، وإن أراد به الاستعارة التمثيلية، فهو ليس قسيما للاستعارة، بل هو قسم منها.
قال: والجواب أن المراد الثاني، والعذر أن الاستعارة التمثيلية غلب عليها اسم التمثيل، ولا يكاد يطلق عليها اسم الاستعارة، وبقية الاستعارات يطلق عليها اسم الاستعارة مطلقا.
وذلك أنهم إذا أرادوا أن بعض أنواع الجنس له مزية على سائر أنواعه
يخرجونهم من ذلك الجنس، ويجعلونه جنسا آخر.
وإذا جعل هنا استعارة فهي مكنية عن قلوب متخلية، على صورة شيء مستوثق منه، ثم نسب إليها لازم ذلك الشيء، وهو الختم، بعد التخييل (1).
قوله: (ناعية عليهم)
أي مظهرة، من قولهم: فلان نعى على فلان ذنوبه، أي أظهرها وشهرها.
قوله: (فذكروا وجوها من التأويل)
ذكر المصنف منها سبعة، وزاد الإمام فخر الدين أوجها:
منها: أنهم أعرضوا عن التدبر، ولم يصغوا إلى الذكر، وكان ذلك عند إيراد الله عليهم الدلائل، فأضيف ما فعلوا إلى الله؛ لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده دلائله عليهم، كقوله في التوبة (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)[سورة التوبة 125] أي ازدادوا بها كفرا إلى كفرهم.
ومنها: أن الختم على قلوب الكفار من الله تعالى، والشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر، ولا تقبل الحق، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق، كما يقول الرجل لصاحبه: أريد تختم على ما يقوله فلان، أي تصدقه وتشهد بأنه حق، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون، وأخبر في هذه الآية أنه قد شهد بذلك، وحققه عليهم (2).
قوله: (الثاني أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم) إلى آخره قال الطيبي: هو الذي عناه السكاكي بقوله: التشبيه التمثيلي متى فشا استعماله على سبيل الاستعارة سمي مثلا (3).
والفرق بين هذا التمثيل والذي سبق في تقرير أهل السنة أن هناك الاستعارة واقعة في الختم فقط، على سبيل التبعية، وهنا الاستعارة في الجملة برأسها (4).
قوله: (سال به الوادي)
قال الميداني في " الأمثال ": يقال لمن وقع في أمر شديد (5).
قوله: (وطارت به العنقاء)
قال أبو عبيد في " الأمثال ": من أمثالهم طارت به العنقاء (1)
قال الخليل: سميمتا عنقاء؛ لأنه كان في عنقها بياض كالطوق (2).
وقال أبو البقاء الكعبري في " شرح المقامات ": كان بأرض أهل الرس جبل صاعد في السماء، قدر ميل، به طيور كثيرة، منها العنقاء، وهي عظيمة الخلق، لها وجه كوجه الإنسان، وفيها من كل حيوان شبه من أحسن الطير، وكانت تأتي هذا الجبل في السنة مرة قتلتقط طيره، فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به، ثم ذهبت بجارية، فشكوا ذلك إلى نبيهم حنظلة بن صفوان في زمن الفترة، فدعا عليها فهلكت، وقطع نسلها (3).
وفي " ربيع الأبرار ": عن ابن عباس خلق الله في زمن موسى عليه السلام طائرا اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجهها كوجه الإنسان، وأعطاها من كل شيء، وخلق لها ذكرا مثلها، وأوحى إليه أني خلقت طائرين عجيبين، وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، فتناسلا وكثر نسلهما، فلما توفي موسى عليه السلام انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش وتخطف الصبيان، إلى أن نبئ خالد بن سنان العبسي (4) قبل النبي صلى الله عليه
وسلم، فشكوا إليه، فدعا عليها، فانقطع نسلها وانقرضت (1).
وقال الغزويني (2) في " عجائب المخلوقات ": العنقاء أعظم الطير جثة وأكبره، كان يخطف الفيل في قديم الزمان بين الناس (3)، فتأذوا منه إلى أن سلب يوما عروسا بحليها، فدعا عليه حنظلة النبي عليه الصلاة والسلام، فذهب الله به إلى بعض جزائر البحر المحيط، تحت خط الاستواء، وهي جزيرة لا يصل إليها الناس (4).
وما أحسن قول الصفي الحلي (5):
لمَّا رَأَيْتُ بَنِيْ الزَّمَانِ وَمَا بِهِمْ. . . خِلٌّ وَفِيٌّ لِلشدَائِدِ اصطُفِيْ
أَيْقَنْتُ أنَّ المُسْتَحِيْلَ ثَلاثَةٌ. . . الغُولُ وَالعَنْقَاءُ والخِل الوَفِيْ (6)
قوله: (والقسر) بسين مهملة ساكنة، الإكراه والقهر
قوله: (كقوله تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) الآية) [سورة البينة 1].
قال الطيبي: فإنهم كانوا يقولون قبل البعثة: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا حتى يبعث النبي الموعود به الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)[سورة البقرة 90] فحكى الله ذلك عنهم، كما كانوا يقولون، على سبيل الوعيد والتهديد، ولو كان هذا ابتداء إخبار منه تعالى لكان الانفكاك متحققا موجودا عند مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم (7). انتهى.
قوله: (ووحد السمع للأمن من اللبس، واعتبار الأصل، فإنه مصدر في أصله)
قال الطيبي: في " المغرب ": السمع الأذن، وأصله المصدر، قيل: وقد يطلق مجازا على القوة الحالّة في الغشاء المفترش عند الصماخ، بها تدرك الأصوات، فعلى هذا الوجه المراد بالسمع الآلة، ولم يلمح فيه الأصل (1).
وفي بعضر الحواشي: هذه العلة أوردها أكثر المفسرين على صورة يلحقها خلل، فأصلحها المصنف، وذلك أنهم قالوا: السمع مصدر، فلا يثنى ولا يجمع، والقلوب والأبصار أسماء أعضاء فجمعت.
واستشعر الزمخشري كان سائلاً يقول: ليس المراد بالسمع هنا المصدر، فإنه لا يختم على المصدر، وإنما (2) يختم على العضو، فأصلح الجواب بأن قال: السمع في أصله مصدر (3)، ثم نقل إلى هذه الجارحة المخصوصة، فروعي أصله مع نقله إلى العضو المخصوص، وملاحظة الأصل ليست ببعيد عند النحاة، فإنهم قالوا في قوله تعالى (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى) [سورة المعارج 17] بالنصب: إنه حال، والعامل فيها (لظى) وهي اسم لجهنم، ولكن لما كان أصلها مأخوذا من التلظي روعي الأصل، فعملت لمحي الحال.
قوله: (أو على تقدير مضاف، مثل: وعلى حواس سمعهم)
قال الطيبي: فعلى هذا الوجه السمع مصدر، وليس بمعنى الأذن (4).
قوله: (ويؤيده العطف على الجملة الفعلية)
قال الطيبي: أي واستقر على أبصارهم غشاوة (5).
قوله: (وقرئ بالنصب)
قال الطيبي: القراءات كلها شواذ، والمشهور غِشاوة بكسر الغين المعجمة مع الألف بعد الشين، والرفع (6).
قوله: (على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة)
قال أبو حيان: يؤيده ظهوره في قوله (وجعل على بصره غشاوة)(1)
قوله: (أو على حذف الجار) إلى آخره.
قال أبو حيان: هذا ضعيف.
قال: ويحتمل عندي أن يكون اسما وضع موضع مصدر، من معنى ختم: غَشَّى، كأنه قيل: تغشية، على سبيل التأكيد، ويكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوما عليها مُغَشَّاة (2).
قوله: (وعشاوة بالعين غير المعجمة)
قال الطيبي: هو من قولهم: عشي يعشى إذا صار أعشى، وعشا يعشو إذا
جعل نفسه كأنه أعشى، قال الله تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ)[سورة الزخرف 36].
قوله: (والعذاب كالنكال)
قال السجاوندي: العذاب إيصال الألم إلى الحي مع الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب.
قوله: (ولذلك سمي نقاخا) أي الماء الحلو، وهو بضم النون، بعدها قاف، آخره خاء معجمة.
قال في " الكشاف ": " لأنه ينقخ العطش، أي يكسره "(4).
وفي الصحاح: النقاخ الماء العذب الذي ينقخ الفؤاد ببرد (5).
قال العرجي (6):
وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ. . . وإنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلا بَرْدا (7)
قوله: (وفراتا)
قال في " الكشاف ": " لأنه يرفته، على القلب "(1)
قال بعض أرباب الحواشي: يعني أن حق الاشتقاق أن يقال: فراتا؛ لأنه يفرته، فقلبوا وقدموا الفاء على الراء، كما قالوا: صعق، وصقع، وجذب، وجبذ، ففرت مقلوب رفت.
قال الشريف: وعلى هذا فوزن فرات عُفال (2).
وفي " الأساس ": رفت الشيء فته بيده، كما يرفت المدر والعظم البالي (3).
قوله: (فادح) بالفاء أوله، وآخره مهملة.
في " الصحاح ": فدحه الدَّين: أثقله، وأمر فادح إذا عاله وبهظه (4). أي أثقله وشق عليه.
قوله: (فكما أن الحقير دون الصغير، فالعظيم فوق الكبير)
قال الطيبي: يعني إذا كان الحقير مقابلاً للعظيم، والصغير للكبير، يلزم أن يكون العظيم فوق الكبير؛ لأن العظيم لا يكون حقيرا؛ لأن الضدين لا يجتمعان، والكبير قد يكون حقيرا، كما أن الصغير قد يكون عظيما؛ لأن كلا منهما ليس بضد للآخر (5).
قوله: (ومعنى التنكير في الآية) إلى آخره
قال الشيخ سعد الدين: يريد أنه للنوعية، والعذاب لما وصف بالعظيم كان المعنى نوعا عظيما منه، فليس القصد إلى تنكيره للتعظيم.
وذكر التعامي دون العمى وإن كانوا من أهل الطبع إشارة إلى أن ذلك من سوء اختيارهم، وشؤم إصرارهم (6).
وذكر الشريف مثله، وزاد: وقيل: هو للتعظيم، أي غشاوة أيَّ غشاوة (7).
قوله: (وهم أخبث الكفرة)