المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌قوله: (ترشيح للمجاز) - نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي - جـ ١

[الجلال السيوطي]

الفصل: ‌قوله: (ترشيح للمجاز)

أي اشترى النصرانية بالإسلام حين تنصر.

قال أبو بكر ابن الأنباري في كتاب " الأضداد ": قال بعض أهل اللغة: كل من آثر شيئا على شيء فالعرب تجعل الإيثار له بمنزلة شرائه، واحتجوا بقول الشاعر. وذكر هذين البيتين (1).

* * *

‌قوله: (ترشيح للمجاز)

قال الشيخ سعد الدين: هو من رشح الأم ولدها باللبن القليل، تجعله في فيه شيئا بعد شيء إلى أن يقوى على المص، وفلان يرشح للوزارة: أي يربى، ويؤهل لها (2). كذا في " الصحاح ".

وفي " الأساس ": فلان يرشح للخلافة. وأصله ترشيح الظبية ولدها، تعوده بالمشي، فيرشح، وغزال راشح، ورشح إذا مشى ونزا (3).

ومعناه عندهم أن يقرن بالمجاز صفة، أو تفريع كلام يلائم المعنى الحقيقي، وأكثر ما يكون في الاستعارة، كقولك: جاوزت بحرا يتلاطم أملاجه، وقد يكون في المجاز المرسل، كقولهم: له اليد الطولى، أي القدرة الكاملة.

قال: وقد ذكرنا في " شرح التلخيص " نبذا من الكلام في أن اللفظ الدال على الترشيح حقيقة، أو مجاز، وفي الفرق بينه وبين الاستعارة التخييلية؛ إذ في كل منهما إثبات لوازم المستعار منه وملائماته.

وأما اشتبهاهه بالاستعارة بالكناية فلا يخطر ببال من له مسكة في علم البيان، لكن ينبغي أن يكون متحققا عندك أن الترشيح إنما يكون بعد تمام الاستعارة بالقرينة في التصريحية، وبالتخييل في المكنية، وأنه قد يكون مجازا عن الشيء، وقل لا يكون (4).

قوله: (وَلما رَأَيْتَ النَّسْرَ عَزَّ ابنَ دَاْيَةَ. . . وَعَشْعَشَ فِيْ وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْرِيْ (5))

قال الطيبي: النسر طائر، وابن داية الغراب.

ص: 413

استعار للشيب النسر، وللشباب الغراب، ثم رشحهما بالوكرين، وهما الرأس واللحية (1).

وقال الشيخ سعد الدين: معنى عَزَّ غلب. وجاش اضطرب. والوكران استعارة للرأس واللحية، أو للفودين أعني جانبي الرأس. والتعشيش للحلول والنزول، وهو ترشيح، والتعشيش أخذ العش، وعش الطير موضعه الذي يأخذه من دقاق العيدان وغيرها للتفريخ، وهو في أفنان الشجر، فإذا كان في جدار، أو جبل، أو نحوهما فهو وكر (2).

وقال الشريف: استعار لفظ " النسر " للشيب، ولفظ " ابن داية " - وهو الغراب - للشعر الأسود، ورشح الاستعارتين بذكر التعشيش، وذكر الوكر.

واستعير لفظ الوكرين من معناه الحقيقي للرأس واللحية، أو للفودين، ولفظ التعشيش للحلول والنزول فيهما مع كونهما مستعارين، ترشيحا لتينك الاستعارتين، لا باعتبار المعنى المقصود بهما، بل باعتبار لفظهما، ومعناهما الأصلي (3).

قوله: (يسمى شفا) بكسر المعجمة وتشديد الفاء.

في " الصحاح ": الشف بالكسر الفضل والربح، الشف أيضاً النقصان، وهو من الأضداد (4).

قوله: (لما جاء بحقيقة حالهم عقبه) إلى آخره

قال الطيبي: يعني أن قوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر) إلى هنا جار مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين، فلما فرغ منها عقبها ببيان تصوير تلك الحقيقة، وإبرازها في معرض المشاهد المحسوس تتميما للبيان (5).

قوله: (لأنه يريك المتخيل متحققا، والمعقول محسوسا)

قال القطب: وهاهنا دقيقة أخرى أنيقة، وهي أن المعاني التي يراد تفهمها ربما

ص: 414

تكون معقولة صرفة، فالوهم ينازع العقل في إدراكها، حتى يحجبها عن العقل، فيضرب لها الأمثال، فيبرزها في معرض المحسوسات؛ ليساعد الوهم العقل في إدراكها؛ لأن شأن الوهم إدراك المحسوس والمحاكاة، ولهذا يبكت الخصم الألد بضرب المثل؛ لأن خصومته بسبب انقياده للوهم، ونُبُوُّ الوهم عن طاعة العقل، فإذا توافقا زالت الخصومة، لا محالة (1).

قوله: (ثم قيل للقول السائر)

قال الطيبي: ثم نقل هذا المعنى إلى القول السائر، أي المشهور الدائر بين الناس، الذي هو كالعلم للتشبيه، ولأجل كونه علما للتشبيه حوفظ عليه، وحمي عن التغيير.

قال الميداني: حقيقة المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بالحال الأولى، قال كعب (2):

كَانَتْ مَوَاعِيْدُ عُرْقُوْبٍ لَهَا مَثَلاً. . . وَمَا مَوَاعِيْدُها إَلاّ الأَبَاطِيْلُ (3)

قوله: مواعيد عرقوب علم لكل ما لا يصح من المواعيد (4)، والأعلام لا تغير (5).

وقال الشيخ سعد الدين: السائر أي الفاشي الممثل موضع ضربه بموضع وروده.

قال: وهذا معنى قولهم: الاستعارة التمثيلية متى فشا استعمالها سميت مثلا (6).

وقال الشريف: أي نقل من معناه اللغوي، إلى معنى آخر عرفي، يتفرع عليه معنى ثالث مجازي.

ص: 415