الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفود عدي بن حاتم
فخرج حتى جاء المدينة، ولقي رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: من الرجل؟ قال عدي بن حاتم، فأخذه إلى بيته وبينما يمشيان إذ لقيت رسول الله امرأة عجوز، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقال عدي: والله ما هو بملك. ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من جلد محشوّة ليفا فقدمها إلى عدي، وقال: اجلس على هذه، فقال: بل أنت تجلس عليها، فامتنع عليه الصلاة والسلام، وأعطاها له، وجلس هو على الأرض، ثم قال: يا عدي أسلم تسلم قالها ثلاثا، فقال عدي: إني على دين وكان نصرانيا فقال عليه الصلاة والسلام: أنا أعلم بدينك منك، فقال عدي: أأنت أعلم بديني منّي؟ قال:
نعم. ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعا لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء كأخذه المرباع وهو ربع الغنائم. ثم قال: يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدّين ما ترى، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قدرة لهم، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فو الله ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلّة عددهم، أتعرف الحيرة؟ قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فو الله ليتمنّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم «1» فأسلم عدي رضي الله عنه وعاش حتى رأى كل ذلك.
غزوة تبوك
«2»
بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان ذلك
(1) رواه البخاري بلفظ قريب من هذا وقال السهيلي: حديث إسلامه صحيح عجيب خرّجه الترمذي.
(2)
هو موضع بين وادي القرى والشام، بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وهي غزوة العسرة، وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة وهي اخر غزواته صلى الله عليه وسلم. وتبوك سميت بعين تبوك وهي العين التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ألا يمسوا من مائها شيئا فسبق إليها رجلان، وهي تبض بشيء من ماء، فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فسبّهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها ما زلتما تبوكانها منذ اليوم. وقد روى مالك ومسلم بعد هذا اللفظ راجع فتح الباري.
في زمن عسرة الناس، وجدب البلاد، وشدّة الحرّ، حين طابت الثمار، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، فأمر عليه الصلاة والسلام بالتجهّز، وكان قلّما يخرج في غزوة إلّا ورّى بغيرها «1» ليعمّي الأخبار على العدو إلّا في هذه الغزوة، فإنه أخبر بمقصده لبعد الشقة «2» ، ولشدّة العدو، ليأخذ الناس عدّتهم لذلك، وبعث إلى مكّة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك، وحثّ الموسرين على تجهيز المعسرين، فأنفق عثمان بن عفّان عشرة الاف دينار، وأعطى ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «3» ، وخمسين فرسا، فقال صلى الله عليه وسلم:«اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه» «4» . وجاء أبو بكر بكل ماله: وهو أربعة الاف درهم، فقال صلى الله عليه وسلم: هل أبقيت لأهلك شيئا؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمال كثير.
وتصدق عاصم بن عدي «5» بسبعين وسقا من تمر، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهنّ، وجاءه صلى الله عليه وسلم سبعة أنفس من فقهاء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون. فجهز عثمان ثلاثة منهم، وجهز العباس إثنين، وجهز يامين ابن عمرو اثنين، ولمّا اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفا، وولّى على المدينة محمّد بن مسلمة، وعلى أهله علي بن أبي طالب، وتخلّف كثير من المنافقين يرأسهم عبد الله بن أبيّ، وقال: يغزو محمّد بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد!! أيحسب محمّد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرّنين في الحبال، واجتمع جماعة منهم، فقالوا في حق رسول الله وأصحابه ما يريدون من الإرجاف، فبلغه ذلك، فأرسل إليهم عمار بن ياسر يسألهم عما قالوا، فقالوا: إنما كنّا نخوض ونلعب. وجاء إليه جماعة، منهم الجد ابن قيس، يعتذرون عن الخروج، فقالوا: يا رسول الله ائذن لنا ولا تفتنا، لأنّا لا
(1) في مسلم من حديث كعب بن مالك. وورّى بغبرها: أي ورى الخبر تورية: أي ستره وأظهر غيره كأنه مأخوذ من وراء الانسان كأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر.
(2)
بعد المسير.
(3)
الأحلاس جمع حلس وهو كساء رقيق تحت الرحل. والأقتاب: جمع قتب هو للجمل كالإكاف لغيره.
(4)
رواه الترمذي بلفظ (ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين) .
(5)
هو أخو معن بن عدي يكنى أبا عمرو، واتفقوا على ذكره في البدريين. وقال الواقدي: إنه شهد أحدا مات في سنة 45 هـ وهو ابن 115.
نأمن من نساء بني الأصفر، وجاء إليه المعذّرون من الأعراب- وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلة- ليؤذن لهم، فأذن لهم، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم، وقد عتب الله عليه في ذلك الإذن بقوله في سورة براءة: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ «1» ثم قال في حقهم: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ «2» ثم كذبهم الله في عذرهم فقال: * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ «3» ثم لكيلا ياسى المسلمون على قعود المنافقين عنهم قال جلّ ذكره: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
«4» . وتخلّف جماعة من المسلمين لا يتّهمون في إسلامهم منهم كعب ابن مالك «5» ، وهلال بن أمية «6» ، ومرارة بن الربيع «7» وأبو خيثمة «8» . ولما خلّف صلى الله عليه وسلم عليا، قال المنافقون: قد استثقله فتركه، فأسرع إلى رسول الله وشكا له ما سمع، فقال صلى الله عليه وسلم:«أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟» «9» . ثم سار صلى الله عليه وسلم بالجيش، وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصّدّيق، وفي إعطاء اللواء لأبي بكر اخر غزوة للرسول وتخليف عليّ على أهل البيت حكمة لطيفة يفهمها القارىء.
وفرّق عليه الصلاة والسلام الرايات، فأعطى الزبير راية المهاجرين، وأسيد بن حضير راية الأوس، والحباب بن المنذر راية الخزرج، ولمّا مرّ الجيش بالحجر وهي ديار ثمود قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لا تدخلوا ديار الذين ظلموا إلّا وأنتم
(1) اية 43.
(2)
سورة التوبة اية 45.
(3)
سورة التوبة اية 46.
(4)
سورة التوبة اية 47. والخبال: الهلاك والفساد الذي يورث الاضطراب. ولأوضعوا خلالكم: لأسرعوا في إيقاع الشر بينكم.
(5)
شهد العقبة وبايع فيها وتخلف عن بدر وشهد أحدا وما بعدها، ولم يشترك في حرب علي ومعاوية. مات بالشام في خلافة معاوية.
(6)
الأنصاري شهد بدرا وما بعدها.
(7)
الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف شهد بدرا على الصحيح.
(8)
الأنصاري السالمي أحد بني سالم من الخزرج شهد أحدا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي إلى أيام يزيد بن معاوية.
(9)
رواه الشيخان وتتمته غير أنه لا نبي بعدي.