الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الأول من الحزب الخامس
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
تستغرق حصة هذا اليوم الربع الأول من الحزب الخامس في المصحف الكريم، وأول آية في هذا الربع قوله تعالى:{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} وآخر آية فيه قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
ــ
في هذا الربع من سورة البقرة تقع آية الكرسي التي تكشف عن جملة من صفات الله العليا وأسمائه الحسنى، تعريفا بسمات الألوهية وخصائص الربوبية، وهي من الآيات التي من شأن كل مسلم أن يعرفها ويحفظها كما يعرف ويحفظ فاتحة الكتاب:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} .
وفي هذا الربع قصة إبراهيم الخليل، وذكر مناظرته مع ملك من ملوك عصره ادعى الربوبية لنفسه، فانتصر عليه إبراهيم بما أتاه الله من حجج بالغة {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
وفي هذا الربع أيضا ذكر الدعاء الذي دعا به إبراهيم ربه ليريه كيف يحيي الموتى ويدرك سر الحياة والموت، وذكر استجابة الدعاء الذي دعا به خليل الرحمان {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} إلى آخر الآية.
وفيه كذلك تأكيد للمعاد الجسماني وضرب المثل لوقوعه {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} . أي لم يتغير أو لم يتعفن {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
ومما اشتمل عليه هذا الربع إثبات التفاضل بين الرسل بعد تقرير فضلهم على الناس جميعا، وأنهم درجات بعضها فوق بعض
في الفضل والمنزلة عند الله، وهذا التفاوت الواقع بينهم ليس تفاوتا في طبيعة رسالتهم نفسها، ولا في محتوى عقيدتهم الإيمانية المشتركة، وإنما هو تفاوت في دائرة الاختصاص المحدودة لكل منهم، إذ تضيق بالنسبة لأحدهم فتنحصر في شعب مخصوص دون غيره، وتتسع بالنسبة لأحدهم بالنسبة لبعضهم حتى تشمل شعبه وشعوب العالم أجمع، وهو أيضا تفاوت في المواهب والخصال التي يمنحها الحق سبحانه وتعالى لهم، فمنهم " أولو العزم " الذين يتحملون في سبيل رسالتهم أقسى المتاعب وأشد التضحيات، ومنهم من يتحمل ما دون ذلك، وهذا ما ينبغي فهمه من قوله تعالى:{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} . بعد قوله تعالى في نهاية الربع الماضي: {تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} .
ومن أبرز المبادئ والقواعد الأساسية في الإسلام التي اشتمل عليها هذا الربع قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} . أي بالأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان {وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . فهذه الآية تقرر أن الإسلام دين يقوم الإيمان به على الاقتناع بعقائده الواضحة، والإعجاب بشعائره الكاملة، والرضى بشرائعه العادلة، وأنه دين حجة وبرهان، يوجهان الإنسان تلقائيا نحو الإيمان والإذعان، فمن آمن به كان له ما لبقية المسلمين من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات، ومن لم يؤمن به وهو في دار الإسلام وجب عليه أن يلتزم طاعة الدولة
الإسلامية، التي تتكفل بحماية حقوقه وصيانتها، ووجب عليه أن يساهم في تمويلها مقابل حمايته ورعايته، وذلك عن طريق " الجزية " المحدودة، كما يساهم المسلمون أنفسهم في تمويل دولتهم عن طريق (الزكاة) المفروضة، فإن لم يؤمن بالإسلام وحاول علاوة على ذلك فتنة المسلمين عن دينهم، بالتآمر على الدولة الإسلامية، أو بتضليل المسلمين وإفساد عقيدتهم، أوقفه المسلمون عند حده، وعاملوه بنقيض قصده.
ومما ينبغي مزيد التأمل فيه من آيات هذا الربع قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
فهاهنا كلمتان هما محور الآية الذي يدور عليه موضوعها من أولها إلى آخرها: الكلمة الأولى كلمة (ظلمات) التي وردت بصيغة الجمع، والكلمة الثانية كلمة (نور) التي جاءت بصيغة الإفراد، فالنور الواحد الذي لا يتجزأ ولا يتعدد هو المصباح الإلهي المنير، الذي يضئ به قلوب أوليائه، ممن تغلب عليهم طاعة الله وتقواه، وامتثال أمره ونهيه، على حد قوله تعالى:{نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} . ومن كان الله له وليا كفاه كل شئ {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} . و (الظلمات) المتعددة التي لا تنحصر أنواعها ولا أصنافها، من ظلمة الكفر والشرك، إلى ظلمة المعصية والفسق، ومن ظلمة الظلم والعدوان، إلى ظلمة الزور والبهتان، وهكذا إلى ما لا نهاية له، هي السحب السوداء، والغيوم
الكثيفة، التي تغشي أبصار الكافرين والمنافقين وبصائرهم، ممن أحاطت بهم خطيئاتهم من كل جانب، حتى أصبحوا وهم لا يهتدون سبيلا، ولا يجدون بين أيديهم دليلا، وفي مثل هؤلاء نزل قوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .
وفي حصة هذا الربع آية أخرى كان لها أبلغ الأثر في تعميق عاطفة الإحسان بين المسلمين، ودفعهم إلى البذل في وجوه البر والخير دون حساب، ألا وهي قوله تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . فهاهنا تعهد صريح من الحق سبحانه وتعالى الذي لا يخلف وعده بمضاعفة ربح المؤمن المحسن سبعمائة مرة، مقابل الواحد الذي أنفقه في سبيل الله، بينما أقصى ما يمكن أن يصل إليه ربح الأناني المستغل-مهما بذل من الوسائل-لن يتجاوز في الغالب المائة في المائة، وهذا إغراء لمن رزقهم الله أن ينفقوا مما رزقهم، ووعد لهم بمضاعفة الرزق والأجر إلى أقصى الحدود، حتى لا يشحوا ولا يبخلوا {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
غير أن الحق سبحانه وتعالى حذر المؤمنين المحسنين من أن يفسدوا صنيعهم، ويحبطوا عملهم، بالمن والأذى إذا أنفقوا وأحسنوا، فقال تعالى تهذيبا لهم وتعليما:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
والحكمة في ذلك أن المؤمن مهما كان فقيرا محتاجا فإن
حرمته عند الله عظيمة لا يسوغ امتهانها، وكرامته مصونة لا ينبغي انتهاكها، بل يجب على المسلم الموسر أن يصون ماء وجه أخيه المسلم المعسر، وأن يعامله معاملة كريمة لا تجرح عاطفته، ولا تؤذي شعوره، فذلك هو الإحسان على وجهه الشامل، والأدب الإسلامي الكامل.