الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الأخير من الحزب العاشر
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تستوعب الربع الأخير من الحزب العاشر في المصحف الكريم، وأول آية من هذا الربع قوله تعالى:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} وآخر آية فيه قوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} .
ــ
بعدما حض كتاب الله في نهاية الربع الماضي أعضاء الأسرة المسلمة على ضرورة تفادي الفراق والطلاق بكل ما يمكن من الوسائل، وأورد مادة الصلح والتصالح والإصلاح أربع مرات متوالية في سياق واحد جاءت أول آية في هذا الربع لتتحدث عن الفراق، الذي يقع بعد استنفاد كافة وسائل الوفاق، وكأن هذه الآية الكريمة تشير إلى الحالة التي لم يعد فيها أحد الزوجين يطيق الحياة مع الآخر، أو لم يعد فيها كل واحد منهما قادرا على العيش بجانب الآخر، وإذن تكون وضعية أحدهما أو وضعيتهما معا وضعية الأسير الذي يتمنى الخلاص من رق الأسر، أو وضعية السجين الذي يبحث عن النور ليخرج من الظلام، ففي هذه الحالة وحدها يعد الله الزوج أو الزوجة أو يعدهما معا بأنه سبحانه وتعالى
سيعوضهما عن بعضهما خير العوض، وسيفتح لهما أبواب الأمل والرجاء في زواج أسعد، وعيش أفضل، وذلك قوله تعالى:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} وإنما جاءت الآية بهذه الصيغة التي فيها إيماء إلى الرضى والعطف والمصادقة على الفراق، لأن الفراق في هذه الحالة أصبح هو الحل الوحيد لمشكلة سبق لها أن تأزمت، واتخذت لحلها جميع الوسائل دون جدوى، فكان الفراق هو المخرج الوحيد منها، بمنزلة العملية الجراحية التي يلجأ إليها في نهاية مراحل العلاج، بعد استنفاد المراحل الأخرى كلها.
وقوله تعالى: {وَاسِعًا حَكِيمًا} في هذا السياق، مطابقان كل المطابقة للمشكل القائم الذي حله الإسلام عن طريق الطلاق، ففي سعة رحمة الله وعظيم فضله ملاذ لكل من الزوجين المتفارقين، وفي إذن الله بالفراق بعد استنفاد وسائل الوفاق، منتهى الحكمة في القضاء على أسباب الخلاف والشقاق.
ثم انتقل كتاب الله في نفس هذا المقام إلى التذكير بفريضة التقوى وعدم التعدي لحدود الله، مبينا أن التقوى وصية عامة وصى الله بها أهل الكتاب كما وصى بها المسلمين على السواء، وشأن الوصية من الناس بعضهم لبعض أن توضع موضع الاحترام والتنفيذ، وأن لا يقع فيها تبديل ولا كتمان، فما بالك بوصية الله المنزلة في كتبه، المنقولة على الناس على لسان رسله؟ إنها أجدر الوصايا كلها وأحقها بالتنفيذ الدقيق والاحترام التام.
وكأن في هذا التذكير إشارة إلى أن من اعتصم بتقوى الله
يتفادى الوقوع في كثير من المشاكل، ويعينه الحق سبحانه وتعالى على تخطي العقبات عندما تنزل بساحته النوازل {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} وذلك قوله تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} .
ومن هنا اتجه كتاب الله إلى مخاطبة خلقه أجمعين، ولا سيما الكافرين منهم وعصاة المؤمنين في سياق الوعيد والتهديد، لافتا نظرهم جميعا إلى حقيقة هي أكبر الحقائق وأصدقها جميعا، ألا وهي غنى الله المطلق عن خلقه، أساؤوا أم أحسنوا، أطاعوا أم عصوا، وذلك قوله تعالى:{وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} ، ثم قدرة الله القاهرة على إفناء الموجود، وإنشاء المعدوم، وقلب أوضاع العالم رأسا على عقب، تأديبا منه للمتمردين على طاعته، وعقابا للعصاة من خلقه، وتعويضا عنهم بمن هم أطوع لإرادة الله وأمره، وبمن هم أحرص على رضاه، وأشد تمسكا بتقواه، وذلك قوله تعالى:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} .
وكأن في هذا الخطاب الإلهي تحذيرا من الهزات والانقلابات والنكبات والكوارث الطبيعية، ودعوة موجهة للمؤمنين إلى أن يقوموا بواجبهم الكامل في تحقيق مراد الله وإعلاء كلمته في الأرض، وإعطاء الخلافة عن الله التي وكلها إليهم في أرضه حقها من الامتثال والفعالية، حتى تكون التوجيهات الإلهية حاكمة عليها،
مسيرة لها، بارزة في جميع جنباتها، وإلا نزع الله يده منهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وسلط عليهم النقمة، بدلا من النعمة، وفي هذا المعنى جاءت آيات كريمة أخرى تزيده وضوحا وبيانا، وذلك قوله تعالى:{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي وما ذلك عليه بممتنع، وقوله تعالى:{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} .
وتعود الآيات الكريمة في هذا الربع إلى الحديث عن العدل المجرد من الهوى، والشهادة الخالصة من الزور، مبينة ما يجب أن يكون عليه المؤمنون المحكومون والحاكمون، في شؤونهم الخاصة والعامة، من العدل في أحكامهم، والصدق في أقوالهم، والإخلاص في أعمالهم، داعية إياهم إلى نسيان القرابات الحاملة على التحيز للأقرباء، وإلى نسيان الخصومات الحاملة على التحيز ضد الخصوم.
وطالب كتاب الله كل مؤمن أن يأخذ الحق لغيره من نفسه، وأن يقول كلمة الحق ولو على نفسه، وألزم المؤمن بأن لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولو كان الأمر يتعلق بالوالدين، إذ لا علاقة للبرور والعقوق، بما على الوالدين لغيرهما من الحقوق.
ونبه كتاب الله إلى أن ميزان الحق والعدل يجب أن لا يؤثر في رجحان كفته أو انخفاضها ما يتأثر به ضعاف الناس من المؤثرات العاطفية، والاعتبارات الشخصية والاجتماعية، وذلك قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا
أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} أي لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، فحق الله أولى بالرعاية والإشفاق، كما أنه لا يسوغ لك الميل بالهوى مع الفقير والتساهل معه لضعفه، والميل على الغني والتحامل عليه لغناه، فكن مع الحق أينما كان، واتبع الحق حيث كان {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} أي لا يحملكم الهوى على ترك العدل، بل ألزموه في كل حال كما في الآية الأخرى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} أي إذا حرفتم أو ماطلتم، أو غلبتم الهوى وتجنبتم العدل فإن الله تعالى لا يغيب عن علمه ما عملتم من تحريف أو انحراف، بل يعلمه ويؤاخذكم عليه.
وقد سبق لنا في نفس هذه السورة-سورة النساء- قوله تعالى في موضوع العدل والأمانة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} .
وفي آيات هذا الربع عود على بدء، بالنسبة لاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فها هنا يندد الحق سبحانه وتعالى مرة أخرى بموالاة الكافرين من دون المؤمنين ومصادقتهم والتودد إليهم، ويحذر من اتخاذهم بطانة قريبة تطلع على الأسرار والأخبار، وفي نفس الوقت ينعى كتاب الله على المنافقين كونهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويكشف الستار عن سرهم الدفين، مبنيا أن غرضهم الحقيقي من موالاتهم، وهدفهم الأول من الارتباط
الوثيق بهم، هو تعزيز جانبهم بتلك الموالاة وذلك الارتباط، على اعتبار أن الكافرين أعزاء أقوياء، يعطون لمن والاهم وارتبط بهم من عزتهم عزة، ومن قوتهم قوة، ثم عقب كتاب الله على هذا الوهم بالنقض والإبطال، مذكرا بأن العزة كل العزة إنما هي لله وحده لا لسواه، فمن أراد العزة فما عليه إلا أن يعتز بالله، وذلك قوله تعالى:{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ثم وجه كتاب الله إلى المؤمنين سؤالا فيه استغراب واستنكار هل يريدون موالاة الكافرين، بالرغم مما تجلبه لهم من سخط الله وغضبه - ولله الحجة البالغة - فقال تعالى:{أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} أي حجة عليكم في عقوبته إياكم.
انتهى الجزء الأول