الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى القضية (غزوة الحديبية) أبى وقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى أسامة بن شريك قال: «أتيت النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير» .
وفى رواية أخرى: «إذا تكلم أطرق جلساؤه وكأنما على رؤوسهم الطير» .
وقال عروة بن مسعود حين وجّهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوئه (ماء وضوئه) ، وكادوا يقتتلون عليه ولا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم، فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له، فلما رجع إلى قريش قال:
غض الصوت وقت مخاطبته صلى الله عليه وسلم
من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المصدر الوحيد الذى يتلقى عنه المسلمون تعاليم الله سبحانه وتعالى سواء كان قرآنا أو سنة أو حديثا قدسيّا، لذلك يجب عليهم أن يتأدبوا معه صلى الله عليه وسلم أثناء كلامه معهم أو كلامهم معه، وذلك بخفض الصوت وترك الجهر العالى كما يكون بين الإنسان وصديقه لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (الحجرات: 2) .
يقول ابن كثير فى تفسير هذه الآية: «هذا أدب ثان أدّب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم فوق صوته صلى الله عليه وسلم» .
والأدب هنا يحصل بمجانية أمرين اثنين:
أولهما: رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم أخذا من النهى الوارد فى قوله:
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ (الحجرات: 2) .
ثانيهما: الجهر بالقول له صلى الله عليه وسلم كالجهر بعضكم بعضا أخذا من النهى الوارد فى قوله تعالى:
…
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ....
وقد فرق المفسرون بين النهيين الواردين فى الآية حيث قالوا: إن الأول يتعلق برفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم أثناء كلامه معهم، وأما الثانى فيتعلق بالجهر له صلى الله عليه وسلم وقت صمته.
ومنهم من يقول: إن النهى الأول يتعلق وقت خطابه معهم أو خطابهم معه أو صمته، وأنّ الثانى يتعلق بندائه صلى الله عليه وسلم باسمه المجرد أو بكنيته، مثل يا محمد أو يا أبا القاسم.
وقد أجمل النيسابورى رحمه الله تعالى فى ما ورد فى التفريق بين هذين النهيين قائلا: والجمهور على أن بين النهيين فرقا ثم اختلفوا فقيل:
الأول: فيما إذا نطق ونطقتم أو أنصت ونطقوا فى أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.
والثانى: فيما إذا سكت ونطقوا ونهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه بما بينهم وهو الخالى عن مراعاة أبهة النبوة. وقيل: النهى الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهى الثانى أن لا ينادى وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضكم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم، ولكن يا نبى الله يا رسول الله.
والأدب الثانى هو أدبهم مع نبيهم فى الحديث والخطاب وتوقيرهم له فى قلوبهم توقيرا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم، ويميز شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ويميز مجلسه فيهم، والله يدعوهم إلى ذلك النداء الحبيب ويحذرهم
من مخالفة ذلك التحذير الرهيب.
والتحذير الرهيب هو إحباط العمل الصالح بدون شعور صاحبه أخذا من قوله تعالى:.. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.
وأحسن ما قيل فى تأويل هذه الآية ما ذكره ابن المنير- رحمه الله حيث يقول:
«والقاعدة المختارة أن إيذاءه صلى الله عليه وسلم يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق، فورد النهى عما هو مظنة لأذى النبى صلى الله عليه وسلم سواء وجد هذا المعنى أو لا، حماية للذريعة وحسما للمادة.
وهذا على عزار قوله تعالى فى قضية الإفك:
…
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
وقوله صلى الله عليه وسلم «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوى بها فى جهنم» ، صحيح البخارى.
وقد التزم الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عهده كما ورد فى الآثار: منها قول أبى بكر صلى الله عليه وسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذى أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخى السرار حتى ألقى الله عز وجل» ، أورده الحاكم فى مستدركه وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه ووافقه الذهبى.
هكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب، وذلك التحذير الرهيب، وهكذا تأدبوا فى حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون وتداركوا أمرهم ولكن هذا المنزلق الخافى عليهم كان أخوف عليهم فخافوه واتقوه: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (الحجرات: 3) .
هكذا كان الأمر فى حياته صلى الله عليه وسلم وأما بعد مماته فكذلك يجب على المسلم أن يتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لا يرفع صوته عند سماع أحاديثه صلى الله عليه وسلم لأن حرمته ميتا كحرمته حيّا سواء بسواء وأن أحاديثه تقوم مقامه.
يقول ابن العربى رحمه الله تعالى:
«حرمة النبى صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيّا وكلامه المأثور بعد موته فى الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك فى مجلسه عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دواء الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى:
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
…
(الأعراف: 204) .
وكلام النبى صلى الله عليه وسلم من الوحى وله الحرمة مثلما القرآن إلا معانى مستثناة بيانها فى كتب الفقه، والله أعلم. ويراعى هذا الأدب- وهو عدم رفع الصوت أيضا فى مسجده صلى الله عليه وسلم، لما أخرجه البخارى بسنده عن السائب بن يزيد قال:
«كنت قائما فى المسجد فحصبنى رجل، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتنى بهذين فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا:
من أهل الطائف قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، صحيح البخارى.
كما أن هذا الأدب المستفاد من الآية يكون مع العلماء لأنهم ورثة الأنبياء وكذلك مع الأبوين وغيرهما لمن له فضل على الإنسان المسلم. فلا شك أنّ هؤلاء الأشخاص يأخذون هذا الحكم وينبغى التأدب معهم وتوقيرهم بالشكل اللائق بهم مع مراعاة الفرق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مقامه أرفع من هؤلاء جميعا وهو صلى الله عليه وسلم المعنىّ بالآية أصلا وهؤلاء تبعا وليس الفرع كالأصل وإن اشتركا فى أمور، والله تعالى يقول: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (الأحزاب: 6) بل ينبغى أن يحترم العبد النبى صلى الله عليه وسلم أكثر من سيده.
وفى مجال التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم جاء التنبيه فى القرآن الكريم على
ضرورة عدم مناداته بطريقة جافة ومزعجة بل لابد من مراعاة مقامه وقدره وبالأخص عندما يكون فى بيته مع نسائه وأولاده.
يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الحجرات: 4- 5) .
عن الأقرع بن حابس رضي الله عنه أنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد اخرج إلينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد إن حمدى زين وإنّ ذمى شين» ، فقال الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ.
وقد تضمنت الآية أمرين:
أولهما: عدم إزعاج الرسول صلى الله عليه وسلم فى وقت خلوته فى بيته مع نسائه بالنداء غير اللائق به.
وثانيهما: الإرشاد إلى ما ينبغى أن يفعل فى هذه الحالة وهو الانتضار إلى أن يحين وقت خروجه.
وفى ذلك قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (الحجرات: 5) أى: لكان فى ذلك الخير والمصلحة فى الدنيا والآخرة.
وهذا لا يعنى أنه لا يجوز مناداته صلى الله عليه وسلم بتاتا، وإنما المحظور مناداته فى وقت خلوته مع نسائه فى بيته كما فى هذه الحالة، وكذلك مناداته بصوت مرتفع خال من الاحترام والتقدير بل ينبغى أن ينادى بصوت منخفض وبصيغة معينة تتناسب مع قدره وعظمته ووقاره مثل: يا رسول الله، يا نبى الله، لا مجرد اسمه مثل: يا محمد، ويا أحمد، ويا أبا القاسم. كما ينادى الناس بعضهم بعضا.
وهذا ما أشار إليه قوله تعالى:
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً (النور: 63) .
ومما تدل عليه هذه الآية أنه نهى لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم.