الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لورافيشيا فاغليرى
«حاول أقوى أعداء الإسلام، وقد أعماهم الحقد، أن يرموا نبى الله- صلى الله عليه وسلم ببعض التهم المفتراة. لقد نسوا أن محمدا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته. ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمد- صلى الله عليه وسلم على تهديد الكاذبين والمرائين، فى بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية، لو كان هو قبل ذلك (وحاشاه) رجلا كاذبا؟ كيف جرؤ على التبشير، على الرغم من إهانات مواطنيه، إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثه، وهو الرجل
(1) المصدر السابق، ص 33.
(2)
نفسه، ص 73.
ذو الفطرة البسيطة حثا موصولا؟ كيف استطاع أن يستهل صراعا كان يبدو يائسا؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات، فى مكة، فى نجاح قليل جدا، وفى أحزان لا تحصى، إذا لم يكن مؤمنا إيمانا عميقا يصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء، وأن يؤازروه، ويدخلوا فى الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالى إلى مجتمع مؤلف فى كثرته من الأرقاء، والعتقاء، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا فى كلمته حرارة الصدق؟ ولسنا فى حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد- صلى الله عليه وسلم كان عميقا وأكيدا» «1» .
«دعا الرسول العربى- صلى الله عليه وسلم بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان، وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية.
وارتضى أن يخوض صراعا مكشوفا مع بعض نزعات البشر الرجعية التى تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى
…
» «2» .
«.. إن محمدا- صلى الله عليه وسلم طوال سنين الشباب التى تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش فى مجتمع كمجتمع العرب، حيث كان الزواج، كمؤسسة اجتماعية، مفقودا أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلا إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة ليس غير، هى خديجة- رضى الله عنها- التى كانت سنّها أعلى من سنّه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج كرة ثانية، وأكثر من مرة، إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره. لقد كان لكل زواج من زيجاته هذه سبب اجتماعى أو سياسى، ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتى تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقة زوجية مع بعض العشائر والقبائل الآخرى ابتغاء
(1) نفسه، ص 37- 38.
(2)
نفسه، ص 43.
طريق جديد لانتشار الإسلام وباستثناء عائشة- رضى الله عنها- ليس غير، تزوج محمد صلى الله عليه وسلم من نسوة لم يكنّ لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟ لقد كان رجلا لا إلها. وقد تكون الرغبة فى الولد هى التى دفعته أيضا إلى الزواج من جديد، لأن الأبناء الذين أنجبتهم خديجة- رضى الله عنها- له كانوا قد ماتوا. ومن غير أن تكون له موارد كثيرة أخذ على عاتقه النهوض بأعباء أسرة ضخمة، ولكنه التزم دائما سبيل المساواة الكاملة نحوهن جميعا، ولم يلجأ قط إلى اصطناع حق التفاوت مع أى منهن. لقد تصرف متأسّيا بسنة الأنبياء القدامى- عليهم السلام، مثل موسى وغيره، الذين لا يبدو أن أحدا من الناس يعترض على زواجهم المتعدد. فهل يكون مرد ذلك إلى أننا نجهل تفاصيل حياتهم اليومية، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمد- صلى الله عليه وسلم العائلية؟» «1» .
(1) نفسه، ص 99- 100.