الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنعامه على أمته.
وقد ذكر الله تعالى فى أوصافه رأفته بهم ورحمته لهم وهدايته إياهم وشفقته عليهم واستنقاذهم من النار وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ورحمة للعالمين ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه، ويتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهداهم إلى صراط مستقيم، فأى إحسان أجل قدرا وأعظم خطرا من إحسانه إلى جميع المؤمنين، وأى إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين، إذ كان ذريعة إلى الهداية، ومنقذهم من العماية وداعيهم إلى الفلاح والكرامة، ووسيلتهم إلى ربهم وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمدى فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجب للمحبة الحقيقية شرعا.. إلى أن قال: فإذا كان الإنسان يحب من منحه فى دنياه مرة أو مرتين معروفا أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذى بها قليل منقطع فمن منحه ما لا يبيد من النعيم ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب، وإذا كان يحب بالطبع ملكا لحسن سيرته أو حاكما لما يؤثر من قوام طريقته أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته فمن جمع هذه الخصال كلها على غاية مراتب الكمال أحق بالحب وأولى بالميل» .
علامة محبته صلى الله عليه وسلم
إن من أحب شيئا آثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا فى حبه، وكان مدعيا، فالصادق فى حب النبى صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بادابه فى عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران: 31) ، وإيثار ما شرعه، والحض عليه وتقديمه على هوى نفسه وموافقة شهوته.
قال الله تعالى:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي
صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (الحشر: 9) .
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بنىّ إن قدرت أن تصبح وتمسى ليس فى قلبك غش لأحد فافعل» ، ثم قال لى: يا بنى وذلك من سنتى، ومن أحيا سنتى فقد أحبنى، ومن أحبنى كان معى فى الجنة» .
فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبة لله ورسوله، ومن خالفها فى بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها.
ومن علامات محبته صلى الله عليه وسلم:
الإيثار أى إيثاره صلى الله عليه وسلم على النفس كما يدل عليه قوله تعالى:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر: 9) .
والآية وإن كانت عامة فى إيثار المهاجرين إلا أنه صلى الله عليه وسلم هو رئيس المهاجرين وقائدهم، وهو المحبوب الأول من الخلق أساسا، وأما غيره فتبع له بحسب قربهم إليه صلى الله عليه وسلم ومتابعتهم إياه.
ومن علامات محبته صلى الله عليه وسلم أيضا: بغض من أبغض الله ورسوله مهما كانت صلته ورتبته لقوله تعالى:
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
(المجادلة: 22) .
يقول ابن كثير فى تفسير هذه الآية:
قيل فى قوله تعالى: وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ: نزلت فى أبى عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، وأَوْ أَبْناءَهُمْ فى الصديق لابنه عبد الرحمن، أَوْ عَشِيرَتَهُمْ: فى عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا..» .