المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثانيإرهاصات النبوة الواردة في السنة المشرفة - السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

[محمد بن مصطفى الدبيسي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأولسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

- ‌الفصل الأولثناء الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الأول{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}

- ‌المبحث الثاني{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}

- ‌المبحث الثالث{وَالضُّحَى

- ‌الفصل الثانيحقوقه صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الأول{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}

- ‌المبحث الثاني{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

- ‌الفصل الثالثعصمته صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الأولمعنى العصمة

- ‌المبحث الثانيعصمة الأنبياء

- ‌الباب الثانيالرسول صلى الله عليه وسلم في مكة

- ‌الفصل الأولمن المولد إلى البعثة

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأولنسبه صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الثانيمولده صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الثالثرضاعته صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الرابعمنهج «وات» وغيره في تعامله مع السيرة

- ‌المبحث الخامسحادثه شق الصدر

- ‌المبحث السادسألم نشرح لك صدرك .. التعليق على «وات»

- ‌المبحث السابعحفظ الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة

- ‌المبحث الثامنزواجه صلى الله عليه وسلم من خديجة رضى الله عنها .. التعليق على «وات»

- ‌المبحث التاسعمشاركته في بناء الكعبة ووضع الحجر الأسود

- ‌الفصل الثانيالبشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم إرهاصًا بنبوته

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأولبشارات الأنبياء بالرسول صلى الله عليه وسلم والمصادر

- ‌المبحث الثانيإرهاصات النبوة الواردة في السنة المشرفة

- ‌الفصل الثالثبدء الوحى

- ‌المبحث الأولإرهاصات (البعثة - النبوة)

- ‌المبحث الثانيالبعثة والنبوة

- ‌المبحث الثالثمراتب الوحى

- ‌المبحث الرابعمراتب الدعوة

- ‌المبحث الخامسبواعث الدعوة

- ‌المبحث السادسعالمية الدعوة

- ‌المبحث السابعالجهر بالدعوة

- ‌المبحث الثامنمعنى الاضطهاد

- ‌الباب الثالثالعهد المدنى

- ‌الفصل الأولأسس بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية في المدينة

- ‌المبحث الأولبناء المسجد

- ‌المبحث الثانيالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

- ‌المبحث الثالثالوثيقة (الصحيفة)

- ‌الفصل الثانيغزوة بدر

- ‌المبحث الأولالنشاط السياسى والعسكرى إلى غزوة بدر

- ‌المبحث الثانيغزوة بدر في السيرة المشرفة

- ‌المبحث الثالثغزوة بدر في القرآن الكريم

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

- ‌ملخص البحث

- ‌[ملخص البحث باللغة الإنجليزية]

الفصل: ‌المبحث الثانيإرهاصات النبوة الواردة في السنة المشرفة

‌المبحث الثاني

إرهاصات النبوة الواردة في السنة المشرفة

حيث نذكر شيئًا منها ..

1 -

روى ابن إسحاق في ضمن ما أخبر به اليهود برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهوديًا كان من جيران بني عبد الأشهل - من الأنصار - حدثهم عن البعث والجزاء فاستنكروا ذلك، وطالبوه بآية عليه، فقال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيديه جهة مكة واليمن، فقالوا: ومتى تراه؟ فنظر إلى سلمة بن سلامة بن وقش وكان أحدثهم سناً، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم (1).

2 -

ونذكر هذه القصة لحبر آخر من أحبار اليهود، ونسردها كلها لما تحتويه من الأمور المهمة التي تظهر صدق الرسالة، وفي نفس الوقت الرد على شبهات المستشرقين والمبشرين والدجالين، تاركين موضع الاستدلال والاعتبار لحروفها ومعانيها، وقد ذكر أيضًا ابن اسحاق في السيرة أنها كانت من أسباب إسلام "ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد

(1) ابن هشام "السيرة النبوية"(270/ 1) وسنده حسن، حيث صرح ابن اسحاق بالتحديث، وقد رواه غير واحد من طريقه، مثل: أحمد (467/ 3)، والهيثمي "مجمع الزوائد"(230/ 8)، والبيهقي "دلائل النبوة"(78 - 79/ 2)، وهو في سيرة الذهبي (74)، وقد صحح الخبر كل هؤلاء وغيرهم، وقد نقله د. مهدي رزق الله "السيرة النبوية"(142 - 143) كما قدمنا. وانظر محمد بن رزق طرهوني "السيرة الذهبية (238 - 239/ 1).

ص: 234

بن عبيد" من يهود بني هدل، إخوة بني قريظة، وذلك عندما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة في غزوة الأحزاب عندما غدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، حتى كادت أن تستباح المدينة المنورة، ويقضوا على الدعوة وصاحبها، وها هي ذي الرواية، يقول ابن اسحاق بسنده عن شيخ من بني قريظة: قدم علينا رجل من يهود أهل الشام يقال له ابن الهيِّبان، وذلك قبيل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرهم، فما رأينا رجلاً لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيِّبان فاستق لنا، فيقول لا والله، حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حَرَّتنا، فيستقي الله لنا، فوالله ما يبرح مجلسه، حتى يَمُرَّ السحابُ ونسقي، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث، قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميِّت، قال: أيا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: إنك أعلم، قال: فإني قدمت هذه البلدة أتوكَّف خروج نبي قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجَرُه، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تُسْبَقُنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذرارى والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.

فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية، وكانوا شبابًا أحداثًا: يا بني قريظة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيِّبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا فأسلموا، وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم (1).

(1) ابن هشام "السيرة النبوية"(137 - 138/ 1)، ونسب المحققان صحة الحديث للشيخ الألباني "صحيح السيرة"(61)، وكذا ذكره الطرهوني "السيرة الذهبية"(239 - 240/ 1) وصححه وذكره د. مهدي رزق "السيرة النبوية"(142)، وذكر في هامشه ما يقوي الحديث ويجعله محتجًا به.

ص: 235

3 -

وجاء في صحيح الأخبار أن الله تعالى لما أراد هدى "زيد بن سعنة" - الحبر اليهودي - قال: "إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا"، وجهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تأكد من هاتين الخصلتين (1).

4 -

ومما يجدر الإشارة إليه أيضًا إسلام الحبر الكبير "عبد الله بن سلام" واسمه في اليهودية الحصين بن سَلَام، حيث قال فيه اليهود قبل أن يعلموا بإسلامه لما سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟ " قالوا سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا، فخرج عليهم، وقال: يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأومن به وأصدقه وأعرفه، فقالوا كذبت ثم واقعوا بي، قال: فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، وأهل غدر وكذب وفجور! قال: فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها (2).

ونختم هذه العجالة عن اليهود بآية أخرى من القرآن الكريم، تثبت علم اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم، وانتظارهم له، وأن ذلك كان مشهورًا بينهم، وما أخفاه بعد ذلك إلا كبراؤهم حسدًا وبغيًا، ويأتلف بذلك الوارد من القرآن الكريم مع السنة النبوية، وتتأيد به الروايات، وهذه الآية الكريمة هي قوله تعالى:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89]، وقد نزلت في يهود المدينة، حيث كانوا يعرفون أن زمان بعثة النبي صلى الله عليه وسلم قد اقترب،

(1) انظر الذهبي "السيرة"(91 - 93)، ود. مهدي رزق الله راجع ما نقله من هامش سيرة الذهبي (143).

(2)

ابن هشام "السيرة النبوية"(114 - 115/ 2)، وقد أخرج البخاري هذه القصة مختصرة برقم (3329)، وقد رواها ابن هشام عن ابن إسحاق أيضًا.

ص: 236

وكانوا يزعمون أنه منهم، ويتوعدون به العرب، وقد بين الله تعالى كما ذكرنا من قبل أنهم يعرفونه بصفاته التي ذكرت في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، وإنما أنكروا نبوته بعد ظهوره، كما قال تعالى:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54].

وقد ورد في ذلك قول رجل من الأنصار: "إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه، لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نِلنَا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم"(1).

(1) ابن هشام "السيرة النبوية"(1/ 136)، وحسنه الشيخ الألباني في فقه السيرة (146).

ص: 237

المبحث الثالث

إخبار النصارى به صلى الله عليه وسلم والمصادر التى اعتمد عليها «وات»

ونذكر شيئًا مما ورد في السنة عن النصارى في البشارة به، لنعود به إلى منهجنا في ذكر ما ورد في القرآن الكريم، ومقارنة ذلك وتحليله لنستكمل بكل جزئية ما أخذنا به أنفسنا من دراسة السيرة:

1 -

وأول ما نبدأ به لطرافته مع الاختصار قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه فقد أخبر رضي الله عنه في قصة إسلامه الطويلة أن راهب النصارى في عمورية عندما حضرته الوفاة طلب منه سلمان أن يوصيه، فقال الراهب: أي بني والله ما أعلمه بقى أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل فإنه قد أظلك زمانه". ثم قص سلمان خبر قدومه إلى المدينة واسترقاقه، ولقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم حين الهجرة، وإهدائه له طعامًا على أنه صدقة فلم يأكل منه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إهدائه له طعامًا على أنه هدية وأكل منه، ثم رؤيته خاتم النبوة بين كتفيه، وإسلامه على إثر ذلك. (1)

(1) إسناده حسن، وهو عند ابن إسحاق (ابن هشام 138 - /1، ومسند أحمد (441 - 444/ 5)، وطبقات ابن سعد (75 - 80/ 4)، والحاكم في المستدرك (16/ 2)، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وأما البخاري فقد ذكره عند أمره سلمان أن يفك نفسه من الرق بالمكاتبة (الفتح)(280/ 9)، ك البيوع / ب، شراء المملوك من الحربي، وقد ذكره د. أكرم العمري "السيرة النبوية الصحيحة"(121 - 122/ 1)، وسقط منه بعد: ولكنه أظلك زمان نبي، وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام، يخرج بأرض العرب، وكذا ذكره مهدي رزق الله "السيرة النبوية"(142)، وغيرهم.

ص: 238

2 -

قصة هرقل ملك الروم، وقد رواها البخاري ومسلم وغيرهما، فقد أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم كتابًا مع دحية الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر الروم يدعوه إلى الإسلام، فلما قرأ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بحث عمن يعرفه، فدعاهم لمجلسه مع الترجمان فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ فقال له أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا، فأدناه وقرب أصحابه منه لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، فأخذ يسأله عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله، كما ورد في الحديث الطويل المشهور، ومنها علم أنه النبي المرسل صلى الله عليه وسلم فقال في ختام كلامه لأبي سفيان: إن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه". (1)

3 -

إسلام ورقة بن نوفل، وهو ما يصدم "وات" في آرائه التي يؤكد بها تأثر النبي صلى الله عليه وسلم باليهود والنصارى، وكذلك تأثر تعاليم الإسلام باليهودية والنصرانية، وقد ذكرنا هذه القصة في منهج التأثير والتأثر، أما إسلام ورقة الذي تعامى عنه "وات"، والذي يمثل منهج الانتقاء مع التدليس والغش للقارئ، فقد جاء في مسند أحمد، وهو من المصادر التي رآها واعتمدها "وات" فيما كتب، ولا شك قرأ فيه ما يتعلق بسيرة ورقة التي اخترع جزءًا كبيرًا منها من بنات أفكاره، ووحي شيطانه، ولم يستح وهو يذكر ذلك، وسنشير إليه مرة أخرى في بدء الوحي.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يثبت أن ورقة من المسلمين الأوائل:» قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض «(2)، وفي رواية أخرى:» قد

(1) البخاري "الصحيح" 6/ 1 بدء الوحي، ومسلم "الصحيح" 1395/ 3 كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي إلى هرقل، ورواه ابن حبان في صحيحه، و"موارد الظمآن" 1628/؟ بإسناد صحيح، كما قال محقق زاد المعاد طبعة الرسالة، وسنعود في الكلام على عالمية الدعوة إلى هذا الموضوع، والرد على "وات" فيه إن شاء الله تعالى.

(2)

أحمد "الفتح الرباني"(174/ 20) وحسّن الساعاتي إسناده.

ص: 239

رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس «(1)، وقال صلى الله عليه وسلم:» لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين «(2) وقال:» يبعث يوم القيامة أُمَّة وحده «(3) ويبدو من سياق الأحاديث أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد سئل عن ورقة ذلك الذي تنصر ثم أدرك أول البعثة المحمدية وظنوا عدم إسلامه فكأنهم سبّوه على تنصره، وقالوا هو من أهل النار، فإذا بالنبي يوحى إليه في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أن ورقة من أهل الجنة فبشرهم بإسلامه وأخبرهم بالبرهان على ذلك عن الله تعالى، وهو ما يؤيده قول ورقة للرسول صلى الله عليه وسلم: وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، تُرَى بنصره على تعاليم النصرانية والوثنية، أم ينصره كما قال فيما جاء به أي من الإسلام ونضيف إليها:

أ - مفاجأة ورقة بن نوفل بكلام النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال له: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيه جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال صلى الله عليه وسلم:» أو مخرجي هم؟ «قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك حيًا أنصرك نصرًا مؤزرًا.

وافتراض المفاجأة بسبب كلام ورقة نفسه، حيث قال من ضمن ما قال إن هذا هو الناموس، ولم يحدث حتى في قول "وات" أن ورقة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يتردد عليه هذا التردد المزعوم المفترى من "وات" كما سنبين إن شاء الله ذلك ذكر هذا الناموس، وإنما فوجئ به ورقة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر له أوصاف ذلك الذي أتاه، فلم يتمالك ورقة نفسه أن أخبره أن هذا الملك هو الذي كان ينزل بالوحي على الأنبياء.

(1) ابن كثير "البداية والنهاية"(10/ 3) عن أبي يعلى وحسنه.

(2)

رواه البزار من طريق عائشة رضي الله عنها وقال ابن كثير عن إسناده: وهذا جيد الإسناد، وأخرجه الحاكم في المستدرك (409/ 2) من حديث عائشة رضي الله عنها وصححه ووافقه الذهبي.

(3)

الطبراني كما في المجمع (416/ 9) وقال الهيثميي ورجاله رجال الصحيح، وانظر د. مهدي رزق "السيرة النبوية"(159).

ص: 240

ب - أما المفاجأة الأخرى فهي التمني، حيث كان رد فعل ورقة على كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون جذعًا عند إخراج قومه له من مكة، ولو كان له به علم أو سبق حديث بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لكان رد فعله عاديًا لا تمني فيه ولا رجاء إذ هو قد علم محمدًا ذلك من قبل وشد أزره، ولما فوجئ النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا بهذا الخبر الذي لا مدخل للعقل والفهم فيه، بل هو مما يعلمه ورقة من الكتاب أي الإنجيل الذي كان يقرأه.

وهاتان المفاجأتان قد وضعتا ورقة في مكانه الصحيح الذي يبحث عنه، وهو الدين الحق الذي يود اتباعه، حيث وجد من نزل عليه ناموس الأنبياء، ودلت أوصافه على صدقه وعلى كونه هو النبي المنتظر الذي يود ورقة أن يفديه بروحه ويقف دونه بنفسه.

وهكذا يتضح من كلام ورقة الذي يعرفه "وات" ويستدل به لكن للأسف على طمس الحقائق وإخفاء إسلامه، وإيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولنا عود نستكمل به كلام ورقة في الاستدلال على الوحي حيث ذكر ذلك "وات" مستدلاً به على باطله بما يخالف العقل والنقل، أين الإشارة فقط إلى إسلام ورقة في كلام "وات"؟

وهنا سؤال نذكر به، وهو على أي المصادر إذن يعتمد "وات"؟ إذا تفحصنا بتأمل هذا الهراء منه ثبت أنه لا مصادر له، وأن ما رتب من مصادر إسلامية فهي غير معتمدة عنده مع أنه لا مصادر له سواها لأنه لم يكن هناك خواجات يكتبون السيرة ويؤرخون أيام النبي صلى الله عليه وسلم وبعده لأن الصحيح منها يرده "وات" ولا يحتج به، لأنه لن يصل به إلى النتيجة المعدة سلفًا، وأن الشاذ الباطل، والموضوع غير الصحيح هو مرتكزه بعد شيء آخر من التحريف والتلفيق ليخرج كما يريد، إذ ليس كل الباطل أيضا يسعفه في إثبات قضاياه.

فماذا نقول في هذا البحث العلمي؟!! ومصادره ..

نعود لاستكمال البحث ..

ص: 241

4 -

إسلام النجاشي ملك الحبشة، وهو غير النجاشي الذي أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، وقد أسلم هذا الملك بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة وإحساس قريش بالخطر من الأمان الذي أعطاه النجاشي للمسلمين حيث أقاموا مع خير جار في خير دار - كما تقول السيدة أم سلمة (1) رضي الله عنها والرواية الصحيحة تذكر أن القسيسين والرهبان الذين حضروا مجلس النجاشي وسمعوا القرآن انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق فأنزل الله تعالى:{بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (2)[المائدة: 82، 83] ولا شك أن مثل هذا الذي اجتمع عليه القرآن الكريم والسنة النبوية، والروايات الإخبارية لا يعدل عنه إذ لا يتطرق إليه ريب في صحته ولا تردد. وإلا تركنا الاحتجاج بكل أخبار هذا العالم.

ويدل هذا الخبر بطوله حيث ذكره ابن إسحاق وابن هشام وغيرهما من المفسرين وحفاظ السير على إسلام هذا الملك العادل، وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب (الجنازة) عندما جاءه خبر موته، وما كان ليصلي إلا على مسلم (3).

ولم يكن العرب بأقل من غيرهم انتظارًا لمجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا العالم، وقد كان فيهم رفقاء ورقة بن نوفل في طلب الحق، مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة الإيادي، وكان هناك غيرهم كأبي ذر الغفاري، وعمرو بن عبسة وسواد بن قارب، وكان منهم كسواد من له علاقة بقضايا الجن إذ كانت معلومة عندهم، كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ

(1) ابن إسحاق، "السير والمغازي"(213 - 217)، ابن هشام، "السيرة النبوية"(217 - 219/ 1) بإسناد حسن إلى أم سلمة رضي الله عنها، وقد حسن إسناد الحديث الحافظ بن كثير، "السيرة النبوية"(11/ 2)، والحافظ بن حجر، "فتح الباري"(189/ 7) وغيرهما د. أكرم العمري، "السيرة النبوية الصحيحة"(174/ 1).

(2)

الرواية في تفسير الطبري بإسناد صحيح.

(3)

ابن القيم، "زاد المعاد"، ابن هشام، "السيرة النبوية"(222/ 1)، وقال المحقق إنه ثابت في الصحيح.

ص: 242

الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] وسمع منهم ما يدل على إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وهؤلاء مترجم لهم في الهامش (1).

ونعلق على ما ذكرنا قبل الاتجاه إلى القرآن الكريم ما نبين به ذلك الموضوع وما ورد فيه فنقول:

لقد أطلنا ذيل الحديث ببحث ما سبق حتى يكون دليلاً له قيمته عند مناقشة "وات" وغيره، حتى لا يقال إنها حادثة أو اثنتين لا يمكن البرهان بهما على ما نحدو بصدده، أما تعاضد الأدلة بكثرتها فإنه لا يدع مجالاً للّمز أو التهوين أو التأويل حتى لا يجد المنصف المتبع للأمانة العلمية إلا التسليم بصحة القضية.

إن هذه الأخبار تفسر ما جاء في القرآن الكريم من ذكر هذه البشارات، وأن تعددها يظهر بما لا مجال للشك فيه صحة تفسيره لكثرة ما ورد في الكتاب العزيز وهذا فيه من الإفحام للمجادلين، وإظهار الحق ما يحملهم على الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم وهو مقصد الكتاب الكريم من هداية البشر إلى الحق سبحانه وتعالى.

(1) زيد بن عمرو بن نفيل العدوى أبو سعيد، مات قبل البعثة بخمس سنين وكان يوحد الله تعالى على دين إبراهيم وينكر على قريش ذبحهم لغير الله (انظر الإصابة)، قس بن ساعدة الإيادى البليغ الخطيب المشهور، كانت العرب تعظمة في الجاهلية وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم حكمتة وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية وأول من تؤكأ على العصا في الخطبة وأول من قال أما بعد (انظر الإصابة)، أبو ذر الغفارى: أصح ما قيل في إسمه جُندَب بن جناده من بنى غِفَار وأمه رملة بنت الوقيعة الغفارية وهو من أكابر الصحابة، أسلم بعد ثلاثة أو أربعة ثم إنصرف إلى بلاد قومه وأقام بها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الخندق خرج بعد وفاه أبى بكر إلى الشام ولما ولى عثمان إستقدمة وأسكنة الربذة فمات بها سنة إثنين وثلاثين (انظر الإستيعاب)(1 - 396)، عمرو بن عبسة السلمى، أبو نجيح، قدم مكة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعاظ =وكان يقول أنا رابع الإسلام، ثم رجع إلى قومه بنى سليم ثم قدم المدينة بعد الخندق وكان يعتزل الأصنام في الجاهلية (معرفة الصحابة بتصرف)، سواد بن قارب الدوس كذا قال بن الكلبى وقال بن أبى حيثمة السدوس، قال أبو حاتم له صحبه، وكان شاعراً ويتكهن في الجاهلية قبل أن يسلم (انظر الإصابة).

ص: 243

وهذه الروايات كذلك تُثِبّت إيمان الموحدين في كل زمان بصحة تلك الرسالة، وأنها غضة كما أنزلت لم يمسسها من رجس المعاندين ما يدنسها أو يشينها، وأنها كالصخرة تتحطم عليها قرون الناطحين بالباطل، الرادين بالزور من القول لهذا الحق الباهر الصامد لهذه الهجمات المخبولة طوال هذا التاريخ.

ونلاحظ أن هذه الروايات، خاصة من أسلم من أصحابها أنهم كانوا ذوي علم وشرف في أهلهم، علاوة على أن سيرهم قد وافقت إيمانهم، وأنهم افتدوا هذا الإيمان وذلك الرسول الداعي إليه بأرواحهم وأولادهم وأرضهم وأموالهم ورأيناهم في تلك المواقف التي تطير فيها الرءوس، وتزهق فيها المهج والأرواح ثابتي الجنان راسخي الأقدام يدفعون بصدورهم العارية عن هذا الدين، وذلك معلوم في الفتوحات وحروب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقتال من ارتد عن هذا الدين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وإنه لمن سوء طالع "وات" ألا يسوق شيئا من هذه الروايات، ومصادره إسلامية - بالطبع - وقد ذكرتها - حتى يتبين للقاصي والداني حقده الدفين على الإسلام، وكذلك يتضح لكل ذي عينين أنه لا إنصاف ولا حياد ولا علم وإنما هو يكيل التضليل بالمكيال الأوفى، ومن ثم نسوق هذه الأدلة من ضمن ما نسوقها له، تدليلاً على منهج المستشرقين في إخفاء الحقائق.

وتبين هذه البراهين الدوافع لرفض الإسلام، والاعتراض عليه؛ ليتميز للقارئ قبل المؤرخ الأسباب المانعة من الدخول في الإيمان ليكون على بينة من أمره، وأمر أولئك الجاحدين المنكرين، وأقرب الأمثلة لليهود والنصارى قصة عبد الله بن سلام، وهرقل قيصر الروم، فالأول بين أن اليهود قوم بهت وغدر وخيانة وأنهم إن علموا بإسلامه بهتوه، وهذا ما صح به الحديث فكان المانع هو الكبر والمعاندة والجحود لهذا الحق، وأما قيصر فكما

ص: 244

قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ضن بملكه (1) فكان الملك وأبهته وبقاؤه في كرسي حكمه هو الحائل بينه وبين الدخول في الإسلام وبذا ينجلي خبث "وات" عند تغييره لهذه المعاني، وقلبه لتلك الحقائق مصورًا الواقع المعاش على خلاف ما هو عليه بدون أدنى خجل.

ونختم هذا الكلام ببعض ما ورد في القرآن الكريم عن النصارى ليتوافق مع السيرة كما بينا به منهجنا، وقد ذكرنا بعض الآيات المتعلقة باليهود، وإن كانت الآيات تتعلق بأهل الكتاب عند بدء النبوة وإرهاصاتها، إلا أن اليهود كانوا قليلاً في مكة مقارنة بالنصارى، ولكن على أي حال، فإنّ خطاب القرآن لهم أي النصارى يدل على وجودهم بمكة أيامئذ، سواء كانوا مقيمين أو تجارًا مسافرين يسمعون تلك الأخبار التي تهم العالم، وتهمهم من مقدم الرسول المنتظر صلى الله عليه وسلم.

- وأول هذه الآيات هي قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر: 31].

والآية الكريمة في أول ما نزل من سور القرآن الكريم، فقد نزلت مبكرًا جدًا، ومن مضامين هذه الآية الكريمة:

أولاً: وجود كتابيين مخاطبين في أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وسواء كانوا مقيمين أو أتوا كتجار كما ذكرنا، ولكن يجمعهم أنهم ممن يشغلهم هذا الأمر من النبوة، وقد بينت الآية أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يوافق ما عند هؤلاء الكتابيين ليستيقنوا بصدق النبوة، ولا يكون عندهم ريب ولا شك في صحتها، لأن مثل هذه الأخبار كعدة ملائكة النار لا يستطيع اُمرؤ أن

(1) قال الرسول صلى الله عليه وسلم في رواية بن حبان عندما أرسل قيصر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه مسلم: كذب عدو الله وهو على دين النصرانية، ابن حبان، "موارد الظمآن"(1628 / ح) بإسناد صحيح كما ذكره محققا زاد المعاد (128/ 1) انظر د. مهدي رزق، "السيرة النبوية" هامش (518).

ص: 245

يقولها إلا أن يكون اطلع عليها أو أُخبر بخبر الله الصادق عنها، ولا يكون ذلك إلا لنبي مرسل يؤيده ربه بذلك الصدق في الإخبار والقول، ومن ثم عندما يتيقن أولو الكتاب من صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم لكون ما في أيديهم يوافق ذلك عندها يكون هذا الأمر سببًا من أسباب ازدياد إيمان المؤمنين وثباتهم، خاصة وأن شهادة أهل الكتاب وعلمهم مما يقدره الكفرة وله عندهم المحل الأوثق.

ثانيا: وما تضمنته الآية الكريمة وأشارت إليه هو الرد على السؤال الاستشراقي التشكيكي، وهو أليس إجابة النبي صلى الله عليه وسلم بما يوافق ما عند أهل الكتاب دليلاً على تعلم ذلك منهم؟

وهذا السؤال ممن لا يمعن العقل والفكر فيما يلقى إليه، هذا إذا كانت نية الملقي سليمة. وهو أقل ما يوصف به ذلكم السؤال.

أما الرد فهو ..

أولاً: وهو كيف تطلب الآية من أهل الكتاب الاستيقان - وهو العلم بالدليل والبرهان - وترك الريب والشك ممن هو قد تعلم منهم ونقل عنهم، إنه لمضحك حقًا.

ثانيًا: لماذا لم ينبر صاحب التعليم ليرد على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وهم في حالة استضعاف يخطفهم الناس - قائلاً أنا الذي أخبرتك وعلمتك ولم يحتاجوا إلى طعن في الإسلام أكثر من ذلك حتى يهدموه من أول الأمر بكذب صاحبه، وادعائه.

ثالثًا: كيف يلقن الكتابيون النبي صلى الله عليه وسلم الحجة على صدق ما يدعو إليه ليحاربهم بعد ذلك به، ويتخذهم حجة له على إيمان الناس به، ودخولهم في الإسلام، وفهم كما ذكرت بعض

ص: 246

الروايات (1) أن أهل الكتاب سألوا هذا السؤال للمؤمنين عن خزنة النار تبكيتًا لهم، وتعجيزًا للمسلمين أمام الكافرين فأنى يكون ذلك؟

- والآيتان التاليتان هما قوله تعالى في سورة الأعراف، وهي كذلك من السور المبكرة النزول:

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [الأعراف: 157، 158].

هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في سياق قصة موسى عليه السلام، استطرادًا بذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وتنبيهًا على أوصافه التي يعرفونها، وأمرًا بالإيمان به؛ إذ فيه بقاؤهم وظفرهم في الدنيا والآخرة.

وقد خاطبت هذه الكلمات المنيرة أولئك الكتابيين في مكة، وهو خطاب لكل أحد من الناس جميعًا إلى يوم القيامة بأن هدايتهم، ورحمتهم وفلاحهم في اتباع هذا النبي صلى الله عليه وسلم والتزام شريعته ونلاحظ ما يلي:

أولاً: أن الآية الأولى قررت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكتوب عند اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، وأنه معلوم لديهم معروف عندهم، وأن صفاته يجدونها في التوراة والإنجيل، حيث يأمرهم بمكارم الأخلاق التي افتقدوا، ويحملهم على عظيم الصفات التي تصلح بها

(1) الترمذي عن جابر (3339)، وصححه ابن العربي، باب ومن سورة المدثر.

ص: 247

الدنيا والآخرة.

ثانيا: قررت الآية وهو ما انبنى على أولاً، أن الكتابيين يهودًا ونصارى قد اتبعوا هذا النبي صلى الله عليه وسلم العربي الأمي في مكة - على أي حال كانوا - في هذا الزمن المتقدم من عمر الدعوة الإسلامية، وقد نوهت الآية وامتدحت أولئك المؤمنين الذين عظموه واحترموه ونصروه واتبعوا القرآن والوحي النازل معهم.

ولم يجادل أحد من المشركين أو أهل الكتاب من غير المؤمنين في هذه الآية، وصحة هذا القول والخبر، مما يدل على كونه واقعا غير قابل للرد، ثم يأتي مشككو آخر الزمان، ملفقو البهتان والقول الجزاف ليماروا فيما لم يمار فيه الكفار المشركون، ولا سلفهم إن كان من المعاندين اليهود والنصارى.

وقد قررت الآية أنه النبي الأمي لئلا يكون لمبطل ممن يقول بعدم خروج النبوة من بني إسرائيل - خصامًا ومكابرة - لئلا يكون له وجه، أو لكلامه صفة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى للتأكيد على أنه محمد صلى الله عليه وسلم لا سواه هو ذلك النبي الذي تحققت فيه تلك الصفات.

والآية الثانية تضمنت الدعوة الصريحة إلى الناس جميعًا للإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي يؤمن بالله وكتبه، وأول مدعو إلى ذلك هم أولئك الكتابيون الذين عرفوا صفاته، وذكر في كتبهم، وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، بحقائق وبشارات هي بشارات ونعوت النبي العربي صلى الله عليه وسلم.

والآيات كثيرة في هذا السياق، مع تقريرات جديدة، وصور مختلفة ذكرها محمد دروزة في كتابه (سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم صور مقتبسة من القرآن الكريم)(1)، وإن كان استشهادنا بالآيات

(1) محمد عزة دروزة، "سيرة الرسول صور مقتبسة من القرآن الكريم"(335/ 1).

ص: 248

في محاولة لإعطائها وجوها أخرى من التفسير يحتملها النص العربي وموافقة الواقع، وإن كان هناك تفسيرات غير تلك التفاسير ذكرها المفسرون، وظن الباحث أنها من إثراء النص القرآني وإعجازه مهما اختلفت وتباينت عما نحن فيه.

وتفسير جميع ما ورد ذكره يطول به البحث، وإنما نسوق ما يؤدي الغرض وتطمئن به نفس الباحث والقارئ، ولذا نختم بآيتين أو ثلاثة تعضيدًا لما سبق، وإظهار لإسلام أهل الكتاب في مكة.

- والآية التي معنا هي قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ} [العنكبوت: 47].

والآية الكريمة مما نزل بمكة وهي متأخرة بعض الشيء وهو مناسب لمعناها إذ هي تصوير وتقرير لواقع مشاهد معلوم حين نزلت الآية الكريمة بوصفه، وهو أن الكتابيين يؤمنون بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت ألفاظ الآية أن الذين آتاهم ربهم الكتاب يؤمنون به، وإن جادل مجادل بأن ليس كل أهل الكتاب آمنوا وأن ذلك مخالف للواقع، وطبائع البشر.

فالرد أنه ليس كذلك بل كانت مكة بعد الفتح كلها مسلمة بدون استثناء، ومع ذلك يقال نعم ليس كل الكتابيين قد آمنوا بمعنى دخولهم الإسلام واتّباعهم النبي صلى الله عليه وسلم ولكن بمعنى التصديق فمن صدق واتبع فهو مؤمن، ومن صدق وعاند، أو كتم فلا شك أنه يؤمن به، ولكن منعه من الاتباع ما منع الكفرة من ذلك كما أشرنا، فالكل يؤمن به بغض النظر عن اتباعه التصديق بما يدل عليه أو لا.

ثم إن من آمن حجة لمزيد علمه وتبين الدلائل له على من لم يؤمن، فكأن الحجة بالإيمان قد شملت الجميع إذن، إذ ظهرت لهم براهين الصدق وعلامات البشارة به.

ص: 249

- الآية التالية هي قوله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109].

من سورة الإسراء، وهي من السور المبكرة في النزول نوعًا ما، وهي تحكي على تفسير ظاهرها مشهدًا واقعًا قبل نزولها، يبين حالة أهل العلم من الكتابيين عند تلاوة القرآن الكريم وسماعه، وهي توكيد لما قلناه من استجابة الكتابيين خاصة علماءهم للدعوة في هذا الوقت المبكر، وهي وصف لموقف هؤلاء الكتابيين من القرآن الكريم في سجودهم وبكائهم وخشوعهم إيمانًا به وتصديقًا لما جاء فيه وتلك الآيات جاءت في مقام التحدي والتقريع للكفار؛ معلنة أن جحودهم ومواقفهم من الإيمان بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا قيمة لها ولا اعتبار، إذ إن من له قيمة بالعلم يقف موقفًا تصديقيًا خاشعًا، ولموقفهم القيمة المهمة والاعتبار الكبير لأنهم هم من تصدقونهم، وهم موضع ثقتكم، وهذا يدل على أن هذه المواقف من الكتابيين كانت تقع على مرأى أو علم من الكفار؛ مما يعطي قوة صمود واستعلاء يؤيد الله بها الدعوة في مثل هذا الوقت العصيب (1).

ولابد في نهاية ما أشرنا إليه من آيات من ذكر تلك الآية التي يحتج بها المهووسون المتعصبون من المستشرقين وأذيالهم هذه الأيام، ومنذ أن بدأ الاستشراق نفث سمومه، وهي قوله تعالى:{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94].

وننوه بداية بهذه الحقيقة، وهي أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، مفهوم تمام الفهم عند عموم المخاطبين، وبالتالي لو كان في هذه الآية مطعن على النبي صلى الله عليه وسلم أو الإسلام

(1) محمد عزة دروزة، "سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم صور مقتبسة من القرآن الكريم"(346 - 347/ 1).

ص: 250

معنى أو لفظًا لسمعنا بهذا الطعن، ولما سكتوا عنه في جملة ما يواجهون به هذه الدعوة؛ بل على العكس هو يواجههم بها دليلاً على صدق الدعوة، ولو كان فيها ما يمكن تصيده، والتعكير به على صفو الدعوة لما تأخروا أبدًا خاصة وقد حكى القرآن الكريم بدون ما وجل أو تردد كل اتهاماتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وللإسلام.

ومن ثم نجابه هؤلاء بالتفسير العربي للآية - والذي لا شك أنهم بعجمتهم لا يفهمونه من تلقاء ما تعلموه من العربية - إذ مهما تعلموا فلن يصلوا إلى عشر معشار سليقة العرب التي نزل القرآن بلسانهم، ولذا كان جهلهم بالأساليب العربية السبب الأول في هذا الخلط علاوة على سوء النية وفساد الطوية التي ظهرت على ألسنتهم في كتاباتهم ونقاشهم.

وإلى تفسير الآية كما أشار إليه العلامة ابن عاشور حيث هو من توسع في ذكر ذلك فنذكره ملخصًا (1)، يقول:

الفاء في قوله {فَإِنْ كُنْتَ} تفريع على سياق القصص التي جعلها الله موعظة لأهل مكة وتعريض أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من أمثالهم، وانتقل بهذا التفريع إلى أسلوب آخر تعريض لهم بشهادة أهل الكتاب على تلك الحوادث، وما في الكتب السابقة من الأنباء برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فالمراد ما أنزلنا هو المنزل الذي تفرع عليه هذا الكلام، وهو القصص الذي أنزل في هذه السورة.

ثم إن الآية تحتمل معنيين، سواهما عرضة للتعكير عليه، والأخذ والرد والمعنيان اللذان تحتملهما الآية وهما في قوله {فِي شَكٍّ} ، فإما أن تبقى الظرفية التي دلت عليها {فِي} على حقيقتها، أو أن تكون {فِي} للظرفية المجازية.

(1) الطاهر بن عاشور، "التحرير والتنوير"(284 - 286/ 1).

ص: 251

ويكون المعنى على الاحتمال الأول أن الشك أطلق وأريد به أصحاب الشك؛ أي فإن كنت في قوم أهل شك مما أنزلنا إليك، أي يشكون في وقوع هذه القصص، كما يقال: دخل في الفتنة أي في أهلها، إذ لا يعقل أن يكون الرسول في شك مما أنزل إليه، فكيف يدعو لما هو شاك فيه، وذلك من وجهة أخرى ينافي عصمته في التبليغ عن الله تعالى، وقد علمنا قوله عن الله جل وعلا:{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]، وقوله تعالى:{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ} [يونس: 16]، وقوله:{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 2].

ويكون معنى {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} أي سؤال تقرير وإشهاد لأنه لا يمكن أن يسألهم استفسارًا أو تعلمًا لنفي القرآن الكريم لذلك، ولأن القرآن الكريم نزل مهيمنًا على تلك الكتب، وشاهدًا للصحيح منها بالصحة، وللباطل منها بالبطلان، والقرآن ممتلئ من تلك التقريرات والشهادات، وكم بيّنَ بطلان عقائد اليهود والنصارى، وأظهر ضلالهم، فكيف يستفسر منهم عن علم شيء إلا أن يكون صحيحا عنده أنه في كتبهم بمثل ما جاء به القرآن الكريم، وأنهم لا يمكن في الواقع أن يكتموه، بل بدا من حالهم أنهم يشهدون بما علموه حقا، ومن ثم توجه إليهم طلب الشهادة.

ويكون المقصود من الآية حينئذ إقامة الحجة على المشركين بشهادة أهل الكتاب من اليهود والنصارى قطعًا لمعذرتهم.

والمعنى الثاني أن تكون {فِي} للظرفية المجازية كالتي في قوله تعالى: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ} [هود: 109]، ويكون سوق هذه المحاورة للنبي صلى الله عليه وسلم على طريقة الإلقاء التعريضي التي يسلكها الحكماء وأصحاب الأخلاق، متى كان توجيه الكلام إلى من يظن نفوره منه كما في قوله تعالى:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].

وهذا لا شك غير موجه للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما موجه للكفار على طريقة الحكيم فيمن يخشى

ص: 252

أن ينفر من سماع الحق، وكذلك يستخدم هذا الكلام رفقا بمن يقصد سوق الكلام إليه.

وكلا الاحتمالين يلاقي قوله {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} فإنه يقتضي أن المسؤول عنه مما لا يكتمه أهل الكتاب، ولا يتحرجون من إعلانه والشهادة به كما ذكرنا.

أما جملة {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} فهي استئناف بياني لجواب سؤال ناشئ عن الشرط وجوابه، وهو فإن كنت في شك فاسأل، وكأن السامع يقول فإذا سألتهم ماذا يكون فيأتي كلام جديد مؤكد بلام القسم وقد " {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} ، وما تأكد هذا الكلام بهذين المؤكدين إلا لدفع إنكار المعرضين، إذ الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة لإعلامه بأنه على الحق، لأن من وحي الله له قوله تعالى:{إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79] وهو إعلام السائلين بطريق التعريض.

وقوله {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)} تعريض بالمشركين أيضًا بأنه يحذر أن يكون منهم والامتراء هو الشك فيما لا شبهة للشك فيه.

والآية التالية تزيد ما سبق توضيحا إذ هي أصرح في التعريض بالمشركين، وهي قوله تعالى {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95)} وهي تقتضي أن الذين كذبوا وشكوا في آيات الله هم الكفار، وهم خاسرون في الدنيا إن بقوا على ذلك وخاسرون في الآخرة، وهي تقتضي أنهم هم المكذبون الشاكّون فلا يكونن أحد منهم؛ لأنه يكون حينئذ خاسرًا خسرانا مبينا.

ويكون في النهاية حاصل المعنى: فإن كنتم شاكّين في صدق ما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم مما أصاب المكذبين قبلكم، فاسألوا أهل الكتاب يخبروكم بأن ذلك صدق فذلك هو الحق الذي جاءكم من رب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تكونوا شاكين، ولا تكذبوا بآيات الله فتكونوا خاسرين.

ص: 253

وهكذا يتضح ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم من الحق الذي يشهد به أهل الكتاب ولا يستطيعون كتمه وإلا لما طلب من المشركين أن يطلبوا خبر ذلك منهم، وما كتم أو أخفى شيئا صلى الله عليه وسلم وما أصيب من أصيب إلا من قلة فهمه لكلام العرب وأساليبهم، ولكانوا أول راد له معترض عليه لو وجدوا مغمزًا في عربيته أو معناه.

وهي في النهاية شهادة من أهل الكتاب على صحة رسالته صلى الله عليه وسلم وصدق نبوته وأنها من عند الله جل وعلا، وقد جاء قوله تعالى دليلاً لذلك حيث يخبر بفرح أهل الكتاب بكلام الله، فيقول {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36].

ونذيل هذا المبحث بكلام الإمام ابن تيمية حيث يقول: (والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم). (1)

ثم قال: (ثم العلم بأن الأنبياء قبله بشروا به يعلم من وجوه

)

أحدها: ما في الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب.

الثاني: إخبار من وقف على تلك الكتب ممن أسلم وممن لم يسلم بما وجدوه من ذكره بها.

وهذا مثل ما تواتر عن الأنصار أن جيرانهم من أهل الكتاب كانوا يخبرون بمبعثه، وأنه رسول الله وأنه موجود عندهم، وكانوا ينتظرونه، وكان هذا من أعظم ما دعا الأنصار إلى الإيمان به لما دعاهم إلى الإسلام حتى آمن الأنصار به وبايعوه.

وقد أخبر الله بذلك عن أهل الكتاب في القرآن، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ

(1) ابن تيمية، "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"(340/ 1).

ص: 254

اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89].

ومثل ما تواتر عن إخبار النصارى بوجوده في كتبهم، مثل إخبار هرقل ملك الروم، والمقوقس ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة.

الثالث: نفس إخباره بذلك في القرآن مرة بعد مرة، واستشهاده بأهل الكتاب، وإخباره بأنه مذكور في كتبهم مما يدل العاقل على أنه كان موجودا في كتبهم فلو لم يعلم صلى الله عليه وسلم أنه مكتوب عندهم بل انتفى ذلك لامتنع أن يخبر بذلك مرة بعد مرة، ويُظهر ذلك لموافقيه ومخالفيه وأوليائه وأعدائه (1).

ونعود لنلم سريعًا بما ينبغي التعليق على "وات" فيه:

وأوله: إخفاء كل ما ذكرنا من بشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم وهي عادته في إخفاء الحق الذي يدينه، وذلك من أصول منهجه، وهو بلا شك مع تدقيقه قد مر عليه ذلك لأنه أثبت في بداية كتابه المصادر التي لجأ إليها في أبحاثه.

ثانيًا: قلبه للحقائق، فإذا اضطر لذكر بعض الحوادث التي يظن أنها تؤيد ما ذهب إليه في بحثه، وبعضها يخالفه قلب ما يخالف بكل بجاحة إلى ما يوافق كقصة ورقة، وهرقل وغيرهما، أو حملها معان لم يحلم أي ضال بالوصول إليها، لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بسياق النص، أو بالجو العام أو الواقع التي حدثت فيه الحادثة وسنزيدها إن شاء الله مناقشة جديدة في كل موضع استدل بها، وهو يدل من وجهة أخرى على تقطيعه لأوصال الموضوعات والحوادث، ليستدل بها ويبرهن بها في أماكن مختلفة بوجوه مختلفة، لو جمع النص كما هو لما اختلف عقلان على إرادة غير ما ذهب "وات" إليه.

(1) وانظر د. أكرم العمري، "السيرة النبوية الصحيحة"(120/ 1).

ص: 255

ثالثًا: اختراعه لوقائع لم تحدث يظن أنه كمؤرخ لابد أن يفترضها هكذا بكل صفاقة حتى يستقيم له بحثه، فلا يبحث في الواقع كما هو وحيثما وجهه البرهان والدليل توجه وإنما يؤلف تاريخًا لم يحدث ولم يقع ليصل به إلى النتيجة التي أعدها قبل الشروع في البحث فليس بحثًا ذلك وإنما تذكرة مشاكلة، فهو نتيجة قد أعدها يريد أن يصل إليها بغير مشروع من البحث ولا مقبول من الموضوعية المدعاة، والحياد المزعوم ومثل ذلك افتراض أن وحيًا قد نزل قبل سورة اقرأ التي هي أول ما نزل من القرآن الكريم (1)، وكل كتاباته كذلك، ولذا سنعقب على كل كلام في حينه بما يزيده توضيحًا إن شاء الله تعالى.

(1)"وات"، محمد في مكة (121)، ترجمة عبد الرحمن الشيخ وآخر.

ص: 256