الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع
مراتب الدعوة
جاء هذا الوحى ليكون أساساً للرسالة من الله تعالى، وبالتالى كان مرشداً للنبى صلى الله عليه وسلم بمراحل دعوته، وهي المراحل التى ينبغى ذكرها لنعلم الأطوار التى مرت بها الدعوة، وكذلك شمول وعالمية هذه الدعوة، مما يؤكد ارتباطها الوثيق بالسماء، وبالوحى الإلهى للنبى المختار لها صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له في أمر ترتيبها شئ.
يقول الإمام ابن القيم (1) ملخصاً:
فللدعوة خمس مراتب:
الأولى: النبوة.
الثانية: إنذار عشيرته الأقربين.
الثالثة: إنذار قومه.
الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله، وهم العرب قاطبة.
الخامسة: إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر.
(1) زاد المعاد (1/ 86)، طبعه الرسالة.
مراحل الدعوة خلال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:
ذكر الدكتور البوطى (1) - وتبعه جمع من كُتَّابِ السيرة اعتماداً على فهمهم لكلام ابن اسحاق (2) - أن مراحل الدعوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أربع مراحل:
المرحلة الأولى: الدعوة سرا واستمرت ثلاث سنين.
المرحلة الثانية: الدعوة جهرا، والكف عن القتال. واستمرت إلى الهجرة.
المرحلة الثالثة: الدعوة جهرا مع قتال المبتدئين بالقتال واستمرت إلى صلح الحديبية.
المرحلة الرابعة: الدعوة جهرا، مع قتال من يقف في سبيل سير الدعوة) (3) (.
ولابد من وقفة مع الدعوة قبل النظر في تلك المراحل، فيما تدعو إليه، ووسائلها، وما ينبغى أن يتسلح به الدعاة إلى الله تعالى ليحققوا دعوتهم وينجحوا فيها، وذلك ما أدته الآيات الأولى النازلة من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم في سورة المزمل والمدثر وغيرهما مما نشير إليه لأنه منهج هذه الدراسة.
ونشير في هذا السياق إلى سورتى المزمل والمدثر، فإن قلنا بقول جمهور المفسرين إن المزمل نزلت قبل المدثر، فيكون فيها الأمر بالتهيؤ وإعداد النفس لتحمل أعباء الرساله حيث بينت وسائل ذلك وطرقه، ونبدأ بما بدأت به السورة حيث يقول المولى سبحانه:
(1) البوطى، فقة السيره، (76).
(2)
ابن هشام، السيرة النبويه (1/ 167).
(3)
ذهب محمد عزة دروزة إلى أن الدعوة بدأت علنية وبقوة خلافا لما روى من أنها بدأت سرية (محمد عزة - سيرة الرسول)(1/ 162) قد دلل على ذلك بدراسته القرانية للسيرة، ويذهب الباحث إلى هذا الرأى وإن كان هناك توفيقا بينهما فليس إلا أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن أمن به أن يخفى إيمانه خشية أن تفتنه قريش في دينه، وكان يدعو صلى الله عليه وسلم مستخدما الحيطة والحذر في خطواتة.
وننظر في تحليل هذه الآيات وأول ما يصادفنا نداء النبي بـ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)} نداء تلطف وترفق ومثله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} [المدثر: 1].
وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين: إنه التزمل الذي جرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم «زَمِّلُوني زَمِّلُوني» حين نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه.
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] الآيات كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من «صحيح البخاري» وإن لم يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذٍ، وعليه فهو حقيقة.
ومحملها على أن التزمُّل حقيقة، وقال عكرمة (1): معناه زُمِّلْتَ هذا الأمر فقم به، يريد أمر النبوءة فيكون قوله:{اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)} مع قوله: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا
طَوِيلًا (7)} [المزمل: 7] تحريضاً على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلاّ قليلاً من الليل وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه. ومحمل التزمل عنده على المجاز.
فإذا كانت سورة المزمل قد أنزلت قبل سورة المدثر كان ذلك دالاً على أن الله تعالى بعد أن ابتدأ رسوله بالوحي بصدر سورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} [العلق: 1] ثم أنزل عليه سورة القلم لدحض مقالة المشركين فيه التي دبرها الوليد بن المغيرة (2)، أن يقولوا: إنه ساحر.
(1) ابن كثير، تفسير القرآن (4/ 434).
(2)
انظر ابن هشام، السيرة النبوية (172 - 173).
أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل، ثم فتر الوحي فلما رأى المَلَكَ الذي أرسل إليه بحراء تدثر من شدة وقع تلك الرؤية فأنزل عليه {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} .
فنداء النبي بوصف المزمل باعتبار حالته وقت ندائه وَليس المزمل معدوداً من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم قال السهيلي: ولم يعرف به وذهب بعض الناس إلى عدّه من أسمائه.
{وَاللَّيْلِ} : زمن الظلمة من بعد العشاء إلى الفجر.
وأمْر الرسول بقيام الليل أمْر إيجاب وهو خاص به لأن الخطاب موجه إليه وحده مثل السور التي سبقت نزولَ هذه السورة، وأما قيام الليل للمسلمين فهم اقتدوا فيه بالرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في قوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ} إلى قوله: {وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل: 20] الآيات ولعل حكمة هذا القيام الذي فرض على الرسول صلى الله عليه وسلم في صدر رسالته هو أن تزداد به سريرته زكاء يقوي استعداده لتلقي الوحي حتى لا يحرجه الوحي (1) كما ضغطه عند نزوله كما ورد في حديث البخاري:
«فغطني حتى بلغ مني الجَهد» ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] الحديث، ويدل لهذه الحكمة قوله تعالى عقبه:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5].
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء قبيل بعثته بإلهام من الله تعالى، فالذي ألهمه ذلك قبل أن يوحي إليه يجدر بأن يأمره به بعد أن أوحى إليه فلا يبقى فترة من الزمن غير متعبد لعبادة، وهو قوله:{إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} .
وقد استمر وجوب قيام الليل على رسول صلى الله عليه وسلم بعد فرض الصلوات الخمس تعظيماً
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 258).
لشأنه بكثرة الإِقبال على مناجاة ربه في وقت فراغه من تبليغ الوحي وتدبير شؤون المسلمين وهو وقت الليل فكان هذا حكماً خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الفقهاء في باب خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن واجباً على غيره ولم تفرض على المسلمين صلاة قبل الصلوات الخمس (1).
وقال {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} وهو عود إلى الترغيب في أن تكون مدة القيام أكثر من نصف الليل ولذلك لم يقيد {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} بمثل ما قيد به {أَوِ انْقُصْ مِنْهُ} لتكون الزيادة على النصف متسعة، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالعزيمة فقام حتى تورمت قدماه وقيل له في ذلك:«إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» فقال: «أفَلا أكونُ عبداً شكوراً (2)» .
والقول الثقيل هو القرآن وإلقاؤه عليه: إبلاغه له بطريق الوحي بواسطة الملَك.
والثقل الموصوف به القول ثقل مجازي لا محالة، مستعار لصعوبة حفظه لاشتماله على معان ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه فيكون حفظ ذلك القول عسيراً على الرسول الأمّي تنوء الطاقة عن تلقّيه.
وأشعر قوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} أن ثقله متعلق ابتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم لقوله قبله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ} وهو ثقل مجازي في جميع اعتباراته وهو ثقيل صعب تلقيه ممن أنزل عليه. قال ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربَّد له جِلده» (أي تغير بمثل القشعريرة) وقالت عائشة: «رَأَيْتُةُ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفَضُّ عرقاً (3)» .
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 258).
(2)
البخاري، باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم (4/ 292).
(3)
البخاري، باب بدء الوحى (1/ 4).
ويستعار ثقل القول لاشتماله على معان وافرة يحتاج العلم بها لدقة النظر وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه. وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإِحاطة به فكم غاصت فيه أفهام العلماء من فقهاء ومتكلمين وبلغاء ولغويين وحكماء فشابه الشيء الثقيل في أنه لا يقوى الواحد على الاستقلال بمعانيه.
{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)} ..
والمعنى: أن في قيام الليل تزكية وتصفية لسرّك وارتقاء بك إلى المراقي الملكية.
والوِطاء: الوفاق والملاءمة، قال تعالى:{لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: 37]. والمعنى: أن صلاة الليل أوفق بالمصلي بين اللسان والقلب، أي بين النطق بالألفاظ وتفهم معانيها للهدوء الذي يحصل في الليل وانقطاع الشواغل وبحاصل هذا فسر مجاهد (1).
والأقوم: الأفضل في التقوي الذي هو عدم الاعوجاح والالتواء واستعير {وَأَقْوَمُ} للأفضل الأنفع.
فالمعنى: أن صلاة الليل أعون على تذكر القرآن والسلامة من نسيان بعض الآيات، وأعون على المزيد من التدبر (2).
{إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)} ..
يفيد تأكيداً للمحافظة على قيام الليل لأن النهار لا يغني غَناءه فيتحصل من المعنى: قم الليل لأن قيامه أشد وقعاً وأرسخ قولاً، لأن النهار زمن فيه شغل عظيم لا يترك لك خلوة بنفسك. وشغل النبي صلى الله عليه وسلم في النهار بالدعوة إلى الله وإبلاغ القرآن وتعليم الدين
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 263).
(2)
ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 263).
ومحاجة المشركين وافتقادَ المؤمنين المستضعفين، فعبر عن جميع ذلك بالسبح الطويل، وفيه إرشاد إلى أن النهار ظرف واسع لإِيقاع ما عسى أن يكلفه قيامُ الليل من فتور بالنهار لينام بعض النهار وليقوم بمهامه فيه (1).
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في النهار من أول البعثة قبل فرض الصلوات الخمس كما دل عليه قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10)} [العلق: 9، 10]. وقد تقدم في سورة الجن أن استماعهم القرآن كان في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في نخلة في طريقهم إلى عكاظ. ويظهر أن يكون كل هذا مقصوداً لأنه مما تسمح به دلالة كلمة {سَبْحًا طَوِيلًا (7)} وهي من بليغ الإِيجاز (2).
انقطاع مجازي، أي تفرغ البال والفكر إلى ما يرضي الله، فكأنه انقطع عن الناس وانحاز إلى جانب الله فعدي بـ {إِلَى} الدالة على الانتهاء، قال امرؤ القيس:
والتبتيل: مصدر بتَّل المشدد الذي هو فعل متعد مثل التّقطيع.
المراد بالانقطاع المأمور به انقطاع خاص وهو الانقطاع عن الأعمال التي تمنعه من قيام الليل ومهام النهار في نشر الدعوة ومحاجّة المشركين ولذلك قيل {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ} أي إلى الله فكل عمل يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال الحياة فهو لدين الله فإن طعامه وشرابه ونومه وشؤونه للاستعانة على نشر دين الله. وكذلك منعشات الروح البريئة من الإِثم مثل الطِّيب، وتزوج النساء، والأنس إلى أهله وأبنائه وذويه، وقد قال:«حُبّب إليّ من دنياكم النساء والطيب (3)» . وهو حال مأمور به المؤمنون القائمون بأمر الدعوة التى ينبغى الاتصاف بها.
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 263 - 264).
(2)
ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 264).
(3)
ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 265 - 266).
وليس هو التبتل المفضي إلى الرهبانية وهو الإِعراض عن النساء وعن تدبير أمور الحياة لأن ذلك لا يلاقي صفة الرسالة.
ومن أكبر التبتل إلى الله الانقطاع عن الإِشراك، وهو معنى الحنيفيّة، وهو التعلق بالله وحده في كل أموره – ومن معانى التبتل ذلك الاعتكاف على الله تعالى، والخلوة به تزودا بزاد جديد يصفى النفس ويقويها على القيام بمهمات الدعوة.
ولذلك عقب قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)} بقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ}.
وخلاصة المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور أن لا تخلو أوقاته عن إقبال على عبادة الله ومراقبته والانقطاع للدعوة لدين الحق، وإذ قد كان النبي صلى الله عليه وسلم من قبلُ غير غافل عن هذا الانقطاع بإرشاد من الله كما ألهمه التحنّث في غار حراء ثم بما أفاضه عليه من الوحي والرسالة. فالأمر في قوله:{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ} مراد به الدوام على ذلك فإنه قد كان يذكر الله فيما قبل فإن في سورة القلم (51)(وقد نزلت قبل المزمل){وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} على أن القرآن الذي أنزل أولاً أكثره إرشاد للنبي صلى الله عليه وسلم إلى طرائق دعوة الرسالة فلذلك كان غالب ما في هذه السورِ الأوللِ منه مقتصراً على سَن التكاليف الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويتبعه في ذلك الداعون بدعوته المتمسكون بسنته صلى الله عليه وسلم.
وعُقِّب وصفُ الله تعالى بـ {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} بالإِخبار عنه أو بوصفه بأنه لا إله إلاّ هو لأن تفرده بالإلهية بمنزلة النتيجة لربوبية المشرق والمغرب فلما كانت ربُوبيته للعالم لا ينازع فيها المشركون أعقبت بما يقتضي إبطال دعوى المشركين تعدد الآلهة بقوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} تعريضاً بهم في أثناء الكلام وإن كان الكلام مسوقاً إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ولذلك فرع عليه قوله: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)} وإذ كان الأمر باتخاذ وكيلاً مسبباً عن كونه لا إله إلاّ هو كان ذلك في قوة النهي عن اتخاذ وكيل غيره، إذ ليس غيره بأهل لاتخاذه وكيلاً.
والوكيل: الذي يُوكَل إليه الأمور، أي يُفوض إلى تصرفه، ومن أهم التفويض أمر الانتصار لمن توكل عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قول المشركين فيه اغتم لذلك، وقد روي أن ذلك سبب تزمله من مَوْجدة الحزن فأمره الله بأن لا يعتمد إلاّ عليه، وهذا تكفل بالنصر ولذلك عقب بقوله تعالى:{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [المزمل: 10].
{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)} ..
وهو كذلك من عظيم زاد الدعوة، التوكل في النصر على الله سبحانه، وهو الشأن للدعاة في كل زمان ومكان.
عطف على قوله: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)} [المزمل: 9]، والمناسبة أن الصبر على الأذى يستعان عليه بالتوكل على الله.
ومن هذا المعنى قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18]، وقوله:{فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5)} [سورة المعارج: 5].
فالهجر الجميل هو الذي يَقتصر صاحبه على حقيقة الهجر، وهو ترك المخالطة فلا يقرنها بجفاء آخر أو أذى، ولما كان الهجر ينشأ عن بغض المهجور، أو كراهية أعماله كان معرَّضاً لأن يعتلق به أذى من سبّ أو ضرب أو نحو ذلك. فأمر الله رسوله بهجر المشركين هجراً جميلاً، أي أن يهجرهم ولا يزيدَ على هجرهم سَبّاً أو انتقاماً.
وهذا الهجر: هو إمساك النبي عن مكافاتهم بمثل ما يقولونه مما أشار إليه قوله تعالى: واصبر على ما يقولون.
وليس منسحباً على الدعوة للدين فإنها مستمرة ولكنها تبليغ عن الله تعالى فلا ينسب إلى النبي (1).
وقد انتزع فخر الدين من هذه الآية منزعاً خُلُقياً بأن الله جمع ما يحتاج إليه الإِنسان في مخالطَة الناس في هاتين الكلمتين لأن المرء إما أن يكون مخالطاً فلا بد له من الصبر على أذاهم وإيحاشهم لأنه إن أطمع نفسه بالراحة معهم لم يجدها مستمرة فيقع في الغموم إن لم يَرضْ نفسه بالصبر على أذاهم، وإن ترك المخالطة فذلك هو الهجر الجميل (2).
وفي الآيات الرد القوى على " وات " في أنه وحى من الله إذ من يقول لنفسه ويخزن ويستدعى ذلك من الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن أين الوعى أو اللاوعى أو اللبيدو في ذلك من أين سمع ذلك من قبل صلى الله عليه وسلم، وكيف يخبر به نفسه وكيف يقول لها ذلك؟! وكذلك الهجر الجميل والأمر بالتوكل وأن التوكل مع الصبر من أسباب النصر.
وإذ كنا قد بينا في سورة المزمل زاد الدعوة والصفات التى على الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاته من بعده أن يتصفوا بها والتعبد القلبى والبدنى اللازم لتحمل تبعات الدعوة ومسؤلياتها، فإن سورة المدثر تبين هدف الدعوة وحقيقتها فهو التوحيد لله وطريقة رفع ذلك، وتجنب عبادة غيره ونبذها والتبرؤ منها
…
مع التركيز على صفات جديدة يلزم التحلى بها أو التخلى عنها وهاهى ذى الآيات الكريمات:
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} ..
نوديّ النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه في حالة خاصة تلبس بها حين نزول السورة. وهي أنه لما رأى الملك بين السماء والأرض فرق من رؤيته فرجع إلى خديجة فقال: دثروني دثروني، أو قال:
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 294).
(2)
الفخر الرازى مفاتيح الغيب (15/ 808 - 809).
زملوني، أو قال: زملوني فدثروني، على اختلاف الروايات، والجمع بينها ظاهر فدثرته فنزلت:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} .
وقد مضى عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)} [المزمل: 1] ما في هذا النداء من التكرمة والتلطف.
والقيام المأمور به ليس مستعملاً في حقيقته في الغالب وإنما هو مستعمل في الأمر بالمبادرة والإِقبال والتهمُّم بالإِنذار مجازاً أو كناية.
وأفادت فاء {فَأَنْذِرْ} تعقيب إفادة التحفز والشروع بالأمر بإيقاع الإِنذار (1).
ففعل {قُمْ} منزَّل منزلة اللازم، وتفريع {فَأَنْذِرْ} عليه يبين المراد من الأمر بالقيام.
والمعنى: يا أيها المدثر من الرعب لرؤية مَلَك الوحي لا تخف وأقبل على الإِنذار.
والظاهر: أن هذه الآية أول ما نزل في الأمر بالدعوة لأن سورة العلق لم تتضمن أمراً بالدعوة، وصدر سورة المزمل تضمن أنه مسبوق بالدعوة لقوله فيه {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ} [المزمل: 15]، وقوله:{وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ} [المزمل: 11]. وإنما كان تكذيبهم بعد أن أبلغهم أنه رسول من الله إليهم وابتدىء بالأمر بالإنذار لأن الإنذار يجمع معاني التحذير من فعل شيء لا يليق وعواقبه فالإِنذار حقيق بالتقديم قبل الأمر بمحامد الفعال لأن التخلية مقدمة على التحلية ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأن غالب أحوال الناس يومئذٍ محتاجة إلى الإِنذار والتحذير.
(1) المصدر السابق.
فالتقدير: مهمْا يكن شيء فكبّرْ ربّك.
والمعنى: أن لا يفتر عن الإِعلان بتعظيم الله وتوحيده في كُل زمان وكل حال وهذا من الإِيجاز.
فمعنى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)} صِف ربّك بصفات التعظيم ربك أنت الاله الواحد، الحق، وهذا يشمل تنزيهه عن النقائص فيشمل توحيده بالإلهية وتنزيهه عن الولد، ويشمل وصفه بصفات الكمال كلها. وتعريض بأن الآلهة لاتستحق الالوهية بل هي مخلوقات زائلة.
ومعنى {فَكَبِّرْ} : كبره في اعتقادك: وكبره بقولك تسبيحاً وتعليماً. ويشمل هذا المعنى أن يقول: «الله أكبر» لأنه إذا قال هذه الكلمة أفاد وصف الله بأنه أكبر من كل كبير، أي أجلّ وأنزه من كل جليل، وهذا تنبيه على أن الدعوة إلى الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على سائر أنواع الدعوات، ولذلك جعلت هذه الكلمة افتتاحاً للصلاة.
وأحسب أن في ذكر التكبير إيماء إلى شرع الصلاة التي أولها التكبير وخاصة اقترانه بقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4] فإنه إيماء إلى شرع الطهارة، فلعل ذلك إعداد لشرع الصلاة (1).
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} ..
هو في النظم مثل نظم {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)} [المدثر: 3] .. أي لا تترك تطهير ثيابك.
وللثياب إطلاق صريح وهو ما يلبسه اللابس، وإطلاق كنائي فيكنى بالثياب عن ذات صاحبها، كقول عنترة:
(1) ابن عاشور، التحريروالتنوير، مصادر أخرى أبو السعود، ارشاد العقل اسليم (5/ 787)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (15/ 825).
فشككت بالرمح الأصم ثيابه
…
ليس الكريم على القنا بمحرم (1)
وللتطهير إطلاق حقيقي وهو التنظيف وإزالة النجاسات وإطلاق مجازي وهو التزكية قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)} [الأحزاب: 33].
والمعنيان صالحان في الآية فتحمل عليهما معاً فتحصل أربعةُ معان لأنه مأمور بالطهارة الحقيقية لثيابه إبطالاً لما كان عليه أهل الجاهلية من عدم الاكتراث بذلك. وقد وردت أحاديث في ذلك يقوّي بعضها بعضاً وأقواها مَا رواه الترمذي «إِن الله نظيف يحب النظافة» . وقال: هو غريب (2).
والطهارة لجسده بالأولى.
{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} ..
{وَالرُّجْزَ} : يقال بكسر الراء وضمها وهما لغتان فيه والمعنى واحد عند جمهور أهل اللغة. وقال أبو العالية والربيع والكسائي: الرّجز بالكسر العذاب والنجاسة والمعصية، وبالضم الوثن (3). ويحمل الرجز هنا على ما يشمل الأوثان وغيرها من أكل الميتة والدم.
وتقديم {وَالرُّجْزَ} على فعل {فَاهْجُرْ} للاهتمام في مهيع الأمر بتركه.
والهجر: ترك المخالطة وعدم الاقتراب من الشيء. والهجر هنا كناية عن ترك التلبس بالأحوال الخاصة بأنواع الرجز لكل نوع بما يناسبه في عرف الناس.
(1) عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسى، من أشهر فرسان العرب في الجاهلية، وأحسنهم شيمةً وأعزهم نفساً. والبيت من معلقته.
(2)
ابن عاشور التحرير والتنوير، أبا السعود، ارشاد العقل السليم (5/ 787).
(3)
أبو حبان البحر المتوسط، ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 298).
والأمر بهجر الرجز يستلزم أن لا يعبد الأصنام وأن ينفي عنها الإلهية.
ومناسبة عطف {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)} على الأمر بهجر الرجز أن المنّ في العطية كثير من خُلق أهل الشرك فلما أمره الله بهجر الرجز نهاه عن أخلاق أهل الرجز نهياً يقتضي الأمر بالصدقة والإِكثار منها بطريق الكناية فكأنه قال: وتصدق وأكثر من الصدقة ولا تمنن، أي لا تعدّ ما أعطيته كثيراً فتمسك عن الازدياد فيه، أو تتطرق إليك ندامة على ما أعطيت.
والسين والتاء في قوله: {تَسْتَكْثِرُ} للعدّ، أي بعد ما أعطيته كثيراً.
وهذا من بديع التأكيد لحصول المأمور به جعلت الصدقة كالحاصلة، أي لأنها من خلقه صلى الله عليه وسلم إذ كان أجود الناس وقد عرف بذلك من قبل رسالته لأن الله هيأه لمكارم الأخلاق فقد قالت له خديجة في حديث بدء الوحي «إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم» . ففي هذه الآية إيماء إلى التصدق، كما كان فيها إيماء إلى الصلاة، ومن عادة القرآن الجمع بين الصلاة والزكاة.
والمنّ: تذكير المنعِم المنعَمَ عليه بإنعامه.
والاستكثار: عدّ الشيء كثيراً، أي لا تستعظم ما تعطيه.
وهذا النهي يفيد تعميم كل استكثار كيفما كان ما يعطيه من الكثرة (1).
{وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)} .. تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم على تحمل ما يلقاه من أذى المشركين وعلى مشاقّ الدعوة.
والصبر: ثبات النفس وتحملها المشاق والآلام ونحوها. ومصدر الصبر وما يشتق منه يتضمن معنى التحمّل للشيء الشاقّ.
(1) انظر ابن عاشور، وانظر أبا السعود، ارشاد العقل السليم، وغيرها.
ويعدّى فعل الصبر إلى اسم الذي يتحمله الصابر بحرف {عَلَى} ، يقال: صبر على الأذى. ويتضمن معنى الخضوع للشيء الشاق فيعدى إلى اسم ما يتحمله الصابر باللام. ومناسبة المقام ترجح إحدى التعديتين، فلا يقال: اصبر على الله، ويقال: اصبر على حكم الله، أو لحكم الله. فيجوز أن تكون اللام في قوله {وَلِرَبِّكَ} لتعدية فعل الصبر على تقدير مضاف، أي اصبر لأمره وتكاليف وحيه كما قال:{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [سورة الطور: 48] وقوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24)} [سورة الإِنسان: 24] فيناسب نداءه بـ
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} [المدثر: 1] لأنه تدثر من شدة وقع رؤية المَلك، وتركُ ذكر المضاف لتذهب النفس إلى كل ما هو من شأن المضاف إليه مما يتعلق بالمخاطب.
وتقديم {وَلِرَبِّكَ} على {فَاصْبِرْ} للاهتمام بالأمور التي يصبر لأجلها مع الرعاية على الفاصلة، وجَعل بعضهم اللام في {وَلِرَبِّكَ} لام التعليل، أي اصبر على أذاهم لأجله، فيكون في معنى: إنه يصبر توكلاً على أن الله يتولى جزاءهم، وهذا مبني على أن سبب نزول السورة ما لحق النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين.
وفي التعبير عن الله بوصف {وَلِرَبِّكَ} إيماء إلى أن هذا الصبر برّ بالمولى وطاعة له.
فهذه ست وصايا أوصى الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم في مبدإ رسالته وهي من جوامع القرآن أراد الله بها تزكية رسوله وجعلها قدوة لأمته. تبين بواعث الدعوة وأهدافها وطرائق القبول لها، والزاد الذى يُقَوى على تحملها، وأسباب النصر فيها وكل ذلك مما يراد من المؤمنين – المتقين – اليوم ليعودوا لرفع راية الاسلام ونشر دعوته، وقد رأينا في ذلك الحكمة، والتعامل الحسن والصبر، والعبادة.
وتحمل في طياتها كثير الرد على "وات" وأمثاله في بواعث الدعوة التى أخترعها ونسج حولها مالم يأت به كتاب، أو يتفوه به كاتب.
وفي توضيح تلك المعانى ما يغنى عن إيراد الردود.
مما سبق من شرح الآيات الأولى المنزلة على الرسول صلى الله عليه وسلم تم تأكيدها بآيات كثيرة نزلت لتدل دلالة واضحة على مضمون الدعوة وأسبابها، وبواعثها، وما ينبغى على حامل هذه الدعوة أن يكون عليه من أخلاق وصفات، ثم على جراء هذه الدعوة وأن ليس للداعى أو عليه إلا بذل جهده فيها فقط ليتحقق له أسباب نجاتة في الدنيا والآخرة.