الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
البعثة والنبوة
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون سنة (1)، وثبت أن الوحي نزل عليه أول ما نزل يوم الاثنين (2)، والمشهور أن نزول القرآن بدأ في شهر رمضان (3) حيث كان يخلو رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء، وجاءه جبريل بغتة لأول مرة داخل الغار قالت عائشة رضي الله عنها: "حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«ما أنا بقارئ» ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} [العلق: 1 - 3]، فرجع بها ترجف بوادره (4) حتى دخل على خديجة فقال: زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: يا خديجة مالي! وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على
(1) البخاري "فتح الباري"(564/ 6، 162، 227/ 7)، وصحيح مسلم (1824، 1827/ 4)، وسيرة ابن هشام (151، 152/ 1).
(2)
مسلم "الصحيح"(51، 52/ 8)، أبو داوود "السنن"(808، 809/ 2)، وانظر د. أكرم العمري، "السيرة النبوية الصحيحة"(124) ــ وما بعدها.
(3)
جاء التصريح به الآية الكريمة: "شهر رمضان الذي أنزل القرآن .... "[البقرة: 185]، وابن هشام " السيرة النبوية"(153/ 1)، ورجح المباركفوري، صفي الرحمن، أنه يوم الحادي والعشرين من رمضان "الرحيق المختوم"(75، 76)، وانظر د. مهدي رزق الله "السيرة النبوية"(148).
(4)
البخاري، الصحيح، أول ما بدىء به رسول صلى الله عليه وسلم (21/ 329).
نفسي، فقالت له: كلا فوالله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكلَّ وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت: اسمع من ابن أخيك فقال: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذع أكون حيًا حين يخرجك قومك، قال: أومخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي." (1)
يقول "الزهري" من رواة الحديث: "وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا - حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك."(2)
وقد أوضح هذا الحديث أن {اقْرَأْ} هي أول ما نزل من القرآن الكريم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فوجئ بالوحي دون أن يتوقعه فراعه الموقف وأرعبه وأفزعه حتى خشي على نفسه، وقد أخذت خديجة رضي الله عنها بعد رجوعه إليها - في طمأنته والتسكين من روعه، وفي ذات الوقت سعت معه لمعرفة أو تفسير ما جرى له صلى الله عليه وسلم ولم يكن هناك مثل ورقة له باع في تفسير ذلك وتأويله، إذ هو كما ذكر الحديث قد تنصر وقرأ الإنجيل ويكتب منه ما شاء الله
(1) البخاري (6982)، وفتح الباري (204/ 26)، ومسلم (160)، وشرح النووي (139 - 140/ 1)، أحمد "الفتح الرباني"(47/ 18).
(2)
نفس المصدر.
له، ومنطق العقل والواقع يدعي أنه لو كان هناك غير ورقة لاحتمل الذهاب إليه، أو من هو أعلم من ورقة لذهبت إليه قطعًا، وبالتالي كان دخول ورقة في الأحداث وظهوره في الصورة أمرًا عارضًا، ساقته الأقدار في لحظتها، خاصة وقد ذكر ابن سعد أنها المرة الأولى التي تأتي خديجة رضي الله عنها ورقة بن نوفل (1)، علاوة على أن المصادر كلها لم تشر من قريب أو بعيد إلى اهتمام المرأة المكية بالدين قبل الإسلام حتى تترك تجارتها أو تفرط فيها لتذهب إلى ورقة لتتعلم منه!
وكان من حكمة الله تعالى أن انقطع الوحي بعد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن وذلك حتى تتأكد تلك الحقيقة التي سنؤكدها فيما بعد من أن الوحي ظاهرة خارقة للعادة، منفصلة تمام الانفصال عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وأيضًا حتى يتشوق النبي صلى الله عليه وسلم لنزول الوحي وتتابعه عليه.
وقد استمرت هذه الفترة كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أربعين يومًا (2)، وقيل أنها كانت أيامًا (3) وإن كانت لا تعلم بوجه صحيح، وجزع النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الانقطاع حتى ذكر الزهري (4) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحاول أن يتردى من شواهق الجبال، ولكن هذا الكلام من الزهري ضعيف لعدم صحة سنده، ولكون ذلك يتنافى مع عصمة الأنبياء (5).
بعد مدة الفتور هذه نزل الوحي مرة أخرى فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي
(1) ابن سعد "الطبقات"(195/ 1).
(2)
الزرقاني "شرح المواهب اللدنية"(236/ 1)، والشامي "من معين السيرة"(29).
(3)
ابن حجر العسقلاني "فتح الباري"(6982 / ج).
(4)
محمد بن شهاب الزهري أحد رواة نزول الوحي السابق ذكره.
(5)
انظر ناصر الدين الألباني "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة"(40).
بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1 - 5] فحمي الوحي وتتابع" (1).
هذا مختصر شديد لما ورد في السيرة في قضية الوحي، وقد بلغنا بها أمرين: عرض الموضوع كما هو، والثاني: الرد على "وات" فيما ادعى، استكمالاً لما رددنا عليه فيها وقلنا سنزيده إيضاحًا كلما عرض لنا من كلام "وات" شيء ذو بال.
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (29/ 298).