الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
غزوة بدر في القرآن الكريم
جاءت سورة الأنفال لتحكى لنا سيرة غزوة بدر بما يليق بالقصص القرآنى في سرد الأحداث، إذ يوضح المفيد اللازم لكل بشر من الحادثة، ويعلق عليها بما هو المقصود من القصص أهدافه وغاياته، ويشرح الحكم والمواعظ والعبر، ويذكر الاوامر والنواهى للامتثال للشرع وفي الغالب يزيد عما حدث شرحاً وتفصيلاً يكون زاداً وتحذيراً وتنبيهاً أو وصايا لما هو آت، حتى استكمل القرآن الكريم بهذا النهج المصور لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ما كان وما يكون، مع مراعاة أحوال الامم السالفة في ذكر ذلك القصص لتلمس مواضع العبر تخويفاً واتقاء، مصوغاً كل ذلك في أعلى درجات البلاغة واللغة، التى تشى بأن الصياغة بهذه الطريقة السامقة إنما هي أيضاً من مطلوبات القرآن الكريم في عرض السيرة لأغراض لا شك سامية مما يستدعى مراعاة ذلك الدرس البلاغى وغيره في فهم صياغة السيرة وسردها، وأنه ما كان كذلك إلا لسمو هدفه في ايصال وفهم وتعلم السيرة القرآنية بهذه التراكيب، والصياغات والاساليب، وأفانين الكلام. لذلك كان التعريج على هذا الدرس من مهمات هذا البحث إظهاراً (لما يمكن من جوانبه) كافة تعميقاً لفهم القرآن ومعرفة جماله وجلاله الباعث على محبته والقيام بحقه والرد على أعدائه، لم يكن عرض السيرة بليغاً بهذه الجماليات لكون ذلك أسلوب القرآن الكريم المعتاد، بل كان لكل مقام مقال.
ولا ننس أن ننوه بوظيفة المؤرخ كما ذكر وات، حيث لا تنحصر في السرد بقدر فهم البواعث والأهداف من وراء ما يقع من أحداث، ذلك ما بلغ القرآن الكريم فيه درجة غير مسبوقة تتوافق وأهداف الإسلام ووسائله، ومعرفة النفس الانسانية ودوافعها وتبيين ما يعتمل فيها وما تقصد إليه تصويراً لذلك وتصحيحاً وتقويماً للمطلوب فيه.
ونأتى لسورة الأنفال لنحلل منها ما نستطيع من السيرة مع المقارنة والنظر في جمالياتها.
إن أول ما يصادفنا أن سورة الأنفال تحدثت عن غزوة بدر من آخرها، فلم تسرد الأحداث بما بدأت به في واقع الأمر، فبدأت بالحديث عن الغنائم والأنفال، وهو في نهاية الموقعة، وواضح أنها خصت الغنائم بالذات من بين الأحداث الأخيرة في الوقعة ويبدو أن ذلك كان موضوع الساعة إذن بل وكل ساعة، فيه تتحدد وجهة الغزو، وأهداف الجهاد وما ينبغى أن يكون نصب عين المجاهدين والمؤمنين من مقصود ذلك ووسائله النفسية والمادية في الدنيا والآخرة كما سنوضح شيئاً من ذلك.
أخذ الحديث وجهات عدة نشير إليها تبين ما سبق:
الأول: في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: 1]، ومعناه أن هناك نصراً قد تحقق، وحصل بسببه غنائم اختلف الصحابة في توزيعها، وسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لعدم علمهم بما ينبغى أن يقسموها به، وأنهم حاوروا الرسول صلى الله عليه وسلم تصريحاً، ومنهم من يجادل غيره بما يدل على طلب الفهم في هذا الشأن، والتعبير بالمضارع {يَسْأَلُونَكَ} ، دل على تكرار السؤال المرة بعد الأخرى من سائلين متعددين، وإما بكثرة السائلين في الموقف الواحد، وجاء السؤال معدى ب {عَنِ} ، ليدل على طلب المعرفة)، وهذا يدلنا على تأكيد ما حدث في السيرة النبوية، ثم جاء القرآن الكريم بعد ذلك التنازع الذى ذكرته السيرة ليوضح المقصود والمطلوب
والغايات والبواعث إلى آخر ما ذكرنا آنفاً فجاء القاطع القرآنى بقوله: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} ، أي لله تعالى ملكاً واختصاصاً على جعل اللام هنا للملك أو للاختصاص، فهى ملكه ويختص بالقضاء فيها هو جل وعلا فيحكم بما يشاء ويصرفها كيف يشاء، ومعرفة ذلك والقيام به لرسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عنه فهى لرسوله صلى الله عليه وسلم من هذه الوجهة.
ومما ذكرته السيرة ووضحته جملة: {يَسْأَلُونَكَ} ، الايذان بأن ثم تنازعاً قد حدث بين ناس من الجيش في استحقاق الغنائم، وقد كانت لهم عوائد في الجاهلية متبعة في الغنائم والأنفال أرادوا العمل بها وتخالفوا في شأنها والذين سألوا كانوا معروفين، لأن ضمير جمع الغائب في {يَسْأَلُونَكَ} ، معلوم عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند السامعين ساعة عند نزول الآية.
الثاني: المنحى الثاني الذى بينته الآيات لتوضح به ما يجب أن تكون عليه سيرة المؤمنين في هذا الموقف خاصة، وكل المواقف بعد ذلك هو تقوى الله سبحانه وتعالى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وختم هذا المنحى بصيغة الإلهاب لنفوسهم على الامتثال، وهو قوله تعالى:{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وذلك ليس تشكيكاً في إيمانهم، بل لأنهم مؤمنون خاطبهم بذلك، لأنه لا يؤمر بذلك غير المؤمنين. (1)
وهذا معناه أن المؤمنين همهم الأول هو تقوى الله وأولها في هذا الموقف صلاح ذات البين، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس همهم الغنائم وقسمتها، ومن يحوزها أو يحرمها، وهي التربية القرآنية الأولى للمؤمنين بأن تكون وجهتهم تقوى الله وطاعة رسوله والاستسلام لأوامره والاجتناب لنواهيه، مع قولهم سمعنا وأطعنا وهو الشق الأول الذى يقوم به الإسلام والشق الثاني هو تآلف القلوب وصلاح ذات البين والاجتماع والاتفاق على كلمة لا شقاق فيها ولا تصدع لها، بأن يكونوا يداً واحدة على من سواهم، متكافلين متوادين
(1) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 252 - 254).
متراحمين كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ليسوا من مغريات الدنيا في شيء، وإن كانت الغنائم عندهم من مظاهر طلب الآخرة حيث يشير إلى هذا الرأى الأستاذ سيد قطب رحمه الله فيقول:«ولقد يدهش الانسان حين يرى أهل بدر يتكلمون في الغنائم، وهم إما من المهاجرين السابقين الذين تركوا وراءهم كل شيء، وهاجروا إلى الله بعقيدتهم، لا يلوون على شيء من أعراض هذه الحياة الدنيا، وإما من الأنصار الذين آووا المهاجرين، وشاركوهم ديارهم وأموالهم، لا يبخلون بشيء من أعراض هذه الحياة الدنيا أو كما قال فيهم ربهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، ولكننا نجد بعض التفسير لهذه الظاهرة في الروايات نفسها. لقد كانت الأنفال مرتبطة في الوقت ذاته بحسن البلاء في المعركة، وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء، وكان الناس يومئذ حريصين على هذه الشهادة من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن الله سبحانه وتعالى في أول وقعة يشفى فيها صدورهم من المشركين، ولقد غطى هذا الحرص وغلب على أمر آخر نسيه المتكلمون في الأنفال، حتى ذكرهم الله به، وردهم إليه، ذلك هو ضرورة السماحة فيما بينهم في التعامل، والصلاح بين قلوبهم في المشاعر» . (1)
إذن لم يكن من سبب كائناً ما كان ليغطى أو يمنع على الركن الركين من قيام الإسلام، وهو الأخوة الإيمانية التى علمها لهم القرآن الكريم تعليماً واقعياً بنزع الأنفال منهم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهتف بهم بهاتف التقوى ليكون لاماً لشملهم مصلحاً لجمعهم وذات بينهم، ليبقى سبب النصر هو القائم الباقى، سبب الفوز في الأولى والآخرة لأنه بغيره كما ذكرت السورة بعد سيكون إخفاقهم، ويعودون بالانكسار والهزيمة قال تعالى:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، ومن ثم جاء الأمر بالتقوى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ} [الأنفال: 1]، مفرعاً على جملة:{الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} ، لأن في تلك الجملة رفعاً للنزاع بينهم في استحقاق الأنفال وإن
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن (3/ 1473).
كل ذلك موكول إلى الله سبحانه وتعالى وذكرهم حينئذ بأنه قد وجب الرضا بما يقسمه الرسول صلى الله عليه وسلم. وقدم الأمر بالتقوى لأنها جامع الطاعات.
وعطف الأمر بالاصلاح لما حدث من اختلاف، أما الأمر بالطاعة هنا، فهى كما في قوله سبحانه:{ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، أي الأمر بالطاعة التامة التى يقتضيها الإيمان الذى يحثهم على ذلك ويظهر الانقياد حقيقة وقوة هذا الإيمان:{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].
الثالث: إن المنحى الثالث الذى أكدته الآيات منحى صفات المؤمنين حقاً لتبين لهم سيرتهم الصحيحة، فيزدادوا منها أو يثبتوا عليها، ومن تأخر عن تمامها شيئاً ما كانت مجاهدته لنفسه على اللحاق بها والتمثل بتفاصيلها فبعد أن عاش المؤمنون هذه الأحداث، لا شك أسرعوا في إصلاح ذات بينهم، وتصافت أرواحهم، وتسامحت نفوسهم وعادوا لا يحركهم، ولا ينبغى إلا تقوى الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وتألف صفهم وترابط جمعهم، وعلموا الهدف الذى يجب أن يسعوا إليه هو ما وصاهم به وتنزلت بسببه تلك السورة لزوم التحقق بأعلى وأهم صفات المؤمنين، لأن كل أعمالهم من جهاد فما دونه إنما هو وسيلة لأن يكونوا مؤمنين حق الإيمان، باذلين أرواحهم ليكون غيرهم لاحقاً بهم، حتى تصبح الأرض كلها الأرض الطيبة الصالحة بإيمان أهلها، التى في نفس الوقت تكون متعبدة بأحسن التعبد موحدة أعلى التوحيد لله رب العالمين، الذى اكرمهم بذلك كله وشرفهم به، واصطفاهم لحمله من دون العالمين.
جاءت الجمل القرآنية الكريمة متتابعة تبين صفات المؤمنين، وكأنها تقول ليس المؤمنون الذى يسمعون كلام الله ولا يرعوون ولا يستجيبون له، ولا يسارعون إلى مرضاته بل هم أعلى وأجل إذ يسمعون كلام الله فترتعش قلوبهم ويظهر ذلك في انهمال عيونهم،
وقشعريرة أبدانهم، يرتجفون لذكره فيمتثلون أمره ويجتنبون نهيه، ويتعجلون إلى مرضاته، وليس هم الذين يسألون ويتكلمون في الأنفال، بل هم المنفقون في السراء والضراء، لا ينتظرون أخذاً إنما يسارعون إعطاء، الذين يخرجون من الاعمال الصالحة وقد ازدادوا إيماناً فربط على قلوبهم، وأخذهم هذا الإيمان الزائد إلى مواقع الحق والصواب؛ لا يخرجون من الاعمال الصالحة إلى الدنيا وقد خف إيمانهم فيتنازعون عليها. وهم في كل ذلك متوكلون على الله، محافظون على صلواتهم راكنون إلى ربهم، ينظرون جزاءهم وحسن عاقبتهم فيسارعون إلى ذلك الخير الدائم، وهم مع ذلك ملازمون لطلب المغفرة في كل حين لأنهم لن يوفوا حق نعمة من نعم الله عليهم أو يقوموا بكل ما جاءهم به صلى الله عليه وسلم وإن الرسول عليه الصلاة والسلام لهو قدوتهم السائر بهم إلى ربهم المرشد لهم إلى أسباب سعادتهم في الدنيا والآخرة.
هؤلاء هم المؤمنون حقاً أي هؤلاء لا غيرهم هم المؤمنون حق الإيمان، وهذه الجملة وما عطف عليها إما أن تكون مستأنفة وإما تعليلية فإن كانت مستأنفة فهى مستأنفةاستئنافاً بيانياً مسوقة لمن أريد بالمؤمنين بذكر أوصافهم الجليلة جواباً، لسائل يثيره هذا الاشتراط في قوله:{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)} [الأنفال: 1]. بعدما تحقق أنهم مؤمنون من قبل فيقول من هم هؤلاء المؤمنون فيجاب بأن المؤمنين هم الذين صفتهم كيت وكيت، فيعلم أن الإيمان الذى جعل شرطاً في الامتثال هو الإيمان الكامل فتنبعث نفوسهم إلى الاتسام به والتباعد عن موانع زيادته.
وإما أن تكون: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ، وما عطف عليها واقعة موقع التعليل لوجوب الأوامر الثلاثة المتقدمة وهي تقوى الله واصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله، لأن ما تضمنته هذه الجمل التى بعد {إِنَّمَا} ، من شأنه أن يحمل المتصفين به على الامتثال لما سبق في الجمل.
وإذ قدر كان الاحتمالان غير متنافيين صح تحميل الآية عليهما توفيراً لمعانى الكلام المعجز فإن علة الشيء مما يسأل عنه، وإن بيان العلة مما يصح أن يكون استئنافاً بيانياً. (1)
ونسوق توضيحاً مختصراً لتلك الصفات، يليق بالباعث التاريخى للأحداث وهو شغل المؤرخ، لا لتفسير القرآن الكريم، ليكون المرء على ذُكر منه لأنه سوف تتكرر معنا هذه المعانى والأوصاف في كل السباقات القرآنية للسيرة النبوية، مع زيادات في كل مرة تُستكمل بها جوانب الشخصية المسلمة، وفي نفس الوقت تظهر لنا الآثار السيئة في بعض أخبار السيرة لعدم تمسك المسلمين على المستوى الفردى أو الجماعى بتلك الخصائص والصفات، كما جاء في غزوة أحد في سورة آل عمران قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)} [آل عمران: 152]، إذ هي من الصفات التى وصى بها وحذر من المآل السيء لمخالفتها مبكراً بعد غزوة بدر، وفي نفس السياق يتضح لنا الرد على (وات) والمستشرقين من قبله فيما يتعلق بمنهجهم التاريخى في عرض السيرة.
نعود إلى شرح معانى تلك الصفات وعلاقتها بالاحداث ..
الوصف الأول: في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]،
(1) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 255).
والمعنى ليس المؤمنون الكامل إيمانهم إلا أصحاب هذه الصفة التى يعرف المتصف بها تحققها فيه من عدمه من عَرْض نفسه على حقيقتها، فأحيلوا في معرفة أمارات تخلقهم بالإيمان على تلك الصفات التى يأنسونها من أنفسهم والذكر يطلق حقيقة على التلفظ باللسان فإذا علق بالذات كذكر الله أريد ذكر اسمه، أو شأن من شؤونه مثل أمره ونهيه فيجل القلب أي يخاف مع الفزع لاستعظام الموجول منه، وأسند ذلك إلى القلب في كلام العرب لأن القلب يكثر إطلاقه على إحساس الإنسان وقرارة إدراكه، وقد أجملت الآية ذكر الله إجمالاً بديعاً يناسب معنى الوجل، ليكون ذكر الله إذا جاء باسمه أو بذكر عقابه أو عظمته أو ثوابه ورحمته كل ذلك وغيره يورث القلب لكُمل المؤمنين الوجل؛ لأنه يحصل مع هذا الذكر استحضار جلال الله وشدة بأسه وسعة ثوابه، لنعلم الباعث التاريخى الذى اخترعه المستشرقون وات لتلك الأحداث، وهو أنه إذا تذكر ذلك ينبعث عن هذا الاستحضار توقع حلول بأسه، وتوقع انقطاع بعض ثوابه ورحمته، فهو وجل هو الباعث للمؤمن على الاستكثار من الخير، وتوقى ما لا يُرضى الله تعالى، وملاحظة الوقوف عند حدود الله في أمره نهيه، وحال آخر يحصل للمؤمن يبين وجهته وإخلاصه وتربيته الحقة على مائدة القرآن الكريم، على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الأمل والطمع في ثواب الله، وقد طوى ذكره هنا لاستلزام الوجل إياه؛ لأنه من الوجل أن يخشى وَيجِل من فوات الثواب أو نقصانه.
ثم جاءت الصفة الثانية ..
{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2].
ولا شك أن ارتباط هذه الصفة بما قبلها ارتباط وثيق، في غاية السلاسة، فإذا كان ذكره سبحانه تجل القلوب به، وهو أنواع كما ذكرنا فيدفعها إلى تلك الأحوال الحسنة فإن أعظم ذكره تلاوة آياته وسماعها الذى يحوى ذلك كل أسباب الوجل فيكون تأثيره أعم وأقوى
فيبادر المرء إلى التحقق عند سماع آياته بكل معانى الوجل، التى تزيد بلا مراء إيمانه، وتقوى يقينه، وتعلو حينئذ درجته، وكأن الآية من ناحية داعية إلى الأخذ بأسباب زيادة الإيمان وقوته الذى هو مصدر كل خير، وأن أي أسباب تدعو إلى خلاف ذلك مما يضعف به الإيمان ويقل ويجب الحذر منه وتركه، وقصة الأنفال وغزوة بدر وبقية الأحداث أول ذلك، والدليل عليه، ومن ناحية أخرى يكون ذلك توجيهاً جديداً للمؤمنين، يوضح لهم صفات الكمل من المؤمنين ليصير ذلك ثابتاً لا تزحزح له، زائداً فيما يستقبلون به دعوتهم، وزاداً يتقوون به في سيرتهم.
أما كيفية تأثير التلاوة في زيادة الإيمان، فأن دقائق الإعجاز التى تحتوى عليها آيات القرآن تزيد كل آية تتنزل منها أو تتكرر على الاسماع سامعها يقيناً بأنها من عند الله، فتزيده استدلالاً يُقوى الإيمان حتى يقرب من مرتبة الضرورة، ويحصل مع تلك الزيادة زيادة في الإقبال عليها بَشراشِر القلوب، ثم في العمل بما تتضمنه من أمر أو نهى، حتى يحصل كمال التقوى، فلا جرم كان لكل آية تتلى على المؤمنين زياد في عوارض الإيمان من قوة اليقين، وتكثير الأعمال. (1)
أما ما يتعلق بالمقام من الكلام على الأنفال وعلاقته بتلك الزيادة، وحظه منها، فهو أن سماع الآيات النازلة في هذا الشأن تزيد إيمان المؤمنين بنبذ الشقاق والاختلاف بما ارتفع من ايمانهم بتلك الآيات، ورفع التشاجر الطارىء بسبب الأموال فإن صفات المؤمنين وتحققها والمسارعة إلى تلاوة الآيات والعمل بها، وأن زيادة الإيمان وأهميته لهو مطلوبهم الاسمى الذى بسببه يعرضون عن غيره ويلقونه وراء ظهورهم، ويستقبلون جميعاً أمراً آخر هو
(1) لزيادة الإيمان معان أخرى اقتصرنا على المناسب والمطلوب من السياق، وانظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 256 - 259)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 341 - 342)، والالوسى، روح المعانى (6/ 240 - 242)، وغير ذلك.
الأهم والأولى عندهم، وبذلك تتضح المناسبة بين ذكر الأنفال، وتعقيبه بالتقوى واصلاح ذات البين والطاعة، وتعليل ذلك بأن شأن المؤمنين هو إقبالهم على زيادة إيمانهم عند تلاوة آيات الله تعالى، وتلك هي التربية القرآنية التى أخذهم بها، وعلمهم فيها الأهم والمهم، والذى لا قيمة له، وأسباب النصر وضرائب التمكين، فما انتصروا بعد ذلك إلا بما تحقق فيهم من هذه الصفات.
{وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ، وإن من أهم مقامات الدين التوكل على الله ..
وهي صفة ثالثة لـ {الْمُؤْمِنُونَ} ، أو حال منه، وجعلت فعلاً مضارعاً للدلالة على تجدد وتكرر ذلك منهم، في كل حين لا يفارقهم التوكل على الله حال دعوتهم وانفالهم وجهادهم وسائر شؤونهم؛ لأن كفايتهم بالله لا بالدنيا وأموالهم، وركونهم وتعلقهم بالله وما عنده لا بالزائل الفانى ولذلك فهو حسبهم كما قال:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].
ومناسبة التوكل بالذات للغرض، وهو ذكر الأنفال أن المؤمنين كما تعلموا أن يكون مقصدهم رضا ربهم وطاعته لا شيء غيره من أمور الدنيا وحظوظ النفس، فهم هنا ليتعلموا وليتربوا على أن التوكل على الله على لا الأنفال والغنائم وغيرها وهو المطلوب، وأن الاعتماد على شيء من ذلك ينافى هذا التوكل فلا يعتمد المرء على ماله ولا قوته ولا حسبه ولا نسبه ولا عقله، ولا جاهه وسلطانه، ولا على خلق يقومون بشيء له من ذلك:{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81]، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58].
ومن ثم كان تقديم الجار والمجرور في قوله: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]، للاهتمام باسم الله تعالى وذكر الربوبية المضاف إلى ضميرهم لاظهار شرف ذلك، المحب لعباده عليه يكون تمام التوكل وفي الآية تعريض بالمشركين الذين يتوكلون على أصنامهم: {وَاتَّخَذُوا مِنْ
دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)} [مريم: 81]، ومن ثم كانت مدحاً للمؤمنين وتحذيراً لهم أن يبقى شيء في قلوبهم من آثار التعلق بما نهوا عنه، لتوهم البعض أنهم إذا فوتوه فقد أضاعوا خيراً من الدنيا.
ومناسبة التوكل مع قضية الأنفال أنهم أمروا بالتخلى عن الأنفال، والرضا بقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كان حرم، فلا يحزنه ولا يفت في عضده، وليستصغر ذلك أمام توكله على الله، والذى سيعوضه أفضل منه وأعظم. (1)
إن الصور التى جاءت بها السير بعد ذلك للصحابة ومن تبعهم بإحسان لتؤكد أشد التأكيد على هذا الوصف، وتحققهم به، حيث كانوا يواجهون أعداءهم بقلة العدد والعدة والزاد والخروج إلى عدوهم وما كانوا ينكثون أو يتراجعون رائدهم في ذلك التوكل على الله تعالى، ولا أظن أن التاريخ سجل لهم موقعة صغيرة أو كبيرة كانوا فيها أكثر عدداً أو أوفر عدة وزاداً. من مواجيههم.
{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} [الأنفال: 3].
وصفهم هنا بالمحافظة على ركنى الإيمان الأهمين الصلاة والزكاة، وهو مدح منفصل عن السابق؛ لأن اعادة الموصول هنا للدلالة على الانتقال في وصفهم إلى غرض آخر غير الذى جيء بالموصول الأول لأجله (2)، وكأن إقامة الصلاة والإنفاق مما يمدح به كل أحد، وهو لهؤلاء مما يزدادون به مدحاً عن غيرهم لتقدمهم في صفات الإيمان وعلوها.
جمعت هذه الممادح والأوصاف الحسنة مكارم الاعمال القلبية الباطنة من الخشية
(1) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 259).
(2)
انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 260).
والإخلاص والتوكل، ومحاسن الأعمال القالبية الظاهرة من الصلاة والصدقة (1)، فلا جرم كانوا أحرياء بأن يكونوا هم المؤمنين حقاً. كما ختمت الآيات بذلك، لتشتد في التأكيد على صفات المؤمنين؛ التى ينبغى ألا يفرطوا فيها ظاهراً أوباطناً، سراً وعلانية، ببيان ثوابهم عند الله:{لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4].
لا شك كان ذلك كله العون والمدد على تحقيق أهداف الرسالة، وإعادة صياغة هؤلاء المؤمنين، وتنبيهاً على ما يجب أن يكون، وتحذيراً من مخالفته فيما سيكون، ثم بدأ القرآن الكريم بعد هذا النمهيد الضخم، في قص سيرة بدر، موزعاً في تضاعيفها ذلك التمهيد الضخم بما يتناسب مع كل مشهد منها في سياقات بصياغات جديدة غير متكررة من الفهم والشحن والاصلاح والاعداد، ونبدأ في أول المشاهد التى قصها القرآن وهي قوله تعالى:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: 5 - 6].
وبالتأمل في هذه الآيات نرى إجمالاً هذه الامور:
1 -
أن الله سبحانه هو الذى أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته من المدينة، أو من المدينة محاطاً متلبساً بالحق في هذا الخروج، فلم يكن ليأمر ربه ليخرج بغير حق، لنعلم أن العير أو النفير التى أخرج النبي صلى الله عليه وسلم لملاقاتها كان محقاً تمام الحق في ذلك ولو كره المستشرقون الذين ذكروا باطلهم بأن خروجه لقطع الطرق وغيرها من قبيح الأوصاف المخالفة للواقع.
2 -
أن فريقاً من المؤمنين كرهوا الخروج لملاقاة جيش قريش (النفير)، لنفرة الطباع عن القتال أو لعدم الاستعداد لملاقاة الكفار، وهذا عن الصحابة بعد البذل
(1) انظر أبا السعود، ارشاد العقل السليم (2/ 342)، والالوسى، روح المعانى (6/ 242)، وغيرها.
والتضحية منهم يدل على أنه ليس داخلاً تحت الاختيار؛ فلا ينتقص من منصبهم وقدرهم، لأنهم هم الذين واصلوا إلى النهاية حتى نصرهم الله تعالى.
3 -
ذكرت الآيات كذلك جدالاً من هؤلاء الكارهين للقتال والذى سماه المولى سبحانه وتعالى: {الْحَقَّ} ، فمتى علموا أنه الحق أي الخروج لملاقاة النفير؟ لا شك قد بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الحق في ملاقاتهم للنفير وبأنهم سينصرون.
4 -
ما زالت النوازع الانسانية في مثل هذا الحال الذى لا يظن، بل لا يتخيل معه النصر لأنهم لم يتخذوا أسبابه تهتف بهم أن ذلك ليس إلا سوقاً إلى الموت.
ونحلل ما ذكرنا من الآيات الكريمات، فنجد ..
أن الكاف في قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ} ، للتشبيه وهو تشبيه حال بحال متصل بما قبله، وهو بتقدير مبتدأ محذوف هو اسم إشارة لما قبله تقديره: هذا حال بحال ما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ووجه الشبه هو كراهية المؤمنين في باديء الأمر لما هو خير لهم في الواقع (1)، سواء الأنفال أو ملاقاة النفير.
والمعنى أن الله أمره بالخروج إلى المشركين ببدر أمراً موافقاً للمصلحة في حال كراهة فريق من المؤمنين ذلك الخروج.
وقد أشار هذا الكلام إلى خروج النبي صلى الله عليه وسلم موضحاً السبب، وهو أن أبا سفيان بن حرب قد عاد من الشام بعير قريش وفيها أموال عظيمة ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الخروج إليها، لعل الله أن ينفلها إياهم تعويضاً بشيء مما سلبه المشركون من أموال المسلمين
(1) وهناك غير ذلك من الأوجه، حيث ذكرنا أولاها انظر الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 445)، أبا السعود، ارشاد العقل السليم (2/ 343)، الالوسى، روح المعانى (6/ 245 - 246)، والطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 263 - 264).
ودورهم وأراضيهم، وإعاقه وحصاراً للمشركين عن الاستمرار في اعتداءاتهم على المسلمين ومع أن أبا سفيان قد سلك الساحل ونجا فإن جيش الكفار بقيادة أبى جهل أبى إلا الاستمرار في المسير لملاقاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعنجهية وغطرسة ذكرتها السيرة، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتراجع حينئذ أمام جيش الكفار، إن ذلك وحده هزيمة وإعلاء لراية الكفر وفيه ما فيه من تجرؤ كل أحد على المسلمين، إذ كانت القبائل تنتظر ما هي قريش فاعلة مع النبي صلى الله عليه وسلم، كان متساوقاً مع السياق أن يكون الخروج إليهم هو الحق كما ذكر الله تعالى، خاصة إذا وعدهم النصر، لذلك كان التعجيب من موقف الكراهة هذا لأن تأكيد خبر كراهية فريق من المؤمنين بإن ولام الابتداء مستعمل في التعجيب من شأنهم بتنزيل السامع غير المنكر لوقوع الخبر منزلة المنكر؛ لأن وقوع ذلك مما شأنه ألا يقع، إذ كان الشأن اتباع ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم، أو التفويض إليه، وما كان ينبغى لهم أن يكرهوا لقاء العدو، فكان تأكيد الخبر كناية من التعجيب بخبرهم (1)، وهذا أحد الدروس المستفادة التى ألقاها القرآن الكريم على أسماع المؤمنين، كيف يقابلون أوامر الرسول وما يحبه وما يشير به مما نزل به قرآن، أو لم ينزل اكتفاء برأيه صلى الله عليه وسلم المؤيد من عند الله تعالى، ليسارعوا إليه ويعجلوا إلى تنفيذه، وسنذكر الإشارة القرآنية بعد قليل في ذلك إن شاء الله تعالى.
أما قوله: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ} [الأنفال: 6]، إما جملة مستأنفة، أو هي حال ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم إياك، أو هي حال من الضمير في قوله:{لَكَارِهُونَ} ، وصيغة المضارع لحكاية الحال كما لو كان حاضراً لزيادة التعجيب منها كما في قوله تعالى:{يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 74]، ولم يقل جادلنا خرجوا إذن والطريق طويل والجدال متجدد متكرر يعجب منه السامع، خاصة بعدما تبين لهم الحق كما ذكرنا باعلام النبي أنهم ينصرون، وهم ما زالوا يقولون هلا ذكرت لنا النفير والقتال حتى نتأهب ونستعد لذا جاء قوله تعالى: {بَعْدَ
(1) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 266 - 267).
مَاتَبَيَّنَ} [الأنفال: 6]، كأنه لوم لهم على المجادلة في هذا الخروج للنفير وترك العير والمتفحص يجد سبب اللوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرهم بوعد الله لهم بالعير أو بالنصر على النفير فها قد مضت العير وأفلتت وجاء النفير، فهذا الحق بين بذاته إذا سواء شعر به كلهم أو بعضهم بأنهم منتصرون لا محالة؛ بحيث لا ينبغى الاختلاف فيه، فقد كانوا عرباً أذكياء، وكانوا مؤمنين أصفياء، ورأوا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لما اختاروا العير، فكان ذلك كافياً في اليقين بأنهم إذا لقوا المشركين ينتصرون عليهم بلا أدنى ريب.
ولم يترك القرآن الكريم تصوير حالهم، وهم سائرون إلى القتال بغير أهبة يظنونه الموت الذى تتخيله النفوس ببشاعة وكرب فتكرهه فشبه حالهم في قوله:{كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ} [الأنفال: 6]، بحال من يجادل ويمانع من يسوقه إلى الموت:{وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: 6]، أي إلى الموت المساقين إليه، لأن حالة الخوف من الشيء المسوق إليه تكون أشد عندما يكون منظوراً فما الظن بالموت. (1)
ويأتى الأن مكان الاشارة التى أرجأناها، وهي في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]، فبعد أن انتهت المعركة، وتبين لهم الحق على أرض الواقع وانتصروا، جاء خطاب الله لهم بأنه ما دعاهم للموت حين دعاهم للخروج بل دعاهم للعكس دعاهم لما فيه حياتهم في الأولى والآخرة، إذ من طبيعة الاستجابة لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم وعاقبتها الحياةُ الحسنى، وإن استشهدوا فيها فقد حصلوا أحدى الحسنيين أو أجلهما وأعظمهما:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)} [آل عمران: 169]، وليكن شعارهم بعد أن رأوا النتيجة رأى العين هو الحياة في الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة الحقة، وبكل معانى الحياة
(1) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 344)، الالوسى، روح المعانى (6/ 248)، الطاهر بن عاشور (9/ 257 - 258).
الحقة لأنها من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ما زال القرآن الكريم يقص علينا مشهد الخروج إلى غزوة بدر، لنرى أمر الله تعالى وشأنه وتدبيره هو المحيط بالمؤمنين وبكل شيء من أوله إلى يوم يلقونه، وليروا ترتيب الله تعالى وإرادته الذى لا ترتيب مثله، ولا راد لإرادته، وأنهم مهما حاولوا أن يمهدوا ويوطدوا ويرتبوا لأنفسهم ما فعل من ترتيبه مثقال ذرة، ولو اطلعوا على الغيب لما اختاروا غيره، وقد نطق واقع النصر بخلاف ما ذهبوا إليه وتشوفوا له ورنت إليه قلوبهم وأبصارهم، جاءت الآيتان التاليتان ليؤكدا ويوضحا السابق، ثم يتحدد هدف المعركة الذى قصد إليه الشارع الحكيم فيقول تعالى:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7 - 8].
{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} [الأنفال: 7]، وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين مع ما بهم مما ذكر عن بعضهم، يبين أنه وعدهم إحدى الجماعتين من المشركين العير أو النفير، و {وَإِذْ} ، منصوب على المفعولية بمضمر إن كان متصرفاً أو ظرف لمفعول ذلك الفعل يعنى واذكروا وقت وعد الله إياكم إحدى الطائفتيين والتذكير بهذا الوقت تذكير بما وقع فيه من الحوادث بتفاصليها وذكر بالمضارع ليكون حاضراً مفصلاً كأنه مشاهد عياناً (1)، نذكرهم فيه بعدم ظنهم النصر، وأنهم كذا وكذا مما ذكرنا فكيف بكم الآن من بديع أحكام الله تعالى وتقديره.
وقد وعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم مختصة بكم تتصرفون فيها كيف شئتم،
(1) هذا ما ذهب إليه معظم كالزمخشرى، الكشاف ()، والفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 448)، وأبو السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 344)، والالوسى (6/ 248)، وذهب الطاهر بن عاشور مذهباً آخر (9/ 269)، وإلى ما ذهب إليه المعظم حيث موافقة اللغة، وهناك مذاهب أخرى، انظر بن عاشور أيضاً (9/ 269).
وتحبون أن تكون لكم العير، الطائفة التى لا شوكة فيها، أي لا بأس لها، ترى ماذا لو تحقق لكم ذلك أكان أولى، أم ما أراده الله وتعلقت به مشيئته هو الأولى الذى ظهرت لكم علله وحكمه (1).
وهذه العلل وهي أهداف المعركة الرئيسية:
1 -
أن الله يريد أن يحق الحق بكلماته.
2 -
أن يقطع دابر الكافرين.
3 -
أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
وننقل كلاماً عن سيد قطب لنفاسته فيقول رحمه الله ما حاصله لقد أراد الله تعالى
- وله الفضل والمنة - أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. وأراد أن يقطع دابر الكافرين فيقتل منهم من يقتل ويؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم وتعلو راية الإسلام وكلمته، ويمكن الله تعالى للعصبة المؤمنة التى تعيش بمنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله تعالى في الأرض، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف بالجهد والجهاد وتكاليفه معاناتها في عالم الواقع في ميدان القتال.
لقد أراد الله تعالى للجماعة المسلمة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة لها قوتها وسلطانها، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد والعدة، وليس بالمال والخيل والزاد إنما هو بمقدار ما تحصل بإيمانها من قوة الله تعالى التى لا تقف لها قوة، وأن يحدث ذلك في الواقع الشاهد لا يكون
(1) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 345)، والالوسى، روح المعانى (6/ 248).
مجرد تصور قلبى واعتقادى لتتزود منه الأمة المسلمة الزاد المقنع الذى لا شك فيه لواقعها ومستقبلها .... إلى أن يقول: ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك ما تهزم وتغلب خصومها وأعداءها مهما تكن من القلة والعدة المادية ومهما كان أعداؤها بالكثرة والاستعداد والعتاد، ما كانت هذه الحقائق لتستقر كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوى الطغيان.
وينظر الناظر اليوم وبعد اليوم ليرى الآماد المتطاولة بين ما أرادته الجماعة المؤمنة لنفسها يومذاك وما أراده الله لها، بين ما حسبته خيراً لها وبين ما قدره الله لها من الخير، وكم يخطيء الناس حين يحسبون أنهم قادرون على أن يختاروا لأنفسهم خيراً مما اختاره الله لهم، وحين يتضررون مما يريده الله لهم مما قد يعرضهم لبعض الخطر أو يصيبهم بشيء من الأذى بينما يكمن وراءه الخير الذى لا يخطر لهم ببال ولا بخيال.
وهذا كفيل بالرد على كل كلام أثاره المرجفون المبشرون من المستشرقين وغير المبشرين منهم على غزوات الرسول جميعاً فضلاً عن سيرته العطرة، إننا نسبق الكلام لنقول ذلك لأنه لن يبقى بعد ذلك مجال للرد على وات.
ونستأنف كلاماً أخيراً في هذه الجزئية لسيد قطب حيث يقول: فأين ما أرادته العصبة المسلمة مما أراده الله لها .. ؟ لقد كانت تمضى - لو كانت لهم غير ذات الشوكة - قصة غنيمة. قصة قوم أغاروا على قافلة فغنموها! فأما بدر فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل. قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح المزودين بكل زاد والحق في قلة من العدد وضعف في الزاد والراحلة. قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتى. بل قصة انتصار حفنة من القلوب الثابتة المستعلية على الواقع المادى، وبيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها، قد انتصرت
على نفسها، وخاضت المعركة، والكفة راجحة رجحاناً ظاهراً في جانب الباطل، فقلبت بيقينها ميزان الظاهر، فإذا الحق ظاهر غالب (1).
ونعود إلى تكملة تحليل الآية، حيث ذكرت أهداف المعركة الثلاثة من الوجهة القرآنية، التى تدل بإشارتها إلى معان أخر تحملها تلك الأهداف:
أول أهداف المعركة: هو أن الله تعالى يريد أن يحق الحق بكلماته، يعنى تعلقت إرادة الله هنا بتثبيت الحق وتدعيمه وشد أساساته وأركانه، فلا يتزعزع ولا ينكسر، بل يقوى ويستقر والحق هنا هو دين الحق أي الإسلام، وقد أطلق عليه الحق في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كقوله:{حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ} [الزخرف: 29]، وإن إحقاق الحق باستئصال معانديه، أنتم تريدون نفعاً عاجلاً قليلاً، وأراد الله نفعاً عظيماً في العاجل والآجل، وذلك كله بكلماته، بسبب كلماته، مثل آيات القرآن النازلة في قتال الكفار، وما أمر به الملائكة من نصرة المسلمين يوم بدر وغير ذلك مما هيأ به للمعركة سبحانه شرعاً وقدراً، وكلماته سبحانه وتعالى لا تتخلف كما في قوله:{يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ} [الفتح: 15].
الهدف الثاني: هو قطع دابر الكافرين، وهو إزالتهم حتى لا يبقى في مؤخرتهم أحد من ورائهم وإن ذلك لتخضيد لشوكتهم، وإظهار أمر المسلمين ورفع شأن الإسلام، وما يكون فيه المسلمون من أمن واطمئنان بال، وإن حرمهم الغنى العارض، إذ كانوا يحسبون أنهم لا يستطيعون هزيمة عدوهم، إن في ذلك سمو رتبة الدين وعلو كلمة الحق، وهذا ما تحقق للمسلمين بعد بدر، وهم راجعون لا يصدق مسلم ولا يهودى ولا وثنى أنهم انتصروا لقد قلبت الموازين والحسابات، وتغيرت المواقف والأوضاع، ودخل الإسلام
(1) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (2/ 1481 - 1482).
مرحلة جديدة يحسب لها حسابها، بحيث جاءت أحد والخندق بكل أعداء الداخل والخارج توقعاً لقوة المسلمين الفتية وأدائهم القوى في ظاهر الأمر.
لم تكن أهداف المسلمين إذا عند معركتهم وبعد نزول القرآن الكريم بتحديد تلك الأهداف كما ادعى المستشرقون، بل التطلع المادى، قد حسم قبل المعركة بكلمات الله التى بين لهم بعد المعركة.
الهدف الثالث: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)} [الأنفال: 8].
واللام هنا للتعليل وهي متعلق بقوله: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} [الأنفال: 7]، أي أراد ذلك وكون أسبابه بكلماته لأجل تحقيقه الحق وإبطاله الباطل، وأفاد التعليل هنا معنى الحصر، أي ما فعل إلا لذات الفعل لهذه الغاية الجليلة لا لشيء آخر، ولا لغرض آخر، وقد سيقت الآية لبيان الحكمة الداعية إلى اختيار ذات الشوكة ونصرهم عليها، مع إرادتهم لغيرها، فلا يكون تكرار، إذ الأول لبيان تفاوت ما بين الإرادتين، وهذا لبيان الحكمة الداعية إلى ما ذكر. (1)
والحق هو حق من قبل ومن بعد وكذا الباطل، ومعنى يحق الحق إذا هو اظهار حقيقته، فيشتهر ويرتفع ذكره لا جعله حقاً بعد أن لم يكن، وكذا الباطل وهذا في التعبير القرآنى المجيد توكيد أيضاً لإحقاق الحق بنفى ضده وهو إبطال الباطل؛ لأن احقاق الحق من لوازمه إبطال الباطل، كما قال تعالى:{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 21]، لأنه لما كان الباطل ضد الحق لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، فصار كل ذلك لتوكيد احقاق الحق، كما في قوله تعالى:{قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140].
(1) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 345)، والألوسى، روح المعانى (6/ 249)، الرازى، التفسير الكبير (7/ 448 - 449)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 270 - 273).
وعلى كراهة من المجرمين لذلك فعل الله ما فعل بهم، إذ هم المشركون المكذبون، ولا شك أنه لا يقصد بالكراهة مجرد الكراهة القلبية، حتى تكون تلك المبالغ الضخمة في تلك التراتيب الإلهية للمعركة، ولكن الكراهة هنا كناية عن الاستعداد على قدم وساق لاستكمال محاربة الدعوة وقتل نبيها وتشتيت أهلها وفتنتهم عن دينهم إلى آخر ذلك من المقاومة والاستعداد، ومن ثم كان المشركون بكراهتهم أي بكل ما أوتوا يريدون إظهار الباطل وإحقاقه، وما من بد حينئذ أن تنفذ إرادة الله جل وعلا مهما كانوا (1)، وتنقلب الكفة عليهم بجنده الأقل في كل شيء ليحق الحق ويبطل الباطل ولو فعل المجرمون في الأرض ما استطاعوا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كان درساً ممتازاً لأهل الإيمان في كل زمان ومكان تحصله العصبة المؤمنة ليزداد يقينها بالله، وحسن توكلها عليه، وثقتها في دينها ورسولها صلى الله عليه وسلم؛ لتعود رايتها مرتفعة ونورها منتشرا يحمل العدل والحق والمساواة، يحمل الدينونة لله تعالى.
وما زلنا سائرين مع السيرة القرآنية تقص لنا سيرة بدر لنقارن ونحلل بما ورد في الواقع لا لنجمع الأحداث لاستنباط المطلوب، وللتزود بوقود الإيمان الذى لا يخبو ولا يغيض، لتندفع قاطرة الحق حتى تبلغ مداها، فنصل إلى قوله تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)} [الأنفال: 9 - 10].
مضى السياق هنا بعد تحديد أهداف المعركة، وكل معركة، مع توجيهات في كل موقعة جديدة تستوحيها ظروفها وما يحيط بها، في استحضار جو بدر وملابساتها ومواقفها، والتعبير القرآنى المتميز يعيد تمثيل المشهد بمواقفه وحوادثه وانفعالاته وخفقاته ليعيشوه
(1) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 273).
مرة أخرى، معايشة التأمل والعبرة والاتعاظ والتأهل لما هو آت - معايشة الشكر لله تعالى والمحافظة على أسباب النصر والتزود منها - معايشة نقل ذلك والتحرك به لمن بعدهم من المؤمنين المتقين، معايشة الثبات على الإسلام والتعلق بالله والثقة في أن النصر من عنده هو سبحانه، ومعايشة الرؤية الحقيقية لابعاد الموقف التى تتجاوز بدراً والجزيرة والعالم كله لتربط الأرض بالسماء والدنيا بالآخرة، ليروا قيمة أقدارهم وأعمالهم في ميزانهم يوم القيامة.
ونلاحظ على الآيتين ما يلى:
1 -
تقدم ذكر الاستغاثة بعد أن ذكر كراهة بعض المؤمنين لقتال لم يستعدوا له، وبعد أن نبأهم بتصحيح أهدافهم من المعركة إلى الأهداف العليا، خاصة بعد ما اختار لهم ذات الشوكة لتكون لهم.
وقد علمنا من السنة الشريفة أن الاستغاثة جاءت متأخرة عندما التقى الفريقان، ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قلة عدد المؤمنين وزادهم ورحلهم بالإضافة إلى الكفرة فأخذ يستغيث بالله تعالى ويناشده نصره الذى وعده، ويبدو أن هذا التقديم له حكمته في أن تكون استغاثة المؤمنين أولاً بالله تعالى في تحقيق النصر، لا بالنظر إلى قوتهم وعدتهم، إذ لا ينفعهم ذلك عندما يرفع الله عنهم عنايته ونصره، مهما كانوا في نهاية القوة وغاية البأس، لذا قال تعالى بعد ذلك في غزوة حنين مذكراً لهم تذكيراً عملياً كالمعتاد في تربية الله تعالى أوليائه المتقين وجنده المخلصين:{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25]، لذا أعقب هذا الآيات الكريمات التى نحن بصددها بقوله:{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10]، فكان تقديم الاستغاثة بالله واللجوء إلى نصره بعد تقديم الأسباب كافة هو العامل المقدم في النصر.
2 -
وكذلك قدمت الآيات الكريمات ذكر الملائكة مع أنهم جاءوا مردفين للمؤمنين عندما ألتقى الصفان، ذلك لحكمة أيضاً ولعلها في الأمور التالية:
الأول: أن الاستغاثة بالله وتقديمها تعنى على الفور غوث الله تعالى بالمدد الذى لا يهزم حتى لا ينسى المؤمنين ذلك أو يغفلوا عنه.
الثاني: أن تقديم الملائكة يدلهم على نزول السكينة ورباطة الجأش والثبات عن الملاقاة فيدخلون المعركة وهم مستعدون الاستعداد التام للمواجهة، لا يهمهم من عدوهم كثرة ولا أبهة ولا سلاح، بل هم صامدون حتى إحدى الحسنيين، لا يهولهم شيء ولا يكبر عليهم شيء، فلا يزلزل الخوف والرعب - كائناً من كان عدوهم - شيئاً من أفئدتهم ولا من أمن روعاتهم، علاوة على البشارة بالنصر، الذى يجعلهم في نهاية التصميم عليه والمسارعة إليه.
الثالث: الاستجابة الفورية بفاء التعقيب من الله تعالى لهم، ليكون عنواناً لهم وللمؤمنين في كل زمان ومكان على نزول مدد الله عليهم، وظهور تباشير النصر، وما تكون استجابة الله لهم إلا بعد استجابتهم له:{فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} [البقرة: 186]، بتحقيق أسباب النصر ظاهراً وباطناً، مادياً ومعنوياً، حتى إذا وقفت بهم الأسباب جاءت قدرته وقوته ومدده الذى لا يقهر وفعله وترتيبه الذى لا يغالب وهو من دروس المؤمنين اليوم.
ونعود إلى تحليل الآيتين الكريمتين لهذا المشهد العظيم ..
ذكر المفسرون لقوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: 9]، تعلقات كثيرة (1)، ونقتصر على كلام ابن عاشور لتوضيحه للواقع وموافقته له فنختصره حيث يقول: يتعلق ظرف: {إِذْ
(1) فذكر بعضهم أنها بدل من: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ} ، معمول لعامله، انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 345)، الالوسى، روح البيان (6/ 249 - 250)، وكأنه كلام أبى السعود بنصه، وانظر الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 450)، وجعل العامل في إذ {وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} .
تَسْتَغِيثُونَرَبَّكُمْ}، بفعل يريده الله، إذ إرادة الله مستمر تعلقها بأزمنة من إرادته إحقاق الحق حتى النصر ونهاية بدر، فكانت استجابة الله لهم بإمدادهم بالملائكة من مظاهر إرادته تحقيق الحق، وإذ كانوا بينهم وبين إرادة الله أن يحق الحق مدة من الزمان، فقد اقترن ببعضها على امتداد تلك المدة كما ذكرنا فصح تعليق ظرف الاستغاثة بفعلها. (1)
وعبر بالمضارع لاستحضار هذه الصورة العجيبة (2)، من الماضى لتكون محل العبرة وعبر بضمير الجماعة وأريد به النبي صلى الله عليه وسلم فيكون الجمع للتعظيم، أو لأنه كان يدعو صلى الله عليه وسلم لأجلهم معلناً بدعائه وهم يسمعون، فهم بحال من يدعون، أو أن المسلمين أنفسهم كذلك كانوا يستغيثون ويدعون فصح إطلاق الجمع على الجميع. (3)
{فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9]، لما كانت الاستغاثة طلب الغوث، وهو الإعانة على رفع الشدة والمشقة وكانوا في ذلك يومئذ، دعوا بطلب النصر لرفع ما هم فيه، فاستجاب لهم، بإجابة دعائهم عقيب الاستغاثة كما تفيده الفاء ولكن على أتم وجه لأن الاستجابة تدل على قبول الطلب والسين والتاء للمبالغة في تحقيق المطلوب.
وقد جاءت الاستجابة بكلام من الله هو: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، أي بأنى ممدكم، أي معينكم وناصركم والتأكيد للاعتناء بشأن الخبر.
والإرداف الإتباع والإلحاق؛ فيكون الوعد بألف وبغيرها على ما هو متعارف عندهم من إعداد نجدة للجيش عند الحاجة تكون لهم مدداً، وذلك أن الله أمدهم بآلاف من الملائكة بلغوا خمسة آلاف كما ورد في سورة آل عمران، وهم مردفين بألفين، فتلك خمسة
(1) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 273 - 274).
(2)
أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 345)، الألوسى، روح المعانى (6/ 250).
(3)
الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 450 - 451)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 345 - 346)، الألوسى، روح المعانى (6/ 250)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 273 - 274).
آلاف، وكانت عادتهم في الحرب إذا كان الجيش عظيماً أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى؛ لأن ذلك أرهب للعدو.
وكان حلول الملائكة في المسلمين بكيفية يعلمها الله تعالى، فيراهم من أكرمه الله برؤيتهم أو بإراءة الله الناس ما ليس من شأنه أن يرى عادة. (1)
وما كان إمداد المؤمنين بالملائكة إلا ليبشرهم، وإلا فقد كان يكفيهم أن يضمن لهم النصر دون أن يبين أنه بإمداد من الملائكة.
وأما فائدة التبشير بإمداد الملائكة فيقول الطاهر بن عاشور: «يوم بدر كان في أول يوم لقى فيه المسلمون عدواً قوياً وجيشاً عديداً، فبشرهم الله بكيفية النصر الذى ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة، لأن النفوس أميل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعانى يدق إدراكه سكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم.» (2)
وأما قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} [الأنفال: 10]، كلام مستأنف لبيان أن المؤثر الحقيقى هو الله جل وعلا، ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه، وما جعل إمدادكم بهم بشيء من الأشياء إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون، {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} ، وتسكن إليه نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة. وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالاً وهو مذهب بعضهم، ويشع ظاهرها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك الإمداد وفي
(1) انظر لما سبق الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 275 - 276)، الزمخشرى، الكشاف (2/ 116 - 117)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 346 - 347)، والألوسى، روح المعانى (6/ 250 - 251) ن الطبرى، جامع البيان (9/ 126 - 127).
(2)
ابن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 276).
الأخبار ما يؤيده، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة عليهم السلام. (1)
وبعد أن بشرهم بنزول الملائكة، وطمأن قلوبهم بالنصر، أكد لهم مرة أخرى على التعلق بالله تعالى وأنه خالق الأسباب، وأن كل شيء منه، فلا يركنوا إلا إليه ولا يتوكلوا إلا عليه في النصر وفي تحقيق كل أمورهم وتيسيرها فقال:{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10]، أي لا تحسبوا النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله تعالى، وختمت الآية الكريمة بقوله تعالى:{إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، بصيغة الخبر المؤكد فنزل المخاطبين منزلة من يتردد في أنه تعالى موصوف بهاتين الصفتين، وهما العزة المقتضية أنه إذا وعد بالنصر لم يعجزه شيء. والحكمة فيما يصدر من جانبه يجب غوص الأفهام في تبين مقتضاه، فكيف لا يهتدون إلى أن الله لما وعدهم الظفر بأحدى الطائفتين، وقد فاتتهم العير أن ذلك آيل إلى الوعد بالظفر بالنفير. وإن كانت الجملة في نفس الوقت مستأنفة استئنافاً ابتدائياً جعلت كالإخبار بما ليس بمعلوم لهم. (2)
أخرنا الكلام على المعنى الثاني من نزول الملائكة، وهو قتال الملائكة في بدر مع المؤمنين مناسبة لسياق الأحداث، مع نزول الآية التى تتحدث عنه.
والآن مع المشهد التالى وهو في قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)} [الأنفال: 11].
(1) أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 346 - 347)، والزمخشرى، الكشاف (2/ 116 - 117)، والألوسى، روح المعانى (6/ 252 - 253).
(2)
انظر الزمخشرى، الكشاف (2/ 117)، أبا حيان، البحر المحيط (5/ 280)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 452)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 346 - 347)، الألوسى، روح البيان (6/ 252 - 253)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 276 - 277)، الطبرى، جامع البيان (9/ 128 - 129).
لقد استجاب الله للمؤمنين عندما استغاثوا به، وأعلمهم أن النصر من عنده، فكان حسبهم بعد ذلك أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية، وأن يغالبوا الهزة الأولى التى أصابت بعضهم في مواجهة الخطر الواقعى، وأن يمضوا في طاعة أمر الله، واثقين بنصر الله، كان حسبهم هذا لينتهى دورهم، ويجيء دور قدرة الله التى تصرفهم وتدبرهم، فكانت البشرى المطمئنة تثبيتاً للقلوب في مواجهة الخطر، وإنه لحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها وتثبت في المعركة، ثم النصر من عند الله وحده، حيث لا يملك النصر غيره.
وهو: «العزيز» القادر الغالب على أمره، وهو:«الحكيم» الذى يحل كل أمر محله. (1)
لقد انتهى دور العصبة المؤمنة في أخذها بالأسباب، فهلَّ علينا مشهد الاعداد المباشر للقتال وهو اعداد المقاتلين، وتهيئة مسرح العمليات، وهو يصور ما يأتى، جاء المدد الأول من أمداد الله تعالى للعصبة المؤمنة يوم بدر في هذا المشهد يذكر قصة النعاس الذى غشاهم قبل المعركة فهى قصة حالة نفسية عجيبة، لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره، لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه، فإذا النعاس يغشاهم، ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم، والطمأنينة تفيض على قلوبهم، كان يوم أحد تكرر الفزع، وتكرر النعاس، وتكررت الطمأنينة، كيف تم هذا؟ كيف وقع هذا التحول المفاجيء إنه مدد من أمداد الله تعالى.
وهذا في الترتيب والمدد التهيئة لأبلغ رد على المستشرقين في كل سيرته صلى الله عليه وسلم من كونها اصطفاء واختياراً وتدبيراً وترتيباً من الله، إذ ذلك كله ليس في مقدور جميع البشر أن يفعلوه، أو ينزلوه إن كان شيئاً منه في الظاهر فما بال الباحث بالقلب والطمأنينة وتغشية
(1) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (3/ 1483 - 1484).
النعاس ونزول الملائكة مع إنزال المطر وإجراء تصاريف ليست في وقتها تخص هذه الفئة المؤمنة.
وإذ قد صحوا من هذا النعاس بهذا المدد الروحى، جاءتهم أمداد أخرى تحيط بهم من الأمداد المادية هي قصة الماء:{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} إلى قوله: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]، فتم المدد الروحى بالمدد المادى لتسكن القلوب في هذه الصحراء بوجود الماء، وتطمئن الأرواح بالطهارة وتثبت الأقدام بثبات الأرض وتماسك الرمال.
ونعود لتحليل الآية الكريمة:
يقول الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير» : لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائل عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، فقرنها في قَرَن زمانها، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة إذ الزمانية.
وهذا من أبدع التخلص، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب. (1)
إذ يغشيكم النعاس يجعله غاشياً عليكم ومحيطاً بكم، إذ الغشى كون الشيء غاشيا أي غاماً ومغطياً وهو بدل من:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ} ، على القول بجواز تعدد البدل، أو مفعولاً فيه لقوله:{وَمَا النَّصْرُ} ، فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر، فلا جرم أن يكون وقت حصوله، والنعاس النوم غير الثقيل يزيل التعب ولا يغيب صاحبه، وإسناد الإغشاء إلى الله تعالى؛ لأنه الذى قدر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، فهو نوم منحهم الله إياه لفائدتهم، وإما إسناد الغشى إلى النعاس حقيقة على المتعارف، وقد علمنا أنه من تقدير الله تعالى بقوله:{أَمَنَةً مِنْهُ} ، أي أماناً منه، فإن الخوف والمشقة أطارا كراهم من أوكاره، فلما طامن الله قلوبهم رفرف بجناحه عليهم فنعسوا، وجاء الغَشْى بصيغة المضارع لاستحضار
(1) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 277 - 278).
تلك الحالة تذكيراً بنعمة الله تعالى، إذ لما نعسوا زال أثر الخوف من نفوسهم فتلك نعمة، ولما استيقظوا وجدوا نشاطاً، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة، ويزيل شعور الخوف الذى هو فتور الأعصاب.
و {مِنْهُ} ، أي من الله سبحانه، لإفادة تشريف ذلك النعاس، وأنه وارد من جانب القدس فهو لطف وسكينة ورحمة ربانية، ويتأكد به إسناد الإغشاء إلى الله تعالى. (1)
كان ذلك حال المؤمنين الواقع لهم بقدره الله ومشيئته وذلك شيء من مدده، الذى اتبعه بذكر مدد آخر، له قصة نستكمل بها جوانب المشهد الذى نحن فيه، وهي قصة المطر الذى أكرمهم الله به في تلك الصحراء القاحلة، في قلة الزاد والماء، إنها لعناية الاهية لا يستطيعها البشر كافة ليحقق بها لجنده هذه الأمور الأربعة:
الأول: ليطهرهم به من الحدث الأصغر والأكبر، وليملأوا أسقيتهم، وليشربوا ويحوزوا الماء إلى رحالهم.
الثاني: إذهاب رجز الشيطان عنهم.
الثالث: الربط على قلوبهم.
الرابع: تثبيت الأقدام.
وذكر إن إنزال المطر عليهم من الله تعالى للتنبيه على إكرامهم به في وقت احتياجهم إلى الماء، أو لكونه كذلك في غير الوقت المعتاد نزول الأمطار فيه، فقد كان المسلمون حين
(1) انظر الطبرى، جامع البيان (9/ 129)، الزمخشرى، الكشاف (2/ 117)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 347)، الألوسى، روح المعانى (6/ 253 - 255)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 453 - 455)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 277 - 279)، سيد قطب، في ظلال القرآن (3/ 1484)، وهناك أقوال أخرى فيما ذكرنا، اقتصرنا على الأنسب للسياق والأقوى في بابه ولمزيد البحث ذكرنا المراجع والمصادر السابقة.
اقتربوا من بدر راموا أن يسبقوا المشركين إلى ماء بدر، ولكن طريقهم كان دَهْساً رملاً ليناً فشق عليهم إسراع السير إلى الماء وكانت أرض المشركين ملبدة، فلما أنزل الله المطر تلبدت الأرض فصار السير أمكن لهم، واستوحلت الأرض للمشركين فصار السير فيها شاقاً، فأمكن المسلمين السبق إلى الماء من بدر، ونزلوا عليه وادخروا ماء كثيراً من المطر فشربوا وتطهروا.
أما الرِجز فهو القذر وهو الحسى، وكذلك المعنوى المعبر عنه بالحديث، فالله جل وعلا أذهب عنهم بالماء رجز الشيطان ذلك، لأن فقدان الماء يلجئهم إلى البقاء في تنجس الثياب والأبدان والنجاسة مما يلائم طبع الشيطان، علاوة على ما فسر جمهور العلماء الرجز هنا بوسوسة الشيطان وتخويفه من العطش، حيث غلب المسلمون قبل نزول المطر على ماء بدر فظمئوا وأصبحوا مجنبين محدثين فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال: أتزعمون أن فيكم نبياً وأنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين، فأنزل الله الماء فسال به الوادى
…
إلى آخر ما ذكر (1)، أما قوله:{وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} ، أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعد بمشاهدة طلائعه، والربط هو الشد أي ربط القلوب، وأنما أتى بـ {عَلَى} ، هنا للايماء إلى أنها امتلأت من ذلك حتى علا عليها، وفيه من إفادة التمكن ما لا يخفى.
وتثبيت الأقدام هو ألا تسوخ في ذلك الدهس، بل تتمكن من السير في الرمل وجوز ان المراد بالتثبيت كما قال أبو عبيدة جعلهم صابرين غير فارين ولا متزلزلين. (2)
كل ذلك - وأكثر منه مما وقع من السيرة - ذكرته الآية القرآنية الكريمة في هذا الموجز الموحى، مع نسبته إلى الله تعالى لا إلى غيره، ليكون عبرة للمؤمنين إلى اليوم، مع تذكير
(1) الزمخشرى، الكشاف (2/ 117 - 118)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 455 - 456)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 347 - 348)، الألوسى، روح المعانى (6/ 255)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 279 - 280).
(2)
انظر الألوسى، روح المعانى (6/ 256).
الحاضرين بما كان من عظات عبر وأحكام ليستأنفوا توطيد أركان الشريعة، ونشر تعاليم الإسلام، رفع رايته وهم في تمام الثقة واليقين والتوكل على الله تعالى، وأن الناصر لدينه على الحقيقة هو الله، وإنما أكرمهم ليكونوا الأسباب الظاهرة التى يؤيد بها دينه، ويهزم بها أعداءه، وتتجلى فيها صدق الرسالة وصحة النبوة، وإتصال الأرض بالسماء، وليبدو بها وحى الله العظيم.
تعبأ المؤمنون للقتال، وتقدم المسارعون إلى جنة عرضها السموات والأرض الصفوف، وبدأ المؤمنون في حصد إحدى الحسنيين، فجاءت الآية التى تبرز المشهد الجليل الهائل، مشهد الأمر لملائكة الإمداد المردفين بأن يعاونوا المؤمنين، وهي قوله تعالى:{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)} [الأنفال: 12].
ونسوق كلاماً مختصراً مرة أخرى لسيد قطب رحمه الله (1)، دالاً يوضح تمهيد المقصود فيقول: ذلك ما أوحى الله به إلى الملائكة من تثبيت الذين آمنوا، وإلى ما وعد به من إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، وإلى ما أمر به الملائكة من الاشتراك الفعلى في المعركة.
إنه الأمر الهائل، إنها معية الله سبحانه للملائكة في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المؤمنة، هذا هو الأمر الذى لا يجوز أن يشغلنا عنه أن نبحث: كيف اشتركت الملائكة؟ ولاكم قتيلاً قتلت؟ ولا كيف قتلت؟ إن الحقيقة الكبيرة الهائلة في الموقف هي تلك الحقيقة (إن حركة العصبة المسلمة بهذا الدين أمر هائل عظيم أمر يستحق معية الله لملائكته في المعركة)، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة.
إننا نؤمن بخلق من خلق الله اسماهم الملائكة، ولا ندرك من طبيعتهم وعملهم إلا ما
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن (3/ 1486 - 1487).
أخبرنا به النص عن خالقهم جل وعلا، فلا نملك إدراك الكيفية التى اشتركوا بها في نصر المؤمنين في بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى أو الحديث الصحيح، لقد أوحى إليهم أنى معكم، وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا، وأن يضربوا فوق أعناق المشركين، وأن يضربوا منهم كل بنان، كل ذلك فعلوا؛ لأنهم يفعلون ما يؤمرون، وقد وعد الله تعالى أن يلقى الرعب في قلوب الذين كفروا فكان ذلك، ووعده الحق، ولكنا لا نعلم كيف كان ذلك، فالله هو الذى خلق وهو أعلم بمن خلق.
ولا شك أن ذلك لا يستعظم على قدرة الله تعالى، فكله من الممكن الجائز فكيف يكون محلاً لإنكار، أو ريب وتردد، وقد نزل الملائكة على الأنبياء من قبل، وقاموا بإبادة وخسف قرى ومدن مازالت آثارهم تحكى ذلك، فما المانع أن ينزلوا على المؤمنين المكرمين مدداً لهم يقاتلون على وفق علم الله وترتيبه مع بقاء نواميس النصر العادية وأسبابها.
ووقفه عجلى على تحليل الآية الكريمة:
{إِذْ} ظرف متعلق بقوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} (1)، والخطاب هنا للنبى صلى الله عليه وسلم كما تنطق به الكاف، لما أن المأمور به مما لا يستطيعه غيره وهو الوحى للملائكة وهو تلطف به صلى الله عليه وسلم في نفس الوقت، إذ الآية في تفصيل عمل الملائكة يوم بدر، وما خاطبهم الله به فكان الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولى؛ لأنه أحق من يعلم مثل هذا العلم، ويحصل العلم للمسلمين تبعاً له.
وأن كل ما يهم المسلمون هو نصر الملائكة إياهم، وقد حصل.
(1) هذا قول ابن عاشور (9/ 280)، وهذا خلاف ما ذهب إليه الزمخشرى من أن الظرف بدل ثالث لـ {وَإِذْ يَعِدُكُمُ} ، انظر الكشاف (2/ 118)، وذهب أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 248)، إلى نصبه بمضمر وإليه ذهب الالوسى، روح المعانى (6/ 256)، ومثله الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 457)، وانظر تفاصيل غيرها فيما سبق.
وعُرف اسم الله هنا بالاضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم {رَبَّكُمْ} ، ليوافق تستغيثون لأن النبي صلى الله عليه وسلم أول من استغاث، ولما فيه من التنويه بقدره واللطف به ورفع شأنه. (1)
وإيحاء الله تعالى إلى الملائكة بأنه معهم مقصود منه تشريفهم، وتشريف العمل الذى سيكلفون به، لأن المعية تؤذن إجمالاً بوجود شيء يستدعى المصاحبة، فكان قوله تعالى:{أَنِّي مَعَكُمْ} [الأنفال: 12]، مقدمة للتكليف بعمل شريف يذكر ما تتعلق به المعية، لأنه سيعلم من بقية الكلام، أي أنى معكم في عملكم الذى أكلفكم به.
{فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا} ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وعُرف هؤلاء المطلوب تثبيتهم بالموصول لايماء صلة {آَمَنُوا} ، بأن إيمانهم هو الباعث على هذه العناية، فتكون الملائكة بعناية المؤمنين لأجل وصف الإيمان.
وهنا يظهر موقع الفاء من حيث ما دل عليه {أَنِّي مَعَكُمْ} ، من التهيئة لتلقى التكليف بعمل عظيم، وإنما كان هذا العمل بهذه المثابة لأنه إبدال للحقائق الثابتة باقتلاعها، ووضع أضدادها لأنه يجعل الحبن شجاعة، والخوف إقداماً، والهلع ثباتاً في جانب المؤمنين، ويجعل العزة رعباً في قلوب المشركين، ويقطع أعناقهم وأيديهم بدون سبب من أسباب القطع المعتادة، فكانت الأعمال التى عهد للملائكة عملها خوارق عادات.
وكان المراد التثبيت أيضاً الحمل على الصمود في مواطن الحرب والجد وفي مقاساة الشدائد في القتال قولاً وحالاً مثل ظهورهم بصورة بشرية يعرفونها بالنصر على أعدائهم، وأنهم سمعوا المشركين يقولون لئن حمل علينا المسلمون لننكشفن (2).
(1) انظر أبا السعود (2/ 348)، الألوسى، روح المعانى (6/ 256)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 281 - 282)، وغيرها.
(2)
انظر لما سبق الزمخشرى، الكشاف (2/ 118)، أبا حيان، البحر المحيط (5/ 284 - 285)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 457)، الطبرى، جامع البيان (9/ 132)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 348)، الالوسى، روح المعانى (6/ 256 - 257)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 281).
{سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} ، جاءت تفسيراً لقوله تعالى:{أَنِّي مَعَكُمْ} ، في إعانة المؤمنين بإلقاء الرعب في قلوب اعدائهم، أي يجعلهم مرعوبين خائفين منزعجى النفوس يتوقعون كل مكروه، وأسند الرعب إلى نفسه وحده سبحانه وتعالى؛ لأن الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فجعله الله بواسطة أخرى غير الملائكة، وإسناده إليه سبحانه على طريقة الإجمال بدون بيان لكيفية إلقائه، إشارة إلى أنه رعب شديد، قدره الله تعالى على كيفية خارقة للعادة، وإنما كان كذلك لأن أسباب ضده قائمة من وفرة عدد المشركين وعددهم، وإقدامهم على الخروج إلى المسلمين، وحرصهم على حماية أموالهم، وليسمع بهم العرب فلا يزالون يهابون قريشاً. فلما وقع لهم الرعب دل على خرق ذلك كله ولم يقل سبحانه سنلقى بدلاً من سألقى حتى لا يتوهم أن للملائكة سبباً في إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا. (1)
وما زلنا مع هذا المدد للمؤمنين عبرة لغيرهم، وبشارة لمن بعدهم ممن تحقق فيهم الإيمان الجالب لهذا النصر.
فقال تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} ..
وهي تفسير لقوله تعالى: {فَثَبِّتُوا} ، مبين لكيفية التثبيت، ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، واجتماعهما غاية النصرة (2).
يقول الالوسى: «وقوله سبحانه وتعالى: {سَأُلْقِي} ، إلخ جمل استئنافية جارية مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنها مصدقهً ومبنيهً لإعانته إياهم على التثبيت، وقوله سبحانه وتعالى:{فَاضْرِبُوا} ، إلخ جملة مستعقبة للتثبيت، بمعنى لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير تراخ، وكأن المعنى أنى معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا، وجيء
(1) انظر الالوسى، رح المعانى (6/ 257)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 281 - 282).
(2)
ابو حيان، البحر المحيط (5/ 285)، تبعاً للزمخشرى (2/ 118).
بالفاء للنكتة المذكورة ..... إلى أن يقول: وأما القول بأن {فَاضْرِبُوا} ، إلخ خطاب منه تعالى للمؤمنين وأنى ذلك؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة. وبالجملة الآية ظاهرة فيما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة (1).
{فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} ، أي الرؤوس من المشركين، وفوق باقية على ظرفيتها، وقيل: إنها مفعول به، وهي بمعنى الأعلى إذا كان بمعنى الرأس، وقيل: زائدة، وقيل بمعنى على أي على الأعناق أو الأعناق.
{وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} ، وهي جمع بنانة وهي الإصبع وقيل طرفه، وإنما خصت الأعناق والبنان لأن ضرب الأعناق إتلاف لأجساد المشركين، وضرب البنان يبطل صلاحية المضروب للقتال، وضرب الملائكة يجوز أن يكون مباشرة بتكوين قطع الأعناق والأصابع بواسطة فعل الملائكة على كيفية خارقة للعادة، وقد ذكرنا في السيرة عن بعض الصحابة ما يشهد لهذا المعنى (2)، وعلى المعنى الثاني يكون بتسديد ضربات المسلمين فيكون إسناد الضرب اليهم مجازاً عقلياً لأنهم سبب جاء الخطاب القرآنى ليبين لنا بعد ذلك كله – مع أننا اختصرناه لأقل ما يمكن – ليشدد على موقفين وهما موقف المشركين وموقف المسلمين.
الأمر الأول: موقف المشركين:
حيث ذكر أن سبب ما فعل بهم إنما كان لمشاقة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما ينتظرهم في الآخرة أشد أنكى فقال:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَن لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)} [الأنفال: 13 - 14].
(1) الالوسى، روح المعانى (6/ 258).
(2)
انظر ابن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 283).
والباء للسببية تفيد معنى التعليل، والمخاطب إما الملائكة بمعنى أن ما فعلتموه بهم كان لمحاداتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو الخطاب لمن لم تبلغهم الآية من المشركين الأحياء يوم بدر، ولذلك فالجملة معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد ممن يليق به الخطاب (1).
والمشاقة التى فعل الله ذلك كله بهم لسببها هي العداوة بعصيان وعناد، وهي مشتقة من – الشِق – بالكسر أي هم في جانب والنبي صلى الله عليه وسلم في جانب، ليسوا في جانب الإيمان والطاعة، بل الكفر والمعصية والمخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ثم كان التصريح بسبب الانتقام تعريضاً للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن المشيئة لما كانت سبب هذا الانتقام والعقاب العظيم، فيوشك ما هو مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم ولو بدون مشاقة أن يوقع في العذاب والانكسار وإن كان دون ذلك، وخليق بأن يكون ضدها وهو الطاعة موجباً للخير الشامل للنصر وغيره وهذا ما يمثله الواقع الذى تردينا إليه مقارنة بأعظم واقع كانوا فيه (2)، وقوله:{وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، الإظهار في موضع الإضمار لتربية المهابة وإظهار كمال شناعة ما اجترءوا عليه، والإشعار بعلة الحكم.
وأما قوله: {فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ..
فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهانى، كأنه قيل: ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وكل من يشاقق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فله بسبب ذلك عقاب شديد
(1) انظر الزمخشرى، الكشاف (2/ 118)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 458)، أبا حيان، البحر المحيط (5/ 287)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 349)، الالوسى، روح المعانى (6/ 259)، وابن عاشو، التحرير والتنوير (9/ 284).
(2)
أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 349)، وابن عاشو، التحرير والتنوير (9/ 284).
كائناً من كان، فإذن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عقاب شديد. (1)
فلم يكن ذلك العقاب في نهاية مشهد المشاقة الهائل هذا إلا تقريراً موضحاً لما وراء المعركة، ووراء النصر فيها والهزيمة، من قاعدة ودستور لمجرى هذه الأمور:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13)} [الأنفال: 13].
أنها ليست فلته عارضة ولا مصادفة عابرة، أن ينصر الله العصبة المسلمة، وأن يسلط على أعدائها الرعب والملائكة مع العصبة المؤمنة، إنما ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ووقفوا يصدون عن سبيل الله ويحولون دون منهج الله للحياة.
{وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
ينزل عقابه عليهم وهو قادر على عقابهم بأقل بكثير لأنهم أضعف من أن يقفوا لعقابه.
أنها قاعدة وسنة لا فلتة ومصادفة، حيث انطلقت العصبة المسلمة في الأرض لتقرير ألوهية الله وحده، ثم وقف منها عدو لها موقف المشاقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كان التثبيت لهم والرعب والهزيمة للمشاقين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ما استقامت العصبة المؤمنة على الطريق، واطمأنت إلى ربها، وتوكلت عليه وحده.
وفي نهاية هذا المشهد يتوجه بالخطاب للمشاقين الصادين عن سبيله، إن هذا الحكم الذى حل بكم في الدنيا ليس نهاية المطاف إنه أمر ممتد إلى ما وراء هذه الأرض، وإلى ما بعد هذه الحياة في الآخرة.
(1) أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 349 - 350)، الالوسى، روح المعانى (6/ 259 - 260).
{ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَن لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)} ..
فهذه نهاية المطاف وهو هذا العذاب الذى لا يقاس إليه ما ذقتم من الرعب والهزيمة ومن الضرب فوق الأعناق ومن ضرب كل بنان. (1)
الأمر الثاني: وهو الخاص بالمسلمين:
وشددت عليه الآيات قبل نهاية قص الغزوة من الوجهة القرآنية، وهي قضية عدم الفرار أمام زحف الكفار، وكان منطقياً أن يجيء هذا النهى، وهذا الوعيد الشديد على وقوعه من المؤمنين بعدما رأوا كيف كان الأمر كله بترتيب الله تعالى تهيئة ونصراً.
وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)} [الأنفال: 15 - 16].
بعد أن سرد القرآن الكريم الواقعة، ومشاهدها وملابساتها، وقبل أن يختمها، ويسوق الأحكام التى صارت دستوراً لكل ما يأتى من مشاهد للمؤمنين بعد ذلك، جاء في أنسب اللحظات هذا الحكم القرآنى لحظات استجابة القلوب للتوجيه.
يعنى بعد أن أراهم قدرة الله وحكمته في تدبيره، وعونه ومدده، وعلموا منها أنهم لم يكونوا فيها سوى ستار لقدر الله تعالى وقوته، فهو سبحانه الذى أخرج رسوله من بيته بالحق، لم يخرجه بطراً ولا اعتداء ولا طغياناً ولا رياء الناس، والله هو الذى اختار لهم إحدى الطائفتين لأمر يريده كما بين، وهو الذى أمدهم بالملائكة مردفين، والله هو الذى غشاهم النعاس أمنة منه ونزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به، ويذهب عنهم رجز
(1) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (3/ 1486).
الشيطان وليربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام، والله هو الذى أوحى إلى الملائكة ليثبتوا الذى آمنوا، وألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، وهو الذى أشرك الملائكة في المعركة، وأمرهم أن يضربوا فوق الأعناق وأن يضربوا من المشركين كل بنان، وهو الذى غنمهم الغنيمة، ورزقهم من فضله بعد أن خرجوا لا مال ولا ظهر ولا عتاد.
فلما ذكرهم بذلك، وأعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين، اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم من الوهن والفرار، فالجملة معترضة بين جملة إذ يوحى ربك للملائكة وجملة فلم تقتلوهم، وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والثبات والاقدام لتكون تلك سيرتهم الدائمة، بعد ذلك صموداً عند اللقاء حتى يروا بشائر نصره التى لا تتخلف إن التزموا أسباب هذا النصر، وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلا تقوية، قال الحصين بن الحمام:
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد
…
لنفسى حياة مثل أن أتقدما (1)
بعد أن استعرض القرآن الكريم تلك المشاهد كلها، الآن يجيء الأمر للذين آمنوا أن يثبتوا إذا لقوا الذين كفروا وألا يولوهم الأدبار فراراً وهزيمة، ما دام أن النصر والهزيمة موكولة لإرادة فوق إرادة البشر، وإلى أسباب غير الأسباب الظاهرة التى يراها الناس حيث كان المسلمون مظهراً لتجلى ذلك كله من الله تعالى، وهو يريد في نفس الوقت أن يكون الجهاد والبلاء من سعيهم ليثيبهم الثواب الأوفى ويعطيهم الجزاء الأعلى.
ويكون المعنى يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا زحفاً متدانين متقاربين، فلا تفروا عنهم إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب تختارون بها أو تنحرفون بها إلى موقع حسن، أو تدبرون خطة أحكم، أو أن يكون ذلك انضماماً إلى فئة أخرى من المسلمين، أو إلى قواعد
(1) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 286).
المسلمين لتواصلوا وتعاودوا القتال كرة أخرى، وأن من تولى وأعطى العدو دبره بهذا الوضع المستبشع فقد استحق ذلك العقاب؛ غضباً من الله ومأوى في جهنم، وصار هذا الحكم عاماً إلى يوم القيامة حيث ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الفرار من الزحف من الكبائر العظيمة. (1)
ليس من مقصودنا هنا تفسير الآية وتحليلها، لأنها ليست من السيرة القرآنية، وإنما جاءت لتبين للمؤمنين.
أولاً: صحة كل هذه المشاهد السابقة، وصدق نسبتها إلى الله تعالى، ومن ثم جاء الأمر بناء على ذلك بعدم الفرار أمام الكفرة، ولذا كانت الجملة مترابطة مع السياق ملتحمة معه.
ثانياً: كان التركيز على هذا الأمر مبكراً دليلاً على أنه بداية دخول المسلمين لمعارك عديدة مع الكفرة، وأنهم يجب أن يؤهلوا من أول معركة لكل ملاقاة بعد ذلك، فكانت رؤية هذه العناية من الله تعالى من المهمات الحاثة لهم على ذلك البذل والتفانى والإقدام.
يستكمل القرآن الكريم بقية مشاهد موقعة بدر، وهو المشهد الذى يكشف لنا عن قدرة الله وهو يدير المعركة وراءهم، ويقتل لهم أعداءهم، ويرمى لهم ويصيب، وهم ينالون أجر البلاء؛ لأن الله تعالى يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء، ليثيبهم عليه من فضله، وهو الذى وهبهم إياه.
ذكرنا في أحاديث السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بقبضة من حصى الوادى، فرمى بها
(1) انظر لما سبق سيد قطب، في ظلال القرآن (3/ 1487)، والحديث رواه الشيخان: «اجتنبوا الموبقات السبع
…
».
المشركين، وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا أصابته فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم فقيل لهم فلم تقتلوهم، والأظهر أن الفاء هي الفصيحة وهي واقعة في جواب شرط مقدر، أي إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، أو التقدير إذا علمتم أن الله أوحى إلى الملائكة بضرب أعناق المشركين وقطع أيديهم فلم تقتلوهم أنتم ولكن الله قتلهم وقد بين لكم ذلك. (1)
وكذلك كانت تلك الرمية من النبي صلى الله عليه وسلم التى انهزم المشركون على إثرها فقال له تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ} ، أنت يا محمد {إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، أنها رمية الله تعالى، فلم ترمها أنت على الحقيقة؛ لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغة أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت هذا الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسوله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذى لا يطيقه فعل البشر هو فعل الله عز وجل، فكان الله فاعل الرمى على الحقيقة وفي ذلك:
1 -
إثبات لطف الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم وإظهار صدق وأعلام نبوته.
2 -
وهو كون قتل المشركين ورميهم حاصلاً من الله لأمن المسلمين ونصرهم يفيد تعليل وتوجيه ما نهاهم عنه من توليه الأدبار، ويفيد أمرهم بالصبر والثبات.
3 -
التعريض بضمان تأييد الله إياهم إن امتثلوا لقوله مثلاً: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، فإنهم إن امتثلوا ما أمرهم الله كان الله ناصرهم، وذلك ما يؤكد على
(1) هذا ما ذهب إليه في الكشاف (2/ 119)، وانظر بن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 293)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 351 - 352)، والالوسى، روح المعانى (6/ 267)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 463)، الطبرى، جامع البيان (9/ 136)، وذهب أبو حيان إلى أن الفاء ليست جواب شرط محذوف، وإنما هي للربط بين الجمل، البحر المحيط (5/ 295).
ما أشير إليه من قبل من الوعيد على تولية الأدبار، وقطع عذر الفارين المتولين، ومن ثم جاءهم في وقعة أحد قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمرانك 155].
ومازالت هناك علل أخرى يذكرها القرآن الكريم لما أنزل الله من أسباب نصره، منها ما ختمت به هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى:{وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، فجعل قتل المشركين وما أصابهم من رميه صلى الله عليه وسلم لعلة أخرى، وهي أن يبلى المؤمنين بلاء حسناً أي ليعطيهم سبحانه من عنده عطاء جميل ومنه قول زهير:
جزى الله بالاحسان ما فعلاً بكم
…
فأبلاهما خير البلاء الذى يبلى
غير مشوب بالشدائد، يشكرونه عليه فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طوبتهم لمن لا يعرفها، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة. (1)
والعلة الثانية في هذا السياق في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)} [الأنفال: 18].
والأشارة ب {ذَلِكُمْ} ، إلى البلاء الحسن وعطف عليه جملة {وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} ، والتقدير ليبلى المؤمنين وليوهن كيد الكافرين، فأراد الله توهينهم بهزيمتهم تلك الشنيعة ليوهن كيدهم للإضرار بالمسلمين، وهو بشارة لاستمرار وزيادة هذا الوهن حتى زوال عداء قريش للنبى صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، وذلك ما انتهى إليه واقع الأمر ويدل على البشارة أنه ما كان ذلك الوهن ليعود قوة تهزم بها المسلمون ويعود المسلمون مقهورين تحت الكفرة.
(1) الطبرى، جامع البيان (9/ 137)، الزمخشرى، الكشاف (2/ 119 - 120)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 465)، وأبا السعود، الارشاد (2/ 351 - 352)، الألوسى، روح المعانى (6/ 267 - 271)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 293 - 298).
تنتقل الآيات مرة أخرى لتنقل لنا مشهداً من بديع المشاهد، وإن كان موقعه في السيرة هو أول مشاهد اللقاء الدامى، ولكن أنسب موضع له أن تختم به تلك المشاهد المقصوصة كما جاء به القرآن الكريم، فهو يشير إليه يذكره في ذات الوقت بأسلوب التوبيخ والسخرية اللائقة بسخرية الكفرة وما كانوا فيه، لأنه مع أنه وقفة لأبى جهل في بداية المعركة، إلا أن أثرها ووقعها يثبت أو يهدم في نفس الوقت الحقائق في صدور المؤمنين والكفرة على السواء ولذا جعل التنبيه به من أشد المهمات، والختم به لتلك المقاطع المتسلسلة من القصص القرآنى من أعظم المناسبات بل والمفاجآت، التى تدل على القصد وأن ذلك كله لم يكن فلتة أو عرضاً.
وهو قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)} [الأنفال: 19].
وقف أبو جهل لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض فقال: «اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف فأحنه الغداة» (1)، أي فأهلكه، فكان هو المستفتح. أي هو الذى دعا أن يهلك أضل الفريقين، ولذا ذهب جمهور المفسرون على أن الخطاب موجه إلى المشركين وفيه التفات من الغيبة اقتضاها قوله تعالى:{وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} ، وكان النصر والفتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فخوطب المشركون بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم والتوبيخ أي جاءهم الفتح نعم ولكنه فتح للمسلمين ونصر عليكم أيها المشركون، وحمل ابن عطية «المحرر الوجيز» ، فعل جاءكم على معنى فقد تبين لكم النصر ورأيتموه، وأنه
(1) السيرة – ابن هشام (2/ 199)، والحديث رواه أحمد (5/ 431)، وابن جرير (9/ 138)، والبيهقى (3/ 74)، وهو حديث صحيح.
عليكم لا لكم، فيكون مجيء الفتح بمعنى الظهور فلاتهكم فيها. (1)
وجاء طلب الفتح بصيغة المضارع مع أن الفعل قد مضى لقصد استحضار الحالة من تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين، وبذلك تظهر مناسبة عطف باقى الجمل {وَإِنْ تَنْتَهُوا ...... وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} .
وقوله: {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} ، أي: وإن تعودوا إلى العناد والقتال نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر.
ثم أيأسهم من الانتصار في المستقبل بقوله: {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ} ، حيث أكد لهم أنهم لن تنفعهم جماعتهم على كثرتها كما لم تغن عنهم شيئاً في موقعة بدر وجاء بـ {وَلَوْ} ، الاتصالية أي لن تغنى عنكم في حال من الأحوال، ولو كانت في حال كثرة على فئة المؤمنين وهنا احتمالان في عود الضمير في {تَعُودُوا}:
الأول: إن تعودوا للاستفتاح وطلب النصر على المسلمين فالحال واضح.
الثاني: إن تعودوا لقتال ومحاربة المسلمين، فيشكل عليها وقوع هذه الفلته للمشركين في غزوة أحد.
والجواب عن هذا أن الشرط لم يكن بأداة شرط ليفيد العموم فلا يتخلف ك (مهما) وغيرها وبالتالى لا يبطله تخلف مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة.
ويمكن إضافة القول بأن المسلمين قد انتصروا في أحد حتى إذا خالفوا شرط النصر بالامتثال لأوامر الشرع، لأنه كما ذكرنا من قبل أنه مهما تكبر الجماعة المسلمة مستمسكة
(1) الطبرى، جامع البيان (9/ 138)، الزمخشرى، الكشاف (2/ 120)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 298 - 301)، ابن عطية، المحرر الوجيز.
وممتثلة لأوامر الشرع فإنها منصورة، يضاف إلى ذلك أن غزوة أحد لم تكن هزيمة بالمعنى المعهود للهزيمة، إذ لم يؤسر أحد، ولم تسبب النساء والذرارى، ولم تحتل الأرض، ولم يستسلم الجيش، ولم يقم جيش المشركين بالبقاء في أرض المعركة أيامه التالية على العادة الجارية حين يحتفل بالنصر، بل أسرع بالرجوع إلى مكة، علاوة على قيام جيش المسلمين بمطاردة واسعة النطاق للجيش المكى في اليوم التالى للمعركة، مما جعلهم يسرعون الخطى ناجين بجلودهم من مصير عسر، لو استكملوا الحرب مع جيش المسلمين بعدما رأوا نصر المسلمين عليهم في أول المعركة ووقوع أعداد كبيرة من القتلى بينهم.
ومع ذلك ففى هذا الوعيد بشارة بوقوع النصر الحاسم والفتح المبين، وأنه سيكون للمسلمين يوم فتح مكة. (1)
وختمت الآية بقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ، لتكون تعليلاً لما سبق من نصر وتأييد، وتعليلاً وتمهيداً لما سيأتى من ملاقاة الكافرين من أن النصر سيكون حليفهم، لمعية الله التى لا يدركها العقل لأولئك المؤمنين وأن تلك المعية التى من ضمن ما تقتضيه، نصر مَنْ كان الله معهم، مكفولة لكل من تحقق بالإيمان في أي عصر وزمان الإيمان الذى هو الركن الركين في نزول نصر الله تعالى، ولكنه ليس أي إيمان، بل الإيمان الذى يصحب الرب فيه أولياءه، لأنه إذا كان معهم فمعهم الفئة التى لا تغلب، والحارس الذى لا ينام، والهادى الذى لا يضل ثم الواو في قوله:{وَأَنَّ اللَّهَ ....} ، عاطفة على جملة {وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} ، فيستقيم به أسباب النصر أنه يوهن ويضعف تدبير وعمل الكفرة، وهو مع المؤمنين في ذات الوقت يقويهم ويمدهم ويحفظهم وينصرهم، ويحقق لهم كل ما سبق من نعم أسداها لهم من أول السورة إلى ذلك الموقع.
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (9/ 300).
وورد بعد ذلك مباشرة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)} [الأنفال: 20].
ولما لم يكن غرضنا التفسير لغير آيات الغزوة، فإننا نختصر إلى القدر الذى يشير إلى ترابط مشاهد الغزوة بما تبعها من أوامر ووصايا وعظات فقط. وبهذا الاختصار نختتم هذه المشاهد، لنعود إلى مقاطع أخرى ذكرتها السورة من مشاهد الغزوة، ولكنها جاءت متباعدة عن هذه السلسلة المتتابعة وبادىء الرأى فإن هذه الآيات عود لما بدأت به آيات السورة في قوله تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].
فضمت هاتان الآيتان في البدء والختام كل تلك المقاطع وأغلقت عليها وشدتها برباط النصر رباط الطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وترك مشاقته وعصيان أمره. فإنه أراهم الله تعالى آيات لطفه وعنايته بهم، ورأوا فوائد امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج لملاقاة الجيش وكانوا كارهين، أعقب ذلك بأن أمرهم بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم شكراً على نعمة النصر، واعتباراً بأن ما يأمرهم به خيرٌ عواقبه، وحذرهم من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا رجوع إلى الأمر بالطاعة الذى افتتحت به السورة رجوع الخطيب إلى مقدمة كلامه ليأخذها بعد الاستدلال في صورة نتيجة أسفر عنها احتجاحه.
فإنه لما ابتدأ فأمرهم بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
…
}، في سياق ترجيح ما أمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم على ما تهواه أنفسهم، وضرب لهم مثلاً لذلك بحادثة كراهتهم الخروج إلى بدر للقاء النفير خشية الهزيمة، وما نجم عن طاعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفتهم هواهم من النصر العظيم والغُنم الوفير والتأييد المبين للرسول صلى الله عليه وسلم، والتأسيس لإقرار دينه إلى آخر المشاهد التى ذكرهم بمنته فيها، وكيف هزم المشركين لمشاقتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وهي معصية وترك طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما حدث لهم جراء ذلك، وعرض بالمسلمين في أن
يصيبهم ما أصاب المشاقين أن هم اتبعوا هواهم وتركوا طاعته صلى الله عليه وسلم، وبوجوب أن يتبرأوا مما فيه أي شائبة لعصيانه، وضمن لهم بعد ذلك النصر أن أطاعوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتوكلوا على الله وطلبوا منه النصر، أعقب ذلك بإعادة الأمر بالطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن لا يتولوا عنه كل ذلك فذلكة للمقصود من الموعظة الواقعة بطولها.
انتهت هذه الخلاصة المجملة لما فصل تبييناً للقضية الأصلية، ونسرع إلى البحث في بقية المشاهد التى صورت متباعدة عن المشاهد الأولى، لحكمة عالية لا شك، إذ اشتملت الآيات الواقعة بين تلك المشاهد على منن ونعم ذكرهم الله بها، وعلى أوامر ونواه يجب أن يلتزموها في مسيرتهم، وعلى وصايا تعيق المسيرة وتمنعها من مواصلة الرحلة مرفوعة الراية، ووصايا تثبيت الأقدام، وتبقى الراية وتدفعها دائماً إلى الأمام، وتضم في تلك الآيات أيضاً صورة المشركين وإنفاقهم الأموال ليحاربوا الله ورسوله، فإذا بها تكون عليهم حسرة ويغلبون في الدنيا، ويحشرون إلى جهنم في الآخرة، مما يقوى قلوب المؤمنين، ويرفع معنوياتهم، ويرشدهم إلى الطريق الأمثل لملاقاة الكفار والانتصار عليهم إلى آخر ما حوته تلك الآيات الكريمات، إلى أن نصل إلى المشهد المقصود حيث يجمع في طياته مشاهد كثيرة وهو في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ
النَّاسِوَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)} [الأنفال: 41 - 51].
بدأت الآيات الأولى في قصة بدر كما ذكر القرآن الكريم بتسليم الأنفال لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأنها خاصة به جل وعلا يضعها ويقسمها حيث يشاء، ثم بين الأهم من الأنفال والذى يجب أن يكون عليه المؤمنون من الإيمان وأخلاقه، ليركنوا إليه ويتوكلوا عليه لأن كل ذلك بترتيبه هو سبحانه لا بترتيبهم ولا بترتيب الدنيا جميعاً.
وإذ استقرت الأحوال والنفوس والأوامر والنواهى والوصايا كما أبرزتها الآيات من الله تعالى، عاد القرآن الكريم ليفصل قسمة الغنائم كما أراد هو جل وعلا، ومع إعلان هذه القسمة بعد انتهاء المعركة وضح لهم أموراً أخرى تؤكد عليهم أن الأمر كله لله من قبل ومن بعد، وشرح صدورهم بمعنى جديد مازالت أصداه عالية، وستبقى إلى يوم القيامة وهو تسمية يوم بدر بيوم الفرقان، وكان مناسباً بعد ذكر الفرقان أن يبين لهم مستحضراً الحالة أمامهم كأنها مشاهدة كيف كان فرقاناً، وكذلك التوجيهات التالية لهذا النصر الإلهى، الذى لا دخل لهم فيه ليعود بهم إلى السيرة العطرة التى أرادها لهم، ولتكون تلك التوجيهات النيبراس الهادى لهذا الطريق القويم لرفعة الدنيا والآخرة.
وبتفصيل يسير يبدأ هذا الشطر ببيان حكم الله تعالى في الغنائم ليستوحوا له إن كانوا يؤمنون بالله وما أنزل على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ثم يكشف لهم عن تدبير الله وتقديره في الموقعة التى جاءت بهذه الغنائم، ويستحضر جانباً آخر من مواقف المعركة
ومشاهدها يتجلى فيه هذا التقدير وذلك التدبير، كما يتجلى مرة أخرى أنهم لم يكونوا سوى أداة لإمضاء قدر الله تعالى ستاراً له، ثم يهيب بهم من وراء هذا الذى كشفهم لهم من حقيقة المعركة إلى الثبات عند اللقاء، وإلى ذكر الله وطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحذرهم التنازع مخافة الفشل والانكسار، ويدعوهم إلى الصبر، وتجنب البطر والرياء في الجهاد، ويحذرهم عاقبة الكفار الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله منخدعين بكيد الشيطان، ويؤكد لهم مرة أخرى، الدعوة إلى التوكل على الله وحده، القوى القادر على النصر، الحكيم في تقدير وتدبيره، ثم يريهم سنته في أخذ الكافرين المكذبين، وكما ذكر في الشطر الأول الملائكة يثبتون المؤمنين، ويضربون أعناق الكفار وأيديهم، ذكر هنا أن الملائكة يتوفون الذين كفروا يضربون وجوههم وأدبارهم – ثم زاد بذكر نعمته ومنته في تآلف المؤمنين والتى لم تكن ولو اجتمع لها من بأقطارها - يطمئنهم إلى كفايته لهم وحمايته إياهم، ومن ثم حرضهم على القتال، وأن يصمدوا في أضعف حالاتهم، بضعْف أكفائهم من المشركين، والله ناصرهم ما صبروا. (1)
هذا التمهيد نواجه به ما يخصنا فقط من أحداث السيرة ومعانيها، ونبدأ لما استسلموا لأمر الله كما طلب منهم، واستقر فيهم مدلول الإيمان، عاد ليرد عليهم أربعة أخماس الغنيمة، ويستبقى الخمس على الأصل لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لقد استقر في نفوسهم أنهم لا يملكونها ابتداء بحق الغزو، إنما يستحقونها بمنح الله لهم إياها، بما منحهم من نصر من عنده، وبما دبر أمر المعركة كله، إن الاستسلام لهذا الأمر الجديد هو مقتضى الإيمان بالله تعالى، وذكر مع الإيمان بالله الإيمان بما أنزل على عبده يوم الفرقان فذكرهم بعبده صلى الله عليه وسلم تشديداً على الإيمان به، وتصديقاً له فيما أخبر عن ربه، وأن العبودية التى وصل إليها هي أعلى درجات الإيمان والاصطفاء وإنه أعلى مقام يصل إليه الانسان بتكريم الله له، فهى تجلى لهم
(1) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (1515 - 1516).
قيمة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله، وفيما يبلغ به عن ربه، وفيما يوكله فيه ربه من التصرف وبالتالى يرشدهم إلى حقيقة العبودية التى يجب أن يسعوا ليدركوها بفضل الله تعالى ليخرجوا بها من عبودية العباد والنفس والهوى والمألوفات والعادات، ليكونوا أحراراً كما فطرهم لا يعبدون سوى إلاههم الواحد جل وعلا. (1)
ويبين لهم أيضاً أن ما أنزل على عبده يوم الفرقان قد رأوه وسمعوه، قد عاينوه وعايشوه وعلموا أن ليس لأحد فيه فضل، وألا قوة على إيجاده وإنزاله إلا للقوى القاهر، مما يستجيش به عندهم عواطف الإيمان ودلائل اليقين وقوة الثقة، التى تحملهم على أن يكونوا كما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في كل أحوالهم ومعاركهم لينزل عليهم ما شاهدوه بأعينهم واستقر مدلوله في قلوبهم ووجدانهم، ليس بعد ذلك دلائل لإيمان، ولا لتصديق ولا لنبوة، وما يتخلف شيء بعد الآن بسبب من أنفسهم.
ونجيء إلى وصف ذلك اليوم بالفرقان.
إن الفرقان الأول – وهو المجمل – الذى أشار إليه المفسرون، وهي أنها كانت فرقاناً بين الحق والباطل، ولكنه الحق الذى قامت عليه السماوات والأرض الحق الأصيل الذى يعنى تفرد الرب بالالوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وأن الكون كله في عبوديته لا معقب له ولا شريك، وبين الباطل الزائف الذى يقيمه في الأرض طواغيت تعبد من دون الله تعالى وتتصرف في خلق الله بما تشاء هي.
لقد كانت فرقاناً بين الوحدانية المجردة لله تعالى في الشعور والضمير، والخلق والسلوك والعبادة والمعاملة، وبين الشرك في كل الصور التى تشمل عبودية الضمير لغير الله تعالى من الأشخاص والقيم والأهواء والتقاليد وغيرها بحيث لا تنحنى الهامات لغير
(1) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (1520 - 1521).
الله متساوية في الخضوع لشرعة.
لقد كانت غزوة بدر فرقاناً بين عهدين في تاريخ الإسلام عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة، إنه عهد الاندفاع لتحقيق المنهج الجديد والدولة الجديدة والمجتمع الجديد في واقع الحياة، يزيل المعوقات التى تحول دون ذلك في واقع المسلمين أولاً، وفي حياة البشرية بعد ذلك. وما هي إلا سنوات بداية بذلك العهد الذى كان إيذاناً بانتهاء دولة الكفر حتى ظهر صدق هذا الفرقان وأنه كان حقاً.
كانت فرقاناً بين عهدين في تاريخ البشرية، فالبشرية بمجموعها قبل قيام نظام الإسلام كانت غير البشرية بعد قيام نظام الإسلام، بلا جدال، وكانت تلك البداية في غزوة بدر، والتى لولا تدبير الله تعالى لدينه وجنده وما أراد لهذه البشرية من الهداية بالرسالة الخاتمة لكانت غنيمة لقافلة بها بعض الأموال.
هذا المجتمع الذى يمثل ميلاداً جديداً للإنسان، وهذه القيم التى تقوم عليها الحياة، ويقوم عليها النظام الاجتماعى والقانونى وغيره كل ذلك لم يعد ملكاً للمسلمين وحدهم، بل صار شيئاً فشيئاً ملكاً للبشرية تأثرت به سواء في دار الإسلام أو في خارجها، سواء بصداقة الإسلام أو بعداوته، إن الصليبين الذين زحفوا من الغرب ليحاربوا الإسلام في ربوعه قد تأثروا بقضاياه ومنها نظامه الاجتماعى فرجعوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الاقطاعى، وإن التتار الذين دمروا خلافة الإسلام وهدموا حواضره بإيحاء من اليهود والصليبين من أهل دار الإسلام رجعوا يعتنقون هذه العقيدة ونشروها في رقعة من الأرض جديدة في قلب أوربا ظلت الخلافة فيها من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين، على أية حال لقد تأثر التاريخ البشرى كله في أرض الإسلام أو الأرض التى تناهضه على السواء. (1)
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن (1521 - 1523).
وأخيراً كانت فرقاناً في التصور بين أسباب النصر وعوامل الهزيمة، لقد كانت كل عوامل النصر الظاهرة في صف المشركين، وكانت في صف المؤمنين كل عوامل الهزيمة الظاهرة، حتى قال المنافقون:{غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} [الأنفال: 49]، لقد أراد الله تعالى أن تجرى المعركة على هذا النحو لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة، فتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، ليعلموا أن النصر من عند الله العزيز الحكيم، لقد كانت تلك الألفاظ القليلة الموحية بكل تلك الإيحاءات هي أعلام السيرة التى ساروا بها وساروا تحتها وساروا وراءها، وكلما تمسكوا بها ثبتت وتقدمت وانتصرت، وكلما سقط علم من أعلامها ولم يرفعوه بدأت تهتز الأركان، وتتكالب القوى وهو ما ندركه اليوم، وندرك به ضرورة رفع تلك الأعلام مرة أخرى لنعيد السيرة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه، السيرة الأولى.
وهنا يعود السياق إلى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يعود إلى المعركة ليعيد عرضها في ثوب لم ينشر من قبل بأسلوب عجيب في استحضار مشاهدها ومواقفها، كما لو كانت معروضة فعلاً، ويكشف عن تدبير الله تعالى في إدارتها، وكان هذا المشهد يمكن أن يذكر في أول السورة مع أول ما ذكر إذ له تعلق شديد ببداية المعركة، وإنما ذكرها ليدلل على الفرقان الحاصل بهذا العرض، ويبينه لهم بعد المعركة لأنه المستمر معهم بعد ذلك ومع المؤمنين إلى يوم القيامة، وكذلك مع الكافرين، وليكون تمهيداً لأحكام أغراض مستمرة دائمة مبتدئة بيوم الفرقان.
يقول تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا
وَيُقَلِّلُكُمْفِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)} [الأنفال: 42 - 44].
إن الآيات تحكى وتنطق بمواقع الفريقين، وفي نفس الوقت شاهدة بالتدبير الخفى من ورائها إن يد الله تكاد ترى وهي توقف هؤلاء هنا وهؤلاء هناك والقافلة من بعيد أسفل منهم بمحازاة الساحل.
ثم تبين الآيات الرؤيا التى رآها النبي صلى الله عليه وسلم في إغفائه تقللهم في عينه تسليماً من الله للمؤمنين من الفشل والتنازع لو رآهم كثيراً إلى آخر المدلولات والاشارات والمنطوقات في هذه الآيات القليلة الموحية بأعظم المعانى التى سنشير إلى بعضها في طوايا الكلام إن شاء الله تعالى.
لقد نزل المؤمنون بضفة الوادى القريبة من المدينة، ونزل جيش المشركين بقيادة أبى جهل بالضفة البعيدة من المدينة، وبين الفريقين ربوة تفصلهما، وأما القافلة فقد فر بها أبوسفيان إلى محاذاة الساحل فكانت تحت المؤمنين من جهة البحر، ولم يكن كل من الجيشين يعلم بموقع صاحبه، وإنما جمعهما الله هكذا على جانبى الربوة لأمر يريده، حتى لو أن بينهما موعداً على اللقاء ما اجتمعا بمثل هذه الدقة والضبط من ناحية المكان والموعد، هذا يذكر به المولى سبحانه المؤمنين الآن ليذكرهم بتدبيره وتقديره وإحاطته بكل شيء.
إن وراء هذا التلاقى بهذا العرض لأمراً مقضياً يريد رب العباد تحقيقه بكم أيها المؤمنون في عالم الواقع ويدبر له هذه التدبير الخفى اللطيف، ويهيء له جميع الظروف التى تيسر لكم القيام به إنه قوله وحكمه العدل:{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} . (1)
إن الهلاك هنا قد يعبر به حقيقة عن القتل، مجازاً عن الكفر، وكذا الحياة يعبر بها عن
(1) يراجع كذلك لمعنى البينة الفخر الرازى، التفسير الكبير (7/ 501).
الحياة والإيمان حقيقة ومجازاً كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122].
فمن يؤمن بعد ذلك في هذا الفرقان الضخم يؤمن عن بينة واضحة تبرزها المعركة، ومن يكفر بدون ما شبهة قط يكفر عن بينة فيهلك عن بينة – إن المعركة بظروفها التى لابستها وصاحبتها – تحمل بينة لا تجحد وتدل دلالة لا تنكر على تدبير وراء تدبير البشر، وعلى قوى وراءها غير قوة البشر إنها تثبت لهذا الدين رباً يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا، وأنه لو كان الأمر إلى القوة المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم.
ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذى أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال: فلعمرى إن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله – كما يزعم محمد – فما لأحد بالله من طاقة. ولقد علموا – لو كان العلم يجدى – أنهم إنما يقاتلون الله كما قال لهم رسول الله الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، وأنه ما لأحد بالله من طاقة .... فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر فإنما يهلكون عن بينة. (1)
وبعد هذا التعقيب على ما سبق يأتى أظهار القرآن الكريم للتدبير الخفى اللطيف: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} [الأنفال: 43].
لقد كان من تدبير الله تعالى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا في منامه يرى فيها الكافرين قليلاً لا قوة لهم ولا وزن فيخبر أصحابه برؤياه فيستبشروا ويتشجعوا على خوض المعركة، ويخبر المولى جل وعلا بعلة ذلك، بأنه علم سبحانه أنه لو أراهم كثيراً لفت ذلك في عضد
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن (1525).
المسلمين، ولأضعف قلوبهم عن قتال لا استعداد له ولا توقع، ولتنازعوا في اللقاء وعدمه، والنزاع أشأم شيء يصيب جيشاً في مثل هذا الموطن.
والرؤيا - رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وهي حق -، فكيف يراهم على مخالفة الواقع وهم كثير، إنهم قليل كما رآهم صلى الله عليه وسلم فعلاً إن القوة مهما كانت كثيرة العدد والعدة بغير إيمان فهى قليلة العناء قليلة الوزن في المعركة، قلوبهم خواء من الإدراك الواسع والإيمان الدافع، هذه هي الحقيقة من وراء الظاهر المخادع، وهي التى أدخلت الطمأنينة في قلوب المؤمنين وكان هذا تدبيراً من تدبير الله العليم بذات الصدور كما ختمت به الآية.
وعندما التقى الجمعان جاءت رؤية العيان لتكرر الرؤيا النبوية الصادقة بأن يرى كل من الفريقين الآخر قليلاً ليقضى الله أمره المفعول وينفذ قدره السابق، وجاء التذييل:{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} ، وهو التعقيب المناسب لتحقيق التدبير ووقوع القضاء، وهو أن الأمور كلها مرجعها إلى الله سبحانه وتعالى يصرفها بسلطانه، ويوقعها بإرادته، ولا تند عن قدرته وحكمه، ولا ينفذ في الوجود شيء إلا ما قضاه وجرت به المقادير. ومنها على وجه الأخص ذلك الحكم الذى نحن بصدده، إذ الكلام مسوق إليه سوقاً أولياً.
ونشير سريعاً إلى تحليل تلك الآيات من آيات السيرة القرآنية لغزوة بدر، حيث بدأت بقوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41].
وهذا انتقال لبيان ما أجمل من حكم الأنفال الذى افتتحته السورة، وافتتاحه بـ {وَاعْلَمُوا} ، للاهتمام بشأنه، والتنبيه على رعاية العمل به، فإن المقصود بالعلم تَقَرُرُ الجزم بأن ذلك حكم الله، والعمل بذلك المعلوم، فيكون {وَاعْلَمُوا} ، كناية مراداً به صريحه ولازمه، والخطاب لجميع
المسلمين، وبالخصوص جيش بدر. (1)
{إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ} ، شرط يتعلق بما دل عليه قوله:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} ، لأن الأمر بالعلم لما كان المقصود به العمل بالمعلوم والامتثال لمقتضاه، لأن العلم المجرد يستوى فيه المؤمن والكافر صح تعلق الشرط به، فيكون قوله:{وَاعْلَمُوا} ، دليلاً على الجواب، أو هو الجواب مقدماً على شرطه، والتقدير: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنما غنمتم إلى آخره، لأن الذى يتوقف على تحقق الإيمان بالله وآياته هو العلم بأنه حكم الله مع العمل المترتب على ذلك العلم. مطلق العلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك. (2)
وبالتأمل نرى أن الشرط هنا محقق الوقوع؛ إذ لا شك في أن المخاطبين مؤمنون بالله، والمقصود منه تحقق المشروط، وهو مضمون:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} إلى آخرها.
وجيء في الشرط بحرف {إِنَّ} ، التى شأن شرطها أن يكون مشكوكاً في وقوعه زيادة في حثهم على الطاعة حيث بفرض حالهم في صورة المشكوك في حصول شرطه إلهاباً لهم ليبعثهم على إظهار تحقق الشرط فيهم. فالمعنى حينئذ أنكم آمنتم بالله والإيمان يرشد إلى اليقين بتمام العلم والقدرة له سبحانه، وآمنتم بما أنزل على عبده يوم بدر حين فرق الله بين الحق والباطل فرأيتم ذلك رأى العين وارتقى إيمانكم من مرتبة حق اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فعلمتم أن الله أعلم بنفعكم من أنفسكم إذ يعدكم إحدى الطائفتين، فكان ما دفعكم إليه أحفظ لمصلحتكم، وأشد تثبيتاً لقوة دينكم فمن رأوا ذلك وتحققوه فهم أحرياء بأن يعلموا أن ما شرع الله لهم من قسمة الغنائم هو المصلحة، ووراء ذلك مصالح جمة آجلة في الدنيا والآخرة.
(1) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (10/ 5).
(2)
الزمخشرى، الكشاف (2/ 127)، أبو السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 362)، الالوسى، روح المعانى (10/ 8)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (10/ 13 - 14).
وقوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا} ، عطف على اسم الجلالة، والمعنى وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان – يوم بدر – وتخصيص {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} ، بالذكر من جملة معتقدات الإيمان؛ لأن لذلك المنزل في هذا اليوم وقعه الشديد التأثير عليهم مما يجعل لهذا المنزل مزيد تعلق بالمسارعة إلى العمل بما أمروا به في قوله:{وَاعْلَمُوا} .
وإن ما نبههم إليه في ذلك الإنزال أمران:
الأول: أن يكون المنزل هو الوحى الذى أنزله على عبده يوم بدر كوعده باحدى الطائفتين وتبشيره بالنصر، والوحى بقلة أولئك وهؤلاء
…
إلى آخر ما نزل من وحى الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن المنزل يوم الفرقان هو ما شاهدوه بأعينهم من خوارق العادات، واللطف الإلهى، كنزول الملائكة، وإنزال المطر عند حاجة المسلمين إليه، ونصر القلة على الكثرة إلى غير ذلك مما ذكرنا في موضعه.
وإن إطلاق الانزال ليشمل الأمرين كما ذكرنا معاً. وتزيد الآية في إظهار أمر آخر وهو التشريف لهذا الانزال والتطهر؛ لأن إطلاق الانزال على حصوله استعارة تشبيهاً له بالواصل إليهم من علو تعظيماً له (1)، علاوة على تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بالاضافة إلى الله جل وعلا، وبصفة العبودية خاصة التى هي أعلى درجات وصفات المدح، مع إرشاد المؤمنين إلى العبودية التى يجب أن يكونوا عليها في تلقى أوامر مولاهم السيد الأعلى وأن حصولهم على تلك المرتبة العليا عند الله تعالى، كما هي لنبيهم بكونهم يكونون عبيداً لربهم منقادين له مع تمام المحبة.
(1) انظر لما سبق الزمخشرى، الكشاف (2/ 127)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 362)، الألوسى، روح المعانى (10/ 8)، ابن عاشور، التحرير والتنوير (10/ 13 - 14).
و {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} ، هو يوم بدر وهو اليوم السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وقد ذكرنا لم سمى الفرقان - ولكن إضافة يوم إلى الفرقان إضافة تنويه به وتشريف له - وقوله:{يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} ، بدل من يوم الفرقان، فإضافة يوم إلى جملة:
{الْتَقَى الْجَمْعَانِ} ، للتذكير بذلك الالتقاء العجيب الذى كان فيه نصرهم على عدوهم، وهذا الالتقاء العجيب حقه أن يذكر به لحكمه التى أشرنا إليه، وحصوله الذى لا يمكن لأحد إحداثه إلا الله، وإن استمرار المؤمنين على ذكر منه لتقوية لإيمانهم، وشحذاً لهمهم على مواصلة المسيرة، ومن ثم رأينا تفصيل القرآن الكريم لهذا اللقاء لذينك الجمعين، جمع المؤمنين المؤيد بالله، وجمع المشركين. فيما يأتى من آيات.
وقوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، اعتراض بتذييل الآيات السابقة لارتباطها بما بعدها كأنها في سلك واحد لو قلنا يوم التقى الجمعان إذ أنتم بالعدوة الدنيا .... إلى آخره فالكلام مستقيم ولكن البلاغة في الاعتراض بهذا التذييل ليؤكد أن ما حدث بتمام قدرته وما سيفصله حالاً إنما هو كذلك بتمام قدرته، وهذا دليل على أنه لا يتعاصى على قدرته شيء؛ فإن ما أسداه لكم يوم بدر لم يكن جارياً على متعارف الأسباب المعتادة، فقدرة الله تعالى قلبت الأحوال، وأنشأت والأشياء من غير مجاريها، وأن ما جرى ليلتقى الجمعان بهذه الطريقة كان بترتيب الله وتدبيره، ثم قصه القرآن مفصلاً بقوله:{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)} [الأنفال: 42].
{إِذْ} ظرف ل {أَنْزَلْنَا} ، أي زمن أنتم بالعدوة الدنيا، ووصف الهيئة ليس من دواعى القرآن الكريم وأغراضه، فهو أطناب في وصف المنازل، لا يذكره القرآن إلا أن يكون فيه عبرة لازم التذكير بها وقد ظهرت هنا، وهي الحالة الحرجة التى كان المسلمون عليها التى
بينها الظرف وما أضيف إليه لتذكيرهم بها، وتنبيههم للطف عظيم حفهم من الله تعالى، وهي حالة موقع جيش المسلمين من جيش المشركين، وكيف ألتقى الجمعان في مكان واحد على غير ميعاد، ووجد المسلمون أنفسهم أمام عدو قوى العدد والعدة والمكانة من حسن الموقع.
والعدوة (1)، ضفة الوادى وشاطئه.
والوصف بالدنيا والقصوى يَشْعُر المخاطبون بفائدته، وهي أن المسلمين كانوا حريصين أن يسبقوا المشركين إلى العدوة القصوى، لأنها الأنسب كما بينا فلما سبق المشركون اغتم المسلمون لذلك، فلما نزل المسلمون بالعدوة الدنيا انقلب الموقف بإنزال الله للمطر، حيث تخير المسلمون أحسن موقع وثبتت أرضهم وسقوا وغوروا الماء واتخذوا الحوض، فلما وصل المشركون وجدوا المسلمين قد احتازوا الماء وساء موقفهم ولم تنفعهم العدوة القصوى التى ظن المسلمون أنها الأحسن والأوفق.
{وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 42]، وهم عير قريش التى أفلتت من المسلمين بمحازاة الساحل بقيادة أبو سفيان، فلو علم العدو بهذا الوضع لاطبقوا بجماعتيهم على المسلمين، ولكن الله صرفهم عن التفطن لذلك، وصرف المسلمين عن العير، ولو حاولوا لوقعوا بين جماعتى العدو.
و {أَسْفَلَ} ، منصوب على الظرفية المكانية، وهو في محل رفع خبر عن الركب، أي والركب قد فاتكم وكنتم تأملون أن تدركوه لتغنموا ما فيه.
نعود إلى التقييد بهذا الوقت وتلك الحالة فيه، فهو مثل وصف المنازل لاجدوى منه في
(1) سرح الدنيا والقصوى.
القرآن الكريم إلا للعبرة والعظة للسامعين والمؤمنين، ومن ثم كان الغرض من ذلك شكر نعمة الله على ما وفقهم إليه وصرفهم له، وعلى نصرهم بخلاف ظنهم، ليحسن ظنُهم بالله تعالى والاعتماد عليه في أمورهم، فإن تكامل وصفهم بكل تلك الأحوال من أول السورة وبداية سرد القصة ليبرهن وهم موقنون بذلك، أنهم في أصعب حالة وعدد ومكان وعدة ولم يكن لهم شيء يوازن المشركين فضلاً عن أن يتفوقوا فيه عليهم، فكان من عجيب عناية الله تعالى أن قلب تلك الحالة رأساً على عقب، وألقى الله في قلوب المشركين تهوين أمر المسلمين فلم يأخذوا حذرهم – وهم على حق في ظاهر الأمر – لأى شيء يأخذون حذرهم، وجعلوا مقامهم في بدر مقام لهو وطرب. فنصر الله المسلمين، من حيث لا يتوقع المسلمون ولا المشركون ولا أي أحد كان، ومن ثم فالذين خوطبوا بقوله:{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ......} ، الآية هم أعلم السامعين بفائدة ذلك ولولاه لكان هذا التقييد بالوقت قليل الجدوى. (1)
وجملة {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} ، في موضع الحال من الجمعان، وعاملالحال فعل {الْتَقَى} ، أي يوم التقى الجمعان في حال لقاء على غير ميعاد، قد جاء ألزم مما لو كان على ميعاد فإن اللقاء الذى يكون موعوداً قد يتأخر فيه أحد المتواعدين عن وقته (2)، وهذا اللقاء قد جاء في إبان متحد وفي مكان متقابل ومعنى الاختلاف في الميعاد: اختلاف وقته بأن يتأخر أحد الفريقين عن الوقت المحدود فلم يأتوا على سواء وللعلامة الطاهر بن عاشور رأى في التلازم بين شرط {وَلَوْ} ، وجوابها هنا حيث هو خفى وأشكل على المفسرين
(1) انظر المصادر السابقة.
(2)
يقول أبو السعود: أي لو تواعدتم أنتم وهم للقتال ثم علمتم حالكم وحالهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة لهم ويأساً من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صنعاً من الله عز وجل خارقاً للعادات، فيزدادوا إيماناً وشكر، إرشاد العقل السليم (2/ 362)، وانظر الالوسى، روح المعانى (10/ 10)، وذلك ما ذكره الزمخشرى، الكشاف (2/ 128).
ونلخصه فيما يلى لفائدته فيما نحن فيه من سيرة وكيف عبر القرآن الكريم بهذه التعبيرات الجليلة في سوق سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وما ينبغى على المؤمنين أن يفقهوه ليعيدوا به سيرتهم الأولى فيقول: والتلازم بين شرط {وَلَوْ} ، وجوابها خفى هنا، وقد أشكل على المفسرين، ومنهم من اضطر إلى تقدير كلام محذوف تقديره: ثم علمتم قلتكم، وأن ذلك يفضى إلى التخلف – وقد ذكرنا القائلين بذلك في الهامش السابق – وغير ذلك من التقدير.
فالوجه في تفسير هذه الآية أن {وَلَوْ} ، هذه من قبيل {وَلَوْ} ، الصُهَيبية فإن لها استعمالات ملاكها: أن لا يقصد ربط حصول نقيض مضمون الجواب بحصول نقيض مضمون الشرط، بل يقصد أن مضمون الجواب حاصل لا محالة، وقد ذكر الشواهد على تفصيلات ذلك كقوله تعالى:{وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فاطر: 14]، وقوله:{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28]، ومحصل هذا أن مضمون الجواب مستمر الحصول في جميع الأحوال في فرض المتكلم، فيأتى بجملة الشرط متضمنة الحالة التى هي عند السامع مظنة أن يحصل فيها نقيض مضمون الجواب وذلك كقوله تعالى:{وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23].
والمعنى: لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، أي في وقت ما تواعدتم عليه؛ لأن غالب أحوال المتواعدين ألا يستوى وفاؤهما في وقت الوفاء بما تواعدا عليه. أي في وقت واحد، لأن التوقيت كان في تلك الأزمان تقريباً يقدرونه بأجزاء النهار كالضحى والعصر والغروب. لا ينضبط كاليوم فلكياً، والمعنى: فبالأحرى وأنتم لم تتواعدوا وقد أتيتم سواء متحدين وقت حلولكم في العدوتين، فاعلموا أن ذلك تيسير بقدر الله لأنه قدر ذلك لتعلموا أن نصركم من عنده على نحو قوله تعالى:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]. (1)
(1) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (10/ 18 - 19).
وظهر موقع الاستدراك في قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42].
والتقدير ولكن لم تتواعدوا وجئتم على غير اتعاد ليقضى الله – ليحقق وينجز – ما أراده من نصركم على المشركين، ولما كان تعليل الاستدراك قد وقع بفعل مسند إلى الله كان مفيداً أن مجيئهم إلى العدوتين على غير تواعد منهم كان عناية بالمسلمين من الله تعالى.
ومعنى {أَمْرًا} ، هنا الشيء العظيم المهم و {كَانَ} ، تدل على تحقق ثبوت معنى خبرها لاسمها من الماضى مثل قوله:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
فالاستحقاق لهذا الحق ثابت علينا من الأزل، ولذا فمعنى:{كَانَ مَفْعُولًا} ، أنه ثبت له في علم الله السابق أنه يفعل، فاشتق له صيغة مفعول من فَعَل للتدليل على أنه حين قدرت مفعوليته في الأزل صار كأنه فُعِل.
ويكون حاصل المعنى: لينجز الله ويوقع حدثاً عظيماً متصفاً منذ القدم بأنه محقق الوقوع حقيقاً بأن يفعل حتى كأنه قد فُعِل؛ لإنه لا يمنعه ما يحف به من الموانع المعتادة.
لا شك أن تلك الآيات في درسها اللغوى والنحوى والبلاغى تشير إلى هذه المعانى المهمة التى هي محل توضيح القرآن الكريم لسرد السيرة قصصاً وفقهاً ومعنى وأحكاماً عبراً وعظات وتأسيساً لواقع، وتثبيتاً لإيمان، وسعياً لنصر إلى آخره، ويظهر ذلك في:
عناية الله الأزلية بالمؤمنين فيما يختاره لهم.
ترتيب الله لهم، وحملهم على هذا الترتيب، وإفشاء تدبير الكافرين وكيدهم.
تبيين الأدلة وتعليل الأحوال والأحكام لهم، ليظهر لهم وجه المصلحة فيما أراد بهم،
وما لم يعلموا من مصالح هو أعظم فائدة لهم حتى يثبتوا ويسيروا مطمئنين واثقين في نصره، يزدادون بذلك إيماناً وتوكلاً وبذلاً وتضحية.
التأكيد لهم على صدق الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم وصحة النبوة وإتصال الأرض بالسماء وعلى توحيد الله تعالى الذى كل شيء بيده وله ملكوت كل شيء، وعلى الإيمان باليوم الآخر.
إن ذلك كله لهو القول الفصل في الرد على شبه المستشرقين، ووضوح الردود على أمراضهم بلا لبس.
وما ساقته الآيات الأخيرات ليس إلا جزءاً مما يذخر به القرآن الكريم في عرض السيرة كافة، وأهداف ذلك العرض، بما يوضح أهميته للمؤمنين في كل آن ومكان في محاولة للتشبث بذلك ليعودوا إلى سالف مجدهم وعزهم.
والجمل الباقيات في هذه المشاهد تسير على نفس الوتيرة، مع زيادات آخر وتفهيمات جديدة، سوقها للتحليل من ألزم ما يلزم.
ويأتى قوله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} ، في موضع بدل اشتمال من جملة {لِيَقْضِيَ اللَّهُ ....} ، لأن الأمر هو نصر المؤمنين وقهر المشركين، مع إهلاك المهزومين وإحياء المنصورين، وحفه من الأحوال الدالة على عناية الله بالمسلمين وإهانته للمشركين بالبينة التى تقطع عن الهالكين، وتقتضى شكر الاحياء، وليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة.
والهلاك: الموت والاضمحلال ولذلك قوبل بالحياة، والمعنى الزائد عما ذكرنا من قبل إجمالاً هو أن الهلاك والحياة مستعاران لمعنى ذهاب الشوكة، ولمعنى نهوض الأمة وقوتها،
وقد جمع التشبيهين في قوله: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]، فإن الكفار كانوا في منعة وعزة، وكان المسلمون في ضعف وقلة، فلما قضى الله تعالى بالنصر للمسلمين أخفق أمر المشركين ووهنوا، وصار أمر المسلمين إلى جدة ونهوض، وتلك الحياة وذلك الموت لاشارة قوية إلى اضمحلال أمر المشركين يفنوا عن بينة، وارتفاع أمر المسلمين وإيمان من آمن عن بينة، إذ ذلك حكم فصل تحقق بعد ذلك في ذهاب ريحهم وهزيمتهم.
فكانت وقعة بدر إذن بداية هلاك من هلك عن بينة حتى ينتهى هلاكهم، وحياة ونهوض من آمن حتى يرتفع أمرهم:{وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} ، وقد كان.
و {وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} ..
أي بكفر من كفر وعقابه وإيمان من آمن وثوابه، ولعل الجمع بين وصف السمع ووصف العلم لاشتمال الإيمان والكفر على القول والاعتقاد اللذين يستدعيان السمع والعلم، وإن كان هذا التذييل يشير أول ما يشير إلى المسلمين بأن الله تعالى سميع لدعائهم بطلب النصر، وسميع بما جرى بينهم من الحوار في شأن الخروج إلى بدر، ومودتهم أن ذات الشوكة تكون لهم.
وعليم بما يجول في خواطرهم من غير الأمور المسموعة، وكل ذلك ينبههم إلى تربية المهابة بعد ذلك في قلوبهم وأفكارهم وأقوالهم، وأن يكون ذلك كله استجابة لأمر الله ظاهراً وباطناً.
وتمضى الآيات لتسكمل بقية ما بدأته من مشاهد، ونسير معها نستجلى تلك السيرة التى قصتها، والتى لم تكن لنقص في السيرة، وواقع الأمر لو حكيت بمثل ما قصت به في القرآن الكريم مع استيفاء هذا القص لكل الجوانب اللازمة من وراء هذا السرد، بما يضيف
تلك الأبعاد الدينية مجتمعة مع الأبعاد النفسية والتاريخية وغيرها، لتبقى خالدة ما بقى مؤمن وغيره في تلك الحياة، وفي نفس الوقت تستشرف الحياة الآخرة وتربطها بالحياة العاجلة، عجالتنا فيما يتعلق بالسيرة قدر الامكان ويأتى قوله تعالى:{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43)} [الأنفال: 43].
{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ} ، بدل من قوله تعالى:{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} ، أو بدل من يوم الفرقان فإن هذه الرؤيا مما اشتمل عليه زمان كونهم بالعدوة الدنيا، وهو يوم الفرقان يوم بدر، وعبر بالمضارع لاستحضار حالة الرؤيا العجيبة، إذ هي قد مضت بالنسبة لنزول الآية ويتعلق قوله:{فِي مَنَامِكَ} ، بفعل {يُرِيكَهُمُ} ، فالإراءة هنا إراءة رؤيا في المنام، وأسندتإلى الله تعالى:
أولاً: لأن الرؤيا وحى من الله للأنبياء، سواء كانت واقعة كما هي، أو هي رمز لمعان، فلا تعد صورتها الواقعة مخالفة للحقيقة، ومن الأولى أنه كان يرى الرؤيا كفلق الصبح كما هي (1)، أو كما في سيدنا إبراهيم عليه السلام:{إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: 102].
ثانياً: للإهتمام بالرؤيا وتشريفها إذ كان له وقعها المناسب في نصر المسلمين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا منام أن جيش المشركين قليل، فأخبر الصحابه رضي الله عنهم فتشجعوا للقاء المشركين وزال ما كان يخامرهم من تهيب جيش المشركين، فكانت تلك الرؤيا فيه من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، إذ كانت من أسباب النصر؛ وكانت قلة العدد في الرؤيا رمزاً لوهن المشركين وضعفهم، لا عن قلة عددهم، كما كان معلوماً من الواقع.
(1) الحديث حديث عائشة في بدء الوحى.
ولو أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر المؤمنين بأنهم غالبون للمشركين لآمنوا بذلك إيماناً عقلياً، لا يحصل منه ما يحصل من التصوير بالمحسوس، ولو لم يخبرهم، أو لم يُرِهْ ربه تلك الرؤيا لحسب المسلمون للمشركين حساباً كبيراً شوش عليهم اطمئناهم وثقتهم، لأنهم معروفون بأنهم أقوى من المسلمين بكثير.
وقوله: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ} ، أي لجبنتم وهبتم الإقدام، وجمع ضمير الخطاب في الجزاء مع إفراده في الشرط، لأنه كما قيل إن الجبن يعرض لهم لا له صلى الله عليه وسلم، لأنه سبحانه لو أراهم رؤيا مماثلة للحالة التى تبصرها الأعين من المشركين لدخل قلوب المؤمنين الفشل، فأراد الله تعالى ألا يدخل قلوب المسلمين هلع أو جبن من الأصلى إكراماً لهم، وإن كان قد ضمن لهم النصر.
وكذلك ثَّم سبب آخر ذكرته الآية، وهو الاختلاف في أمر القتال أوخطته إذال للعهد بقوله:{وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} ، فكانت الرؤيا حسماً لهذا الاختلاف وقطعاً لدابر الفرقة في مثل هذا الموقف العصيب فكانت برداً وسلاماً على المؤمنين إذاً.
وجاء قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} ، ليؤكد ذلك، ويمن به على المؤمنين إذ أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع، فكان هذا الاستدراك رافعاً لما يفرض من قوله:{وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا} [الأنفال: 43]، مع أنه جاء – أي الاستدراك – ليشعر فعلاً أنهم كُثُر في الواقع، ولكن جاء ليفرغ هذه الكثرة في واقعها من أي عوامل يمكن أن يكون لها أثرها في المسلمين. ومفعول {سَلَّمَ} ، متعلقه محذوفين ايجازاً ليكون التقدير: سلمكم من الفشل والتنازع؛ بأن سلمكم من سببهما وهي إراءتكم واقع عدد المشركين، لأن الاطلاع على كثرة العدد يلقى في النفوس تهيباً وتخوفاً منه، وذلك يُنْقِصُ شجاعة المسلمين، الذين أراد الله لهم موفور
الشجاعة ومنتهاها. (1)
ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} ، بدلاً من و «لكنه سلم» لقصد تأكيد وزيادة إسناد ذلك إلى الله تعالى، وأنه بعنايته، وكذلك للاهتمام بهذا الحادث، وهو الإنعام بتلك السلامة.
وذيلت الآية بهذا الامتنان {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ، أي: إنه بعلمه بمكنونات الصدور وخواطرها، وما تتأثر به وما يصلحها، فعل ما فعل؛ إذ النفوس مجبولة على التأثر بالمحسوبات والمشاهدات، فأيده بها، مع أن الاعتقاد المجرد يكفى في تصديقها بموعود الله، لإيمانها القوى بربها، ولكنه لا يثير الشجاعة التامة والإقدام كما يثيره الإحساس بقلة عددهم وتفاهة موقفهم في الواقع، كذلك فالاعتقاد بأن المشركين سينهزمون مصدقون به، ولكنه يمكن أن يكون مع موت وجراحات قبل الانتصار فجاءت الرؤيا بقلتهم لتزيح ذلك كله في النفس، وتلقى بدلاً منه ذلك اليقين الواقع، بأنهم منصورون مع سلامة الله لهم.
إن ذلك كله ليهزنا بشدة إلى دين الإسلام واقعه وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه دين الله المرتضى بأخلاقه العليا وشمائله الكريمة ومزاياه الراحمة، إذ كل ذلك خارج عن طوع كل الخلق مجتمعين، خارج عن قدرة ما سوى الله تعالى متظاهرين.
ونشير إلى آخر آية في هذا المشهد، مشهد ترتيب لقاء القتال وتدبيره – الذى رتبه الله تعالى للفريقين معاً – دلالة عدم خروج شيء في الكون عن قضائه وتقديره، وعن حكمه وأمره وهي قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا
(1) انظر لما سبق الزمخشرى، الكشاف (2/ 128 - 129)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 363)، الألوسى، روح المعانى (10/ 12 - 13)، ابن عاشور، التحرير والتنوير (10/ 22 - 25).
كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)} [الأنفال: 44].
وإذا كان ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا منام، شجعت المؤمنين، وثبتت الأقدام وكانت من أسباب النصر كما ظهر، فإن المؤمنين خرقاً للعادات، قد رأوا مصداق ذلك رأى العين، ليكون الخبر والمعاينة واحداً يتحقق به مراد الله من وقوع الأمر المفعول كما وعدهم.
{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} ، إما منصوب بمضمر، أو هو عطف على {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ} ، معبراً بالمضارع لحادث قد انتهى استحضاراً لتلك الحالة التى تخص المؤمنين والتى لا تكون بهذه الكيفية إلا من الله تعالى، وهي رؤية بصر أراها المولى سبحانه وتعالى على خلاف ما في نفس الأمر لكلا الفريقين، ولما كانت على خلاف الحقيقة لم يُرها النبي صلى الله عليه وسلم.
{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ .... فِي أَعْيُنِكُمْ} ، تقييد للإراءة بأنها في الأعين، لا غير، وليس المرئى كذلك في نفس الأمر، وكذلك ليدل على أنها إراءة بصرية لا حُلمية.
وخولف في أسلوب حكاية إراءة المشركين وحكاية إراءة المسلمين؛ لأن المشركين كانوا كُثُر فناسب أن يريهم للمسلمين قليلاً أي هم كثير فرأيتموهم قليلاً، أما المسلمون فكانوا قليلاً فناسب لتقليلهم أن يعبر عنه بأنه «تقليل» ، المؤذن بأنه زيادة في قلتهم، وليعلم أن التقليل ليس بالنقص من عدد المسلمين في نفس الأمر، ومن ثم لما حدثت المناجزة، وبرز المشركون لقتال المسلمين ظهر لهم كثرة المسلمين فبهتوا، وكان ذلك ملقياً الرعب في قلوبهم، وذلك ما حكاه القرآن الكريم في سورة آل عمران قوله:{يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران: 13].
وقال أهل السير كان المسلمون يحسبون عدد المشركين بين السبعين والمئة، حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه إلى من بجنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مئة، وقال أبو جهل: إنما
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أكلة جزور أي قرابة مئة. (1)
وإنما لم يكن تخيل المسلمين قلة المشركين مثبطاً عزيمتهم، كما كان تخيل المشركين قلة المسلمين مثبطاً عزيمتهم؛ لأن قلوب المسلمين كانت مفعمة حنقاً على المشركين، وإيماناً بفساد شركهم، وامتثالاً لأمر الله بقتالهم فما كان بينهم وبين صَبِّ بَأْسهم على المشركين إلا صرف ما يثبط عزائمهم. فأما المشركون فكانوا مزدهين بعدائهم وعنادهم، وكانوا لا يرون المسلمين على شيء، وإن أدنى جولة تجول بينهم فسوف يقبضون على المسلمين قبضاً، فلذلك لا يعبأون بالتأهب لهم، فكان تخييل ما يزيدهم تهاوناً بالمسلمين يزيد تواكلهم، وإهمال إجماع أمرهم.
فكان ذلك كله مما لا يستطيعه أحد بإلقائه في نفوس الفريقين فجاء قوله تعالى بعد ذلك وهو: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} ، ليبين أن ذلك الأمر من مفعولات الله سبحانه، التى قضاها أزلاً علة لهذه الإراءة لكلا الفريقين، لتكون أحد أسباب النصر، وأما قوله تعالى:{لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} ، في الآية فهو لعلة أخرى، وهي تلاقى الجمعان في مكان واحد في وقت واحد، فلا تكرار إذن، ويرينا هذا الخبر الضخم كيف قدر سبحانه كل هذه المقدورات ليخرج أي دور فيها للمؤمنين نصراً، وللمشركين هزيمة، بل الأمر كله راجع إليه وحده يقضيه بعلمه وحكمته وقدرته كما قال:{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} .
ونشير في نهاية تحليلنا لآيات سيرة بدر مما حكاه القرآن الكريم، إلى ما ذكر القرآن الكريم نفسه عن موقف الشيطان حيث قال جل ذكره:{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)} [الأنفال: 48 - 49].
(1) انظر المراجع السابقة.
بدأت الآيات بقوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ} ، على أنه مقدر بمضمر، ويجوز أن يكون المضمر مخاطباً به المؤمنون، والعطف على {وَلَا تَكُونُوا} ، في الآية قبلها، وهي قوله:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)} [الأنفال: 47]، أي واذكروا إذ زين لهم الشيطان أعمالهم في معاداة المؤمنين وغيرها، ووسوس إليهم أنهم يَغلبون لكثرة عددهم وعدتهم، وأنه حافظ لهم.
وفي ذلك انقسم العلماء إلى فريقين:
فريق يرى هذا التزيين وسوسة لهم بذلك يحملهم على مواصلة السير إلى بدر، وأنه وسوس لسراقة بن مالك ليكون هو المخبر لقريش والحامل لهم على مواصلة العناد، وأنه يؤمن لهم طريقهم من كنانة التى كانت على عداء مع قريش، فهابوا أن تقاتلهم وتعرقل سعيهم فطمأنهم سراقة بوسوسة الشيطان فمضوا.
والفريق الثاني:
يرى أن تلك الوسوسة وذلك التزيين قام به الشيطان نفسه للمشركين حيث تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك، وسار معهم فلما تراءت الفئتان وتلاقى الجمعان نكص على عقبيه لما رأى الملائكة تنزل وظن أن جاء موعده المنظور، وكانت يده في يد الحارث بن هشام فقال له أتخذلنا في هذه الحال، فقال إنى أرى ما لا ترون ودفع في صدره وفر هارباً، وانهزم المشركون ورجعوا مكة قالوا هزم الناس سراقة، فقال ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيمتكم فعلموا أنه الشيطان. (1)
(1) انظر لما سبق من القولين الطبرى، جامع البيان (10/ 18)، الزمخشرى، الكشاف (2/ 130)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 365)، والالوسى، روح المعانى (10/ 21 - 22)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (10/ 34 - 37)، ورشيد رضا، المنار (10/ 29).
وبداية نقول: ذهب سيد قطب رحمه الله إلى إثبات حادثة تزيين الشيطان، ولكن مع عدم العلم بكيفية ذلك، وكأنه يفصل بين الفريقين في نظرهم إلى تفسير الآية فيقول:«وفي هذا الحادث نص قرآنى يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم وشجعهم على الخروج، وأنه بعد ذلك نكص على عقبيه فخذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم» .
«ولكننا لا نعلم الكيفية التى زين لهم بهم أعمالهم
…
إلى أن قال ولا سبيل لنا إلى الجزم بشيء من أمره إلا بنص قرآنى أو حديث نبوى صحيح والنص هنا لا يثبت الكيفية إنما يثبت الحادث» (1).
وثم تعليق هنا نبديه معتمداً على دراسة النص القرآنى، والمقارنة بين النصوص مع ما ذكرنا من التحليل للآيات النازلة في حكاية غزوة بدر، خاصة وقد تمسك أصحاب رأى الوسوسة برأيهم، وضعفوا الروايات كافة لرأى تمثل الشيطان، وكلامه مع المشركين ومخاطبته إياهم بما جعلنا ندقق في فهم النصوص القرآنية الواردة في الحادث، وما جعلنا نقف على هذا الحادث أمران على الأقل:
الأول: الإيمان بالغيب والملائكة والجن، وأن ذلك من أصول الإيمان، وأن ما جادل من جادل فيه إلا للانهزام الفكرى أمام المادية الغربية الطاغية، التى تفرع الإسلام وتحاول من مضامينه الغيبية، بهذه الادعاءات العلمية زعموا التى لا وزن لها في ميزان العقل، فضلاً عن العلم وأمانته. وكل ذلك تشكيك في قضايا الإسلام في نفوس المؤمنين استكمالاً للغزو الفكرى.
الثاني: وهو المتعلق بما نحن فيه، وهو كيف أن الله تعالى رتب ويرتب للمؤمنين الخلص، كل أمورهم، ويهيء لهم عامة أحوالهم، ويخرق لهم النواميس الكونية دلالة على
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن (3/ 1531)، ود. محمد بن بكر أل عابد، حديث القرآن عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم (65).
وجود ربهم وعنايته بهم، وعلى صحة رسالة نبيهم وصدق نبوته، وأن كل ذلك هو خالقه والقادر عليه وما عليهم بعد الا أن يكونوا متحققين بصفات المؤمنين الحقة كما بين لهم ذلك كله، ليروا قدرة الله وقوته وحفظه.
وذلك الأمر الثاني هو المهم والأهم للمؤمنين في كل زمان ومكان، وهو مشكلتنا اليوم وأول هذه التعليقات هنا هو:
1 -
أن المؤمنين بقوة الله وقدرته، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، لا يكبر عليه أن يتصور الشيطان، وأن يتمثل بهذه الأشكال إذ هو سبحانه في الحقيقة من أقدر الشيطان وغيره على ذلك، إذ لو لم يرد المولى سبحانه ذلك ما كان الشيطان ولا لمن في الأرض والسماء جميعاً أن يأتوا بأمر على خلاف مراد الله تعالى في العجب في تمثل الشيطان إذن؟
2 -
وإن القائلين بالمنع قد أجازوا أكثر من ذلك في الملائكة من نزولهم وتثبيتهم للمؤمنين وضرب المشركين فوق الأعناق، وضربهم لكل بنان، فما الفارق مع أن الملائكة أعظم وهم نور من خلق الله؟
3 -
بالنظر في النص نفسه نسأل ما الوسوسة في قول الشيطان {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} [الأنفال: 48]، وما الوسوسة في قوله:{فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} [الأنفال: 48]، بما أنه شخص يحادثهم، ورأى ما لا يرون ونكص على عقبيه فأين الوسوسة؟ وهو يجرى فاراً هارباً، أو حال رؤية الملائكة، وكيف تكون وسوسة وتزييناً وهم يرونه يسير معهم إلى أن تراءت الفئتان؟ قد يقال إنها رؤية منام، نعم ولكن كيف رأى الجميع هذه الرؤيا؟ دعنا من ذلك، لقد رأوها، فهل رأوا الشيطان يسير معهم، وهل رأى الملائكة في المنام؟ فترك المشركين في المنام وفر هارباً، وهل من جاء في المنام ليؤازرهم وينصرهم، ينكص على عقبيه
أمامهم في المنام ليروا هزيمتهم وفرار جارهم، ومنذ متى يصدق المشركون بتلك الرؤى وغيرها، لقد انعكس مقصود النافين لتمثل الشيطان حقيقة، بحيث أوقعوا أنفسهم فيما حاولوا أن يفروا منه مجاراة للمدرسة العقلية، بحيث صارت نفياً للعقل ذاته، أو استهزاء أو التفافاً حول العقل. مع الطعن في قضايا الدين والإيمان، بدون أي مبرر عقلى، إلا اتباع العقل الغربى المحارب للإسلام.
وبعد ذلك ما كان القرآن الكريم ليترك موقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض، ليستكمل بذلك جوانب الصورة، ولتتم كل إبعادها، إمعاناً في إعلام المسلمين بإحاطة الله تعالى بعلم كل شيء، وتقدير كل شيء، مع رجوع كل الأمور إليه، وليبصر المؤمنين بمواقف كل فئة، وتستقر نفوسهم على انه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وليجعل لكل شيء قدراً في الواقع أمام المؤمنين يعلمون به كيف نصرهم وأيدهم، وكيف يتوكلون عليه ويبذلون له، بالتالى أنفسهم وأموالهم، فجاء قوله تعالى:{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)} [الأنفالك 49].
يتعلق {إِذْ يَقُولُ} ، بأقرب الأفعال إليه، وهو قوله تعالى {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} ، مع ما عطف عليه من الأفعال، ويكون قول المنافقين واقعاً في وقت تزيين الشيطان أعمال المشركين، ويكون نظم الكلام هكذا: وزين الشيطان للمشركين أعمالهم حين كان المنافقون يشوهون ويحمقون أعمال المؤمنين، ويصفونهم بالغرور وقلة التدبير بسبب اعتقادهم في دينهم الذى أوقعهم في هذا الغرور. (1)
وفي مثل هذا السياق تُطلب المناسبة لذكرهذا الخبر وراء سابقه، والمناسبة أن كلا
(1) وذكر بعضهم أن {إِذْ يَقُولُ} ، ظرف لغير ما ذكر، فانظر فيما سبق، والاختيار من ابن عاشور، التحرير والتنوير (10/ 37 - 39).
الخبرين يتضمن قوة المشركين، وضعف جيش المسلمين، ويقين أولياء الشيطان من المشركين والمنافقين بأن النصر سيكون للمشركين على المسلمين.
فالخبر الأول عن طائفة أعانت المشركين من عدو يخشى منه قطع طريق المشركين، فانحازت إليهم علناً؛ وذلك يستلزم تقبيح ما أقحم المسلمون فيه أنفسهم إذ عمدوا إلى قتال قوم أقوياء.
الخبر الثاني عن طائفة المنافقين الذين في قلوبهم مرض (1)، أو هما طائفتان على قول البعض شوهتا صنيع المسلمين وحمقوا المسلمين ونسبوهم إلى الغرور، وهو إيقاع أنفسهم في المضرة بإيهام المنفعة، وأن الذى عزهم بذلك هو دينهم الإسلام، وقد نسبوا الغرور إليه لما فيه من الوعد بنصر المؤمنين، وأن القلة تهزم الكثرة بإذن الله تعالى.
وإن هذا الإرحاف لواقع اليوم من كل الطوائف التى اجتمعت على محاربة الإسلام، يثبطون المسلمين بأنهم لا يمكن أن يتصدوا للاعداء فضلاً عن هزيمتهم، بتهويل قوة الكفرة، وتهوين شأن المسلمين، وإخماد روح العزة والكرامة والثأر فيهم، ويأتى دور المنافقين الذين يوالون الكفرة ويتحدثون بألسنة المسلمين ليشككوهم في دينهم، وأنه سبب الهزيمة، وأن موعود الله لهم بالنصر إنما هو غرور ومحال، كل ذلك وأشد قد صورته آيات بدر ليخرج المسلمون من تلك الحالة، بل لئلا يكونوا فيها أبداً، لذا جاء قوله تعالى ليؤكد لهم أن جنده مهما كانوا هم الغالبون طالما كانوا بدينهم ذلك مستمسكين فقال:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49]، فهذه الجملة معطوفة على جملة {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ .......} ، لأنها من جملة الأخبار المسوقة لبيان عناية الله تعالى بالمسلمين وللامتنان
(1) هذا اختيار الباحث، وهناك تفسيرات أخرى لمن في قلوبهم مرض، وهم من لم يتمكن الإيمان في قلوبهم، وانظر الطبرى، جامع البيان (10/ 15 - 16)، الزمخشرى، الكشاف (2/ 130)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (2/ 365)، والالوسى، روح المعانى (10/ 23 - 24).
عليهم، فالمناسبة بينهما وبين الجملة قبلها: أنها كالعلة لخيبة ظنون المشركين والمنافقين والذين في قلوبهم مرض، وخيب ظنونهم لأن المسلمين توكلوا على الله وهو عزيز لا يغلب فمن تمسك بالاعتماد عليه نصره، وهو حكيم يُكَوِّن أسباب النصر من حيث يجهلها البشر.
وجعل قوله: {فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، كناية عن جواب الشرط باعتبار اللازم، ليس هو الجواب بل عزة المتوكل على الله ونجاته من مضيق أمره، وهو من وجوه البيان، وهو كثير الوقوع في القرآن الكريم، وعليه قول زهير بن أبى سلمى
من يَلْقَ يوماً على عِلَاّتِه هَرِماً
…
يَلْقَ السماحةَ فيه والندى خُلُقاَ
أي ينل من كرمه ولا يتخلف ذلك عنه في حال من الأحوال. (1)
تلك كانت سيرة غزوة بدر في القرآن الكريم على قدر المستطاع، والملاحظ المتأمل يرى أن أسلوب القصص القرآنى غير أسلوب الحكاية في الواقع والترتيب الزمنى، بل هو أسلوب عال له وجهته في العرض، علاوة على عرض ما يفى تماماً بالإغراض المسوقة لسيها القصة، مع تبيان الحكم والعبر والارشادات والاوامر والنواهى وكل ما للشارع فيه حكمة من وصوله للمسلم للعمل به، وإن قضية الإيمان والتخلق بصفاتها ثم العمل لرفع راية هذا الدين والالتزام بذلك سلوكاً ودعوة وعبادة وعقيدة لهو الهدف الواضح من هذا القصص، مع إظهار كل ما يعيق المسلم في طريق سيره ليحذره، ولئلا يقع فيه مما يعرضه للتخلف والنكوص أو للهلاك والردى، كل ذلك هدى ورحمة للعالمين، ويسوق القرآن الكريم جزيئات يراها المرء من أول وهلة كذلك، ولكنها ذات مدلولات ضخمة، ينبنى عليها صرح الإسلام ومن ثم بقاؤه وانتصاره، وإن التفريط فيها من أكبر أسباب الهزيمة والانكسار.
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير (10/ 38 - 39).
إن غزوة بدر بهذا العرض في نظر الباحث كانت الأساس المتين والدستور القويم لكل ما أتى بعد ذلك من أحداث، وإذا نظر الباحث، أو القارئ المتفحص لأىِّ مما وقع في السيرة والغزوات التالية لبدر ليقال له ألم ينبه على ذلك في غزوة بدر؟ ألم يأت مصداق ذلك في قصة بدر؟ إلى آخره
إذن فما كانت فرقاناً من لا شيء، لا يعبر به وله، بل لأضخم حدث مهد لكل خير وهداية للإسلام والمسلمين والبشرية في نفسها وواقعها، في الأرض والسماء، وما بعد انتهاء الدنيا.
إنه بدون مبالغة ما مِنْ قضية وقعت بعد بدر من نصر أو هزيمة إلا وكانت سطور بدر تنبض بها، وكذلك من أخلاق ودعوة، أو من أُخُوَّة ومحبة، أو من اعتقاد واتصال بالله واعتماد عليه وثقة فيه.
كل ذلك يحتاج إلى بحث آخر ضخم لا تحتمله الرسالة، ولذا نتوقف في هذا الفصل عند هذا الحد، وإن احتملت الرسالة شيئاً جديداً نضيفه وإلا فمحله بحث ضخم قائم بذاته غير هذه الرسالة نرجو من الله تعالى التوفيق له.