الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
الوثيقة (الصحيفة)
عندما استقر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدنية، نظم العلاقات بين أهلها، وكتب كتاباً بهذا الشأن، أوردته المصادر التاريخية، وكذلك دلت على تفاصيله، وجزئياته، الآياتُ القرآنية، والمصادر الحديثية. عرف هذا الكتاب في المصادر القديمة باسم:(الصحيفة) أو (الكتاب)، وأسماه الكُتَّابُ المحدثون:(الدستور) أو (الوثيقة)، وقد استهدف توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق والواجبات.
ولأهمية هذه الوثيقة، اعتمد الباحثون المعاصرون عليها، في دراسة تنظيمات الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ونُظُم الدولة الإسلامية، وعلاقاتها بالملل والدول الأخرى، والنظام السياسى في الإسلام، فمن ثَمَّ احتاجت منا لعرض، ودراسة مفصلة، خاصة وقد استهدفها "وات" بالنقد الشديد، على طريقته في محو، وتأويل حقائق الإسلام الربانية، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، المرتبط بالسماء (1)، عندما رأى ذلك قادحاً في مناهج بحثه، التي يطوع التاريخ ويؤلفه لها.
(1) انظر د. البوطي، فقه السيرة، ص 159، وانظر د. أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ص 272 وما بعدها، وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، ص 306 وما بعدها، وانظر محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية، ص 39 - 41، وقد ذكر من كتب في الوثيقة.
مدى صحة الوثيقة:
لتبيين مدى صحة نسبة هذه الوثيقة، إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لما لها من أهمية تشريعية وتاريخية، نشير إلى بعض من ذكرها من المحدثين والإخباريين.
إن أقدم من أورد نصها كاملاً هو محمد بن إسحاق دون إسناد (1)، ونقلها كل من ابن سيد الناس في سيرته (2)، وكذلك ابن كثير (3)، أما الإمام البيهقى (4) فقد ذكر إسناد ابن إسحاق للوثيقة، - التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون اليهود -، ويبدو أنه رواها من غير طريق ابن إسحاق، وأورد ابن سيد الناس رواية ابن أبى خيثمة (5) في تاريخه، بمثل رواية ابن إسحاق، ولكنه أسندها، ووردت في كتاب الأموال، لأبى عبيد القاسم بن
(1) ابن هشام، السيرة النبوية، (22/ 103 - 105)، وهو ابن يَسار بن خِيَار الأخبْارى، العلامة، الحافظ، القرشى، المُطلبى، المدنى صاحب السيرة النبوية، ولد سنه ثمانين، ورأى أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وهو أول من دون العلم بالمدينة، انظر سير أعلام النبلاء (7/ 33).
(2)
انظر ابن سيد الناس، عيون الأثر في فنون المغازى والشمائل والسير، (1/ 197 - 198)، وهو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، اليعمرى الربعى، أبو الفتح، عالم بالأدب، من حفاظ الحديث، له شعر رقيق، أصله من أشبيلية، ولد بالقاهرة 671 هـ وتوفى بها 734 هـ، انظر الاعلام للزِّرِكلى (7/ 34).
(3)
ابن كثير، البداية والنهاية، (3/ 224 - 226)، وهوإسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن درع القرشى البصروى الدمشقى، أبو الفداء عماد الدين، حافظ، مؤرخ، فقيه، ولد في قريه من أعمال البصرى الشام سنة 706 هـ، وتوفى بدمشق 774 هـ، انظر الأعلام للزركلى (1/ 320).
(4)
البيهقى، السنن الكبرى، كتاب الديات، (8/ 106)، وهو أحمد بن الحسين بن على، أبو بكر، من أئمة الحديث ولد في خسر وجرد سنة 384 هـ، في قرى بيهق بنيسابور ورحل إلى بغداد ثم الكوفة ومكة وغيرهما ومات بنيسابور سنة 458 هـ، وله تصانيف كثيرة في الحديث والفقة الشافعى وغير ذلك من فروع العلم.
(5)
الامام الحافظ الحجة أحمد بن أبى خيثمة زهير بن حرب النسائى - 279 هـ، وهو أبو بكر أحمد بن أبى خيثمة زهير بن حرب بن شداد، نسائى الأصل صاحب التاريخ الكبير عَلِم الحديث عن أحمد بن حنبل ويحي بن معين والأدب عن محمد بن سلام الجُمحى وقال عند الدار قطنى ثقة مأمون، مات في سنة 279 هـ، وقد بلغ 94 عاماً، انظر طبقات الحنابلة لابن أبى يعلى (1/ 42).
سلام (1) ولكن من طريق الزهري (2) موقوفة عليه، وقد وردت الصحيفة ذاتها من رواية الزهري أيضاً، في كتاب الأموال (3) لابن زنجويه (4).
أما صحة الوثيقة، فلا شك أنها تصلح أساساً للدراسة التاريخية؛ التى لاتتطلب عادة تلك الشروط العالية، من صحة الإسناد التى لابد أن تتوفر فيها، للاستدلال على الأحكام التشريعية، وقد ذكرنا صلاحيتها لذلك، للأسباب الآتية:
1 -
أنها وردت من طرق كثيرة، تتضافر في إكسابها القوة، والزهري علم من رواد كتاب السيرة، وهو من أوثق أهل العلم والرواية.
2 -
أن أهم كتب السيرة والتاريخ، ذكرت موادعة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود، وأنهم جميعهم - أي: القبائل الكبيرة المعلومة في التاريخ - هي التي نقضت عهودها، وإلا ما معنى أن ترد الروايات التاريخية، المدعومة بالقرآن الكريم في مهاجمتهم، وإخراجهم من المدينة المنورة، وما ذلك إلا لسبق العهود القوية، التي نقضوها مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكرت الروايات كتابتها - أيضاً - بين المهاجرين والأنصار.
(1) انظر أبا عبيد القاسم بن سلام، الأموال (517)، وهو الهروى الأزدى الخزاى، بالولاء، الخرسانى البغدادى، أبو عبيد، من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقة ولد بهراة سنة 157 هـ، وتوفى بمكة سنة 224 هـ، انظر الأعلام للزركلى (5/ 176).
(2)
الزُهْري: (58 - 124 هـ)، محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهرى، من بنى زهرة بن كلاب من قريش، أبو بكر، أول من دون الحديث وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء، تابعى من أهل المدينة، كان يحفظ ألفين ومئتى حديث، انظر الأعلام للزركلى (7/ 97).
(3)
ابن زنجويه، كتاب الأموال، ص 75، تحقيق د. شاكر ديب فياض.
(4)
ابن زنجويه: حَمِيْد بن زيجوية، أبو أحمد، الإمام، الحافظ الكبير اسمه حميد بن مَخْلَد بن قُتيبة الأَزْدِى النسائى مولده في حدود سنة 180 هـ، وتوفى سنة 251 هـ، على الصحيح، حدث عنه أبو داود والنسائى والبخاري ومسلم وإبراهيم الحربى وأحمد بن حنبل كثير الحديث قديم الرحلة إلى الحجاز ومصر والشام والعراقيين، انظر سير أعلام النبلاء (12/ 19).
3 -
أن أسلوب الوثيقة يدل على أصالتها (1)، فأسلوبها وجملها وما تكرر فيها، ينم على مألوف أساليب العصر المدني، وإن تشابهها، بل واستخدام نفس الجمل مع أساليب كتب الرسول صلى الله عليه وسلم الأخرى ليعطيها قوة ويكسبها الثقة (2).
شواهد على فقرات الوثيقة قرآناً وسنة وتأريخاً:
نذكر بعض الشواهد التى تدل على صحة الصحيفة، من القرآن والسنة وكتب التاريخ، حتى نرد بذلك على القائلين بخلافه، ونبين تهافت كلام"وات".
ونبدأ بالتاريخ لنصل إلى الأعلى، حيث ذكر المؤرخون فقرات معينة، وردت في الصحيفة كالطبري (3) حيث أشار إلى كتابة المعاقل، وكذلك ابن سعد (4) أشار إلى كتابة المعاقل بين المؤمنين، وأن لايترك مُفرح في الإسلام، ولا يقتل مسلم بكافر، وعبد الرزاق الصنعاني (5)، أشار إلى العقل على العاقلة، وأن ذلك بلغهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في الكتاب
(1) صالح العلى، تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة، ص 4 - 5 - .
(2)
محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية، وفيها تلك المقارنات التي تثبت صحة الوثيقة.
(3)
الطبري، التاريخ، (2/ 486)، وهو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد، المؤرخ، المفسر، الإمام، ولد في أمل طبرستان سنة 224 هـ، واستوطن بغداد وتوفى بها سنة 310 هـ، قال ابن الأثير: أبو جعفر أوثق المؤرخين، انظر الأعلام للزركلى (6/ 69).
(4)
ابن سعد، الطبقات، دار صادر بيروت، وهو محمد بن سعد بن منيع الزهرى، مولاهم، أبو عبد الله، مؤرخ، ثقة، حفاظ الحديث ولد بالبصرة سنة 168 هـ، وسكن بغداد وتوفى بها سنة 230 هـ، صحب الواقدى المؤرخ وعرف بكاتب الواقدى قال عنه اعطيت في تاريخ بغداد: بن سعد من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه، انظر الأعلام للزركلى (6/ 136).
- المفرح: المثقل بالدين كثير العيال.
(5)
المصنف (9/ 273 - 274) بإسناد صحيح، لكنه مرسل، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، طبعة بيروت، المكتب الإسلامي، 1392 هـ، وهو ابن همام بن نافع الحميرى (126 - 211 هـ)، مولاهم، أبو بكر الصنعانى، من حفاظ الحديث الثقات من أهل صنعاء، كان يحفظ نحو من سبعين عشر ألف حديث، قال عنه الذهبى: هو خزان علم، انظر الأعلام للزركلى (3/ 353).
الذي بين قريش والأنصار. وذكر المقريزى (1)، وابن حزم (2)، والديار بكري (3)، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً وادع فيه اليهود، ذكر بعضهم بنى قينقاع، والنضير، وقريظة، إلى آخر ما ذكر، والآخر ذكر يهود فقط.
وقد ورد أثرٌ يؤكد موادعته صلى الله عليه وسلم لليهود، وكتابته ذلك معهم، في قصة بني النضير لما غدروا يقول:
«
…
صبحهم صلى الله عليه وسلم بالكتائب، فحصرهم يومه، ثم غدا على بنى قريظة، فحاصرهم، فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بنى النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء
…
(4)» وليس معنى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يكن عاهد بنى قريظة، بل كان بينه وبينهم كتاب، فلما انشغل ببني عمومتهم، - يهود بني النضير - خشي غدرهم، فحاصرهم، فأكدوا له بقاءهم على ما كانوا عليه من العهد، فكان ذلك توكيداً.
وأما ما كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، التي تؤيد فقرات في الوثيقة، فقد روى منها البخاري (5)
(1) المقريزي، إمتاع الأسماع، (1/ 49)، أحمد بن على بن عبد القادر، أبو العباس الحسينى العبيدى، تقى الدين المقريزى، مؤرخ الديار المصرية أصلة من بعلبك ونسبتة إلى حاره المقارزة ولد بالقاهرة سنة 766 هـ، ونشأ بها ومات بها سنة 845 هـ، وولى فيها الحسبة والإمامة والخطابة مرات، انظر الأعلام للزركلى (1/ 177).
(2)
ابن حزم، جوامع السيرة ص 95، وه على بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهرى، عالم الأندلس في عصره، ولد بقرطبة سنة 384 هـ، زكانت له ولأبيه من قبلة رياسة الوزاره فزهد فيها وانصرف إلى العلم، انتقد كثير من العلماء فحذروا منه السلاطين فأقصوه إلى بادية ليلة من بلاد الأندلس فتوفى فيها سنة 456 هـ، انظر الأعلام للزركلى (4/ 254).
(3)
الديار بكرى تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس (1/ 353)، وهو حسين بن محمد بن الحسن، مؤرخ، نسبته إلى ديار بكر، ولى قضاء مكة وتوفى بها حوالى سنة 966 هـ، له تاريخ الخميس أجمل به السيرة النبوية وتاريخ الخلفاء والملوك، انظر الأعلام للزركلى (2/ 256).
(4)
ابن مردويه، ذكره ابن حجر، في فتح الباري، كتاب المغازي، حديث بني النضير وقال: إسناده صحيح، (15/ 202). وأخرجه عبد الرازق في المصنف (5/ 359 - 360)، وأبو داود في سننه (2610) مطولاً. والبيهقي في الدلائل (3/ 198).
(5)
البخاري، (3046)، مع فتح الباري (12/ 137).
وأبو داود (1)(2) والنسائي (3) وابن ماجه (4)، ونذكر مثلاً واحداً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه النسائي:«المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، لايقتل مؤمن بكافر؛ ولا ذو عهد في عهده» .
هذه الروايات تثبت تحرير الكتاب، من النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وتؤيد الفقرات التى جاءت في الصحيفة عن المعاقل، وفداء الأسرى للمهاجرين وبطون الأنصار.
لقد أورد أحد الباحثين، ثمانية أحاديث تثبت أصل الصحيفة، والكتابة بين المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة، وما فيها من تفصيلات، ثم ذكر لها شواهد كثيرة (5).
وأما الآيات القرآنية ..
فقد ذكر الباحث نفسه، سبعاً وعشرين آية، توافق فقرات الصحيفة، ولولا خشية الإطالة، لأوردنا طرفاً منها.
ونهاية النظر في هذه الأدلة، توحي بأن جميع فقرات الصحيفة، لها شواهد من القرآن الكريم، والسنة الصحيحة.
إن الحقيقة العلمية، هي التي حملتنا على الكلام على صحة الوثيقة، بهذا التدقيق
(1) أبو داود، (3000).
(2)
الخطابي، معالم السنن، (2/ 338) بإسناد صحيح.
(3)
النسائي، (8/ 20).
(4)
ابن ماجه، (2658 - 2659 - 2660).
(5)
انظر د. مهدى رزق، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص (313 - 316)، حيث استعان في الكلام على الصحيفة برسالة ماجستير لهارون رشيد محمد إسحاق، وهو الباحث المشار إليه، واسمها" صحيفة المدينة دراسة حديثية وتحقيق" والنقل هنا بتلخيص شديد من ص 133 فما بعدها.
العلمي، نظراً لوجود من يشكك في صحتها، حيث وصلنا إلى أن التشكيك بعد ذلك، يعد مجازفة كبرى، وتَسَرُّعاً في إصدار الأحكام، ومجافاة للأسلوب العلمي، فضلاً عن مخالفة الواقع، كما ذهب إلى ذلك من المعاصرين الأستاذ/ يوسف العش (1)، والأستاذ/ ضيدان اليامي (2).
فالأول ذهب إلى أنها موضوعة، لأنها لم يروها إلا ابن إسحاق، بغير إسناد، والحقيقة - كما ذكرنا وأوردنا - غيرُ ذلك، والثاني: قال بأنها ضعيفة لا تصح، وينبغي عدم الاحتجاج بها، سوى ما ثبت لفظه أو معناه في أحاديث أخر، وجاء في الصحيفة (3)، ومن ثَمَّ كان مهماً ما أوردناه، لنعلم حسن إسنادها لغيره، وأنها صحيحة صالحة للاحتجاج بها، في إثبات تلك السيرة من الوجهة التاريخية.
تاريخ كتابة الصحيفة:
ونتكلم فيه لأجل "وات"، حيث من طريقته - التي أشرنا إليها من قبل - تقطيع أوصال الحوادث، والاستدلال بكل جزء مبتور على زمان، أو على حكم، بحيث يخرج الحادث أو النص، من سياقه التاريخي، إلى تاريخ لا علاقة للنص به، بل ولم يقع فيه، - ويمكن أن يكون قد وقع قبل أو بعد ذلك بسنين متطاولة - ليصل إلى نتائج من السيرة وبواعث لها، قد أعدها سلفاً.
وهذا يجرنا إلى بحث الدكتور/ أكرم العمري، حيث انتهى فيه إلى أن الوثيقة في الأصل كانت وثيقتين، ثم جمع المؤرخون بينهما، لتشابه المواقف والأغراض، وكانت الأولى
(1) يوسف العش، الدولة العربية وسقوطها، حاشية 9 ص 20، وهي ترجمة للكتاب المذكور لفلهاوزن.
(2)
ضيدان اليامى، بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة وثيقة - المدينة.
(3)
د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، ص 311 - 312، حيث ذكر الردود كذلك على هذا الرأي.
بين الرسول صلى الله عليه وسلم، يوادع فيها اليهود، والثانية بين قريش (المهاجرين)، والأنصار، تنص على حقوقهم، وواجباتهم، وما يلتزم به كل طرف، وقد ساق أدلته على ذلك، التي منها: أن كتاب اليهود، كان عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، والكتاب بين المهاجرين والأنصار، كان عند مرجعه صلى الله عليه وسلم من بدر منتصراً على قريش، وكان المهاجرون قد كثروا من مكة، ومن غيرها إلى الدرجة التي تُلْزِم - بعد هذا النصر - أن يوضع دستور يحدد تلك العلاقات.
وأما ماورد من كتابةٍ بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود بعد قتل كعب بن الأشرف اليهودى، - وكان قتل بعد بدر الكبرى -، فإنما كان توكيداً لما سبق، لأن قتل ابن الأشرف كان بسبب نقضه العهد بينه وبين المسلمين، وإعلان العداوة للنبى صلى الله عليه وسلم، وممالأته لقريش على النبي صلى الله عليه وسلم، ورثائه لقتلى بدر، إلى آخر مافعله غادراً بعهده مع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وقد نزل من القرآن الكريم، ما يؤيد ذلك بعد بدر، كما في قوله تعالى:{الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56)} (1)[الأنفال: 56]. وهي تشير إلى أكثر من معاهدة تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود، كما بين ذلك أهل التفسير (2).
ونستعرض الآن بنود الصحيفة سريعاً، مع تحليل لايخل بالمقصود؛ لنرى تقدم الإسلام في هذا الباب، وسبقه للدنيا في إقرار الدساتير، والعمل بمقتضاها، ولنرد سريعاً على "وات" في مزاعمهم التي أوردها.
أما نص الوثيقة فهي:
(1) انظر د. أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ص 276، وما بعدها، حيث ذكر كل أدلته. وذهب إلى تأييد هذا الرأى. د. مهدي رزق الله في السيرة، ص 313، وقد أورده أيضاً د. أكرم العمري في كتابه (المجتمع المدني في عهد النبوة - خصائصه وتنظيماته)، ص (111 - 117)، وذكر في الهامش أن د. صالح العلى ذهب إلى أن وثيقة معاهدة اليهود كتبت أيضاً بعد بدر، تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة ص 6، أما الآية فهي نزلت بعد بدر مباشرة تعقيباً وتعليقاً على غزوة بدر.
(2)
انظر ابن الجوزى، زاد المسير (3/ 372).
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
هذا كتاب، من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش، (وأهل) يثرب ومن تبعهم، فلحق بهم وجاهد معهم.
2 -
إنهم أمة واحدة من دون الناس.
3 -
المهاجرون من قريش، على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف، والقسط بين المؤمنين.
4 -
وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
(5 - 11) كل ذلك نفس بند بنى عوف من الأنصار وهو البند الرابع (4).
12 أ - وإن المؤمنين لايتركون مفرَحاً بينهم، أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل.
12 ب - وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
13 -
وأن المؤمنين المتقين، أيديهم على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم (1)، أو إثماً، أو عدواناً، أو فساداً بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم.
14 -
ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن.
15 -
وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض، دون الناس.
16 -
وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
17 -
وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن، في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.
(1) دسيعة الظلم: طلب عطية بدون وجه حق.
18 -
وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً.
19 -
وإن المؤمنين يبيء بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
20 -
وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
21 أ - وإنه من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولى المقتول بالعقل، وإن المؤمنين عليه كافة، ولايحل لهم إلا القيام عليه.
21 ب - وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولانفساً، ولايحول دونه على مؤمن.
22 -
وإنه لايحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً، أو يؤويه، وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولايوخذ منه صرف ولاعدل.
23 -
وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا تبدأ وثيقة يهود.
24 -
وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
25 -
وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه، وأثم، فإنه لا يوتغ (1) إلا نفسه وأهل بيته.
وما جرى مع يهود بنى عوف يجرى مع بقية قبائل الأنصار حتى البند (36).
36 -
وإنه لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.
36 ب - وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه وأهل بيته، إلا من ظلم وإن الله على أبر هذا.
37 -
وإن عليهم نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والبر دون الإثم.
(1) أي: لا يهلك إلا نفسه وأهل بيته فهم يتحملون معه الدية مثلاً.
37 ب - وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم.
38 -
وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.
39 -
وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
40 -
وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
41 -
وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
42 -
وإن ماكان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
43 -
وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
44 -
وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
45 أ - وإذا دعوا إلى صالح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
45 ب - على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم.
46 -
وإن يهود الأوس مواليهم، وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض، من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبره.
47 -
وإنه لايحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن، بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
وبالتأمل في هذه الصحيفة:
(1) اختصرنا هذه النصوص، ولهذه الوثيقة يمكن مراجعة. محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية، ص 41 - 47، د. اكرم العمرى، السيرة النبوية ص 282 - 285، ود. البوطي، فقه السيرة، ص 159 - 163، د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، ص 316 - 317 وغيرها.
نراها تشتمل على مبادئ دستورية، إما واضحة وشاملة، أو يمكن استنباطها من تلك المبادئ المنصوصة، مع انطواء كل ذلك على أحكام شرعية، ذلك كله يجعل كلمة «دستور» هي أقرب إطلاق مناسب من المصطلحات الحديثة على الوثيقة، ومن ثَمَّ تكون هذه الوثيقة أقدم دستور مكتوب في العالم، وإذا كانت بمثابة إعلان دستور، فإنها شملت على ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث، يوضح الخطوط الكلية لنظام الدولة في الداخل والخارج؛ فيما يتعلق بأفراد الدولة مع بعضهم البعض، أو يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين، ولكن هذه الوثيقة تختلف، أو تزيد عن دساتير اليوم بما يلى:
أولاً: الدولة الإسلامية دولة دستورية، والكلمة العلى فيها للشرع؛ فهى ليست كالدول الدينية في القرون الوسطى في أوربا، والتي حاولوا أن يصموا بها الدولة الإسلامية.
ثانياً: الدولة الإسلامية بدأت حضارتها التى سادت الدنيا، باتباعها لتلك التعاليم والمباديء، وتطبيقها على أرض الواقع، في حين كانت أوربا تحارب العلم، وتحرق العلماء باسم الدين.
ثالثاً: العدالةُ، والمساواةُ، وحريةُ العقيدةِ، التي تمتع بها أفراد الدولة الإسلامية لا تحتاج لدليلٍ، إذ كان يمكن ليهوديٍ - مثلاً - أن يقاضى رئيس الدولة رأساً، ويأخذ حقه منه، في حين أن العنصرية والتمييز ما زالا قائِمَين إلى وقت قريب في أوربا وأمريكا رسمياً، فما زال الواقع يعج أفراداً ومؤسسات بتلك التفرقة وهذه العنصرية والنازية.
رابعاً: هذا الدستور (الوثيقة)، ينطوي على الجانب الأخلاقي، المتمثل في مخاطبة المؤمنين المتقين، بمطالبتهم أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، رجاء الحذر من حساب اليوم الآخر، بما لا نظير له في الدساتير الوضعية.
خامساً: وفي الجانب الاجتماعي، جعلت الوثيقة الجميع - من الأسرة إلى
العشيرة - مسئولاً عما يقع لأفرادها؛ ليقوموا به، من تكافل وتضامن، وإن لم يتمكنوا من ذلك، قامت به الدولة، من بيت مالها، فلا تدع مفرحاً، مثقلاً بالدين، كثير العيال، أو لا عشيرة له، ولا قوم، إلا قامت هي به، تقضي دينه، وتقوم بأولاده، على خلاف واقع اليوم، في الغرب كله، حيث المدين ينتظره الخراب والسجن.
سادساً: هذه المقومات الدستورية - في مجموعها - إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية، وما يتعلق بها من المواد التنظيمية الأخرى، المنبثقة من العقيدة الواحدة، فالمسلم له تلك الحقوق، في أي بقعة كانت من بقاع الأرض، بغض النظر عن الجنسية أو الأرض أو غيرها.
سابعاً: تُمَيِّزُ هذه الوثيقة (الدستور) الإسلامَ بأنه دين شامل، لا يقتصر - كما يريد له المستشرقون وأذنابهم - على علاقة المرء بين الإنسان وربه، أو أنه دين يختص بالعرب، أو لا يخرج عن الحدود الإقليمية، ويكفى تكذيب الواقع لكل ذلك، وما حاولوا نشر هذه الغربة إلا لإيقاف المد الإسلامي المتنامي، وحيوية الإسلام المدهشة، أمام دخول الغرب فيه.
وبعد ذلك نقول: إن هذا الدستور قد وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، بوحي الله له، لأنه:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3 - 4]. وكتبه أصحابه رضوان الله عليهم، وإن تطبيق المسلمين له أيام النبوة وبعدها، وفي أيام تولى الحكم، كان وفقاً لشرع الله. رأينا ذلك كله دليلاً على صحة الوثيقة، ولاشك أن هذه الأصول الدستورية العامة، تؤيد ما جَدَّ مما يحقق مصالح المسلمين، ونفعهم، ولا يتعارض مع أسس الإسلام، ومبادئه، مما يدل على مرونة الشريعة، وسعتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان. لأننا ما سمعنا بإهدار هذه النصوص، أو التفلت من الالتزام بها، إلا حين خالف الناس الشرع، وأداروا ظهورهم له،
متوجهين شرقاً وغرباً، وما انتكست تلك الحضارة إلا بالبعد عن تعاليم الإسلام الصحيحة (1).
وبذلك يظهر الفارق الضخم، بين هذا الدستور والدساتير الأخرى، من حيث إنه يعتمد في تطبيقه على الجانب الدينى، المتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، ليؤكد تلك الأسس الإلهية، في الوازع الحامل للناس على الانقياد لتلك القوانين.
إن تحليلاً سريعاً لبنود الوثيقة يظهر لنا:
- أنها بين المسلمين المؤمنين، من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، فكان أن بينت - من أول بند - أنها اتفاق شامل لكل مسلم في كل مكان، مما يدل على أن المسلم حيث كان، مرتبط بذلك الكيان الواحد، «فإنهم أمة من دون الناس» ، مما يؤكد على رباط العقيدة، فوجهتهم وولاؤهم، لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس للقبيلة ولا للدم، فاتحدت قبلتهم مع شعورهم وأفكارهم؛ وإن احتكامهم كذلك للشرع، وليس لعرف أو تقليد، لا يقرهما الشرع، وكان ذلك يستهدف اعتزازهم بذاتهم، حتى نهاهم أن يتشبهوا بغيرهم، فقال صلى الله عليه وسلم:«من تشبه بقوم فهو منهم» (2)، مميزاً لهم عن غيرهم تميزاً واستعلاء، لا يشكل حاجزاً بينهم وبين غيرهم، ليدخلوا في الإسلام.
- ومع ذلك ذكرت بنود في الوثيقة عشائر الأنصار، ولم تذكرهم ليكون الولاء لغير الله تعالى، - للقبيلة - وإنما بينت بغير لبس أسباب ذلك، في تدرج نظام التكافل من ناحية، والتنظيمات الإدارية من ناحية أخرى، ففى نظام التكافل، بَيَّنَتْ حقوق وواجبات العشيرة الواحدة، من التضامن في إعانة المحتاجين، وفكاك الأسرى، وتحمل الديات، وغيرها، مما
(1) انظر لما سبق د. البوطي، فقه السيرة، ص 161.
(2)
رواه أحمد (4868)، وأبو داود (3512).
هو موجود، أو مما يفرضه الواقع؛ وأما التنظيمات الإدارية، فكثيرة في مسئولية كل عشيرة، في مشاركتها الدولة في القيام بشؤونها، وإعداد رسلها، وجنودها ونقبائها، مع القيام بتنفيذ أمور الدين، وإبلاغ أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأموره ونواهيه، ووصاياه إلى غيرها، والقيام بمصلحة كل فئة، وترتيب كل الأمور، الترتيب اللائق بها في مثل هذا الواقع، ولمثل هذه الأعمال، تحت القيادة العامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
- وكما أكدت الوثيقة ما سبق، فقد أكدت على المسؤلية الجماعية، وأن سائر المؤمنين مسؤلون عن تحقيق الأمن، والعدل، في مجتمع المدينة، خاصة، وأن الحدود الشرعية، وأوامر الشرع، وما يتعلق بشيوع المعروف في المجتمع، كل ذلك من الله تعالى، فكان تطبيقه واجباً دينياً على جميع المؤمنين، ومن ثَمَّ نَصَّت الوثيقة على أن أيدي المؤمنين المتقين، على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثماً، أو عدواناً، أو فساداً بين المؤمنين، وأيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم، وبذلك كان المؤمنؤن المتقون - لكمال إيمانهم عن غيرهم من المؤمنين، الذين يمكن أن يقعوا في مثل ذلك - أحرص من سواهم على القيام بواجبات الدين تلك، وكان مثلاً لذلك، القتلُ، حيث فيه القصاص، إلا أن ينزل أولياء القتيل إلى الدية أو العفو، بينت الوثيقة فيه أنه إن اختار أولياء القتيل القتل أو الدية، فإن المؤمنين جميعهم، بمن فيهم أولياء القاتل، يتعاونون في تطبيق الحكم عليه، وعدم حمايته أو إيوائه، ومن خالف ذلك فعليه لعنة الله، وغضبه يوم القيامة، لا يُقْبل منه صرف ولا عدل.
- وأقرت الوثيقة مبدأ الجوار (1)، وجعلته حقاً للرجل والمرأة على السواء، وهو من دقة المساواة الواقعة بين المؤمنين، بحيث لا يجوز لأحد أن يخفر مسلماً في جواره، إذ ذمة المسلم - أياً كان - محترمة، لا يتعدى عليها حاكم أو محكوم، ولكنها منعت من بقى على شركه من الأوس والخزرج أن يجير قريشاً، أو تجارتها، التي تمر غربي المدينة، إذ في إجارة العدو شيوع
(1) جوار بكسر الجيم وضمها والكسر أفصح، جاور بنى فلان أي تَحَّرم بجوارهم، لسان العرب باب «جور» .
عدم الاستقرار، والعداوة، التي جعلت الوثيقة الأمن بها لجوف المدينة، ومن قعد ومن رحل كل ذلك آمن. إن ذلك تهديد مباشر ونقض لهذه الوثيقة، حيث أقرت الوثيقة العيش في سلام، لكل أهل المدينة، كما قرأنا في بنودها، ولكن الموالاة التي ينبني عليها المحبة والنصرة والمعونة والتأييد، فهي محصورة فقط في المؤمنين؛ إذ لا يجوز لمسلم أن يوالى كافراً، كما قال تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] وقال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 28]. وإن كان الإسلام لا يمنع البر والقسط، مع أهل الكتاب المسالمين له.
- ومع ما تقدم، يصح إذن البند (17) القائل: إن سلم المؤمنين واحدة، ولكن لا يسالم مؤمن لنفسه من دون المؤمنين، بل إن إعلان الحرب من اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه فإن المسلمين جميعاً يكونون في حالة حرب مع ذلك العدو، فلا يمكن لفرد أن يهادنهم، لارتباطه بسياسة المسلمين الواحدة تجاه عدوهم، وإن عبء الحرب يقع على كل المؤمنين، بحيث تعقب كل غازية أخرى متناوبين في الجهاد.
وفي ختام كلام الوثيقة بين المهاجرين والأنصار، كان المرجع الأعلى لكل خلاف يقع بين المسلمين، مرده إلى الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم (1).
وبفراغنا من نظرة عجلى، على ما كان بين المسلمين، من شروط في الوثيقة، نشرع في نظرة أخرى، تلقي - كذلك - الضوء سريعاً على شروط المعاهدة بين المسلمين واليهود، مع تحليل ما يهمنا منها لنرد بكليهما على "وات":
(1) ينظر لما سبق، د. البوطي، فقه السيرة، ص 162، د. أكرم العمري، السيرة النبوية، ص (292 - 298)، د. مهدي رزق، السيرة النبوية، ص (316 - 318)، وبعض ما سبق لأبي عبيد، القاسم بن سلام، الأموال، ص 294.
- إن بنود تلك المعاهدة، التي تنظم هذه العلاقات، بين المسلمين واليهود، تبدأ من البند الرابع والعشرين، إلى السابع والأربعين.
- وإن أول ما يطالعنا في تلك النصوص، هو الحرية الدينية لليهود، وإنهم ما زالوا على ذلك، حتى لما غدروا وأخرجهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة، بنقضهم تلك المواثيق، خرجوا وهم يهود، ومن بقى منهم - من غير القبائل الثلاث اللاتى نكثت أيمانها، ومزقت كتب مواثيقها -، ظل يتمتع بتلك الحرية الدينية، والبقاء في المدينة، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهون عند يهودي (1).
- لم يقتصر الأمر على ذلك، بل جعل صلى الله عليه وسلم ذلك لليهود، ولحلفائهم ولمن تهود من المشركين، فقالت الوثيقة: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم (25 - 35، 46).
- وأكدت كذلك، أن المسؤلية الجنائية، لا تخص إلا صاحبها، فلا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن من ظلم وأثم لايوتغ إلا نفسه وأهل بيته، كما هو الحال مع المسلمين، أو يتركون المدينة، فهم كذلك. (31، 37 ب).
- وإن أجار اليهود أحداً، فهو كالنفس غير مضار ولا آثم، ولكن لاتجار حرمة إلا بإذن أهلها، فلا يفتئت أحد على أحد بجوار إلا أن يوافق أهل المستجير. (40، 41).
- ثم جعلت الوثيقة المدينة حرماً آمناً، حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، فلا يحل انتهاكه، فلا يقتل صيده، ولا يقطع شجره، وحرم المدينة بين الحَرَّة الشرقية والحرة الغربية، وبين جبل ثور في الشمال، وجبل عير في الجنوب، ويدخل وادى العقيق في الحرم، وبذلك
(1) البخاري (2916).
أحلت هذه المادة الأمن في المدينة، ومنعت الحروب الداخلية (1)، وبناء عليه جاءت نصوص التعاون والتناصر، وتتلخص في أن بين أهل هذه الصحيفة، النصر والنصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وتفصيل بعضه فيما يلى:
- أن بينهم النصر على من دهم يثرب، وعلى كل أناس حصتهم التى من قبلهم،
(44، 45) فعلى اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.
- ومهما كان المؤمنون محاربين، فإن اليهود ينفقون معهم ما داموا كذلك.
- وأنهم إذا دعوا صالح فإنهم يصالحونه، وكذلك المؤمنؤن إلا من حارب في الدين، ومن ثَمَّ لا تُجَار قريش ولا من نصرها. لما بينها وبين المسلمين من حرب، وأذى شديد بسبب الإسلام.
- ولوجود هذه الوثيقة، فإنه لا يخرج من المدينة أحد، إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لسلطانه على المسلمين، ولعهده مع اليهود؛ وذلك لما يراه من مصلحة، كأمن المدينة، أو اقتصادها، أو غير ذلك من المصالح العامة، فإن الجميع يخضع للنظام العام، حيث أقر اليهود بسلطة عليا تحاكم فيما يعن من شجار، بين المسلمين واليهود، وهي الرجوع إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، إن كان ما يدخل في ذلك، ليس مما يختصمون فيه من قضاياهم الشخصية، فهم يردون فيها إلى التوراة، ليقضى لهم فيها أحبارهم، إلا حيث يحكمون فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن شاء قضى بينهم، وإن شاء أعرض عن ذلك، كما قال تعالى:{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)} [المائدة: 42].
(1) انظر النووي، شرح مسلم، باب فضل المدينة (1030)، ومحمد حميد الله، الوثائق السياسية، ص (441، 442)، وأشار إلى ذلك د. أكرم العمري، السيرة النبوية، ص 292.
والتزام ذلك جعل من خرج فهو آمن، وأكد على البر والصدق والتقوى، في تنفيذ تلك العهود، فجاءت تلك الكلمات المنيرة، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة، وأصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإن الله جار لمن اتصف بذلك، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
توضح كتابة الصحيفة - نفسها -، وما حوت من بنود، أن السلطة العليا في المدينة، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الواقع الذى لا يستطاع دفعه، أنه لم يكن يُنطق بسلطة أخرى لأحد، يقرر علاقات المدينة الخارجية، وشئونها الداخلية، أمنية واجتماعية واقتصادية من المنطلق الإسلامي، وإعلانها الحرب والسلم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يؤكد على علو مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم، التي لا مراء فيها من ناحية، وعلى صحة بنود هذه الوثيقة من ناحية أخرى.
كما تبرز الوثيقة علاقات هذا الدين الحق، وعلوها ورقيها، وهذا ما كان ينبغى أن نقارنه بآيات من القرآن الكريم لاستكمال المنهج ولكن الإختصار دعانا لذلك.
وات والوثيقة:
لابد من مناقشة المستشرق "وات"، ولو على أقصى سرعة، لإيقافه على محطات الخطأ في سيره مع الوثيقة، وتبيين مواقف الصواب، مع علمنا بدوافعه وبواعثه، التى ذكرناها أكثر من مرة، ولكن بدون تكرار.
إن نقد "وات" الشديد للوثيقة، كان من ثلاث نقاط:
الأولى: دستور المدينة صحةً وتاريخاً.
الثانية: معنى الأمة في هذا الدستور.
الثالثة: مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
ونبدأ بالقضية الأولى؛ ونناقش "وات" فيها من زاويتين، حيث تتلخص رؤيته فيهما
للوثيقة؛ وهما صحة الوثيقة، وتاريخ كتابتها.
أما صحة الوثيقة فإن "وات" يرى:
أولاً: صحة الوثيقة لأسبابٍ متهافتة؛ منها استحالة التزوير في العصرين الأموى والعباسى، فلا يمكن لأي مزور أن يجعل لمحمد صلى الله عليه وسلم هذه المكانة المتواضعة، وأن يحتفظ ببنود ضد قريش، أو أن يجعل غير المسلمين أمة مع المسلمين؛ إذ أن كل ذلك بأسلوب لا شك قديم) (1) (.
ثانياً: نراه شَكَّكَ في صحة الوثيقة، منقلباً على رأيه السابق، ولكن مع تمسكه الشديد بأدلة عدم التزوير في الرأى السابق، - وهذا من عجيب البحث أن ينقض الرأى، ويحتفظ بأدلته، يبدى فيها ويعيد، مفرداً لها صفحات عديدة - وما ذلك إلا لأنه يرى أن هذا
الكلام (2)، هو مقصوده الذى أورده ابتداءً، سواء صح الخبر أم لم يصح، وما يهدف إليه من توجيه السيرة، وجِهَتُه التى أراد منها كون النبي صلى الله عليه وسلم في النهاية - لم يوح إليه، وأن مكانته كذا وكذا، وأن كلام الصحيفة المتناقض يدل على ذلك.
وقد بعدنا - بالاستطراد - عن دليل تشكيكه في الصحيفة، فلنعد إليه؛ وهو أن ابن إسحاق لم يذكر الطريقة التى وصلت بها الوثيقة إليه (3).
تاريخ كتابة الوثيقة:
يرى "وات" أن بنوداً من الوثيقة كتبت في وقتين مختلفين، أو أوقات مختلفة، وذلك
(1) Mohammad at Medina p225 .
(2)
الذى لاشك اخترعه، لأن ذلك ليس من أدلة الصحة والبطلان في أسانيد الأخبار.
(3)
op.cit. p 221 ، وانظر عبد الله النعيم، الإستشراق في السيرة، (112).
لفروق لغوية، وبعض البنود تكرار لبنود أخرى، وتعالج نفس المسائل (1).
مع افتراض أن البنود 15، 16، 19، 23 تمثل نص اتفاق أصلى، وقع بين محمد صلى الله عليه وسلم وقبائل المدينة في العقبة (مكة)، ثم أضيفت بنود جديدة إلى هذه البنود، بين وقت وآخر حسب الحاجة، كما حذفت البنود القديمة
…
هناك مسائل كثيرة غامضة خاضعة للفرضيات) (2) (.
هذه اعتراضات "وات" كما هي، ونبدأ من آخرها، فيتبين لنا شيئ جديد عن "وات" في عرضه للتاريخ، وبحثه في بواعث الأحداث، وأسبابها، فنبدأ بقوله: هناك مسائل كثيرة غامضة خاضعة للفرضيات، وعلى هذا القول، ما يلى:
1 -
هذا دليل الإفلاس في عرض الوقائع، لأن "وات" لم يدع شاردة ولا واردة، يدين بها السيرة وصاحبها - مهما كانت موضوعة لا قيمة لها - إلا وذكرها وأشاد بها، وأكد بكل سبيل من سبله صحتها، وهنا لم يذكر واحدة من الكثير الغامض الذى ادعاه، لأنه لو كان لذكره، وما تغاضى عنه، حتى وإن لم يكن لاخترعه كما قال بلسانه: خاضعة للفرضيات، وكم رأينا افتراضه الكثير مما خطه، يكتب به تاريخاً من عنده، يعينه على استنباط ما أراد سلفاً وأعد.
2 -
لما لم يستطع دفع صحة وقائع وأحداث الوثيقة، بالأدلة التى تفصل القضايا، شكك فيها بهذا القول المجمل، والذى يستطيع كل أحد أن يرد به أي قول لا يتمكن من التصدى لصحته، فيرمى بقوله، ويجرى هناك مسائل كثيرة غامضة.
3 -
السؤال المنطقى، اللازم لما نحن فيه، هو أين الغموض في كثير من مسائل
(1) Mohammad at Medina p 226 ، " وات"، محمد في المدينة، (346 - 347).
(2)
المصدر السابق 227.
الوثيقة؟ بل أين هو في كل مسألة وبند منها؟ سواء في المعنى، أو في اللفظ، أو في كليهما، أو حتى في غير ذلك مما يكتنفه الغموض، أم إنه الشغب والتشويش، وإثارة الغبار على الحقائق عند عدم استطاعة الرد - علمياً كان أو غيره - عليها!
بهذه الأدلة من كلام "وات"، لم نعد بحاجة إلى استكمال نقد كلامه؛ ولكن إحقاقَ الحق وإظهار الباطل في كلامه، يملى علينا مناقشة بقية البنود، وكذا إتماماً للأمانة العلمية في ذلك.
فنعود إلى النقطة الأولى وما بعدها، حيث ذكر "وات":
أولاً: صحة الوثيقة؛ لأنه لا يمكن لأى مزور أن يزور فيها هذه البنود - المسيئة للإسلام وللنبى صلى الله عليه وسلم، على حسب اكتشاف "وات".
نقول آمناً بالله، وصدقنا بصحة الوثيقة، بغض النظر عن أسباب عدم التمكن من تزويرها، إذ يكفى أن يقول "وات" لا يمكن لأى مزور أن يزورها.
فإذا بنا نُفَاجأ بأن "وات" يقول إن الصحيفة مزورة، مع إن أدلة عدم التزوير باقية، وهكذا يكون البحث العلمى النزيه المجرد، ويسوق "وات" أدلة التزوير فيقول:
أولاً: إن ابن اسحاق لم يخبرنا كيف وصلت إليه هذه الصحيفة المزورة - أقصد التى لا يمكن تزويرها -، ونذكر القاريء بأننا رددنا على ذلك - بالإسهاب - في بداية الكلام على الوثيقة؛ حتى لا نضطر لإعادته في الرد على "وات" الرد العلمى الحديثى والتاريخى.
ثانياً: إن الوثيقة كتبت في وقتين، أو أوقات مختلفة) (1) (.... إلى آخره، والرد: إنه ليس بين المتقدمين من كُتَّاب السيرة - مما عرفنا - من ذكر وقتين لها، فضلاً عن أوقات مختلفة! مع إن ذلك لم يكن ليعيبهم في شيء، إذ كتب في الوثيقة ما هو أسوأ منه في نظر "وات"، حتى ادعى
(1) Mohammad at Medina. p. 225.
عدم إمكانية التزوير؛ والمدققون من المتأخرين ذكروا وقتين لا ثالث لهما، ولكن كان الأول بين المهاجرين والأنصار، والثاني بين المسلمين واليهود، وماذا يخالف الواقع أو العقل في ذلك، وذكرنا بقية الكلام وتوضيحه في محله السابق ليكون رداً مقدماً على كلام "وات".
ثالثاً: مما يؤكد به "وات" تشكيكه في الوثيقة - التى لا يمكن تزويرها - هو أن هناك اتفاقاً أصلياً، وقع في العقبة بمكة قبل الهجرة، بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقبائل المدينة، وبنوده هي 15، 16، 19، 23.
ومما يثير الأسى، والحزن، على البحث العلمى، وعلى "وات"، أن ينزل بفكره، وألا يحترم عقله وبحثه إلى هذا المستوى؛ إن البند الخامس عشر يتحدث كما ذكرنا عن إجارة المؤمن، أي: له أن يكفل، ويحفظ، ويمنع من أن يتعرض له أحد بأذى، وذلك في الوقت الذى لم يكن للمؤمن فيه أي احترام ولا قيمة من مشركى مكة ومن غيرهم، فكيف يجير غيره في نفس الوقت الذى لا يستطيع أن يمنع فيه نفسه؛ إن إجارة المسلم كانت تكون ذات قيمة بعد الهجرة، لوجود هذا الكيان السياسى، أو أن يكون لهم من القوة والمنعة ما يجعل غيرهم يستجير بهم ليجيروه. ووات يعلم أن ذلك ما كان ليحدث أبداً قبل الهجرة.
ومع ذلك سطر ما قد سمعنا!
وكذلك البند السادس عشر، أَنَّى يكون قد تعاهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون - قبل
الهجرة - مع اليهود، وهو ينص على أن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، وكما هو معلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقبائل المدينة - أنفسهم - كانوا مستخفين ليلة العقبة، حتى من أهل يثرب (1)، وفي حالة من الاستضعاف، يترقبون بها أن يؤيدهم أحد، أو يدفع عنهم ظلماً مما وقع بهم، بل لا يستطيع كثير منهم أن يعلن إسلامه، ومن عُلمَ إسلامه
(1) ابن هشام، السيرة النبوية (1/ 62).
فهو المتحمل لتبعة ما ينزل عليه ويحيق به من الكفرة. أَنَّى لهؤلاء أن ينصروا يهوداً، وأن يكون اليهود معهم غير مظلومين، وأين كان اليهود ليلة العقبة كما يدعى "وات"، ليتعاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويطلبوا منه ألا يظلموا، وهل يُطلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، إلا في ظل سيادة يتمتع بها المسلمون، متمكنين حالها من أن يظلموا أو أن يكفوا الظلم، وما حدث لهم ذلك إلا في ظل دولة المدينة، فكيف يصرح "وات" بأن هذا البند قد وقع قبل الهجرة؟! وفي هذا الواقع المؤلم؟!
أما البند التاسع عشر، فهو يتكلم عن القتال في سبيل الله تعالى، ووات يعلم علم اليقين أن القتال شُرع بعد الهجرة، وأن تلك الأحوال - في مكة، التى أحاطت بذلك البند - لم تكن ليشرع فيها قتال البتة.
والبند الثالث والعشرون أَظْهَرُ من غيره، إذ ذكر فيه أن مرجعية أي خلاف لأهل الصحيفة، إنما هي لله وللرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ هذه المرجعية العليا - التى قررها الواقع، لتجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحاكم الأعلى - ما استقرت وتحققت وارتضاها المعاصرون لها، الموقعون عليها، إلا في المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا بوات يقرر بما لا يدخل في عقل أحد - فضلاً عن الباحثين - أن المرجعية العليا كانت له صلى الله عليه وسلم في مكة؛ والتى كانت حاله فيها كما هو معلوم من سيرته حتى تركها مستخفياً وهاجر إلى المدينة.
وهكذا رأينا كلام "وات" لا يثبت لأى تحليل أو نقد تاريخى أو نصى، فضلاً عن التحقيق والتمحيص في ذلك.
يقول عبدالله النعيم - ما حاصله -: إن "وات" أوقع نفسه في تلك الورطة، حتى يخرج القبائل اليهودية الكبرى الثلاث - بنى قينقاع، وبنى النضير، وبنى قريظة - من تحمل تبعات الغدر والخيانة للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث لم يوقعوا معه عهودًا؛ لأن العهود كانت في العقبة،
ولم يحضرها أي منهم (1). وكأنه يستجيز لهم ذلك، من محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما فعلت النضير وقريظة وقينقاع، دون أن يرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يعاهدوه على ذلك، وكأن هذه الأحداث بغير عهد مباحة لهم، لا يعاقبون عليها، فلم يخرج "وات" من مستنقع البحث الآسن، المليء بما وصفنا من قبل.
أما السبب الذى لم يَمْحُه "وات"، حيث جعله من أدلة صحة الوثيقة، هو ضعف مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، وجعله من أعمدة عدم تزوير الوثيقة، فلما شكك في صحة الوثيقة، إذ به يبقى أعظم أدلة عدم التشكيك فيها بله التزوير بإبقاء هذا الدليل، وإذا أثبت صحة دليل عدم التزوير، فالوثيقة صحيحة فلم التشكيك وإثبات عدم ذلك؛ أو أنه شكك وأثبت عدم صحة الوثيقة فلم أبقى دليل عدم التزوير، بل دليل الصحة عنده؟! الباعث واضح لا يحتاج لتأمل، أو حتى نظر، فهو قد اخترع مكانة للنبى صلى الله عليه وسلم، تنطق الوثيقة بعكسها تماماً، ليبنى عليها كل تلك المجازفات، مع عدم المبالاة بعقل أو بحث؛ إلى آخره.
وتتلخص أدلة "وات" - على ما سبق - في أن النبي صلى الله عليه وسلم زعيم قِبَلِّي كغيره، بل هناك من هو أعظم نفوذاً منه، وأن دستور المدينة ليس دليلاً صادقاً على مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، حين وصل المدينة، بدليل أنه لم يستطع ملاحقة ابن أُبَىٍّ، حتى طلب الإذن بذلك، وأنه ترك تقرير عقوبة قريظة لزعيم حلفائها، وأن أهل المدينة لم يعترفوا له صراحة بالحكم بينهم، وإنما قبلوا ذلك بالقوة حين ترك الوحى يأمره بالرجوع إلى الله في خلافاتهم كافة، وأن وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن صراحة إلا بعد الحديبية، حيث لا يوجب ذلك دستور المدينة. وأن سلطات النبي صلى الله عليه وسلم بدأت تتسع تدريجياً) (2) (.
(1) انظر عبد الله النعيم، الإستشراق في السيرة (112 - 116).
(2)
محمد في المدينة وما بعدها Mohammad at Media p. 228.
وبداية الرد السريع المختصر؛ لأن كل سطر عند "وات" يحتاج لنقد لا ينقضى عجب المرء منه، وكيف استجاز ذلك على عقله ونفسه!
إن كلامه من أول سطر يناقض قرائن الأحوال ووقائعها، ويضرب بعضه بعضاً، فبينما يذكر لنا:
أولاً: كون النبي صلى الله عليه وسلم زعيماً كغيره، بل هناك من هو أعظم نفوذاً منه؛ فإنه لم يذكر لنا غيره، ولا عِظَم نفوذه، ونحن نُذَكِّره بأن الواقع لم يذكر لنا زعيماً غيره، بيده مقاليد أمور الزعامة في المدينة، سلماً وحرباً، وعلاقات جوار خارجية، وتنظيماً داخلياً. من كان بيده شيء من ذلك عند مجئ النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؟ لقد ذكر كتاب السيرة ابن أُبَىٍّ، وأنهم يعدونه للملك عليهم، فهل ملك بدخول الرسول المدينة شيئاً؟!
وكان على "وات" أن يذكر أي انسان آخر يُسَيِّر أمور المدينة بما كان يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة وإن جميع الرسل الذين أتوا المدينة كانوا ينزلون، أو يعاهدون، أو يسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه مخالفة صارخة للواقع لا يمكن أن يكون الباعث عليها علم أو حياد أو نزاهة.
ثانياً: كون طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تجب حتى صلح الحديبية، ويناقض قوله ذلك بدعواه أنهم حُمِلوا بالقوة على الطاعة، وتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم، لنزول الوحى يأمر بذلك.
أما كون طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن واجبة، فهو إلقاء للقول على عواهنه، بغير بينة إلا الاتهام المسبق، وإلا فوات يعلم - قبل غيره - نزول آيات وجوب الطاعة في أول ما نزل بالمدينة على الأقل، فقد جاءت سورة الأنفال وهي من أوائل ما نزل هناك، وأولها الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)} [الأنفال: 1] وكل الآيات
- تقريباً - الآمرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تكذب وات وهو يعلم ذلك، إذ نزلت قبل الحديبية (1).
ثم ما هي القوة التى حملت المؤمنين على الطاعة وتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكرت؟! أليس هو صاحب المكانة والنفوذ الضعيفين؟! لدرجة عدم تمكنه من ملاحقة ابن أُبَىٍّ؟ فما الذى تغير حتى تكون له كل هذه القوة الحاملة على انقياد المدينة والتزامها بأوامره، وما المانع إذاً أن يكون دستور المدينة قد أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيمه؟! مع أننا متيقنون أنه لم يكن يحكم غيره، أو ما سمعنا - فيما وصلنا - تحكيم غيره، أو طاعته، على شيء من هذا النحو الذى كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إذا كان مَرَدَّ قوة الرسول صلى الله عليه وسلم، التى حملت الناس على تحكيمه هو الوحىُ، فقد كان الوحى أقدم من صياغة الوثيقة، فما المانع - على رأى وات - أن يُحْملوا على تحكيمه صلى الله عليه وسلم من أول يوم وصل المدينة بتلك القوة الجبرية المدعاة.
ثم إن هناك واقعاً يعلمه وات قد حدث في العقبة الثانية، وهو بيعة الأنصار للنبى صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ذلك ابن اسحاق، فيما رواه عن عبادة بن الصامت، يدل على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث يقول في بيعة العقبة:«بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يسرنا وعسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» (2).
وقد كانت علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين في دستور المدينة، غير موقوفة على أن يسمعوا له ويطيعوا عندما يدهم المدينة عدو، بل ما رأيناه من سعد بن معاذ رضي الله عنه عند مسير قريش إلى المدينة، يوضح خلافه، فقد قال رضي الله عنه عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يود أن يسمع رأى الأنصار في
(1) آيات الأمر بالطاعة وهي: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]، وقوله تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} [المائدة: 92]، وقوله تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا} [الأنفال: 46]، وقوله تعالى:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور: 54]، وقوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)} [النور: 56]، قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)} [محمد: 33].
(2)
ابن هشام، السيرة النبوية، (2/ 71) وحديث عبادة رواه البخاري (7056)، ومسلم (1709). ترجمة عبادة.
دل ما سبق على أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة، وقد فهم ذلك الأنصار، بل هي من الواجبات التى لا تخلف فيها في أدق المواقف وأصعبها، فما بال الباحث بما دون ذلك، وفي النهاية يكون استدلال وات بما اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عبد الله بن أبى بن سلول - رأس المنافقين - من ترك عقابه بعد مشاركته في حديث الإفك، لا يساوى ذكره أو كتابته، ومع ذلك ننظر فيه، فإذا به لم يكن إلا سياسة حكيمة من الرسول صلى الله عليه وسلم، لعدم تنفير الأنصار من الإسلام، وكذلك لعزل ابن أبى سياسياً، واجتماعياً، حتى إنه لم ترفع له رأس بعد ذلك، وقد وصل الأمر بهذه السياسة الحكيمة منه صلى الله عليه وسلم، أن منع ولد ابن أبى - وكان مسلماً - بعد إعلانه قتل والده للرسول صلى الله عليه وسلم إن شاء، ذلك بعد أن منع الابن أباه من دخول المدينة حتى يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد اتفق الصحابة على أن تلك السياسة كانت الأصح، والأولى في هذه القضية، ثم يأتى وات ليقول - فارغاً من القول عقلاً وواقعاً - بأن ذلك دليل ضعف مكانة النبي صلى الله عليه وسلم! تراه - عليه أفضل الصلاة والسلام - لو أمر ابنه بقتله، أما كان ليقتله؟! فأين ضعف المكانة؟!
واستدل وات كذلك على ضعف مكانة النبي، بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ قرار تصفية جيب بنى قريظة بعد خيانتهم في الخندق، وأوكل التحكيم فيهم لسعد بن معاذ حليفهم، وكان الأجدر بـ"وات" أن يصرح بأن مكانة سعد بن معاذ كانت أعلى من مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا
(1) ابن هشام، السيرة النبوية، (2/ 189)، وانظر عبد الله النعيم، الإستشراق، (122 - 123).
الموقف، وفي زعامته للأوس، وانتهت مكانة المتبوع المطاع صلى الله عليه وسلم بارتفاع مكانة سعد بن معاذ رضي الله عنه التابع عليه، وانتهت النبوة والزعامة، وآل الأمر لسعد، بدلاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وبدلاً من ابن أبى الذى كادوا ينصبونه ملكاً عليهم، هذا خلط وعمى في البحث، وتعام عن الحق، وقصد مشوب بدليل منهار.
إن ملخص القصة، أن بعض الأوس قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك لهم بنى قريظة، كرامة لهم (1)، كما ترك لابن أُبَىٍّ - زعيم الخزرج - بنى قينقاع، فترك لزعيم الأوس - وهو سعد بن معاذ رضي الله عنه – بني قريظة، فأين الضعف، هلا كان ضعيفاً يوم ترك بنى قينقاع لابن أُبَىٍّ؟! وكان أعلى مكانة من سعد بن معاذ في الجاهلية زعامة وأتباعاً؛ وقد ذكر وات أن سلطات النبي صلى الله عليه وسلم بدأت تتسع تدريجياً، فهل تقلصت عند بنى قريظة فتركها ضعفاً لسعد بن معاذ؟! ترى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم هو المتخذ لقرار التصفية كان سيتعرض له أحد بقتال؟! أو أن ينضم مع بنى قريظة لقتاله؟! وهل لو اجتمعت بنو قريظة والأوس جميعاً كانوا يستطيعون قتاله؟! وهم حينئذ قد افترض أنهم كفروا بالله ورسوله؛ لقد جمع ابن أبى رجاله - وكانوا أكثر من الأوس - إلى جانب بنى قينقاع، وكانوا أشرف من قريظة عند يهود، وأشد تمرساً في القتال منهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حديث عهد بمجيئه المدينة، في قلة من العدد والعدة، ولم نر منهم إلا الاستسلام، فأين الضعف الذى يخالفه الواقع والأحداث والأدلة؟! ذلكم وات وتلك بواعثه، وهذه أدلته على تلك البواعث.
لقد جاء في نقد وات للوثيقة – الدستور - أقوال أُخَر، لا تستحق الوقوف عندها، وقف عندها الباحث عبد الله النعيم، فنحيل القاريء إليها (2).
(1) إن رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الجانب كان من منطلق سياسته الحكيمة، ومعالجته الإلهية للأمور التى دائماً ما يأخذنا "وات" بعيداً عنها إلهاء عن واقع النبوة وتصرفاتها، وإتصال الأرض بالسماء في شخصه المعظم صلى الله عليه وسلم. لينسينا رسالته والوحى إليه.
(2)
له أقوال في قضية «مفهوم الأمة» الوارد في الوثيقة، انظر عبد الله النعيم، الاستشراق في السيرة (117 - 120).