المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فالركوع للقلب بالذات والقصد، وللجوارح بالتبع والتكملة. ثمّ شرع له أن - الكلام على مسألة السماع - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌صورة الاستفتاء

- ‌الفصل الثاني: أن تَعاطِيَها على وجه اللعب واللهو والمجون

- ‌كل ما ليس بطاعة للرسول فهو هوى للأنفُس

- ‌ هذا من النفاق الذي أنبتَه الغناءُ في القلب

- ‌ السماع من الأسباب التي يُتوصَّل بها إلى ظهور الكوامن الباطنة

- ‌فصلفي التنبيه على نكتة خفية(4)من نكت السماع

- ‌لله في كل جارحة من جوارح العبد عبوديةٌ تخصُّه

- ‌ سرُّ الصلاة ولبُّها إقبال القلب فيها على الله وحضوره بكليته بين يديه

- ‌ التكبير

- ‌ الركوع

- ‌السجود

- ‌ من القول ما يَحرُمُ استماعه، ومنه ما يُكْرَه

- ‌ الألف واللام هنا لتعريف العهد

- ‌ ذم استماع القول الذي هو الغناء

- ‌ليس لأحد أن يبتدع دينًا لم يأذن به الله، ويقول: هذا(5)يحبه الله

- ‌الأعمال أربعة: فواحد منها مقبول، وثلاثة أرباعها مردودة

- ‌ السماع المحدَث من أعظم المحركات(4)للهوى

- ‌هذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس

- ‌ الاستعانة على الحق بالشيء اليسير من الباطل

- ‌الصوت الذي يُفعَل(3)عند النعمة هو صوت الغناء

- ‌الثاني: أنَّ اللفظ الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على مورد النزاع

- ‌خلو العباداتُ من ملابسة الصور والتعلق بها

- ‌ الثالث: كثرة إيقاد النيران بالشموع وغيرها

- ‌ الخامس: ما يقارنه من الرقص والتكسُّر والتخنيث

- ‌ السادس: ما يُقارنه من آلات اللهو والمعازف

- ‌السابع: ما يُقارنه من عُشَراء السوء وخُلَطاء الشر(4)الذين يُضِيْعون الصلوات(5)، ويتبعون الشهوات

- ‌الثامن: ما يقارنه من حركات النفوس المختلفة، والأصوات المنكرة، والحركات العظيمة

- ‌العمل لا يُمدح أو يُذَمّ بمجرد اشتماله على اللذة وعدمها

- ‌ من أصول الشرك والضلال

- ‌ دلالته على الذم والمنع أقرب من دلالته على الجواز والاستحباب

- ‌ ميزان أهل العلم والاعتدال

- ‌ تزندقَ بالسماع طوائفُ لا يُحصِيهم إلا الله، كما تزندق بالكلام

- ‌ التوسُّطُ في أمرِ السماع

- ‌سلامة القلب نوعان:

- ‌ بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين

- ‌ لم يلزم منه الرخصة للرجال ولا في عموم الأحوال

- ‌هو مجرد حظ النفس وغذاؤها

الفصل: فالركوع للقلب بالذات والقصد، وللجوارح بالتبع والتكملة. ثمّ شرع له أن

فالركوع للقلب بالذات والقصد، وللجوارح بالتبع والتكملة.

ثمّ شرع له أن يحمد ربه ويثني عليه بآلائه عند اعتداله وانتصابه، ورجوعه إلى أحسن هيأته منتصبَ القامة معتدلَها، فيحمد ربه ويثني عليه بأن وفَّقه لذلك الخضوع.

ثمّ نقله منه إلى مقام الاعتدال والاستواء بين يديه، واقفًا في خدمته، كما كان في حال القراءة. ولهذا شرع له من الحمد والثناء والمجد نظير ما شرع له في حال القراءة

(1)

من

(2)

ذلك. ولهذا

(3)

الاعتدال ذوق خاص وحال يحصل للقلب سوى ذوق الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته، كركن الركوع و‌

‌السجود

سواء، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطيله كما يُطيل الركوع والسجود، ويكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد كما ذكرناه في هديه

(4)

صلى الله عليه وسلم، وكان في قيام الليل يُكثِر فيه من قول:"لربّي الحمد، لربّي الحمد"

(5)

، يكررها.

ثمّ شرع له أن يكبّر ويَخِرَّ ساجدًا، ويُعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه مسندةً،

(1)

"ولهذا شرع

القراءة" ساقطة من الأصل.

(2)

ك: "في".

(3)

"ولهذا" ليست في الأصل.

(4)

أي "زاد المعاد"(1/ 249).

(5)

أخرجه أحمد (5/ 398) وأبو داود (874) والترمذي في الشمائل (270) والنسائي (2/ 199، 231) وغيرهم عن حذيفة بن اليمان. وهو حديث صحيح.

ص: 133

راغمًا له أنفه خاضعًا له قلبه

(1)

، ويضع أشرفَ ما فيه وهو وجهه بالأرض ولاسيما على التراب

(2)

، مُعفِّرًا له بين يدي سيده، راغمًا له أنفه، خاضعًا له قلبه وجوارحه، متذللًا لعظمته، خاضعًا لعزته

(3)

، مستكينًا

(4)

بين يديه، أذلَّ شيء وأكسرَه لربه تعالى، مسبِّحًا له بعلوِّه في أعظم سفوله

(5)

، قد صارت أعاليه ملويَّة

(6)

لأسافله ذلًّا وخضوعًا وانكسارًا، وقد طابق [55 أ] قلبه حال جسمه، فسجد القلب كما سجد الوجه، وقد سجد معه أنفه ويداه وركبتاه ورجلاه، وشرع له أن يُقِلَّ فخذيه عن ساقيه، وبطنَه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، ليأخذ كل جزء منه حظَّه من الخضوع، ولا يحمل بعضه بعضًا، فأحْرِ به

(7)

في هذه الحال أن يكون أقربَ إلى ربه منه في غيرها من الأحوال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"

(8)

. ولما كان سجود القلب خضوعه التام لربه أمكنه استدامة هذا السجود إلى يوم اللقاء

(9)

. كما

(1)

"مسندة، راغمًا له أنفه خاضعًا له قلبه" ساقطة من ع، ك.

(2)

ك: "الأرض".

(3)

ع، ك:"لقربه".

(4)

ع: "مسكينا".

(5)

بعدها في ع، ك:"هو".

(6)

ع، ك:"مساوية".

(7)

ك: "فاخرته" تصحيف.

(8)

أخرجه مسلم (482) عن أبي هريرة.

(9)

في الأصل: "لقاء".

ص: 134

قيل لبعض السلف

(1)

: هل يسجد القلب؟ قال: إي والله! سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقى الله.

ولما بنيت الصلاة على خمس: القراءة والقيام والركوع والسجود والذكر، سُمِّيت باسم كل واحد من هذه الخمس، فسميت قيامًا كقوله تعالى:{قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 2]، وقوله:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]. وقراءةً كقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، وركوعًا كقوله تعالى:{وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43]، وقوله:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48]، وسجودًا كقوله:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 98]، وقوله:{كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، وذكرًا كقوله:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، وقوله:{لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9]. وأشرف أفعالها السجود، وأشرف أذكارها القراءة، وأول سورة أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم[55 ب] افتتحت بالقراءة

(2)

وختمت بالسجود، ووضعت الركعة على ذلك، أولها قراءة وآخرها سجود.

(1)

هو سهل بن عبد الله التستري كما في "مجموع الفتاوى"(21/ 287، 27/ 138). وذكره المؤلف في "طريق الهجرتين"(ص 450).

(2)

ك: "بالقرآن".

ص: 135

ثمّ شرع له أن يرفع رأسه ويعتدل جالسًا، ولما كان هذا الاعتدال

(1)

محفوفًا بسجودين: سجود قبله وسجود بعده، فينتقل من السجود إليه ثمّ منه إلى السجود، كان

(2)

له شأن. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطيله بقدر السجود، ويتضرع فيه

(3)

إلى ربه ويستغفره، ويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته

(4)

، وله ذوق خاص وحال للقلب غير ذوق السجود وحاله، فالعبد في هذا القعود قد تمثَّل جاثيًا بين يدي ربه، مُلقيًا نفسه بين يديه، معتذرًا إليه مما جناه، راغبًا إليه أن يغفر له ويرحمه مستعديًا على نفسه الأمَّارة بالسوء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الاستغفار

(5)

، في هذه القعدة، ويكثر رغبته

(6)

إلى الله فيها.

فمثِّلْ نفسَك بمنزلة غريمٍ عليه حق الله وأنت كفيل به، والغريم مماطلٌ

(7)

مخادع، وأنت مطلوب بالكفالة، والغريم مطلوب بالحق، فأنت تستعدي عليه حتى تستخرج ما عليه من الحق لتتخلص من

(1)

ع: "الجلوس".

(2)

ع: "وكان".

(3)

"فيه" ليست في ك.

(4)

كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود (850) والترمذي (284) وابن ماجه (898) عن ابن عباس. وإسناده حسن. وقال الترمذي: حديث غريب. وصححه الحاكم (1/ 262، 271).

(5)

كما في حديث حذيفة الذي سبق تخريجه (ص 133).

(6)

ع: "الرغبة".

(7)

ك: "باطل".

ص: 136

المطالبة. والقلب شريك النفس في الخير

(1)

والشر والثواب والعقاب والحمد والذم، والنفس من شأنها الإباق والخروج من رِقّ العبودية، وتضييع حقوق الله التي قبلها، والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها، وهي شريكه وأسيره إن قوي سلطانه.

فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله [56 أ] مستعديًا على نفسه، معتذرًا إلى ربه مما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه ويغفر له ويهديه ويرزقه ويعافيه. وهذه الخمس هي جماع

(2)

خير الدنيا والآخرة، فإنَّ العبد محتاج بل مضطرٌّ إلى تحصيل مصالحه في الدنيا وفي الآخرة، ودفع المضارِّ عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمنها هذا الدعاء، فإنَّ الرزق يَجلِبُ له مصالحَ دنياه، والعافية تدفع عنه

(3)

مضارَّها، والهداية تَجلِب له مصالحَ

(4)

أخراه، والمغفرة تدفع عنه مضارَّها، والرحمة تجمع ذلك كله.

وشرع له أن يعود ساجدًا كما كان، ولا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد، لفضل السجود وشرفه وموقعه من الله، حتى إنَّه أقرب ما يكون إلى عبده وهو ساجد، وهو أدخل في

(1)

ع: "بالخير".

(2)

"جماع" ليست في ك.

(3)

"عنه" ليست في الأصل.

(4)

"دنياه

مصالح" ساقطة من ك.

ص: 137

العبودية وأعرقُ

(1)

فيها من غيره، ولهذا جُعِل خاتمة الركعة، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحلُّه من الصلاة محل طواف الزيارة، وما قبله

(2)

من التعريف وتوابعه مقدمات بين يديه، وكما أنَّه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك وهو طائف. ولهذا قال بعض الصحابة

(3)

لمن كلمه في طوافه بأمر من الدنيا: "أتقول هذا ونحن نتراءى لله في طوافنا؟ ". ولهذا والله أعلم جعل الركوع قبل السجود تدريجًا وانتقالًا من الشيء إلى ما هو أعلى منه.

وشرع له تكرير هذه الأفعال والأقوال، إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قِوامَ لهما

(4)

إلَّا بها، فكان [56 ب] تكريرها بمنزلة تكرير الأكل حتى يُشبِع، والشرب حتى يُروِي، فلو تناول الجائع لقمة واحدة وأقلع عن

(5)

الطعام، ماذا كانت تُغني عنه؟

ولهذا قال بعض السلف

(6)

: "مثل الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع، إذا قُدِّم إليه طعام فتناول منه لقمةً أو لقمتين، ماذا

(1)

ع، ك "وأعرف".

(2)

ك: "قبلها".

(3)

هو ابن عمر كما في طبقات ابن سعد (4/ 167).

(4)

ك: "لها".

(5)

في النسخ: "عنه".

(6)

ورد نحوه في حديث مرفوع عن أبي عبد الله الأشعري، أخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. انظر "مجمع الزوائد"(2/ 121).

ص: 138

تُغنِي عنه؟ ".

هذا

(1)

، وفي إعادة كل قول أو فعل من العبودية والقرب، وتنزيل الثانية منزلة الشكر على الأولى، وحصول مزيدٍ منها ومعرفةٍ وإقبالٍ وقوة قلب وانشراح صدر وزوال دَرَنٍ

(2)

ووسخٍ عن القلب، بمنزلة غسل

(3)

الثوب مرة بعد مرة، فهذه حكمة الله التي بهرت العقول في خلقه وأمره، ودلَّت على

(4)

كمال رحمته ولطفه.

فلما قضى صلاته وأكملها ولم يبقَ إلا الانصراف منها، شرع له الجلوس بين يدي ربه، مُثنيًا عليه بأفضل التحيات التي لا تصلح إلا له، ولا تليق بغيره.

ولما كان عادة الملوك أن يُحيَّوا بأنواع التحيات من الأفعال والأقوال المتضمنة للخضوع والثناء وطلب البقاء ودوام الملك، فمنهم من يُحيَّى بالسجود، ومنهم من يُحيَّى بالثناء عليه

(5)

، ومنهم من يُحيَّى بطلب البقاء والدوام له، ومنهم من يُجمع له ذلك كله، فكان الملك الحق

(6)

سبحانه أولى بالتحيات كلها من جميع خلقه، وهي له

(1)

"هذا" ليست في ع.

(2)

ك: "ذوق" تحريف.

(3)

"غسل" ليست في ع.

(4)

ك: "عليه".

(5)

"عليه" ليست في ع.

(6)

"الحق" ليست في ك.

ص: 139

بالحقيقة، ولهذا فُسِّرت التحيات بالملك، وفسرت بالبقاء والدوام، وحقيقتها ما ذكرته، وهي تحيات الملك، فالملك الحق المبين أولى بها.

فكل تحية يُحيَّى بها ملِكٌ من سجود أو ثناء أو بقاء ودوام فهي لله عزوجل، ولهذا أتى بها مجموعةً معرَّفةً باللام إرادةَ

(1)

العموم، وهي جمع تحية، وهي تفعلة من الحياة، وأصلها تَحيِيَة بوزن [57 أ] تكرِمة، ثمّ أُدغِم أحد المثلين في الآخر فصارت تحيَّة، وإذا كان أصلها من الحياة فالمطلوب

(2)

بها لمن يُحيَّا بها دوام الحياة.

وكانوا يقولون لملوكهم: لك الحياة الباقية، ولك الحياة الدائمة، وبعضهم يقول: عشرة آلاف سنة، واشتقَّ منها: أدام الله أيامك، وأطال الله بقاءك، ونحو ذلك مما يراد به دوام الحياة والملك، وذلك لا ينبغي إلا للحي الذي لا يموت، وللملك الذي كل مُلكٍ زائل غير ملكه.

ثمّ عطف عليها "الصلوات" بلفظ الجمع والتعريف، ليشمَل

(3)

كلَّ ما أطلق عليه لفظ الصلاة خصوصًا وعمومًا، فكلها لله، لا تنبغي إلا له، فالتحيات له ملكًا، والصلوات له عبوديةً واستحقاقًا، فالتحيات لا تكون إلا له

(4)

، والصلوات لا تنبغي إلا له.

(1)

كذا في الأصل، ع. وفي ك:"أراد". ولعل الصواب: "أداة".

(2)

في النسخ: "والمطلوب".

(3)

ع: "يشتمل".

(4)

"والصلوات

إلا له" ساقطة من ك.

ص: 140

ثمّ عطف عليها "الطيبات" كذلك، وهذا يتناول أمرين: الوصف والملك.

فأما الوصف فإنَّه سبحانه طيب، وكلامه طيب، وفعله كله طيب، ولا يصدر منه إلا الطيب، ولا يضاف إليه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب، فالطيبات له وصفًا وفعلًا وقولًا ونسبةً، وكل طيب مضاف إليه، وكل مضاف إليه طيب، فله الكلمات

(1)

الطيبات والأفعال الطيبات، وكل مضاف إليه كبيته

(2)

وعبده وروحه وناقته وجنته فهي طيبات.

وأيضًا فمعاني

(3)

الكلمات الطيّبات لله وحده، فإن الكلمات الطيبات تتضمن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده والثناء عليه بآلائه وأوصافه، فهذه الكلمات الطيبات التي يُثنَى عليه بها ومعانيها له وحده لا يَشرَكُه

(4)

فيها غيره، كسبحانك اللهمَّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ونحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ونحو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. [57 ب]

فكل طيب فله وعنده ومنه وإليه، وهو طيب لا يقبل إلا طيبًا، وهو إله الطيبين، وجيرانُه في دار كرامته هم الطيبون.

(1)

ع: "الكمال" تحريف.

(2)

ع، ك:"كنبيه".

(3)

ك: "فمعنى".

(4)

ك: "لا شريك له".

ص: 141

فتأملْ أطيبَ الكلمات بعد القرآن كيف لا تنبغي إلا لله، وهي:"سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". فإن "سبحان الله" تتضمن تنزيهه عن كل نقص وعيب وسوء، وعن

(1)

خصائص المخلوقين وشبههم. و"الحمد لله" تتضمن إثبات كل كمال له قولًا وفعلًا ووصفًا، على أتمِّ الوجوه وأكملها أزلًا وأبدًا. و"لا إله إلا الله" تتضمن انفراده بالإلهية، وأن كل معبود سواه فباطل، وأنه وحده الإله الحق، وأنه من تألَّه غيرَه فهو بمنزلة من اتخذ بيتًا من بيوت العنكبوت يأوي إليه ويسكنه. و"الله أكبر" تتضمن أنه أكبر من كل شيء وأجلُّ وأعظم وأعز وأقوى وأقدر وأعلم وأحكم. فهذه الكلمات الطيبات لا تصلح هي ومعانيها إلا لله وحده.

ثم شرع له أن يُسلِّم على عباد الله الذين اصطفى بعد تقدّم الحمد والثناء عليه بما هو أهله، فطابق ذلك قوله:{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59]، وكأنه امتثال له. وأيضًا فإن هذا

(2)

تحية المخلوق، فشُرعت بعد تحية الخالق، وقدّم في هذه التحية أولى الخلق بها، وهو النبي صلى الله عليه وسلم الذي نالت أمته على يده

(3)

كلَّ خير، وعلى نفسه بعده، وعلى سائر عباد الله الصالحين، وأخصهم بهذه التحية الأنبياء، ثم أصحاب

(1)

"عن" ليست في ع.

(2)

ك: "هذه".

(3)

ع: "يديه".

ص: 142

رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع عمومها لكل عبدٍ لله صالحٍ في الأرض والسماء.

ثم شرع له بعد ذكر

(1)

هذه [58 أ] التحية والتسليم على مَن يستحق التسليم خصوصًا وعمومًا أن يشهد شهادة الحق التي بُنِيت عليها الصلاة، وهي حق من حقوقها، ولا تنفعه إلا بقرينتها وهي الشهادة

(2)

لرسول الله بالرسالة، وختمت بها الصلاة، كما قال عبد الله بن مسعود: "فإذا قلتَ ذلك فقد

(3)

قضيتَ صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"

(4)

. وهذا إمّا

(5)

أن يُحمل على قضاء الصلاة حقيقةً كما يقوله الكوفيون، أو على مقاربة انقضائها ومشارفته كما يقوله أهل الحجاز وغيرهم، وعلى التقديرين فجُعلت شهادةُ الحق خاتمةَ الصلاة كما شرع أن تكون خاتمة الحياة، فمَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة

(6)

، وكذلك شرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالشهادتين

(7)

.

(1)

ع، ك:"ذلك".

(2)

الأصل: "شهادة".

(3)

"فقد" ليست في الأصل.

(4)

أخرجه أبو داود (970) عن ابن مسعود، والصواب أنه موقوف عليه كما قال المؤلف.

(5)

"إما" ليست في ك.

(6)

أخرجه أحمد (5/ 233، 247) وأبو داود (3116) عن معاذ بن جبل. وإسناده صحيح.

(7)

كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (234) عن عقبة بن عامر.

ص: 143

ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته، وشرع له أن يتوسل قبلها بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء، كما في السنن عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصلِّ على رسوله، ثم ليسلْ حاجته"

(1)

.

فجاءت التحيات على ذلك، أولها حمدُ الله والثناء عليه، ثمّ الصلاة على رسوله

(2)

، ثم الدعاء آخر الصلاة، وأذن النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي بعد الصلاة عليه أن يتخير من الدعاء أعجبَه إليه

(3)

، ونظير هذا ما شرع لمن سمع

(4)

المؤذن أن يقول كما يقول

(5)

، وأن يقول:"رضيتُ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولًا"

(6)

، وأن يسألَ الله لرسوله الوسيلةَ والفضيلةَ

(7)

، وأن يبعثَه المقامَ المحمود

(8)

، [58 ب] ثم يصلّي عليه

(9)

، ثم يسألَ حاجته

(10)

.

(1)

أخرجه أحمد (6/ 18) وأبو داود (1481) والترمذي (3477) والنسائي (3/ 44) عن فضالة بن عبيد. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(2)

"ثم ليسل

رسوله" ساقطة من ك.

(3)

كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (835) ومسلم (402) عن ابن مسعود.

(4)

ك: "يسمع".

(5)

كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (611) ومسلم (383) عن أبي سعيد الخدري.

(6)

كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (386) عن سعد بن أبي وقاص.

(7)

"والفضيلة" ساقطة من ع.

(8)

كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (614) عن جابر بن عبد الله.

(9)

كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (384) عن عمرو بن العاص.

(10)

كما في الحديث الذي أخرجه أحمد (3/ 119) وأبو داود (521) والترمذي (212) والنسائي في عمل اليوم والليلة (68، 69) عن أنس بن مالك، وفي إسناده زيد العمي وهو ضعيف، ولكن رواه أحمد (3/ 155، 225) من طريق يزيد بن أبي مريم عن أنس، وإسناده صحيح. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه أبو داود (524)، وإسناده حسن.

ص: 144

فهذه خمسُ سننٍ في إجابة المؤذن، لا ينبغي الغفلةُ عنها.

فصل

وسرُّ الصلاة وروحُها ولبُّها هو إقبالُ العبد

(1)

على الله بكلّيته، فكما أنه لا ينبغي له أن يَصرِفَ وجهه عن قبلة الله يمينًا وشمالًا، فكذلك لا ينبغي له

(2)

أن يَصرِفَ

(3)

قلبه عن ربه إلى غيره؛ فالكعبة التي هي بيت الله قبلةُ وجهه وبدنه، ورب البيت تبارك وتعالى هو قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرض أعرض الله

(4)

عنه.

وللإقبالِ

(5)

في الصلاة ثلاثُ منازلَ: إقبالٌ على قلبه، فيحفظه من الوساوس والخطراتِ المبطلةِ

(6)

لثواب صلاته أو المُنقِصَة له، وإقبالٌ

(1)

ك: "إقباله".

(2)

"له" ليست في ع.

(3)

"وجهه

أن يصرف" ساقطة من ك.

(4)

ع: "يعرض" مكان "أعرض الله".

(5)

ك: "والإقبال".

(6)

ك: "المضلة".

ص: 145

على الله بمراقبتِه حتى كأنه يراه، وإقبالٌ على معاني كلامه وتفاصيل عبوديةِ الصلاة ليُعطِيها حقَّها، فباستكمالِ

(1)

هذه المراتب الثلاث تكون إقامةُ الصلاة حقًّا، ويكون إقبالُ الله على عبده بحسب ذلك.

فإذا انتصب العبد قائمًا بين يديه

(2)

فإقباله على قيوميته وعظمته، وإذا كبَّر فإقباله على كبريائه، فإذا سبَّحه وأثنى عليه فإقباله على سُبُحاتِ وجهه، وتنزيهِه عما لا يليق به، والثناءِ عليه بأوصاف كماله

(3)

، فإذا استعاذ به فإقباله على ركنِه الشديد وانتصارِه لعبده ومَنْعِه له وحفظِه من عدوه، فإذا تلا كلامه فإقباله على معرفته من كلامه، حتى كأنه يراه ويشاهده في كلامه، فهو كما قال بعض السلف:"لقد تجلَّى الله لعباده في كلامه". فهو في هذه الحال مُقبِلٌ على ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه.

فإذا ركع [59 أ] فإقباله على عظمته وجلاله وعزِّه، ولهذا شرع له أن يقول: سبحان ربي العظيم. فإذا رفع رأسه من الركوع فإقباله على حمده والثناءِ عليه وتمجيدِه وعبوديتِه له وتفردِه بالعطاء والمنع. فإذا سجدَ فإقبالُه على قربه والدنوِّ منه والخضوع له والتذلُّلِ بين يديه والانكسار والتملُّق. فإذا رفع رأسه وجَثَا على ركبتيه فإقباله على غناه وجوده وكرمِه، وشدّة حاجته إليه، وتضرعه بين يديه والانكسار

(4)

، أن يغفر له

(1)

في الأصل: "فاستكمال".

(2)

ك: "يده".

(3)

في الأصل: "جماله".

(4)

"والانكسار" ليست في ع، ك.

ص: 146

ويرحمه ويعافيه ويهديه ويرزقه.

فإذا جلس في التشهد فله حال آخر وإقبال آخر، شِبْه

(1)

حالِ الحاجِّ في طواف الوداع، وقد استشعر قلبُه الانصرافَ من بين يدي ربه، وموافاةَ العلائقِ والشواغلِ التي قطعَها الوقوفُ بين يديه، وقد ذاق تألم قلبه وعذابه بها، وباشرَ رَوْحَ القربِ ونعيمَ الإقبالِ على الله وعافيته، بانقطاعِها

(2)

عنه مدةَ الصلاة، ثم استشعر قلبُه عودَها إليه بخروجه من حِمَى الصلاة، فهو يحملُ همَّ انقضاءِ الصلاة وفراغها، ويقول ليتَها اتصلتْ بيوم اللقاء، ويعلم أنه ينصرف من مناجاةِ مَن كلُّ السعادةِ في مناجاته، إلى مناجاةِ مَن الأذى والهمُّ والغمُّ والنَّكَدُ

(3)

في مناجاته، ولا يشعر بهذا وهذا إلا قلبٌ حيٌّ معمور بذكر الله ومحبته والأنسِ به.

ولما كان العبد بين أمرين من ربه عز وجل:

أحدهما: حكمُ الرب

(4)

عليه في أحواله كلِّها ظاهرًا وباطنًا، واقتضاؤه منه القيامَ بعبوديةِ حكمِه، فإن لكل حكمٍ عبوديةً تخصُّه، أعني الحكم [59 ب] الكوني القدري.

(1)

ع: "يشبه".

(2)

في الأصل: "وعاقبته وانقطاعها". والمثبت من ع، ك.

(3)

ع: "والتكدر".

(4)

"الرب" ليست في الأصل.

ص: 147

والثاني: فعلٌ يفعله العبد عبوديةً لربه، وهو مُوجَبُ حكمِه الديني الأمري

(1)

.

وكلا الأمرين يُوجِبان

(2)

تسليمَ النفس إليه تعالى، ولهذا اشتُقَّ له اسمُ الإسلام من التسليم، فإنه لما أسلم نفسَه لحكم ربه الديني الأمري، ولحكمه الكوني القدري، بقيامه بعبوديته فيه لا باسترساله معه، استحقَّ اسمَ الإسلام، فقيل له مسلم. ولما اطمأنَّ قلبه بذكره وكلامه ومحبته وعبوديته، سكن إليه وقَرّتْ عينُه به، فنال الأمانَ بإيمانه.

= كان

(3)

قيامُه بهذين الأمرين أمرًا ضروريًا له، لا حياةَ له ولا فلاحَ ولا سعادةَ إلا بهما.

ولمّا كان ما بُلِيَ به من النفسِ الأمّارة والهوى المقتضِي والطباع المطالِبة والشيطان المُغوِي، يقتضي منه إضاعةَ حظِّه من ذلك أو نقصانَه، اقتضتْ رحمةُ العزيز الرحيم أن شرَعَ له الصلاة مُخلِفَةً عليه ما ضاعَ منه، رادّةً عليه

(4)

ما ذهب، مجدِّدةً له ما أخلقَ من إيمانه، وجُعِلتْ صورتُها على صورة أفعاله خشوعًا وخضوعًا وانقيادًا وتسليمًا، وأَعطَى

(5)

(1)

ع: "الأمري" ليست في ع.

(2)

ك: "موجبان".

(3)

هذا جواب: "لما كان العبد بين أمرين من ربه

" قبل أسطر.

(4)

"عليه" ليست في ك.

(5)

ع: "وإعطاء".

ص: 148

كلَّ جارحةٍ من الجوارح حظَّها من العبودية، وجعلَ ثمرتَها وروحَها إقبالَه على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها وجزاءها القربَ منه ونيلَ كرامته في الدنيا والآخرة، وجعلَ منزلتَها ومحلَّها الدخولَ على الله تبارك وتعالى والتزينَ للعرض عليه، تذكيرًا بالعرضِ الأكبر عليه يومَ اللقاء.

وكما أن الصوم ثمرته تطهيرُ النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم [60 أ] النفس التي اشتراها سبحانه من العباد وجعلَ الجنة ثمنَها، فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذُكِرَ من ثمراتِ الأعمال. ولذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: جُعِلت قرةُ عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة، وإنما قال:"وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"

(1)

.

وتأمَّلْ قولَه: "جُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"، ولم يقل "بالصلاة" إعلامًا بأن عينَه إنما تَقَرُّ بدخوله فيها، كما تَقَرُّ عينُ المحب بملابسته لمحبوبه، وتَقَرُّ عينُ الخائفِ بدخوله

(2)

في محل أمنِه، فقرةُ العينِ

(1)

أخرجه أحمد (3/ 128، 199) وأبو يعلى (3482) والطبراني في "الأوسط"(5199) والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 78) من طرق عن سلام أبي المنذر عن ثابت عن أنس، وإسناده حسن. وصححه الحاكم في المستدرك (2/ 160). وقال الذهبي في "الميزان" (2/ 177): إسناده قوي. وحسَّنه ابن حجر في "التلخيص"(3/ 133).

(2)

"فيها

بدخوله" ساقطة من ك.

ص: 149

بالدخول في الشيء أكملُ وأتمُّ من قرة العين به قبل الدخول فيه

(1)

. ولما جاء إلى راحة القلب من تعبِه ونَصَبِه قال: "يا بلالُ أرِحْنا بالصلاة"

(2)

أي أقِمْها لنستريحَ بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزلِه

(3)

وقرّ فيه وسكن.

وتأمَّلْ كيف قال: أرِحْنا بها، ولم يقل: أرِحْنا منها، كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغُرمًا، فهو لما امتلأ قلبه بغيرها وجاءت قاطعةً عن أشغاله ومحبوباته، وعلم أنه لا بدّ له منها، فهو قائل بلسان حاله وقالِه

(4)

: نصلِّي ونستريح من الصلاة، لا بها، فهذا لونٌ وذاك لون آخر، فالفرق بين مَن كانت الصلاة لجوارحه

(5)

قيدًا ولقلبه سجنًا ولنفسه عائقًا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه

(6)

نعيمًا، ولعينه قرة، ولجوارحه

(7)

راحة، ولنفسه بستانًا ولذة.

فالأول الصلاة سجنٌ لنفسه وتقييدٌ لها عن التورط في مساقط

(1)

"فيه" ليست في الأصل.

(2)

أخرجه أحمد (5/ 364) وأبو داود (4985) من طريق سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم مرفوعًا، ورجاله ثقات. وفي إسناده اختلاف. انظر علل الدارقطني (4/ 120) وتعليق المحقق على المسند (38/ 179).

(3)

في الأصل، ك:"نوله". ع: "منزله".

(4)

ك: "بلسان قالبه" تحريف.

(5)

في الأصل: "لحوائجه". والمثبت من ك، ع.

(6)

ع: "له".

(7)

في الأصل: "ولحوائجه". والمثبت من ك، ع.

ص: 150

الهلكات، وقد ينالون

(1)

بها التكفير والثواب، وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها، والقسم الآخر الصلاةُ بستان قلوبهم

(2)

، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم، فهم فيها يتقلَّبون في النعيم. [60 ب] فصلاةُ هؤلاء تُوجِب لهم القربَ والمنزلةَ من الله، ويُشاركون الأولين في ثوابهم، ويختصُّون بأعلاه وبالمنزلة والقربة، وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون:{أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الشعراء: 41 - 42].

فالأول عبدٌ قد دخل الدارَ والسترُ حاجبٌ بينه وبين رب الدار، فهو من

(3)

وراء الستر، فلذلك لم تَقَرَّ عينُه، لأنه

(4)

في حُجُب الشهوات، وغُيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار

(5)

الأماني، فالقلب عليل، والنفس مُكِبَّة على ما تهواه، طالبةٌ لحظِّها العاجل، والآخر قد دخل دارَ الملك، ورُفِع الستر بينه وبينه، فقرَّتْ عينُه واطمأنَّتْ نفسه، وخَشَع قلبُه وجوارحه، وعَبَدَ الله كأنه يراه، وتجلَّى له في كلامه.

فهذه إشارةٌ مّا ونبذة يسيرة جدًّا في ذوق الصلاة.

(1)

ك: "ينالوا".

(2)

ع: "لقلوبهم".

(3)

"من" ليست في ع.

(4)

في الأصل، ك:"لأن ما". ع: "لأنها". والمثبت يقتضيه السياق.

(5)

ع: "وبحار". والمثبت من الأصل، ك.

ص: 151

فصل

فنُناشِد أهلَ السماع بالله الذي لا إله إلا هو: هل لهم في السماع مثلُ هذا الذوق أو شيء منه

(1)

؟ بل نُناشِدهم بالله

(2)

هل يَدَعُهم السماع يجدون هذا الذوقَ في الصلاة؟ ونحن نَحلِف عنهم أن ذوقهم ضدُّ هذا الذوق، ومشربهم ضدّ هذا المشرب. ولولا خشية الإطالة لذكرنا نبذةً من ذوقهم تدلُّ على ما وراءها، ولا يخفى على من له أدنى حياةِ قلبٍ، الفرقُ بين ذوق الأبيات وذوق الآيات

(3)

، وبين ذوق القيامِ بين يَدَيْ رب العالمين والقيامِ بين يَدَيِ المغنّي، وبين ذوقِ اللذة والنعيم بمعاني ذكر الله وكلامه وذَوقِ معاني الغناء الذي هو رقية الزنا والتلذذ بمضمونها، فما اجتمع واللّهِ الأمرانِ في قلبٍ إلا وطردَ أحدهما صاحبَه، ولا تجتمع بنتُ عدوِّ الله وبنتُ رسولِ الله عند رجلٍ واحدٍ أبدًا

(4)

.

(1)

في الأصل: "منهم". والمثبت من ك، ع.

(2)

ك: "الله".

(3)

"وذوق الآيات" ساقطة من ك.

(4)

سبق تخريج الحديث الذي أشار إليه المؤلف. وفي الأصل بعد هذا: "آخر الجزء الأول من هذه الفتيا، ويتلوه إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني فصل في عقد مجلس في المناظرة بين صاحب القرآن وصاحب السماع. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا". وبعده (ق 61 ب-64 ب)"فصل في الصلاة" لشيخ الإسلام ابن تيمية، نشرتُه في "جامع المسائل" (3/ 351 - 360). وفي ك:"آخر جواب الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن القيم في هذه المسألة قدس الله روحه ونور ضريحه".

ص: 152

[65 أ] عقد مجلس في المناظرة

بين صاحب غناء وصاحب قرآن

وهو تمام الجواب عن الفتيا الواردة في السماع في سنة أربعين وسبعمائة، وهو الجزء الثاني، وبه تم الجواب، والحمد لله وحده

(1)

.

(1)

بعده في الأصل: "وهذا من عمل الناسخ".

ص: 153

[65 ب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين

قال الشيخ الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي إمام الجوزية في تمام الجواب عن الفتيا الواردة في السماع سنة أربعين وسبعمائة، التي

(1)

أجاب فيها العلماء من المذاهب الأربعة رضي الله عنهم أجمعين

(2)

:

فصل

في عقد مجلس يتضمن مناظرةً بين صاحب غناءٍ وصاحب قرآن، أدلَى كل واحد منهما بحجته، ورضيا بتحكيم مَن آثر عقلَه ودينَه على هواه، وكان الحق الذي بعث الله به رسوله أحبَّ إليه مما سواه.

فجلس مجلسَ الحكم بين الخصمين، ونظر بعين النصيحة لنفسه في كل واحد من المحتجَّينِ

(3)

، وعزلَ حميةَ

(4)

الجاهلية وعصبية الفرقة الباطنية، ووالَى

(5)

مَن والاه الله ورسوله وعباده المؤمنون، {وَمَا

(1)

في الأصل: "الذي".

(2)

من أول الصفحة إلى هنا ليست في ع.

(3)

ع: "واحدة من الحجتين".

(4)

ع: "نفسه".

(5)

في النسختين: "وولى".

ص: 155

كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34].

وهذا أول المناظرة:

* قال صاحب الغناء

(1)

: قد أمر الله رسولَه أن يُبشِّر مَن استمع القول واتّبع أحسنَه، فقال تعالى:{فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17 - 18]. قال: والألف واللام في القول تقتضي العموم والاستغراق، والدليل عليه أنه مدحهم باتّباع الحسن

(2)

من القول، وهذا يعمُّ كلَّ قول، فيدخل فيه قول السماع وغيره.

* قال صاحب القرآن: قد كان ينبغي لك أن تُوقِّر كلامَ الله وتُجِلَّه أن تُنزِّلَه على أقوال المغنين والمغنيات وإخوانهم من النائحين والنائحات، وأن يُحمَل على رقية الزنا ومُنبِتِ النفاق وداعي الغيّ والهوى، فيكفي في فساد هذا

(3)

القول أنه لم يقله قبلك أحد [66 أ] من أئمة التفسير على اختلاف طبقاتهم.

ويدل على بطلانه وأنه يمتنع أن يُراد بكلام مَن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجوه عديدة:

(1)

انظر "الرسالة القشيرية"(ص 504).

(2)

ع: "الأحسن".

(3)

"هذا" ليست في الأصل.

ص: 156