الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- صلى الله عليه وسلم وشرعِه، وأنَّه أذِنَ في ذلك لأمته، وأباحَه لهم وأطلقَه، ورفعَ الحرج عن فاعله، مع اشتماله على هذه المفاسد المضادَّة لشرعه ودينه.
وأعظم من هذه البلية وأشدُّ: اعتقادُ
(1)
أنَّه قُربةٌ
(2)
يُتقرَّب به إلى الله، ودينٌ يُدانُ الله به، وأنَّ فيه من
(3)
صلاح القلوب وعمارتها بالأحوال العلية والصفاتِ الزكية ما يجعله أفضلَ من كثير من النوافل، كقيام الليل وقراءة القرآن، وطلب ما يُقرِّب إلى الله من العلم النافع والعمل الصالح.
وأعظم من هذا كلِّه بليةً ومصيبةً: اعتقادُ أن تأثُّر القلوب به أسرعُ وأقوى من تأثرها بالقرآن، وأنَّه
(4)
قد يكون أنفعَ للعبد
(5)
من سماع القرآن، وأن فتحَه أعجلُ وأقوى
(6)
من فَتْح القرآن من وجوه متعددة.
ولا ريبَ أنَّ
هذا من النفاق الذي أنبتَه الغناءُ في القلب
، فإنَّه كما قال عبد الله بن مسعود: "الغناء يُنبِتُ النفاقَ في القلب كما يُنْبِت الماءُ
(7)
البقلَ"
(8)
، وأيُّ
(9)
نفاقٌ فوقَ هذا النفاق؟
(1)
ع: "اعتقادًا".
(2)
بعدها في الأصل: "حتى"، وليست في ع.
(3)
"من" ليست في ع.
(4)
في الأصل: "وان". والمثبت من ع، ك.
(5)
ع: "للعبد أنفع".
(6)
"وأقوى" ساقطة من ع.
(7)
في الأصل: "في الماء". والمثبت من ع، ك.
(8)
أخرجه محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة"(680) وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"(41)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(4/ 278) موقوفًا على ابن مسعود. وروي مرفوعًا، قال المؤلف في "إغاثة اللهفان" (1/ 439): في رفعه نظر، والموقوف أصح. وانظر "السلسلة الضعيفة" للألباني (2430).
(9)
في الأصل: "وأين". والمثبت من ع، ك.
ولا ريبَ أنَّ ارتكاب المحرمات مع العلم بتحريمها أسهلُ وأسلمُ عاقبةً من ارتكابها على هذا الوجه، فإنَّ هذا قَلْبٌ للدين، ومشاقَّةٌ
(1)
لرسول رب العالمين، واتباعٌ لغير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
فصل
قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فقد أكمل الله لنا الدينَ فيما أمرنا به من فريضةٍ وفضيلةٍ وندبٍ
(2)
، وكلِّ سببٍ يُنال به صلاحُ القلب والدين، وفيما نهانا عنه من كل مكروه [21 ب] ومحرم، وكلِّ سببٍ يُؤثِّر فسادًا في القلب
(3)
والدين.
فإذا قال القائل: هذا السماع المصطلح عليه المحدَث هو من
(1)
في الأصل، ك:"مشاققة".
(2)
"وندب" ليست في ك.
(3)
ع: "فساد القلب".
الدين الذي تَصْلُح عليه القلوب، وتَلطُف
(1)
وتَرِقُّ، ويَثُور منها وَجْدُها وحبُّها= لزِمَه أحدُ الأمرين، لابدَّ له من أحدهما:
إما أن يكون الله شرعَه لرسوله حيث أكمل له دينه، ففعله الرسول، وحضَّ عليه، وندَبَ إليه
(2)
أمته ودعاهم إليه، فإنَّه لم يترك سببًا
(3)
يُقرِّبهم إلى الله ويُنال به صلاحُ قلوبهم وأديانهم إلَّا شرَعَه، وأمر به ودعا إليه.
وقائل هذا ومعتقِدُه مجاهرٌ
(4)
بالكذب على الله ورسوله، مُنادٍ
(5)
على وَقاحتِه وجُرأته على الله وعلى
(6)
رسوله وعلى دينه، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه بريءٌ من هذا السماع الذي فيه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، وكذلك أصحابه والتابعون لهم بإحسان، فنسبتُه إليهم بَهْتٌ وكذبٌ وافتراءٌ عليهم، يُنفِّق به المبطلون باطلَهم، يتترَّسُون به من سهام حزب الرسول وأنصار دينه.
وإما أن يقول: إنَّ الله لم يشرعه ولا رسوله، ومع هذا فهو من الدين وحقائقه الذي يُنال به صلاح القلوب، ويجمعها على الله، فيلزمه حينئذٍ
(1)
ك: "وتعطف".
(2)
"إليه" ليست في الأصل.
(3)
ك: "شيئًا".
(4)
في الأصل: "مهاجر" تحريف، والمثبت من ع، ك.
(5)
مكانه بياض في ك.
(6)
"على" ليست في ك.
أن يكون الدين ناقصًا لم يكمله الله حتى كمَّلَه هؤلاء السماعية
(1)
، وأنهم خُصُّوا بخير
(2)
لم يسبقهم إليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
ولا بدّ لهؤلاء من أحد هذين الأمرين المنافيينِ لدين الإسلام أو الاعتراف
(3)
بالحق، وهو أنَّ هذا أحسن أحواله وما
(4)
يقال فيه: إنه من الباطل [22 أ] واللعب واللهو الذي من
(5)
اتخذه دينًا فله نصيب وافر من قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام: 70] ونصيب من قوله: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35]، فالمكاء الصفير، والتصدية التصفيق. فمن اتخذ الصفير بالشبابة والتصفيق بالأكفِّ دينًا، فقد زاحم هؤلاء.
(1)
في الأصل: "يكمله هؤلاء السماعاتية". والمثبت من ع، ك.
(2)
ع: "الخير".
(3)
ع: "اعتراف".
(4)
"ما" ساقطة من ع.
(5)
"من" ساقطة من ع.
وقد فسر غير واحد من السلف
(1)
لَهْوَ الحديثِ بأنَّه الغناء، وروي في ذلك حديث مرفوع من حديث عائشة أم المؤمنين: "إن الله حرَّم القينَة
(2)
، وبيعَها وثمنَها وتعليمَها والاستماعَ إليها"، ثمّ قرأ:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} الآية
(3)
. ورواه الترمذي
(4)
من حديث أبي أمامة، ولفظه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تبيعوا القَيْناتِ، ولا تشتروهن ولا تُعلِّموهن، ولا خيرَ في تجارةٍ فيهن، وثمنهن حرام"، وفي هذا أنزِلت
(5)
هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الآية، ورواه الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما
(6)
.
(1)
انظر تفسير الطبري (18/ 534 وما بعدها)، وابن كثير (6/ 2739)، و"الدر المنثور"(11/ 615 وما بعدها).
(2)
ع: "حرم شرى المغنية".
(3)
أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"(25)، والطبراني في "الأوسط"(5/ 260، 7/ 430، 9/ 246) وإسناده ضعيف. ضعفه العراقي في "تخريج الإحياء"(1/ 573) ونقل عن البيهقي أنه قال: ليس بمحفوظ. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(4/ 91): فيه اثنان لم أجد من ذكرهما، وليث بن أبي سليم وهو مدلس. وانظر "الدر المنثور"(11/ 616).
(4)
برقم (1282، 3195) وقال: هذا حديث غريب، إنما يُروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث.
(5)
في الأصل: "نزلت".
(6)
أخرجه أحمد (5/ 252، 264)، والحميدي (910)، والطبري في تفسيره (18/ 532، 533)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 14) من الطريق المذكور. وله طرق أخرى تكلم عليها الألباني في الصحيحة (2922) وحسَّن الحديث بها.
وثبت تفسير ذلك بالغناء عن الصحابة
(1)
والتابعين، وهم أعلم الناس بالقرآن وتفسيره، فقال أبو الصهباء: سألت عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال: "هو الغناء والاستماع إليه"
(2)
. وهو القائل
(3)
: "الغناء يُنبت النفاق في القلب كما يُنبِت الماء البقل"
(4)
. [22 ب] وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري في هذه الآية: "إنه الغناء"
(5)
.
وقال عكرمة عن ابن عباس في قوله: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم: 59 - 61]: إنَّ السمود هو الغناء. يقال: سَمَدَ فلان إذا غنَّى
(6)
. وقد فُسّر السمود باللهو، وفسّر بالإعراض، وفسّر بالغفلة، وفسّر بالأشر والبطر
(7)
، ولا ينافي تفسيره
(1)
في الأصل: "أصحابه"، والمثبت من ع.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6/ 309)، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" رقم (26)، والطبري في تفسيره (18/ 535)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 411)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 223)، وصححه الحاكم.
(3)
"والاستماع إليه. وهو القائل" ليست في ك.
(4)
سبق تخريجه.
(5)
انظر "الدر المنثور"(11/ 618).
(6)
أخرجه الطبري (22/ 97)، والبزار كما في "مجمع الزوائد"(7/ 116)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وانظر "الدر المنثور"(14/ 60).
(7)
انظر "تفسير البغوي"(4/ 257) و"زاد المسير"(8/ 86)، و"تفسير القرطبي"(17/ 123).
بالغناء، فإن الغناء ثمرة ذلك كله، فإن الحامل عليه اللهو والغفلة والإعراض والأشر والبطر، وذلك كله منافٍ للعبودية.
وقال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] قال مجاهد: هو الغناء والمزامير
(1)
. وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم: "صوتًا أحمَق فاجرًا"، ولو كان مباحًا لما كان فاجرًا، فروى الترمذي في "جامعه"
(2)
من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وفي حِجْره إبراهيم يعني ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يجود بنفسه، وعيناه تَذْرِفان، فقلت: يا رسول الله! أوَ تبكي؟ أوَلم تَنْهَ عن البكاء؟ فقال: "إنما نَهيتُ عن صوتين أحمقين فاجرين: رنَّة عند مصيبة وشقّ جيوب وخَمْش وجوه، ورنَّة شيطان وصوتٍ عند نعمةٍ ولهو ولعب".
(1)
أخرجه الطبري (14/ 657)، وابن أبي حاتم كما في "إغاثة اللهفان"(1/ 451). وانظر "الدر المنثور"(9/ 396).
(2)
في الأصل: "البخاري في صحيحه". ع: "البخاري". والمثبت من ك. وهو عند البخاري في "صحيحه"(1303) عن أنس بن مالك بلفظ آخر. والذي أخرجه الترمذي (1005) من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق إلى ابنه إبراهيم
…
إلخ. وقال: حديث حسن. وأخرجه أيضًا البيهقي (4/ 69). وما ذكره المؤلف أخرجه أبو يعلى والبزار (3/ 214) كما في "مجمع الزوائد"(3/ 17) والحاكم (4/ 40) من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر عن عبد الرحمن بن عوف قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، فانطلق
…
إلخ. ومحمد بن أبي ليلى فيه لين وقد اضطرب في هذا الحديث. انظر: "علل الدارقطني"(12/ 448).
أراد بالصوت الأول: ما يُحدِثه الحزن والمصيبة من النياحة والدعاء بالويل وتوابع ذلك. وبالصوت الثاني: ما يُحدِثه الطرب واللذة من الغناء وتوابعه، فإن في النفس
(1)
قوة الطرب وقوة الحزن والأسف، فإذا وردَ عليها وارد أثار منها ذلك، وأثَّر فيها هذا الصوت وتوابعه، وهذا الصوت وتوابعه بحسب قوة الوارد وضعف النفس، فاستفزَّها الشيطان حينئذٍ، ونال منها مراده بمعصية
(2)
الله والخروج عن أمره في هذه الحال وهذه الحال
(3)
.
ولهذا شرع الله سبحانه لعباده عند هذين الواردين [23 أ] ما
(4)
يحفظ به العبد قلبه وإيمانه ودينه أن يستلبه
(5)
الشيطان ويستفزَّه، فشرع لهم عند المصيبة الصبر والاسترجاع، وعند النعمة سجود الشكر، والتواضع لله، وحمده وشكره، فبذلك تدوم النعمة، كما أن بالصبر والاسترجاع تندفع المصيبة عن القلب أو تَخِفُّ، فعارضَ الشيطانُ وحزبه أمرَ الله، وشرعوا عند المصيبة والنعمة الصوتين الأحمقين الفاجرين: صوت الندب والنياحة والدعاء بالويل والعويل وتوابع ذلك، وصوت الغناء والمزامير وآلات اللهو وتوابع ذلك.
وبذلك يتبين لمَن له قلب حي، وبصيرة منورة بنور الإيمان، أن
(1)
في الأصل: "في نفس".
(2)
ع: "لمعصيته".
(3)
"وهذه الحال" ليست في ع.
(4)
في الأصل، ك:"بما".
(5)
ع: "يسلبه".
الغناء والسماع الشيطاني وآلات اللهو إنما نصبَها الشيطان مضادةً
(1)
لأمر الله ومعارضةً لما شرعه لعباده، وجعله سببَ صلاح قلوبهم وأديانهم، واستخفَّ الشيطان حزبَه وحسَّن لهم ذلك، فأطاعوه، وزيَّنه لهم فاتبعوه، ولما فعلوا ذلك واستجاب لهم من قّل نصيبه من العلم والإيمان، صاح بهم جندُ الله وحزبه من كل قطر وناحية، وحذَّروا منهم، ونهوا عن مشابهتهم والاقتداء بهم من سائر طوائف أهل العلم، فصاحَ بهم أئمة الحديث، وأئمة الفقه، وأئمة التفسير، وأئمة الزهد والسلوك إلى الله، وحذَّروا منهم كل الحذر، فقد ذكرنا كلام
(2)
ابن مسعود، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي
(3)
.
وأمَّا أبو حنيفة وأصحابه فمن أشدِّ الناس فيه
(4)
، وأسهلُ
(5)
ما عندهم فيه أنه من الذنوب والمعاصي، [23 ب] وهذا مذهب سائر أهل بلده، قدَّس الله روحَه، مثل سفيان الثوري وحماد بن أبي سليمان، وقبله الشعبي وإبراهيم. لا خلاف بينهم في ذلك
(6)
.
(1)
ك: "معاندة".
(2)
ك: "عن".
(3)
سبق تخريج هذه الآثار.
(4)
"فيه" ليست في ع.
(5)
ك: "وأسهل وأحسن".
(6)
اعتمد المؤلف في ذكر مذاهب العلماء على رسالة أبي الطيب الطبري "الرد على من يحب السماع"(ص 30، وما بعدها)، و"تلبيس إبليس"(ص 258 وما بعدها). فلا نكرّر الإشارة إليهما فيما يلي.
وكذلك علماء أهل
(1)
البصرة لا خلافَ بينهم في المنع منه
(2)
، إلا ما يُروى عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسًا، لكن ليس على هذه الصفة
(3)
التي يفعلها الفساق، فإن هذا لا يُجيزه أحد من أهل العلم.
قال زكريا بن يحيى الساجي: وكذلك مذهب جميع أهل المدينة، إلا إبراهيم بن سعد وحده، فإنه كان لا يرى به بأسًا. قال القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري
(4)
: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهته والمنع منه، والوصف لعواره وتأثيره في القلوب، قال: وإنما فارقَ الجماعةَ هذانِ الرجلان إبراهيم وعبيد الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من فارق الجماعة ماتَ ميتةً جاهلية"
(5)
. فالمصير إلى قول الجماعة أولى، لا سيما من أحب أن يستبرئ لدينه ويحتاط لنفسه
(6)
.
قال
(7)
: فإن قال قائلٌ مِن هذه الطائفة المفتونة بسماع الغناء: نحن لا نَدعُ سماع الغناء إذا كان قول بعض أهل العلم
(8)
موافقًا لما نقوله
(1)
"أهل" ليست في ع.
(2)
"منه" ليست في ع.
(3)
"الصفة" ليست في ك.
(4)
في رسالته (ص 31).
(5)
أخرجه البخاري (7054)، ومسلم (1849) عن ابن عباس.
(6)
في الأصل: "لدينه".
(7)
"قال" من ك. والكلام مستمر لأبي الطيب الطبري (ص 32).
(8)
ع: "العلماء".
ونعتقده إلا بدليل من كتاب الله.
فالجواب أن اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع المسلمين، فإنه ليس في المسلمين من جعله طاعة ودينًا، ولا رأى إعلانه في المساجد، ولا حيث كان من البقاع الكريمة والجوامع الشريفة، فكان مذهب هذه الطائفة مخالفًا لما أجمعت
(1)
عليه العلماء، ونعوذ بالله من الخذلان.
وقد قال الشافعي [24 أ] في كتاب أدب القضاء
(2)
: إن الغناء لهوٌ
(3)
مكروه يُشبِه الباطل، ومَن استكثر منه فهو سفيه تُردُّ شهادته. قال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه تُردّ شهادته. وقال: هو دياثة، وأخاف أن يكون ديُّوثًا.
قال أبو الطيب
(4)
: وإنما جعل صاحبها سفيهًا لأنه دعا الناسَ إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا. وقال الشافعي: "خرجتُ من بغداد وخلَّفتُ بها شيئًا أحدثته الزنادقة ويسمونه التغبير، يصدُّون الناسَ به
(5)
عن القرآن". هذا والتغبير ضربٌ بقضيب على جلدٍ
(1)
ع، ك:"اجتمعت".
(2)
من كتاب "الأم"(6/ 226). والمؤلف ينقل هذه الأقوال من كتاب أبي الطيب الطبري (ص 27 - 28). وفي ع: "أدب القاضي".
(3)
"لهو" ليست في ع.
(4)
رسالته (ص 28).
(5)
ك: "به الناس".
أو مخدَّة
(1)
، يخرج له صوت، وينشدون معه أشعارًا مرقِّقة مزهِّدة.
فإذا كان هذا قول الشافعي ــ قدَّس الله روحه ــ فيه
(2)
، فما قوله في سماع الأشعار والأغاني التي تتضمن ذكر المعشوق، وحسن ملقاه، وعذوبةَ عتابه
(3)
، وبثَّ شكواه، وعزَّةَ
(4)
المليح، وذُلَّ من يهواه
(5)
، وحلاوةَ العطف والوصال والإقبال والتلاق، ومرارة الصدّ والهجران والإعراض والفراق، ووصفَ محاسن المليح والمليحة من اعتدال أغصان القدود، وتفتُّح وَرْدِ الخدود، وحسن استدارة رُمَّانِ النُّهود، وفتور الطَّرْفِ السَّاجِ، وفلق صُبح الجبين في سواد شعر الليل الداج، ولِيْنِ المعاطفِ واعتدالها، وبهجةِ تلك المحاسنِ وجمالها
(6)
. هذا مع كونه من أمردَ يَرُوقُ العيونَ منظرُه، ويدعو إلى غير العفاف تَثنِّيهِ وتكسُّرُه، لا يَستُر وجهَه بنقاب، ولا معاطفَه بجلباب، أو امرأةٍ حسناءَ قد أخذتْ محاسنُها
(7)
بمجامع القلوب والعيون، فصوتها وجمالها فتنةٌ لكل مفتون، هذا إلى ما يقترن [24 ب] بذلك من الدفوف المجلْجِلات، والشبابات المُطرِبات، والمواصِيل المهيِّجات.
(1)
ع: "نحوه".
(2)
ع: "في هذا السماع".
(3)
ك: "غنائه".
(4)
ك: "وعن" تحريف.
(5)
ع: "من سواه".
(6)
ع: "وكمالها".
(7)
في ع بعدها: "وجمالها".
فحاشا الشافعي وغيره من أئمة المسلمين، بل ومن له نصيبٌ من العلم والدين، أن ينسبوا إباحةَ مثل هذا إلى شريعة رب العالمين، وسنة رسوله الأمين، الذي فرقتْ رسالتُه بين الهدى والضلال
(1)
، والغيِّ والرشاد، والشكِّ واليقين.
ومن أبطل الباطل وأبينِ المحال
(2)
: الاستدلالُ على حِلِّ هذه العظائم بغناء جُويريتينِ دون البلوغ من جواري الأنصار في يوم عيد، بأبيات من أشعار العرب في وصف الحرب والشجاعة والبأس ونحو ذلك، غناءً مجردًا عن جميع ما عليه سماع الفساق المبطلين مما ذكرناه وغيره.
قال جعفر بن محمد: قلت لأبي عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ: حديث الزهري عن عروة عن عائشة، وهشام عن أبيه عن عائشة عن جَوارٍ يُغنِّين، أَيْشٍ هذا الغناء؟ قال: غناء الراكب، أتيناكم أتيناكم
(3)
.
قال الخلال
(4)
: أنا أحمد بن الفرج الحمصي، قال: ثنا يحيى بن
(1)
ع: "والضلالات".
(2)
"وأبين المحال" ليست في ك.
(3)
انظر "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" للخلال (ص 164)، و"تلبيس إبليس" لابن الجوزي (ص 225).
(4)
في الأصل: "خلال". والنص في المصدر السابق (ص 163)، و"تلبيس إبليس"(ص 225). والحديث أخرجه أبو الشيخ من طريق بهية عن عائشة، كما في "فتح الباري"(9/ 225). وله طرق أخرى، وأصله عند البخاري (5162) من طريق عروة عن عائشة مختصرًا.
سعيد، حدثنا أبو عَقيل عن بُهيَّة عن عائشة قالت: كانت عندنا يتيمةٌ من الأنصار، فزوَّجناها رجلًا من الأنصار، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عائشةُ! إن الأنصار ناس فيهم غزل، فما قلتِ؟ "، قالت: دعونا بالبركة ثم انصرفوا، قال: "أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكم
…
فحيُّونا نُحيِّيكم
ولولا الذهبُ الأحمـ
…
ـرُ ما حلت بَواديكم
ولولا الحبَّة السمرا
…
ءُ لم تَسمَنْ عَذارِيكم"
فهذا وأمثاله الذي أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يأذن في تلك المصائب والدواهي، ومن كذَب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعدَه
(1)
من النار. والاستدلال بهذه القصة وأمثالها على حلِّ هذه [25 أ] العظائم المعلوم قبحُها بالفطَرِ السليمة والعقولِ الصحيحة، يُشبِه الاستدلالَ على حل الخمر والمسكر بأكل قبضةٍ من تمر أو زبيب، ويشرب فوقها شربة من ماء، فإذا ضمّ أحدهما إلى الآخر في الإناء حتى أسكر ثم شربه، كان كضمِّه هذا إلى هذا في بطنه! وعقولٌ هذا
(2)
مبلغها من العلم والمعرفة، حقيقٌ بمن
(3)
نصح نفسَه، وخاف مقام ربه، وتزود ليوم معاده، وعلم أنه موقوفٌ بين يدي الله ومسؤول، أن لا يَعبأَ بها شيئًا
(4)
وأن لا يَغترَّ بها وبأهلها.
(1)
"متعمدًا" و"مقعده" من ع.
(2)
ع: "هذه".
(3)
في الأصل، ك:"لمن".
(4)
"شيئًا" ليست في ع.
وقد قيل: إن التغبير في لسان السلف هو الغناء، قال الحافظ أبو موسى المديني: قيل إنه الغناء، لأنه يحمل الناس على الرقص، فيغبِّرون الأرضَ بالدقّ
(1)
والفحْصِ وحَثْيِ الترابِ. قال أبو موسى: قال الشافعي: بالعراق زنادقة وضعوا التغبير، وفي رواية: أحدثوا القصائد، ليشغلوا الناس عن القرآن
(2)
. قال: وسئل أحمد بن حنبل عن التغبير، فقال: بدعة، إذا رأيت إنسانًا منهم في طريقٍ فخذْ في طريق أخرى
(3)
.
وقال أبو الحسن بن القصار إمام المالكية بالعراق
(4)
: سئل مالك عن السماع، فقال: لا يجوز. قيل: فإن بالمدينة قومًا يسمعون ذلك. قال: إنما يسمع ذلك عندنا الفسَّاق. قال الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32] أهو حق؟ فقال السائل: لا
(5)
.
وفي جامع الخلال
(6)
عن يزيد بن هارون إمام الإسلام في وقته، أنه قال: ما يُغبِّر إلا فاسق، ومتى كان التغبير؟
وفي مسائل عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن الغناء،
(1)
ع: "بالدف".
(2)
انظر كتاب الخلال (ص 168).
(3)
المصدر السابق (ص 167). وفي ع، ك:"آخر".
(4)
"بالعراق" ليست في الأصل.
(5)
انظر "تفسير القرطبي"(14/ 52).
(6)
"الأمر بالمعروف" منه (ص 168).
فقال: "الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يُعجِبني"
(1)
.
قال عبد الله: وحدثني أبي قال حدثني [25 ب] إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص
(2)
فيه أهل المدينة من الغناء، فقال:"إنما يفعله عندنا الفساق"
(3)
. هذا، وقد برَّأ الله غناءهم عن غناء الفساق اليوم.
وقال الخلال
(4)
: أخبرني العباس بن محمد الدوري قال: سمعتُ
(5)
إبراهيم بن المنذر وسئل فقيل له: أنتم ترخِّصون في الغناء؟ فقال: "معاذَ الله، ما يفعل هذا عندنا إلا الفسّاق".
وذكر الخلال
(6)
عن مكحول قال: من
(7)
مات وعنده مغنية لم يُصلَّ
(8)
عليه.
وقد أنكر السلف من السماع ما هو دون هذا بكثير، ولو شاهدوا هذا لاشتد إنكارهم له وعظم جدًّا، ورأيت لأبي عبد الله بن بطَّة جوابًا
(1)
انظر "المسائل"(ص 316) و"تلبيس إبليس"(ص 228).
(2)
ع: "ترخص".
(3)
العلل لأحمد (1/ 260) وكتاب الخلال (ص 158) و"تلبيس إبليس"(ص 229).
(4)
ص 158.
(5)
"سمعت" ليست في ك.
(6)
ص 160.
(7)
في الأصل: "لمن".
(8)
في الأصل: "لم نصل".
عن سماع الغناء، أنا أذكره بنصه
(1)
.
قال: سألني سائل عن استماع هذا الذي يسمونه القول، وهو الغناء، والإصغاء إليه ومجالسة أهله، فنهيته عن ذلك، وأنكَرْتُه عليه، وأعلمتُه أن ذلك مما حظره الكتاب، وحرَّمته السنة، وأنكَرَتْهُ العلماء، وتجافاه العقلاء
(2)
، واستحسنه السفهاء والسخفاء.
وزعم السائل أنه لقي جماعةً من الشيوخ ممن
(3)
يتحلَّى بالعلم ويُنسَب إليه، في جماعة سواهم ممن يُظهِر النسك والتقشف ويدعون إلى الزهد والتعبد، يحضرونه ويستمعون له
(4)
ويستحسنونه، ويحتجون في ذلك بتحريف القول، ويدعون إليه من أطاعهم، ويستجهلون من خالف جماعتهم.
وإني قد
(5)
تدبرتُ ما حكاه، وعرفت من أشار إليه، ومن يفعل
(6)
ذلك ويهواه، فتلك طائفة تسمى في الحقيقة الجبرية
(7)
لا الصوفية، أهل
(1)
ك: "بنفسه". ذكر ابن الجوزي جزءًا منه في "تلبيس إبليس"(ص 237).
(2)
ك: "الفضلاء".
(3)
ع، ك:"وممن".
(4)
ع: "إليه".
(5)
"قد" ليست في ك.
(6)
ع: "فعل".
(7)
ع، ك:"الخبزية".
هِمَمٍ دنيئة
(1)
، وأخلاق رديئة، وشرائع بدعية، يُظهرون الزهد والتقشف، وهم أهل جهالة وغفلة، وكل أسبابهم ظلمة ووحشة، يدَّعون الشوق [26 أ] والمحبة بإسقاط الخوف والرجاء، يحضرون الغناء ويسمعونه
(2)
من الأحداث والنساء، يَطرَبون عند استماعهم لذلك ويرقصون، ويتغاشَون ويتماوتون، ويزعمون أن ذلك من شدة حبهم لربهم تعالى، ومن شوقهم إليه، وأنهم يرونه ويشاهدونه، تعالى عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا.
وكل هؤلاء فقد كذَّبهم
(3)
الكتاب والسنة والصحابة والتابعون وصالحو هذه الأمة. فقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 1 - 3]، وقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان: 6]، قيل: هو الغناء والاستماع إليه، صحت بذلك الأخبار، وقال بذلك العلماء والأخيار، لا يُنكِره إلا السفهاء والفجار. وقال تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72] قيل: الغناء. وعن مجاهد قال: ينادي مُنادٍ يومَ القيامة أين الذين كانوا يُنزِّهون أسماعَهم عن اللهو؟ فيُحِلُّهم
(4)
الله في
(1)
ك: "أهوية" مكان "همم دنيئة".
(2)
ع، ك:"ويستمعونه".
(3)
ك: "أكذبهم".
(4)
ع، ك:"فيجعلهم".
رياض الجنة
(1)
. وعن الشعبي أنه دُعي إلى وليمة، فسمع صوت لهو، فقال: إما أن نُخرِجهم
(2)
وإما أن نخرج. وعن ابن مسعود أنه دعي إلى وليمة، فسمع صوت لهو فرجع، فلقيه الذي دعاه، فقال: مالكَ رجعتَ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كثَّر سوادَ قوم فهو منهم، ومن رضي عملَ قوم فهو شريكُ مَن عمله"
(3)
. وقال يزيد بن هارون: التغبير بدعة وضلالة. وقال الشافعي: التغبير
(4)
أحدثته الزنادقة يصدُّون الناس به
(5)
عن القرآن. وقال الإمام أحمد: هو بدعة ومُحدَث، ونهى عن استماعه. وقال مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. هذا آخر
(6)
جواب ابن بطة.
فصل
وأما إنكار مشايخ الطريق العارفين بآفاته وسوء تأثيره في القلوب فكثير جدًّا، وكثير [26 ب] ممن حضره منهم تاب منه توبته من الكبائر.
(1)
أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"(72) والآجري في تحريم النرد والشطرنج والملاهي (ص 217). وانظر "الدر المنثور"(11/ 589).
(2)
ك: "تُخرجهم".
(3)
أخرجه أبو يعلى في مسنده كما في "إتحاف الخيرة المهرة"(4/ 135) و"المطالب العالية"(2/ 42)، وفي إسناده انقطاع. وانظر "نصب الراية"(4/ 346).
(4)
"التغبير" ليست في ع.
(5)
ع، ك:"به الناس".
(6)
"آخر" ليست في ك.
وذكر أبو موسى المديني
(1)
أنَّ أبا القاسم النصر ابادي دخل على إسماعيل بن نُجَيد، فقال ابن نجيد: يا أبا القاسم! سمعتُ أنك مُولَع بالسماع، فقال: نعم أيها الشيخ، السماع خير من أن نقعد ونغتاب، فقال له: هيهات! زلَّة تَزِلُّ في السماع أعظم من كذا وكذا سنةً تغتاب.
قال أبو موسى: وذكر نصر بن علي قال: سمعت أبا محمد جعفر ابن محمد الزاهد، يقول: سمعت شيخي يقول: اجتمعتُ ليلةً مع أصحابنا، فابتدأ القوَّال
(2)
فقاموا ورقصوا وكنت معهم، فنُودِيتُ في سِرِّي: يا هذا {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء: 55]، فهربتُ وقلت: إنَّ السماع مخاطرة.
قال أبو موسى: وأبنا عبد الكريم بن عبد الرزاق، أبنا أحمد بن الفضل حدثنا أبو العباس النسوي
(3)
، قال: سمعت علي بن مفلح، يقول: سمعت فارسًا
(4)
البغدادي يقول: قال جنيد
(5)
: خرجتُ ليلةً فلقيني إبليس، فقال: أتعبني واللّهِ أصحابك، قلت: كيف؟ قال: إن عرضتُ عليهم أذكار الدنيا اشتغلوا بأذكار الآخرة، وإن عرضتُ عليهم أذكار
(1)
لم أعثر على كتابه الذي نقل عنه المؤلف نصوصًا عديدة.
(2)
ك: "القول".
(3)
ك: "السرمري".
(4)
الأصل، ع:"فارس".
(5)
ع: "الجنيد".
الآخرة اشتغلوا بالذكر لله، إلا أني أستحسنُ منهم خُطَّتين
(1)
: السماع والنظر إلى الأحداث.
قال أبو موسى: ثنا الإمام أبو بكر القزاز، حدثنا الخطيب
(2)
، أخبرني عبد الصمد
(3)
بن محمد، قال: سمعت الحسن بن الحسين، يقول: سمعت أبا الفرج الرستمي الصوفي، يقول: سمعت المحترق البصري، يقول: رأيت إبليس في النوم، فقلت له: كيف رأيتَنا؟ عزفْنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها، فليس لك إلينا طريق، فقال: كيف رأيت ما اشتملت به قلوبكم باستماع السماع ومعاشرة الأحداث!
قال أبو موسى: وأنا أبو طاهر [27 أ] محمد بن عبد الغفار الهمذاني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أحمد بن الحسن، وهو شيخ الصوفية من المتأخرين، يقول: من قال: إنَّ الاستماع إلى المناهي ــ أو قال
(4)
: الملاهي ــ مباحٌ له فهو إلى مذهب الإباحة أقرب، ولو بلغ العارف إلى
(5)
ما بلغ من سَنِيِّ أحوالِه، لم يُرخَّص له
(6)
الالتفات إلى
(1)
ك: "خصلتين".
(2)
في "تاريخ بغداد"(14/ 429). وانظر نحو هذا الخبر في "تلبيس إبليس"(ص 276، 277).
(3)
ع: "عبد الرحمن"، تحريف.
(4)
"المناهي أو قال" ليست في ك.
(5)
"إلى" ليست في ك.
(6)
ع: "له إلى".
المناهي والملاهي.
قال أبو موسى: قال بعض المشايخ: فإن احتجَّت المباحية بما رُوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق، وعندي جاريتان لعبد الله بن سلام تضربان بالدفّ وتغنيان
(1)
. قلنا لهم: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جوَّز ذلك للجاريتين لصغرهما في أيام العيد خاصة، ولهذا قال:"يا أبا بكر! إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذه أيام عيدنا".
فإن قيل: أليس قد جوَّزه الشرع في النكاح والختان؟
قلنا: جوّز ذلك لإعلان النكاح، كما روى أبو شعيب الحراني، حدثنا سُريج
(2)
بن يونس، حدثنا هشيم عن خالد، عن ابن سيرين، أن عمر بن الخطاب كان إذا سمع صوت الدف سأل عنه، فإن قالوا: عُرس أو ختان، سكت
(3)
.
فدل على أنَّ ذلك مرخص في بعض الأحوال دون بعض، وكانت الدفوف في ذلك الوقت كالغرابيل، أما سمعتَ ما روتْ عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أَعلِنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالغربال"
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري (949) ومسلم (892).
(2)
ع: "شريح" تصحيف.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11/ 5) والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 290).
(4)
أخرجه الترمذي (1089) وابن ماجه (1895) عن عائشة. وقال الترمذي: هذا حديث غريب حسن، وعيسى بن ميمون يضعف في الحديث، وضعَّفه ابن حجر في الفتح (9/ 226) والتلخيص (4/ 201)، وقال البوصيري في الزوائد:"فيه خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي، وهو ضعيف، بل نسبه إلى الوضع ابن حبان والحاكم وأبو سعيد النقاش". وانظر "العلل المتناهية"(2/ 138).
ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين كانوا
(1)
يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أسكِنوهم رياضَ المسك، ثمّ يقول الله عز وجل لملائكته: أَسمِعوهم حمدي وثنائي، وأعلِموهم أنْ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
(2)
.
فإن قال [27 ب] قائل: فهذا السماع قد حضره جماعة من الأولياء وممن لا يُشَكُّ في علوّ منزلته عند الله، مثل الجنيد وأصحابه، والشبلي وأمثاله، مثل يوسف بن الحسين الرازي، ومن قبله مثل ذي النون المصري وغيرهم، فكيف يسوغ لكم تخطئتُهم والإنكار عليهم؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا السماع المسؤول عنه على هذا الوجه، قد برَّأ الله منه
(3)
أولياءه وأعاذهم منه، وحاشاهم أن يكون أحد منهم حضره أو رضيه أو أباحه، وإنما السماع الذي حضره مَن حضره منهم، أن جماعة
(1)
"كانوا" ليست في ع.
(2)
أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (72) والبغوي في الجعديات (1758) عن محمد بن المنكدر موقوفًا عليه، وروي عن جابر وأنس مرفوعاً، وهو ضعيف. انظر "الدر المنثور"(11/ 589).
(3)
"منه" ليست في ع.
كانوا يجتمعون يذكرون الله والدار الآخرة، وأعمالَ القلوب وآفاتِها، ومصححاتِ الأعمال والأحكام والفروق
(1)
والوجد والإرادة، فإذا رقَّت قلوبهم، وتحركت هِمَمُهم، واشتاقت نفوسهم إلى السير، قام حادٍ يحدو أرواحَهم وقلوبهم
(2)
، ليطيب لها السير إلى الله والدار الآخرة، ويُذكِّرها منازلَها الأولى، كما قيل:
وحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها
…
منازلُك الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكننا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرى
…
نعودُ إلى أوطانِنا ونُسلِّم
(3)
وكما قال الآخر
(4)
:
نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى
…
ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ
كم منزلٍ في الأرضِ يَألفُه الفتى
…
وحنينُه أبدًا لأول منزل
وقال
(5)
الآخر
(6)
:
(1)
ع: "وأحكام الذوق". ك: "وأحكام الفروق".
(2)
ك: "قلوبهم وأرواحهم".
(3)
البيتان للمؤلف من ميميته المشهورة التي نُشِرت ضمن مجموعة "أربح بضاعة". ومنها أبيات في "حادي الأرواح"(ص 12 - 15، 604) و"طريق الهجرتين"(ص 108 - 115) و"ذيل طبقات الحنابلة"(2/ 451 - 452).
(4)
"وكما قال الآخر" ليست في ع. والبيتان لأبي تمام في ديوانه (4/ 253). وانظر "الرسالة التبوكية"(ص 58).
(5)
ع، ك:"وقول".
(6)
البيتان في "الزهرة"(1/ 245) و"طريق الهجرتين"(ص 672) بلا نسبة.
أبتْ غَلَباتُ الشوقِ إلا تقرُّبا
…
إليك وذاك العذلُ إلا تجنُّبا
وما كان صدّي عنك صدَّ ملالةٍ
(1)
…
ولا ذلك الإعراضُ إلا تحبُّبا
وقال
(2)
الآخر
(3)
:
حبيبٌ تركتُ الناسَ لما عرفتُه
…
كأنهمُ ما جفّ
(4)
من زادِ قادمِ
[28 أ] وكاد سروري لا يفي بندامتي
…
على تركِه في عمريَ المتقادم
وقال
(5)
الآخر
(6)
:
لقد كان يَسبِي القلبَ في كل ليلةٍ
…
ثمانون أو تسعون نفسًا وأرجحُ
يَهِيمُ بهذا ثم يألَفُ غيرَه
…
ويَسلوهمُ من فورهِ حين يُصبِحُ
وكان فؤادي خاليًا قبل حبِّكم
…
وكان بذكر الخلقِ يلهو ويَمرَحُ
(7)
فلمّا دعا قلبي هواك أجابه
…
فلستُ أراه عن جنابِك يَبرحُ
فإن شئتَ واصِلْني وإن شئتَ لاتَصِلْ
…
فلستُ أرى قلبي لغيرِك يَصلُحُ
(1)
ك: "ملامة".
(2)
ع، ك:"وقول".
(3)
البيتان للمتنبي في ديوانه (4/ 243).
(4)
ك: "خف" تصحيف.
(5)
ع، ك:"وقول".
(6)
الأبيات لسمنون بن حمزة في "طبقات الصوفية" للسلمي (ص 198) و"تاريخ بغداد"(9/ 237) و"صفة الصفوة"(2/ 258).
(7)
ع، ك:"ويمزح".
حُرِمْتُ مُنايَ منك إن كنتُ كاذبًا
…
وإن كنتُ في الدنيا بغيرك أفرَحُ
وإن كان شيء في البلاد بأسْرِها
…
إذا غبتَ عن عينيْ لعينيَ يَملُحُ
وقول الآخر
(1)
:
قالوا غَد العيدِ ماذا أنتَ لابسُه
…
فقلتُ خلعةَ ساقٍ حبّه جُرَعَا
فقرٌ وصبرٌ هما ثوبانِ تحتهما
…
قلبٌ يرى إلفَه الأعيادَ والجُمعَا
والدهرُ لي مأتمٌ إن غِبتَ يا أملي
…
والعيدُ ما دمتَ لي مرأًى ومُستمَعا
وقول الآخر
(2)
:
أُحِبُّك حُبَّينِ حبُّ الهوى
…
وحبٌّ
(3)
لأنك أهلٌ لذاكا
فأمّا الذي هو حبُّ الهوى
…
فشيءٌ شُغِلْتُ به عن سواكا
وأمّا الذي أنتَ أهلٌ له
…
فكَشْفُك
(4)
للحُجْبِ حتى أراكا
وما الحمدُ في ذا ولا ذاك لي
…
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
وقول الآخر
(5)
:
(1)
الأبيات لأبي بكر الشبلي في "حلية الأولياء"(10/ 40)، ويقال: إنها لأبي علي الروذباري في "الرسالة القشيرية"(ص 437).
(2)
الأبيات في "حلية الأولياء"(9/ 348)، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في "جامع المسائل"(6/ 13، 17) وتكلم عليها. وتنسب لرابعة العدوية ولغيرها.
(3)
ع، ك:"وحبًّا".
(4)
ع: "فرفعك".
(5)
البيتان لصرّدر في ديوانه (ص 138) والمدهش (ص 401).
تموتُ النفوسُ بأَوصَابها
…
وتَكْتُم عُوّادَها ما بها
وما أنصفَتْ مُهجةٌ تشتكي
…
جَواها إلى غير أحبابِها
وقول الآخر
(1)
:
وركبٍ سَرَوْا والليلُ مُرْخٍ سُدُولَه
…
على كل مُغْبَرِّ المطالعِ قاتمِ
حَدَوا عَزماتٍ ضاعت الأرضُ بينها
…
تُرِيهم نجومُ الليل ما يطلبونه
…
فصار سُرَاهم
(2)
في ظُهور العَزائمِ
على عاتق الشِّعْرَى وهَامِ النَّعَائِم
وقال
(3)
الآخر
(4)
:
قومٌ همومهمُ باللهِ قد عَلِقَتْ
…
فما لهم هِمَمٌ
(5)
تَسمُو إلى أحدِ
فمطلبُ القوم مولاهم وسيدُهم
…
يا حُسنَ مطلبِهم للواحدِ الصمدِ
ما إن
(6)
تُنازِعهم دنيا ولا شرفٌ
…
من المطاعم واللذاتِ والولد
وقول الآخر
(7)
:
(1)
الأبيات للشريف الرضي، انظر "روضة المحبين"(ص 10).
(2)
ك: "يراهم".
(3)
ع، ك:"وقول".
(4)
الأبيات بلا نسبة في "عوارف المعارف"(ص 64).
(5)
ك: "فما".
(6)
ك: "همة".
(7)
لم أجد البيتين في المصادر.
إذا غبتَ عن عيني تملَّا بك الفِكْرُ
…
وإن لم يَزُرني الطيفُ
(1)
طافَ بك السِّرُّ
فكُلِّي
(2)
لسانٌ عن هواك مخبِّرٌ
…
وكُلِّيَ
(3)
قلبٌ أنتَ في طَيِّهِ نَشْرُ
وقول الآخر
(4)
:
مَن كان في ظُلَمِ الليالي ساريًا
…
رَصَدَ النُّجومَ وأوقدَ المصباحا
حتى إذا ما البدر أرشد نورهُ
…
تركَ النجومَ وراقبَ الإصباحا
حتى إذا انجاب الظلامُ بأسْرِه
…
ورأى الصباح بأسْرِهِ قد لاحا
ترك المسارجَ والكواكبَ كلَّها
…
والبدرَ وارتقبَ السَّنا الوضَّاحا
وقول الآخر
(5)
:
وبدا له من بعدِ ما اندملَ الهوى
…
بَرْقٌ تألَّق مَوهِنًا لَمَعانُهُ
يبدو كحاشيةِ الرداءِ ودونه
…
صَعْبُ الذُّرى متمنعًا أركانُه
فبدا لينظرَ كيف لاحَ فلم يُطِقْ
…
نظرًا إليه وصدّه سجَّانُه
(6)
(1)
ك: "لم تزر في الطيف".
(2)
ع: "فكل".
(3)
ع: "وكل".
(4)
من تسعة أبيات وردت في كلام محمد الفارقي شيخ العماد الأصفهاني، كما في "خريدة القصر"(2/ 453) قسم الشام.
(5)
الأبيات لمحمد بن صالح العلوي في "الأغاني"(16/ 361) و"أمالي القالي"(3/ 183)، وبلا نسبة في "ذم الهوى"(ص 360).
(6)
ع: "حرمانه".
فالنار ما اشتملتْ عليه ضلوعُه
…
والماء ما سمحَتْ
(1)
به أجفانُه
[29 أ] وقول الآخر
(2)
:
يا غاديًا في غفلة ورائحا
…
إلى متى تَستحْسنُ القبائحا
وكمْ إلى كمْ لا تخافُ مَوقفًا
…
يَستنطِقُ الله به الجوارحا
واعجبًا منك وأنت مُبصِرٌ
…
كيف تجنَّبتَ الطريقَ الواضحا
وإلى مثل هذا أشار الإمام أحمد في الإباحة، قال أبو حامد
(3)
الخلقاني: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله! هذه القصائد الرقاق التي
(4)
في ذكر الجنة والنار، أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلتُ: يقولون:
إذا ما قال لي ربي
…
أما استحييتَ تعصيني
وتُخفِي الذنبَ من خَلْقِي
…
وبالعصيان تَأتيني
فقال: أعِدْ عليَّ، فأعدتُ عليه، فقام ودخل بيته وردَّ الباب، فسمعت نحيبَه من داخلٍ، وهو يردِّدُ البيتين
(5)
.
وأمثال هذه الأشعار التي تتضمن إثارةً
(6)
في القلب من الحب
(1)
ع: "مسحت".
(2)
الأبيات في "تلبيس إبليس"(ص 225) و"نفخ الطيب"(4/ 326) بلا نسبة.
(3)
ع: "ابن حامد" تحريف.
(4)
"التي" ليست في ع.
(5)
الخبر مع البيتين في "تلبيس إبليس"(ص 226).
(6)
ك: "إشارة ما".
والخوف والرجاء والطلب والأنس والشوق والقرب وتوابعها، فصادف سماع هذه الأشعار من قلوبهم حبًّا وطلبًا، فأثاره إثارةً ممتزجة بحظ النفس، وهو نصيبها من اللذة والطرب الذي يُحدِثه السماع، فيظن تلك اللذة والطرب زيادةً في صلاح القلب وإيمانه وحاله الذي يُقرِّبه إلى الله، وهو محضُ حظِّ
(1)
النفس.
فهذا منشأ الغلط الذي عرضَ للقوم، كما سيأتي تقريره
(2)
وبسطُه إن شاء الله، وهذا هو الذي أنكره العارفون من القوم، وتاب منه مَن تاب منهم
(3)
، وحذَّروا منه، وقالوا: إن مضرته للقلب أكثر من نفعه، وإفساده له أكثر من صلاحه. وسيأتي [29 ب] عن قربٍ
(4)
إن شاء الله تقريرُ هذا بحكم
(5)
الذوق والوجد.
الوجه الثاني من الجواب: أن هذا السماع وإن كان قد حضره وفعله مَن لا
(6)
نشك في دينه وصدقه وصلاحه، فقد أنكره مَن هو أفضل منهم عند الأمة، وأعلى شأنًا، وأصدق حالًا، وأعرف بالله وبأمره، فإن كان قد
(1)
ع: "حض".
(2)
ك: "تفسيره".
(3)
بعدها في ع: "سيئة".
(4)
ك: "عن قريب".
(5)
في الأصل: "الحكم".
(6)
"لا" ساقطة من ع.
حضره وفعله مائةُ وليٍّ لله
(1)
فقد أنكره عليهم أكثر من ألف ولي لله، وإن كان قد حضره أبو بكر
(2)
الشبلي فقد غاب عنه أبو بكر الصديق، وإن كان قد حضره يوسف بن الحسين الرازي فلم يحضره الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل عمر بن الخطاب، وإن كان قد حضره النوري
(3)
فقد غاب عنه ذو النورين عثمان بن عفان، وإن كان قد شهده ذو النون المصري فلم يشهده علي بن أبي طالب الهاشمي، وإن كان قد حضره سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد فقد صح عنه أنه تاب عنه وتركه قبل وفاته.
وإن كان قد فعله أضعافُ أضعافِ هؤلاء، فقد غاب عنه المهاجرون والأنصار كلهم، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وجميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين
(4)
لهم بإحسان، وجميع أئمة الفقه والإفتاء، وجميع أئمة الحديث والسنة، وجميع أئمة التفسير، وجميع أئمة القراءة، وجميع أئمة الجرح والتعديل الذابِّين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه، فمَنِ الناسُ إلا أولئك؟
فأيُّ فريقَيْنَا أحقُّ بأَمْنِهِ
…
إذا بعثَ
(5)
الله العبادَ ويَجمَعُ
(6)
(1)
"لله" ليست في ع.
(2)
"أبو بكر" ليست في ع.
(3)
ك: "أبو الحسن النوري".
(4)
ع: "والتابعون".
(5)
ع: "يبعث".
(6)
صدره مع عجز آخر في منهاج السنة (4/ 128).
فإن احتججتم بالرجال كاثرناكم بالواحد ألوفًا مؤلفة، وإن استدللتم بالقرآن، فهذا كتاب الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل [30 أ] من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وإن استندتم إلى الإسناد
(1)
والحديث فسنذكر لكم منه ما يَشفِي صدرَ كل مُحِقّ، وإن لجأتم إلى الذوق
(2)
والوجد حاكمناكم إليه، وبينّا أنَّا أسعدُ به منكم، وأن الذوق السليم والوجد الصحيح يحكم بأن فيه منفعةً للنفس، ومضرةً للقلب، ومضرته أكثر من نفعه كما سنبيّنه بالدليل الواضح، الذي لا مدفع له إن شاء الله.
الوجه الثالث من الجواب: أنه لو اتفق
(3)
عليه جميع الطائفة، وحضروه من أولهم إلى آخرهم، لما كان لكم في ذلك حجةٌ أصلًا، فإنهم بعض المسلمين، واتفاقهم لا يكون حجةً على مَن سواهم من طوائف أهل العلم الذين سميناهم.
فمَن قال من أهل الإسلام: إن اتفاق السماعاتية حجة شرعية يجب اتباعها؟ أو اتفاق الفقراء أو اتفاق الصوفية حجة؟ فهذا لم يقله أحد من المسلمين، ومَن قاله فقد خرقَ إجماع المسلمين، فإن الحجة كتاب الله، وسنة رسوله وأقوال أصحابه، وإجماع الأمة.
(1)
ع: "الاستناد".
(2)
ك: "الذوق السليم".
(3)
ك: "اتفقت".
الوجه الرابع من الجواب
(1)
: أن الصوفية والمشايخ لم تُجمِعْ على ذلك، بل كثير منهم أو أكثرهم أنكره وعابه وأمر باجتنابه.
قال أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم في كتاب "بهجة الأسرار"
(2)
: حدثني أبو عبد الله المقرئ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: قال لي الجنيد: "إذا رأيت المريد يسمع السماع، فاعلم أنَّ فيه بقايا من اللعب.
وقال أبو عبد الله بن باكُوَيه في كتاب حكايات الصوفية: سمعت أحمد بن محمد البردعي
(3)
، يقول: سمعت المرتعش، يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول لبعض أصحابنا: إذا رأيتَ المريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترجُ خيره.
قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي
(4)
: هذا قول مشايخ القوم [30 ب] وإنما ترخص المتأخرون فيه حبًّا للهو، فتعدى شرهم من وجهين:
أحدهما: سوء ظن العوام بقدمائهم، لأنَّهم يظنون أنَّ الكلَّ
(5)
(1)
"من الجواب" ليست في الأصل، ك.
(2)
نقل عنه المؤلف بواسطة "تلبيس إبليس" فيما يبدو، انظر هذا النص فيه (ص 247).
(3)
ك: "البرديجي".
(4)
انظر "تلبيس إبليس"(ص 247)، وفيه الخبر السابق.
(5)
ك: "الرجال".
كانوا هكذا.
الثاني: أنهم
(1)
جرَّأوا العوام، فليس للعامي حجة إلَّا أن يقول: فلانٌ يفعل كذا فلانٌ يفعل كذا
(2)
.
قال
(3)
: وقد تشبَّث
(4)
حب السماع بقلوب خلق منهم فآثروه على قراءة القرآن، ورقَّت قلوبهم عنده ما لا تَرِقُّ عند القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن، وغلبة طبع، وهم يظنون غير هذا.
ثمّ ساق من تاريخ الخطيب
(5)
بإسناده إلى أبي نصر
(6)
السراج، قال: حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدراج، قال: قصدتُ يوسف بن الحسين الرازي من بغداد، فلما دخلتُ الريّ سألت عن منزله، فكل من أسأله عنه يقول: أَيشٍ تفعل بذلك الزنديق؟ فضيَّقوا صدري حتى عزمتُ على الانصراف، فبِتُّ تلك الليلةَ في مسجد، ثمّ قلت: جئت هذا البلد فلا أقلَّ من زيارته، فلم أزلْ أسأل عنه حتى دفعتُ
(1)
"أنهم" ليست في ع.
(2)
كذا بتكرار المقول في ع، ك. وفي الأصل بدون تكرار.
(3)
أي ابن الجوزي في المصدر السابق.
(4)
في "تلبيس إبليس": "نشب".
(5)
"تاريخ بغداد"(14/ 317). وانظر "اللمع" للسراج (ص 363، 364) و"الرسالة القشيرية"(ص 514، 515) و"إحياء علوم الدين"(2/ 301).
(6)
في جميع النسخ: "أبي جعفر"، والتصويب من المصادر السابقة.
إلى مسجده
(1)
وهو
(2)
قاعد في المحراب، وبين يديه رحلٌ عليه
(3)
مصحف، وهو يقرأ، فسلمت عليه فردَّ عليّ السلام، وقال: من أين؟ قلت: من بغداد، قصدت زيارة الشيخ، فقال: تُحِسن أن تقول شيئًا؟ فقلت: نعم، فقلت:
رأيتُك تَبنِي دائبًا في قطيعتي
…
ولو كنتَ ذا حزمٍ لهدَّمتَ ما تَبني
(4)
فأطبقَ المصحف، ولم يزل يبكي حتى ابتلَّتْ لحيته وثوبه، حتى رحمتُه من كثرة بكائه، ثمّ قال: يا بُنيَّ
(5)
! تلوم أهل الري على قولهم: يوسف بن الحسين زنديق؟ ومن وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن، لم يقطر من عيني قطرة، وقد قامت عليَّ القيامةُ بهذا البيت.
الوجه الخامس: أنَّه ما من أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ومأخوذ من قوله ومتروك، ولا يُقتدى بأحد في أقواله وأفعاله وأحواله [31 أ] كلها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن نزَّل غيرَه في هذه المنزلة فقد شرح بالضلالة والبدعة صدرًا، ولا يُغني عنه ذلك الغير من الله شيئًا، بل يتبرأ منه أحوج
(1)
في الأصل: "مسجد".
(2)
"وهو" ليست في ك.
(3)
"رحل عليه" ليست في ع. وفي ك وتاريخ بغداد والقشيرية: "رجل عليه". والرحل بالحاء: ما يوضع عليه شيء. وفي اللمع: "وفي حجره"، وفي تلبيس إبليس:"على يديه". وفي الإحياء: "وبيده".
(4)
البيت للوليد بن يزيد في ديوانه (ص 125).
(5)
ع، ك:"يا سيدي".
ما يكون إليه، قال تعالى:{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166 - 167].
فكل من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب عرضُ أقواله وأفعاله وأحواله على ما جاء به الرسول، فإن كانت مقبولة لديه قُبِلَتْ، وإلا رُدَّتْ.
فأبى
(1)
الظالمون المفتونون إلَّا عَرْضَ
(2)
ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
(3)
على
(4)
أقوال الشيوخ وطريقتهم وأصولهم
(5)
، فعمَّ بذلك المصاب، وعظمت المحنة، واشتدت الرزية، واشتدت غربة الدين وأهله، وظن بهم الجاهلون أنَّهم هم أهل البدع، وأصحاب الطرائق
(6)
والآراء هم أهل السنة، ويأبى الله إلَّا أن يُقيم دينه، ويُتِمَّ نوره، ويُعلِي كلماته وكلمات رسوله، وينصر حزبه ولو كره المبطلون.
الوجه السادس: أن من نقل عنه أنَّه حضر السماع من القوم، فليس
(1)
ك: "فيأبى".
(2)
ك: "الإعراض" تحريف.
(3)
"الرسول صلى الله عليه وسلم " ليست في ع.
(4)
ك: "إلا على".
(5)
في الأصل: "وأضلهم". وهي ساقطة من ك.
(6)
ك: "الطريق".
فيهم رجل واحد يسوغ تقليده في الدين، فإنَّه ليس
(1)
فيهم إمام من أئمة التقوى
(2)
والعلم الذين يسوغ تقليدهم في الجملة.
وأعلى من حضره قوم لهم صدق وزهد وأحوال مع الله، ولكنهم ليسوا بمعصومين، ولا لهم قول يحكى مع أقوال العلماء الذين دارت الفتوى والحكم على أقوالهم.
وغاية أحدهم أن يكون حضوره له من السعي المغفور، الذي يغفره الله له لصدقه
(3)
وكثرة حسناته وحسن نيته، فأما أن يتخذ قُدوة وإمامًا فهذا باطل قطعًا، إذ ليس من أهل الاجتهاد ومن له قول بين أهل العلم.
الوجه [31 ب] السابع: أنَّه لو فرض أنَّه من أهل الاجتهاد، وممن يسوغ العمل بقوله، فقد خالفه من هو مثله أو أجلُّ منه، والحاكم بين المتنازعين كتاب الله وسنة رسوله، وما كان هو عليه
(4)
وأصحابه.
فأما أن يُحكَّم ذوقُ أحدٍ
(5)
وحالُه ووجده، ويُجعلَ إمامًا وقدوة بلا برهان من الله ورسوله، فهذا منشأ الضلال وهو من أكبر أسباب البعد
(1)
"ليس" ساقطة من ع.
(2)
ك: "الفتوى".
(3)
ع: "بصدقه".
(4)
ك: "عليه هو".
(5)
ع: "واحد".
من الله ومَقْته، فإنَّ الله لا يُتقرب إليه إلَّا بما يحبه ويرضاه، لا بما يذوقه كل أحد ويستحسنه ويهواه، وكيف يليق بمن يدعي محبة الله وإرادته، أن يتقرب إليه بما لم يشرعه على لسان حبيبه، وبما لا يحبه ويرضاه من القول والعمل والهدى؟ وهل هذا إلَّا عين البعد منه؟
وقد قال غير واحد من السلف
(1)
: ادَّعى قومٌ محبةَ الله تعالى، فأنزل الله تعالى
(2)
: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، فلم يقل: فارقصوا وغنُّوا واطربوا على صوت المزامير والشبابات، والألحان المطربات، بالتوقيعات والنغمات، فمن أضلُّ سبيلًا ممن يدَّعي محبة الله، ويزعم أنَّه يتقرب إليه بهذا السماع الشيطاني، الذي هو حظُّ النفس والشيطان.
(3)
فهل سمعتم قطُّ في سنةٍ
…
صحَّت عن المختار أو في كتابْ
أنَّ الغنا والرقص دينٌ كذا
…
صوتُ يَراعٍ أو أخيهِ الرَّبابْ
هذا كتاب الله ما بيننا
…
منزَّهٌ عن باطل وارتيابْ
وهذه السنةُ قد بيَّنتْ
…
مرادَه حتى استبان الكتابْ
إن أنتمُ أعفيتُموها
(4)
من (م)
…
التحريفِ أبصرتم طريقَ الصواب
(1)
انظر "تفسير الطبري"(5/ 325)، و"الدر المنثور"(3/ 508).
(2)
بعدها في ع: "آية المحبة".
(3)
بعدها في ع: "قال المصنف"، وليست في الأصل وك، فلم نثبته.
(4)
في الأصل: "أعفيتمونا". والمثبت من ع، ك.
وهذه أصحابُ خيرِ الورى
…
(م)
…
وهَدْيهم أفضلُ هدْيِ الصحابْ
[32 أ] وهذه أتباعهم
(1)
بعدهم
…
مَضَوا على نَهْجهمُ المستطابْ
وتابِعوهم بعدهم هكذا
…
من كل قرنٍ هديُهم لا يُعابْ
وأول القوم وساداتُهم
…
من كل مَن دعوتُه تُستجابْ
وكل من أعطاه ربُّ الورى
…
لسانَ صدقٍ وثَنَا مُستطابْ
هل فيهمُ من عابدٍ ربَّه
…
بالرقص والزَّفْنِ وخَلْعِ الثيابْ
يشتاق بالأوتار
(2)
والدفِّ
…
والنَّاي إلى الجنة دار الثوابْ
يَهُزُّه الشوق لطيبِ الغنا
…
حتى يمرَّ القلب مرَّ السحاب
ويَزعَقَ الزَّعْقَاتِ من قلبه
…
لقوة الوارد عند الشراب
(3)
والشوق قد أضرمَ نيرانَه
…
في القلب لولا الدمعُ يجري لَذابْ
ويثقُلُ الوحيُ على قلبه
…
كالصخر فوق الصخر لا كالتراب
قلنا نعم هذا الغنا قربةٌ
…
تُدني من الفوز وحسنِ المآب
فالبعد في القرآن حتى لقد
…
هجرتموه لن تخافوا العقابْ
(4)
من هاهنا قيل بأنَّ
(5)
الغنا
…
يُنبِت في القلب النفاقَ العُجاب
يا قوم لو أنَّ الغنا قربة
…
لجاء مَعْ كل نبيٍّ رَبابْ
(1)
في الأصل: "أصحابهم". والمثبت من ع، ك.
(2)
ع: "بالأوطار"، تحريف.
(3)
ك: "الثواب".
(4)
في الأصل وع: "العتاب". والمثبت من ك.
(5)
ع: "أن".
أو كانَ هذا الرقص دينًا لنا
…
لكانت الجنة مأوى الدِّبابْ
(1)
الوجه الثامن: أنا نناشدكم الله، هل تدخلون في السماع بالشروط التي شرطها من أباحه ممن قلدتموه؟ فإنهم شرطوا فيه شروطًا مذكورة في كتب القوم.
منها: أن لا يتكلفوا السماع، وقالوا: من تكلفه فُتِن به، ومن صادفه استراح به. فأخبروا أنَّه فتنة لمن اختاره وقصده، وراحة لمن صادفه اتفاقًا، وهذا من أبين شيء على أنَّه [32 ب] ليس بقربة ولا طاعة، لأنَّ قصد الطاعات والقُرَب وإرادتها
(2)
لا يكون فتنةً، بل لا تصح إلا بذلك.
ومنها: أن يدخله بقلب مملوء بربه، فارغ من شهواته وحظوظه، ذِكرُ الله فيه في محل الخطرات والوساوس، وقد ملك عليه ذكرُ ربه وساوسَه وخطراتِه.
ومنها: أن يقعد بوابًا على باب قلبه، يحرسه من السماع للنفس
(3)
والشيطان، بل يكون سماعه
(4)
مجردًا لله ولعبوديته.
ومنها: أن يحفظ قلبه في السماع من طوارق الغفلة عن الله والتفاته إلى سواه.
(1)
ع: "الذباب" تصحيف.
(2)
ك: "وأذواقها" بدل "والقرب وإراداتها".
(3)
"للنفس" ليست في ع.
(4)
بعدها في ع: "سماعًا"، وليست في الأصل وك.
ومنها: أن يتلقى ما يَرِد عليه من إشارة السماع، بمطالبة نفسه بحقوق العبودية، من تجريد التوحيد والإنابة إلى الله، وتعليق الهمِّ كله به، ولوم النفس في إيثارها بحظِّها
(1)
على مرضاته ومحابِّه.
ومنها: أن يكون في سماعه هذا لله وبالله ومع الله، ليكون له نصيب وافر من قوله:"فبي يسمع"
(2)
.
ومنها: أن يخلو السماع ممن لا تُؤمن الفتنةُ به، ممن لا يحل سماع صوته والتلذذ بالنظر إليه.
فبهذه الشروط أباح السماعَ من أباحه من القوم وحضره، ثمَّ قال عارف القوم وسيدهم بلا مدافع، الشيخ عبد القادر الكيلاني بعد ذكره آداب السماع: "ولو صدق القوم في قصدهم وتجردهم وتصوفهم، لما انزعجوا في قلوبهم وجوارحهم بغير سماع كتاب الله عز وجل، إذ هو كلام محبوبهم وصفته، وفيه ذكره وذكرهم، وذكر الأولين والآخرين، والماضين والغابرين، والمحب والمحبوب، والمريد والمراد، وعتاب المدَّعين لمحبته ولومهم وغير ذلك. فلما اختلَّ قصدهم وصدقهم، وظهرت دعواهم من غير بينة، وزُورُهم وقيامهم [33 أ] مع الرسم
(1)
ك: "حظا".
(2)
إشارة إلى الحديث القدسي الذي أخرج البخاري (6502) أصلَه من حديث أبي هريرة دون هذا اللفظ. وقد عزاه شيخ الإسلام في "الفتاوى"(5/ 511) والمؤلف في "الداء والدواء"(ص 430) وغيره إلى البخاري. ولم أجده مسندًا إلا عند الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(2/ 112، 5/ 180 - دار النوادر).
والعادة، من غير غريزة باطنة وصدق السريرة، والمعرفة والمكاشفة والعلوم الغريبة، والاطلاع على الأسرار، والقرب والأنس، والوصول إلى المحبوب، والسماع الحقيقي وهو القرآن والحديث والكلام الذي هو سنّة الله
(1)
مع العلماء به، والخُلَّص من الأولياء والأبدال والأعيان، وخلَتْ بواطنهم من ذلك كله= وقفوا
(2)
مع القوَّال
(3)
والأبيات والأشعار التي تثير الطباع، وتُهيِّج ثائرةَ العشق بالطباع لا بالقلوب والأرواح"
(4)
. فهذا كلام من قد
(5)
خَبَر السماع، وعلم ما فيه من الآفات.
وأما من أخذ في إباحته واستحبابه، ومدحه من غير تعرض لآفاته، فإنَّه محجوب عن صلاح قلبه ومعرفة مفسداته، والفرق بين حظ النفس والشيطان وحق الرب، وهو ممن
(6)
يعبد الله على ما تهواه نفسه وتحبه، لا على ما يحبه الله ويرضاه، وليس الشأن في أنك
(7)
تريد الله، بل تريد ما يريد الله.
(1)
في الأصل: "سنّه الله". والمثبت من ع، ك.
(2)
جواب "فلما اختلَّ قصدهم
…
". وفي ك: "وقعوا".
(3)
ع: "القول". ك: "الأقوال".
(4)
انظر "الغنية" للشيخ عبد القادر (2/ 180).
(5)
"قد" ليست في الأصل.
(6)
ع: "من".
(7)
ع: "في ذلك أن".
وأصحاب الإرادة ثلاثة أنواع: المريدون لله، والمريدون من الله، المريدون لما
(1)
يريد الله، وهؤلاء هم أولياء الله المقربون، وهم أهل الإرادة الصحيحة، فإنهم واقفون مع مراد الله الديني الذي يحبه ويرضاه منهم.
والمريدون من الله واقفون مع حظوظهم وإراداتهم بحسب تفاوتهم فيها، وبحسب هممهم.
والمريدون لله إن لم يتقربوا إليه بمراضيه وما يحبه منهم، وما شرعه لهم على لسان رسوله، وأعلمهم أنهم لا يصلون إليه إلا من طريقه
(2)
، وإلا فهم ممقوتون عنده، مطرودون عن بابه، مُبعَدون
(3)
عن قربه، ولو كان في قلوبهم من المحبة والشوق والإرادة أمثالُ الجبال [33 ب] لم ينفعهم شيئًا حتى يقفوا
(4)
مع مراده منهم.
ومن ههنا غَلِطَ القومُ في مسألة السماع، فإنهم رأوا السماع يُثير ساكنَ الحب والوجد من قلوبهم، ويُهيِّج القلب في سفره إلى المحبوب، ويُزعِجه إزعاجًا لا يستقر معه، فيرتاح القلب إلى المقامات العالية، وينافس في القرب من محبوبه، فيُحْدِث فيه أحوالًا عجيبة، ومواجيدَ
(1)
في الأصل: "ما". والمثبت من ع، ك.
(2)
ع: "طريقته".
(3)
ك: "مبعودون".
(4)
ك: "يقضوا".
وأذواقًا لا يمكنهم دفعها عن قلوبهم، ولم يروها تُستجلَب بمثل السماع، فلو لامَهم فيه كل لائم لم يُصْغُوا إلى ملامه، وقالوا لمن لامهم:
أقول لِلَّائمِ المُهدِي ملامتَه
…
ذُقِ الهوى وإنِ اسْطَعْتَ
(1)
الملامَ لُمِ
(2)
فهم يعذرون اللُوّام إذ هم محجوبون عما فيه القوم من تلك الأحوال، ولا يلتفتون إلى ملامهم، بل قد يستلذ أحدهم الملامة كما قيل:
أجدُ الملامةَ في هواك لذيذةً
…
حبًّا لذكرك فليَلُمْني اللُّوَّمُ
(3)
ولا ريب أنهم معذورون، إذ لم يجدوا مَن يخاطبهم بأذواقهم، ويكلمهم على مقتضى أحوالهم، ويشاركهم في وجدهم وشأنهم، فيُناديهم من مكان قريب، وإنما يُبتلَون بجافٍ جلفٍ أبعد شيءٍ عن
(4)
معاملات القلوب وأحوالها ومنازلاتها، كثيف الطباع، موكل بإنكار ما لم يُحِطْ بعلمه، غليظ الحجاب عن شأن القوم، وما تعلقت به
(5)
هممهم، فينكر عليهم إنكار مَن لم يذق ما ذاقوه ولا باشر ما باشروه، ولا ذاق من الشراب الذي شربوه، فأعمال القلوب عنده
(6)
كأنها شريعة
(1)
في جميع النسخ: "استطعت". ولا يستقيم به الوزن.
(2)
البيت للشريف الرضي في "ديوانه"(2/ 274)، وبلا نسبة في "مدارج السالكين"(4/ 436).
(3)
البيت لأبي الشيص الخزاعي، وتخريجه في "روضة المحبين"(ص 35، 36).
(4)
ع: "من".
(5)
"به" ليست في ك.
(6)
في الأصل: "عندهم". والمثبت من ع، ك.
منسوخة، أو كأنها لم تُشرَع قط، فتولدت المحنة بين قسوة هؤلاء وجمودهم، ومَيعانِ هؤلاء وانحلالهم، فإذا جمعهما مجلس كانا كما قيل:
سارتْ مشرِّقةً وسِرتُ مغرِّبًا
…
شتَّانَ بين مُشرِّقٍ
(1)
ومُغرِّبِ
(2)
فكل من الطائفتين تنادي الأخرى من مكان بعيد، وصاحب الذوق المحمدي والوجد الإبراهيمي يحكم على الطائفتين، ويوالي من معه حق من الفريقين، وينكر ما يجب إنكاره من الطريقين
(3)
، ويسير إلى الله سبحانه بين حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ويعلم أن الحقيقة بلا شريعة خيال باطل وسراب، والشريعة بلا حقيقة قِشْر قد جُرِّد
(4)
من اللباب، وأن الأمر إنما قام بالحقيقة الباطنة وعليها الثواب والعقاب، وبالشريعة الظاهرة وهي مظهر الأمر والنهي والحكم والأسباب، وهي بمنزلة البدن، والحقيقة الإيمانية بمنزلة الروح، والروح لا قِوامَ لها بدون البدن، وبدنٌ لا روحَ فيه من جملة الأموات.
والدين ينتظم
(5)
الأمرين انتظامًا واحدًا، وله جسد وروح وقلب، فجسده الإسلام، وروحه الإيمان، وقلبه الإحسان، فالإسلام: الشرائع
(1)
ك: "شتان ما بين شرق".
(2)
البيت لأبي إسحاق الشيرازي في "طبقات السبكي"(4/ 228).
(3)
ع: "الطريقتين".
(4)
في الأصل: "تجرد". والمثبت من ع، ك.
(5)
ك: "ينظم". ع: "والدين ثالث انتظم".