المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ من أصول الشرك والضلال - الكلام على مسألة السماع - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌صورة الاستفتاء

- ‌الفصل الثاني: أن تَعاطِيَها على وجه اللعب واللهو والمجون

- ‌كل ما ليس بطاعة للرسول فهو هوى للأنفُس

- ‌ هذا من النفاق الذي أنبتَه الغناءُ في القلب

- ‌ السماع من الأسباب التي يُتوصَّل بها إلى ظهور الكوامن الباطنة

- ‌فصلفي التنبيه على نكتة خفية(4)من نكت السماع

- ‌لله في كل جارحة من جوارح العبد عبوديةٌ تخصُّه

- ‌ سرُّ الصلاة ولبُّها إقبال القلب فيها على الله وحضوره بكليته بين يديه

- ‌ التكبير

- ‌ الركوع

- ‌السجود

- ‌ من القول ما يَحرُمُ استماعه، ومنه ما يُكْرَه

- ‌ الألف واللام هنا لتعريف العهد

- ‌ ذم استماع القول الذي هو الغناء

- ‌ليس لأحد أن يبتدع دينًا لم يأذن به الله، ويقول: هذا(5)يحبه الله

- ‌الأعمال أربعة: فواحد منها مقبول، وثلاثة أرباعها مردودة

- ‌ السماع المحدَث من أعظم المحركات(4)للهوى

- ‌هذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس

- ‌ الاستعانة على الحق بالشيء اليسير من الباطل

- ‌الصوت الذي يُفعَل(3)عند النعمة هو صوت الغناء

- ‌الثاني: أنَّ اللفظ الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على مورد النزاع

- ‌خلو العباداتُ من ملابسة الصور والتعلق بها

- ‌ الثالث: كثرة إيقاد النيران بالشموع وغيرها

- ‌ الخامس: ما يقارنه من الرقص والتكسُّر والتخنيث

- ‌ السادس: ما يُقارنه من آلات اللهو والمعازف

- ‌السابع: ما يُقارنه من عُشَراء السوء وخُلَطاء الشر(4)الذين يُضِيْعون الصلوات(5)، ويتبعون الشهوات

- ‌الثامن: ما يقارنه من حركات النفوس المختلفة، والأصوات المنكرة، والحركات العظيمة

- ‌العمل لا يُمدح أو يُذَمّ بمجرد اشتماله على اللذة وعدمها

- ‌ من أصول الشرك والضلال

- ‌ دلالته على الذم والمنع أقرب من دلالته على الجواز والاستحباب

- ‌ ميزان أهل العلم والاعتدال

- ‌ تزندقَ بالسماع طوائفُ لا يُحصِيهم إلا الله، كما تزندق بالكلام

- ‌ التوسُّطُ في أمرِ السماع

- ‌سلامة القلب نوعان:

- ‌ بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين

- ‌ لم يلزم منه الرخصة للرجال ولا في عموم الأحوال

- ‌هو مجرد حظ النفس وغذاؤها

الفصل: ‌ من أصول الشرك والضلال

نوعًا من السماع فيُدرِجون فيها سماعَ المكاء والتصدية، ويجيئون إلى المعاني [108 ب] التي دلَّت على الإباحة أو الاستحباب في نوع من الأصوات والسماع، فيجعلونها دالةً على نوع يُضادُّها. وهذا جمعٌ بين ما فرَّق الله ورسوله بينه، بمنزلة من قاس الربا على البيع، والسفاح على النكاح، ونظائر ذلك من الأقيسة الباطلة التي عُبِدَتْ بنظائرها الشمسُ والقمر، وجعلَ أربابُها لله أندادًا سَوَّوهم برب العالمين.

وكذلك من عَدَلَ برسول الله صلى الله عليه وسلم بشرًا يطيعه في كل ما أمر، أو عدلَ بكلام الله كلامًا آخر أو بشرعِه شرعًا آخر، فهذا كله‌

‌ من أصول الشرك والضلال

. وهذا مقامٌ ينبغي لمن نصحَ نفسَه وعَمِلَ لمعاده تدبُّره والتوقفُ فيه، فإنَّه ما بُدِّلتِ الأديانُ في سالف الأزمنة وهَلُمَّ جرًّا إلا بمثل هذه المقاييس، فمن عَمَدَ إلى كلام الله الذي أنزله وأمر باستماعه، فعَدَلَ به سماعَ بعض الأشعار وآثره عليه، وأخذ ذوقَه ومواجيدَه وصلاحَ قلبه منه، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحبّ الله، والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله.

ويا عجبًا لمن ذاق طعم الإيمان كيف يَعدِلُ بالكلام الذي فَضْله على غيره كفضل الله على خلقه

(1)

، وبالكلام الذي ما تقرَّب العباد إلى الله

(1)

ورد في حديث أخرجه الترمذي (2926) عن أبي سعيد، وقال:"هذا حديث حسن غريب". وفي إسناده محمد بن الحسن بن أبي يزيد وعطية العوفي، وكلاهما ضعيف. قال أبو حاتم: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوي. انظر "العلل"(1738) والسلسلة الضعيفة (1335).

ص: 290

بأحب إليه منه

(1)

، كلامًا نزَّه الله رسولَه وأولياءه

(2)

عنه، وجعله صلاةً للمشركين وقرآنًا لهم

(3)

، وقرآنًا لعدوه الشيطان، ورقيةً لمحارمه

(4)

، ومادةً للنفاق. وما أحرى هذا أن يكون من الذين يقولون:{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98].

[109 أ] ونظيرُ هذا سواءً ما وقع فيه طوائف من الجهال ممن ينتسب إلى معرفة وإرادة وزهد، من الاستدلال بكون الجمال نعمةً على جواز التمتع بالصور الجميلة مشاهدةً ومباشرةً

(5)

وعشقًا، فهؤلاء في الصور، وأولئك في الأصوات، لكنِ الواقعون في فتنة الصوت منهم

(6)

من له من العقل والدين والمعرفة ما ليس في الواقعين في فتنة الصور

(7)

، فإنَّه ليس في أهل الصور رجلٌ مشهور بين الأمة بعلم ودين وسلوك وخير، بخلاف أهل الأصوات، ولكن أهل الأصوات طَرَّقُوا لأهل الصور الطريقَ،

(1)

إشارة إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (5/ 268) والترمذي (2911) عن أبي أمامة. وفيه: "وما تقرَّب العِبادُ إلى الله بمثل ما خرجَ منه". قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر أمره. وانظر "السلسلة الضعيفة"(1957).

(2)

في النسختين: "ورسوله وأولياه".

(3)

"وقرآنا لهم" ساقطة من ع.

(4)

ع: "لمحاربته".

(5)

في الأصل: "منشارة".

(6)

ع: "فيهم".

(7)

ع: "الصورة".

ص: 291

ونَهَجُوا لهم السبيلَ، ونَقَطُوا لهم فخطُّوا، وارتادوا لهم المنازلَ فحطُّوا، وطيَّبوا لهم السيرَ فساروا، وجدُّوا

(1)

بهم إلى مطارح الجمال فطاروا، ودَبْدَبُوا

(2)

لهم فطاب لهم اللعب، وغنَّوا لهم فاستفزَّهم إلى المليح والمليحة الطربُ، ووصفوا لهم سمرَ القدود ووردَ الخدود وتفلُّكَ النهود وسواد العيون وبياض الثغور، ونادَوا:"حيَّ على الوصال" فما وصلُ الحبيب بمحظور، فأجاب

(3)

القوم مناديَ الهوى إذ نادى بهم بحيَّ على غير الفلاح، وباعوا أنفسَهم بالغَبْن وبذلوها في مرضاةِ الصور الجميلة بذلَ المحبِّ أخي سماح

(4)

، تاللهِ ما حَمِدُوا عقبى سيرِهم لما حَمِدَ القومُ السُّرى عند الصباح

(5)

.

ولقد رأيتُ من هؤلاء من يحتجُّ بقوله: "إن الله جميل يحب الجمال

(6)

"

(7)

، وينسى قوله:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"

(8)

، وينسى قوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ

(1)

ع: "وحدوا".

(2)

أي ضربوا الدبادب والطبول.

(3)

بعدها في ع: "منادي".

(4)

ع: "السماع".

(5)

"تالله

الصباح" ساقطة من ع.

(6)

ع: "الجميل".

(7)

أخرجه مسلم (91) عن ابن مسعود.

(8)

أخرجه مسلم (2564) عن أبي هريرة.

ص: 292

يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30]، وينسى قول النبي صلى الله عليه وسلم[109 ب]:"النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضَّ بصرَه أورثه الله حلاوةً يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه"

(1)

، أو كما قال

(2)

.

ويحتجون بحديث "من عَشِقَ وعفَّ وكتمَ فمات مات شهيدًا

(3)

"

(4)

، ولم يعلموا أنَّه خبر موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتُّهِم به النقاش ورُمي لأجله بالعظائم

(5)

.

ويحتجون بحديث روي فيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع ذلك المنشد

(1)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(4/ 314) والقضاعي في "مسند الشهاب"(292) عن حذيفة مرفوعًا. وصححه الحاكم فتعقبه الذهبي بقوله: إسناده واهٍ، وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه.

(2)

ع: "قاله".

(3)

ع: "وهو شهيد".

(4)

أ خرجه الخطيب في "تاريخ بغداد"(5/ 364، 6/ 48، 11/ 295، 13/ 85)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(43/ 195)، وابن الجوزي في "ذم الهوى"(ص 256 - 258)، و"العلل المتناهية"(2/ 285 - 286) من طريق جماعة عن سويد بن سعيد.

(5)

انظر كلام المؤلف عليه في "روضة المحبين"(ص 266 - 270) و"زاد المعاد"(4/ 397 - 402)، و"الداء والدواء"(ص 568 - 573). والنقاش هو أبو بكر محمد بن الحسن المفسر، ولكن الذي اتُّهم بهذا الحديث هو سويد بن سعيد الحارثي، فلعله خطأ أو وهمٌ من المؤلف.

ص: 293

ينشده

(1)

:

هل عليَّ ويحَكُما

إن عَشِقتُ من حرج

فقال: "لا إن شاء الله". وهو حديث وضعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الفساق كما تقدم

(2)

.

ويحتجون بأنَّ العشق والمحبة غير داخلٍ تحت الاختيار، ولا يملك العبدُ دفعَه عن نفسه، وما كان هكذا فإنَّ الله لا يُعذِّب عليه. وينسَون أنَّ تولُّعَهم به وتعاطِيَهم لأسبابه مقدور، وبه يتعلق التكليف، فلما خانت أعينُهم وتمنَّتْ أنفسُهم وأتبَعُوا النظرةَ النظرةَ تمكَّن داء العشق منهم، فعزَّ على الأطباء دواؤه، كما قيل:

تولَّع بالعشق حتى عَشِقْ

فلما استقلَّ به لم يُطِقْ

رأى لُجَّةً ظنَّها مَوجةً

فلما توسَّط

(3)

منها غَرِقْ

(4)

(1)

ع: "ينشد".

(2)

سبق تخريجه.

(3)

ع: "تمكن".

(4)

البيتان من أربعة أبيات من إنشاد ابن نحرير البغدادي في ذم الهوى (ص 586) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (10/ 66). وذكرهما المؤلف في روضة المحبين (ص 225) وا لداء والدواء (ص 498).

ص: 294

[110 ب] ويُكرِمون صاحب الصورة المليحة على ما يبذل لهم من صورته وشهوده وتوابع ذلك، كما يُكرِم أصحاب السماع ذا الصوت الحسن على ما يبذل لهم من صوته، وإن اجتمع فيه الأمران نال عندهم من الكرامة أعلاها ومن الحُظْوة منتهاها، ولهذا إذا رأى هؤلاء من جمع بين الصورة الجميلة والصوت اللذيذ من غلامة وغلام، عكفوا

(1)

بقلوبهم وهِمَمِهم عليه، وانقادتْ أسرارهم وجوارحهم إليه، وشَقُّوا عليه القلوب قبل الجيوب، وبذلوا في مرضاته كل مطلوب. وقد زيَّن الشيطان لكثير من هؤلاء أنَّ عشق الصور

(2)

الجميلة إذا لم يقارنه فاحشة محبة محمودة، وأنها محبة لله وفي الله، وهم نظير أصحاب الأصوات المطربة، فالطائفتان "رَضِيعَا لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسَما"

(3)

.

والعارف يعلم أنَّ هذا أعظم من مواقعة الكبيرة، فإنَّها معصيةٌ أدنى أحوالِه أن يَذُمَّ نفسَه ويلومَها عليها، ويخاف مقتَ الله وغضبه ولعنته، وأما هذا فمتقرب متعبد بالعكوف على تمثال الجمال، وقد حال بين قلبه وبين ذي العظمة والجلال. فأين مؤمنٌ فاسق قد جمع سيئةً وحسنةً، خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا،

يخاف ذنوبًا لم تَغِبْ عن وليِّه

ويرجوه فيها فهو راجٍ وخائفُ

(4)

(1)

في الأصل: "علقوا".

(2)

ع: "الصورة".

(3)

شطر بيت سبق تخريجه. وفي الأصل: "رضيع لبان".

(4)

البيت لعبد الله بن محمد بن يوسف (ابن الفرضي) في "بهجة المجالس"(1/ 380) و"الآداب الشرعية" لابن مفلح (2/ 33) و"نفح الطيب"(2/ 129).

ص: 295

من مبتدع ضالٍّ يجعل ما نهى الله عنه قربةً، وما كرهه الله دينًا، وهو يرى المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، قد زُيِّنَ له سوءُ عمله فرآه حسنًا. ومن جعل ما لم يأمر الله به ولا أحبه محبوبًا له، فقد شرع دينًا لم يأذن الله به، وذلك باب الشرك، كما قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [110 ب] أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]، فإن محبة الصور تعظم حتى تصير أندادًا وطواغيتَ يتدين بها أهلها، ويُشْرَبُ في قلوبهم أعظمَ من حب

(1)

الذين أُشرِبوا في قلوبهم العجلَ. وكم بين محبة عجلٍ إلى محبة غزالٍ أغيدَ تَسبِيْ محاسنُه القلوبَ وتَأسِرُ العقول؟ فهؤلاء أُشرِبوا في قلوبهم الخِشْفَ، كما أُشرِبَ أولئك في قلوبهم

(2)

العجلَ.

وهذا بخلاف من مالت نفسه إلى المحرمات مؤمنًا بأنَّ الله حرَّمها، ويَمقُتُ عليها، ويخاف عقابه على فعلها، فإنه لا يحبُّها محبةً محضة، بل عقله وإيمانه يُبغِض ذلك ويكرهه وينهى عنه، ولكن غلبه طبعُه، وهواه يدعوه إلى ارتكابها على خوفٍ ووجلٍ من الله، فهذا يُرجَى له رحمة الله، إما بأن يُوفِّقه لتوبة نصوح تُكفِّر عنه سيئاته، أو يستعمله في طاعة كثيرة وحسنات ماحيةٍ ترجح بسيئاته، وإما بمصائبَ يبتليه بها يُكفّر بها عنه، وإما بغير ذلك من الأسباب التي يرحمه بها. بخلاف من اعتقد أنَّ هذه المحبة لله، فإنَّ طباعه واعتقاده يتعاونان على قوتها وزيادتها، ويجتمع

(1)

"حب" ليست في ع.

(2)

ع: "في قلوب أولئك".

ص: 296

فيها داعي الطبع وما يعتقده من داعي الشرع، وهذا الداء العضال الذي هلك به من هلك، ونجا من سبقت له من الله الحسنى.

فصل

ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ مجرد الحسن لا يُثِيبُ الله عليه ولا يعاقب، وليس في دين أحدٍ من الأنبياء محبةُ أحدٍ لحسنه، ولو كان الحسن مما يرفع الله به درجةَ صاحبه ويزيده به ثواباً لكان يوسف الصديق أفضلَ من غيره من الأنبياء لحسنه. وإذا استوى شخصان في الأعمال الصالحة وكان أحدهما أحسنَ صورةً أو أحسنَ صوتًا [111 أ] كانا عند الله سواء، فإنَّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم، ولكن صاحب الصورة الجميلة إذا صان جمالَه عن محارم الله وعفَّ عنها كان أفضلَ من غيره من هذا الوجه، وهو بمنزلة صاحب المال والقدرة إذا عفَّ عن قدرة، فإنَّه أفضلُ ممن عفافُه عفافُ عجز، فإنَّ ما امتحن به صاحب القدرة والمال والجمال من الأسباب الداعية إلى اتباع الهوى أو قضاء الشهوة أعظمُ مما امتحن به مَنْ خلا من ذلك، فجهادُ هذا وصبرُه أعظم.

وهذا عام في جميع الأمور التي أنعم الله بها على بني آدم وابتلاهم بها، فمن كان فيها شاكرًا صابرًا كان من أولياء الله المتقين، وكان أفضل ممن لم يُمتحَن، وإن لم يكن المبتلَى صابرًا شكورًا بل فرَّط فيما أُمِر به ونُهِي عنه كان له حكم أمثاله، وكان من سَلِمَ من هذه المحنة خيرًا منه، فمن امتُحِن وصبر فهو خير الأقسام، ويليه من سَلِمَ من المحنة، والثالث من امتُحِن فوقع، فهو المأخوذ المعاقَب إلا أن يتداركه الله.

ص: 297

فمن كان له مال يتمكن من إنفاقه في الفواحش والظلم، فخالف هواه وأنفقه فيما يبتغي به وجهَ الله، فهو نظيرُ من كان له حسن وجمال فعفَّ به

(1)

عن محارم الله وصانَه من

(2)

الفواحش، ونظيرُ من كان له صوت حسن فصانه عن الغناء ومزامير الشيطان واستعمله في تزيين كتاب الله والتغني به، فإن كل واحد من هؤلاء يُثاب على عمله الصالح الذي يشاركه فيه من ليس له مثل ذلك الجمال والصوت [111 ب] والمال، ويُثاب ثوابًا آخر على صَرْفِه ما

(3)

يتقاضاه من الصورة والصوت والقوة إلى مرضاة الله، وتعطيلِها عن مساخطِه، فثوابُه يُشبِه ثوابَ المجاهد، فصاحب الصوت الطيب المطرب الذي يمكنه أن يُغنّي بالشعر، إذا قرأ القرآن بصوته الطيب وتغنَّى به أُثِيبَ ثوابَ من تغنَّى بكتاب الله وترك التغني بالشعر، ويثاب أيضًا على قصده إسماعَ أهل الإيمان كتابَ الله ولذتهم بقراءته وانتفاعهم بها، فيثاب ثلاثةَ

(4)

أنواع من الثواب بالقصد والنية: ثواب المجاهد، وثواب التالي، وثواب المحسن النفَّاع لغيره، فإن شهد مع ذلك أَذَنَ اللهِ عزوجل لقراءته واستماعَه لها، فقرأه بصوته الطيب ليأذن الله له ويستمع لقراءته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما

(1)

"به" ليست في ع.

(2)

ع: "عن".

(3)

ع: "عما".

(4)

في الأصل: "ثلاث".

ص: 298

أذِنَ الله لشيء كأَذَنِه لنبي حسنِ الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به"

(1)

، وقال: "لَلّهُ أشدُّ أَذَنًا إلى الرجل

(2)

الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَينةِ إلى قَيْنتِه"

(3)

، فثوابُ ذلك أمر آخر.

ومن كان له جمال وحسنٌ فعفَّ عما حرم الله، وخالف هواه، وكسا جمالَه وحسنَه لباسَ التقوى الذي هو خير اللباس

(4)

، كان من هذا الوجه

(5)

أفضلَ ممن لم يُؤتَ

(6)

مثلَ هذا الجمال، ولم يُمتحَن بهذه المحنة، ولهذا تجد وجهَ المطيع لله قد كُسِيَ من الجمال والحسن والملاحة

(7)

ما لم يُكْسَه وجهُ العاصي، فإن كان جميلَ الوجه ازداد جمالًا إلى جماله الخلقي، وأُلقِيَتْ عليه من المحبة والجلالة والحلاوة ما لم يُلْقَ على غيره، وإن حُرِمَ [112 أ] جمالَ الوجه وحُسنَه أُلبِسَ من جمال الطاعة وبهجتها ونورها وحلاوتها أحسنَ مما فاته من الجمال الظاهر، وكلّما كبر وطعن في السن ازداد حسنًا وحلاوة وملاحة.

وأمّا جميل الوجه إذا لم يَصُنْ جمالَه وحسنه، وبذلَه وتبذَّلَ به، فإنه

(1)

سبق تخريجه.

(2)

"الرجل" ليست في ع.

(3)

سبق تخريجه.

(4)

ع: "اللباسين".

(5)

في الأصل: "هذه الوجه".

(6)

ع: "له ثواب" تحريف.

(7)

"والملاحة" ليست في ع.

ص: 299

كلّما كبر وطعن في السنِّ ازداد وحشةً وظلمة وقبحًا، وكلّما ازداد من الفواحش والمعاصي ازداد حتى تَكْسِفَ ظلمةُ

(1)

المعصية شمسَ حسنهِ، وتَخْسِفَ قمرَها، ويعلو قبحُها وسوادُها الجمالَ الصوري، فتراه على السِّنّ لا يزداد إلا قبحًا ووحشةً ونفرةً عنده

(2)

.

وفي هذا المقام الوجوهُ أربعة:

وجه جُمِع له بين اللباسين: لباس الجمال ولباس التقوى، فذلك أجمل الوجوه.

ووجه جمع له بين لباسِ القبح ولباس المعصية، فهو أقبح الوجوه.

ووجه أُلبِسَ لباسَ الجمال الظاهر ولم يُكْسَ لباسَ التقوى.

ووجه ألبِسَ لباسَ التقوى ولم يُكْسَ

(3)

لباسَ الجمال.

فإن قلتَ: من أين اكتست

(4)

الوجوهُ الحسنَ والقبحَ من الأعمال؟

قلت: إن لم يكن لك فراسةُ أهل الإيمان فتدبَّرْ

(5)

قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} [الفتح: 29]، وقوله تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75]، قال ابن عباس وغيره: "هم المتفرِّسون الذين

(1)

ع: "ظلم".

(2)

ع: "عنه".

(3)

في الأصل: "وإن لم يلبس".

(4)

ع: "اكتسبت".

(5)

ع: "فتذكر".

ص: 300

يأخذون بالسيما وهي العلامة"

(1)

. وقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [محمد: 30]. فهذه ثلاث آيات في الفراسة.

واسمع قول المتوسمين من هذه الأمة: قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ما أضْمَرَ رجلٌ شيئًا إلا أظهره الله على صفحات وجهه، وفَلَتاتِ لسانه"

(2)

.

ودخل عليه رجل فقال له عثمان: [112 ب] يدخل أحدكم والزنا في عينيه

(3)

، فقال: يا أمير المؤمنين! أوَحْيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا ولكن ما عَمِل آدمي عملًا إلا ألبسه الله رداءه". أو كما قال

(4)

.

وقال ابن عباس: "إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وقوةً في البدن، وزيادةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمةً في القلب، وسوادًا في الوجه، وضعفًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق"

(5)

.

وهذا الأمر يكون كامنًا في القلب في الدنيا، ويَفِيضُ على صفحات

(1)

انظر "تفسير الطبري"(14/ 94، 95) و"الدر المنثور"(8/ 638، 639).

(2)

انظر تفسير ابن كثير (7/ 3224).

(3)

ع: "عينه".

(4)

أخرجه أحمد في "الزهد"(157) وابن أبي شيبة في "المصنف"(12/ 558) والبيهقي في "شعب الإيمان"(12/ 270 - 271).

(5)

انظر "تفسير ابن كثير"(7/ 3224) و"الاستقامة"(1/ 351) و"الوابل الصيب"(ص 67).

ص: 301

الوجه، فيراه مَن له فراسة صادقة، فإذا كان يوم القيامة صار هو الظاهر ورآه كل أحد عيانًا، قال تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، وقال تعالى:{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60]، وقال تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]، فالأول: من نضرة

(1)

النعيم وبهجته، والثاني: من النظر. وقال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [عبس: 38 - 42]. وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [المطففين: 22 - 24]. وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ [113 أ] النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26 - 27].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزالُ المسألة بأحدهم حتى يجيء يومَ القيامة وليس

(2)

في وجهه مُزْعَةُ لحمٍ"

(3)

. وقال: "من سأل الناس وله ما يكفيه

(1)

في الأصل: "نظرة".

(2)

"وليس" ساقطة من ع.

(3)

أخرجه البخاري (1474) ومسلم (1040) عن ابن عمر.

ص: 302

جاءت مسألته خُدوشًا أو كُدوحًا في وجهه يوم القيامة"

(1)

. وقال: "أولُ زُمرةٍ

(2)

تَلِجُ الجنةَ على صورة القمر ليلة البدر، ثمّ الذين يَلُونهم كأشدِّ كوكبٍ في السماء إضاءةً"

(3)

. وأمثال هذا كثير مما فيه وصف وجوه أهل السعادة بالحسن والبهاء والجمال

(4)

والنضرة، ووجوه أهل الشقاوة بالقبح والسواد والوحشة والسوء.

وأظهر هذه السِّماتِ على الوجوه سِمَةُ الصدق والكذب، فإن الكذاب يُكسَى وجهُه

(5)

من السواد بحسب كَذِبه، والصادق يُكسَى وجهُه من البياض بحسب صدقه. ولهذا رُوِي عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتعزير شاهد الزور بأن يُسوَّد وجهُه، ويُركبَ مقلوبًا على الدابة

(6)

، فإن العقوبة من جنس الذنب، فلما سَوَّد وجهَه بالكذب وقَلَبَ الحديثَ سُوِّد وجهُه وقُلِبَ في ركوبه، وهذا أمر محسوس لمَن له قلب، فإن ما في

(1)

أخرجه أحمد (1/ 388) وأبو داود (1626) والترمذي (651) والنسائي (5/ 97) وابن ماجه (1840) عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث.

(2)

ع: "زمودة" تحريف.

(3)

أخرجه البخاري (3246، 3254)، ومسلم (2834) عن أبي هريرة.

(4)

"والجمال" ليست في ع.

(5)

"وجهه" ليست في ع.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(10/ 58) وعبد الرزاق في "المصنف"(8/ 326).

ص: 303

القلب من النور والظلمة والخير والشر يَسْرِي كثيرًا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأعضاء ارتباطًا بالقلب.

وتأمل قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [محمد: 30]، فهذا التعريف داخل تحت المشيئة معلَّق بها، ثم قال:{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، فهذا قسم محقق لا شرط فيه، وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظمُ من ظهوره على وجهه، لكنه يبدو في الوجه بُدوًّا خفيًّا يراه الله، ثمَ يقوى حتى يصير صفةً في الوجه يراها [113 ب] أصحاب الفراسة، ثم يقوى حتى يظهر لجمهور الناس، ثم يقوى حتى يُمسَخ

(1)

الوجه على طبيعة الحيوان الذي هو على خلقه من قردٍ أو خنزيرٍ، كما جرى على كثير من الأمم قبلنا، ويجري على بعض هذه الأمة، كما وعد به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.

فصل

وأهل جمال الصور يُبتلَون بالفاحشة كثيرًا، واسمها ضدّ الجمال، فإن الله سماها فاحشة وسُوءًا وفسادًا وخبثًا وسيئة

(2)

وإجرامًا، وهذه الأشياء ضدُّ الجمال، فعُلِم أن الجمال الذي يحبه الله ليس جمالَ الصورة، فإن الله لا ينظر إلى مجرد الصورة، فكيف يكون محبوبًا له؟

(1)

ع: "يمسح" تصحيف.

(2)

في الأصل: "شبهة" تحريف.

ص: 304

والجمال منه ما يحبه الله ومنه ما يبغضه، فإن الله

(1)

يُبغِض التجمل بلباس الحرير والذهب، ويُبغِض التجمل بلباس الخيلاء وإن كان ذلك جمالًا. فالجمال ثلاثة أنواع:

جمالٌ خالٍ عن معارضة مفسدة، فهذا يحبه الله.

وجمال مشتمل على مفسدة مبغوضة لله، فهذا يكرهه الله

(2)

.

وجمال فيه شائبة من هذا وهذا، فهذا يكرهه الله من وجه ويحبه من وجه.

هذا إذا كان جمالًا كسبيًّا، وأمّا إذا

(3)

كان جمالًا خلقيًّا لا يتعلق بكسب العبد، فهذا لا يتعلق به ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم ولا حب ولا بغض، إلا إذا استعان به على ما يحبه الله أو يكرهه كما تقدم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال

(4)

"

(5)

، وقال:"إن الله يُبغِض الفاحشَ البذِيء"

(6)

، وقال:"إن الله لا يُحِبُّ الفُحشَ ولا التفحُّشَ"

(7)

.

(1)

ع: "فإنه".

(2)

لفظ الجلالة ليس في ع.

(3)

في الأصل: "إن".

(4)

ع: "الجميل".

(5)

سبق تخريجه.

(6)

أخرجه الترمذي (2002) عن أبي الدرداء، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(7)

أخرجه مسلم (2165) عن عائشة.

ص: 305

وكل واحد من الجمال والقبح له متعلَّقا

(1)

الخَلْقِ والخُلُقِ، والخلق يظهر أثره في القول والعمل، فها هنا ثمانية أقسام: جمال في الخَلْق والخُلُق والقول والفعل، فصاحبه أحمدُ الخلق وأحبُّهم إلى الله. ويُقابله

(2)

قُبحٌ في الخَلْق والخُلُق والقول والفعل، فصاحبه أقبح الخلق وأبغضهم إلى الله. ثم قد يُركَّب بعض هذه الأقسام

(3)

مع بعض، فيكون للرجل [114 أ] جمالٌ في شيء وقبحٌ في غيره، وقد

(4)

يكون جمالُه أكثر من قبحه فيغطِّيه ويستره، وبالعكس، وقد يتعادل فيه هذا وهذا.

ومن تأمل أحوالَ الخلق وجدهم كذلك، وفي الغالب يكون بين جمال الظاهر والباطن تلازم، وبين قبح الظاهر والباطن تلازم، فإن لكل باطن عنوانًا من الظاهر يدل عليه ويُعرف به. وقد جعل الله سبحانه بين الخَلْق والخُلُق والظاهر والباطن ارتباطًا والتئامًا وتناسبًا، ومن ههنا تكلّم الناس في الفراسة، واستنبطوا علمها، وهو من ألطف العلوم وأدقِّها، وأصله معرفة المشاكلة والمناسبة والأخوة التي عقدها الله سبحانه بين المتشاكلين، ومَن لم يكن له نصيبٌ منها لم يكَدْ ينتفع بنفسه ولا بغيره.

(1)

ع: "متعلقان".

(2)

ع: "ويقابلها".

(3)

في الأصل: "هذا الأقسام".

(4)

ع: "ثم".

ص: 306

وأنت إذا تأملتَ العالم فقلَّ أن ترى خَلْقًا مشوَّهًا إلّا وثَمَّ خُلُق قبيح وفعلٌ يناسبه وقول يناسبه، اللهم إلا لمعارضٍ من تأدُّبٍ وتعلُّمٍ يُخرِجه من مقتضى طبعه، كما يحصل لكثير من الحيوان البهيم من التعليم والتأديب والتمرين ما يخرجه عن مقتضى طباعه، وقلَّ أن ترى خَلْقًا جميلًا إلا وثمَّ خُلُق وفعل وقول يناسبه، اللهم إلا لمعارضِ سوءٍ أخرجه عن مقتضى طبعه، كالطفل الذي وُلِد على الفطرة، فلو خُلِّي لما نشأ إلّا على فطرة الإسلام، ولكنَّ معارضَ الكفر أخرجه عن فطرته، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الله جميلٌ يحب الجمال

(1)

، للفرق بين الكِبْر

(2)

الذي يُبغِضه الله وأنه ليس من الجمال، وبين الجمال الذي يحبه، فإنه لما قال:"لا يدخل الجنةَ من في قلبه مثقالُ ذرة من كِبْر"[114 ب]. قالوا: يا رسول الله! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا

(3)

، أفمن الكِبْر ذلك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ

(4)

الناس"

(5)

. فأخبر أن تحسين الثوب والنعل قد يكون من الجمال الذي يحبه الله، كما قال تعالى:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].

(1)

سبق تخريجه.

(2)

ع: "الكثير".

(3)

ع: "حسنة".

(4)

ع: "وغمض" تحريف.

(5)

سبق تخريجه.

ص: 307

فإذا كان الظاهر جميلًا والباطن جميلًا أحبه الله، وإذا كان الباطن جميلًا والظاهر غير جميل لم يضرَّه عند الله شيئًا، وإن كان كاسدًا عند الناس فإنه عند الله عزيز غالٍ. فإذا كان للعبد صوت حسن ولو

(1)

من أحسن الأصوات، وبَذَا

(2)

بصوته واستعمله في الغناء، أبغضَ الله صوته، كما يُبغِض الصورةَ المستعملة في الفواحش ولو كانت من أجمل الصور وأحسنها. فهذا فصل نافع جدًّا في الفرق بين الجمال الذي يحبه الله والجمال الذي

(3)

يكرهه.

فصل

* قال صاحب السماع

(4)

: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن ربه أنه يستمع للصوت الحسن، والنبي صلى الله عليه وسلم استمع صوت أبي موسى وأعجبه وأثنى عليه، وقال:"لقد أُوتي هذا مِزمارًا من مزامير آل داود"، فقال له أبو موسى: لو علمتُ أنك تسمع

(5)

لحبَّرتُه لك تحبيرًا" أي زيّنتُه وحسَّنتُه، ومنه البُرد المحبَّر. وقد روي أن داود كان يستمع لصوته الحسنِ الإنسُ والجن والطير والوحش، وكان يُحمَل من مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات من قراءته.

(1)

ع: "وهو" تحريف.

(2)

ع: "وبذل".

(3)

"الجمال الذي" ليست في الأصل.

(4)

ع: "الغناء". انظر "الرسالة القشيرية"(ص 508).

(5)

ع: "تسمعه".

ص: 308

*قال صاحب القرآن: عجبًا لكم أيها السماعاتية ولاستدلالكم! فلو أن المنكرين عليكم كرهوا حُسنَ الصوت وعابوه وذموه مطلقًا، لكان في ذلك احتجاجٌ

(1)

عليهم، كيف وهم أحبُّ

(2)

الناس [115 أ] في الصوت الحسن، لكن الشأن فيما يُؤدَّى بالصوت.

فهذه الآثار التي ذكرتموها وأكثر منها إنما تدل على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ومن نازع في هذا فالاستدلال بها على تحسين الصوت بالغناء الذي هو قرآن الشيطان ومادة النفاق ورقية الفواحش أفسدُ من قياس الربا على البيع، فإن بين الغناء والقرآن من التباين أعظمَ مما

(3)

بين البيع والربا، ومما بين النكاح والسفاح، ومما بين الشراب الحلال والشراب الحرام. فأين سماع المكاء والتصدية الذي ذمه الله في كتابه، وأخبر أنه سماع المشركين، من

(4)

سماع أنبيائه ورسله وأوليائه وحزبه المفلحين؟

وأين سماع المخانيث والقَيْنات والفساق والمغنين من سماع الخلفاء الراشدين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان واقتفَوا طريقتَهم المثلى وسبيلَهم الأقوم، وسلكوا منهاجهم الواضح؟

(1)

في النسختين: "احتجاجًا".

(2)

ع: "من أحب".

(3)

ع: "ما".

(4)

في النسختين: "إلى".

ص: 309

وكيف يقاس مؤذنُ الشيطان الداعي بحيَّ على غير الفلاح، على مؤذن الرحمن الداعي إلى السعادة والنجاح؟

وقد تقدم ذكر الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قال: يا ربِّ اجعلْ لي قرآنًا، قال: قرآنُك الشعر، قال: اجعلْ لي [115 ب] مؤذنًا، قال: مؤذنك المزمار

(1)

.

فمن قاس قرآن الشيطان ومؤذنه على قرآن الرحمن ومؤذنه فالله حَسيبه ومُجازيه، وسيعلم يوم الحشر أيَّ بضاعةٍ أضاع، وعند الميزان أيَثقُل أم يَخِفُّ بما قَدِم به من السماع.

وها هنا الناس أربعة أقسام:

أحدها: من يشتغل بسماع القرآن عن سماع الشيطان.

والثاني: عكسه.

والثالث: من له نصيب من هذا وهذا.

والرابع: من

(2)

ليس له نصيب لا من هذا ولا من هذا.

فالاشتغال بالسماع القرآني الرحماني حال السابقين الأولين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.

(1)

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(8/ 207) عن أبي أمامة الباهلي، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وعبيد الله بن زحر، وهما ضعيفان.

(2)

"من" ليست في الأصل.

ص: 310

والثاني: حال المشركين والمنافقين والفُجَّار والفُسَّاق والمبطلين ومن سلك سبيلهم.

والثالث: حالُ مؤمنٍ له مادتان، مادة من القرآن ومادة من الشيطان، وهو للغالب عليه منهما.

والرابع: حال الفارغ من ذوق هذا وهذا، فهو في شأنٍ وأولئك في شأنٍ.

فهذه الآثار التي تضمنت مدحَ الصوت الحسن بالقرآن وما يحبه الله، مَن احتج بها على السماع الشيطاني فقد بَخَسَ حظَّه من العلم والمعرفة.

فصل

*قال صاحب الغناء

(1)

: الصوت الحسن يُطيِّب السير، ويقطع المشاقّ، ويَحمِل سامعُه معه ما لا يحمله بدونه [116 أ]، ولهذا لما حَدَا ذلك الغلام بالإبل قطعَتْ مسيرة ثلاثة أيام في يوم، فلما حطَّ عنها أحمالها ماتت، فإن طيب الصوت هوَّن عليها مشقةَ الحمول فلم تُحِسَّ بها، فلما وضعت عنها أحمالها فرغت قواها.

قال أبو بكر الدُّقِّي

(2)

: وحدا هذا الغلام بجَملٍ، فهامَ على وجهه،

(1)

"الرسالة القشيرية"(ص 508، 509).

(2)

في النسختين: "الرقي"، وفي "تاريخ بغداد" (5/ 266):"الزقي". والتصويب من "الرسالة القشيرية" و"طبقات الصوفية" للسلمي (ص 448) و"الأنساب" للسمعاني (5/ 337).

ص: 311