المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس - الكلام على مسألة السماع - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌صورة الاستفتاء

- ‌الفصل الثاني: أن تَعاطِيَها على وجه اللعب واللهو والمجون

- ‌كل ما ليس بطاعة للرسول فهو هوى للأنفُس

- ‌ هذا من النفاق الذي أنبتَه الغناءُ في القلب

- ‌ السماع من الأسباب التي يُتوصَّل بها إلى ظهور الكوامن الباطنة

- ‌فصلفي التنبيه على نكتة خفية(4)من نكت السماع

- ‌لله في كل جارحة من جوارح العبد عبوديةٌ تخصُّه

- ‌ سرُّ الصلاة ولبُّها إقبال القلب فيها على الله وحضوره بكليته بين يديه

- ‌ التكبير

- ‌ الركوع

- ‌السجود

- ‌ من القول ما يَحرُمُ استماعه، ومنه ما يُكْرَه

- ‌ الألف واللام هنا لتعريف العهد

- ‌ ذم استماع القول الذي هو الغناء

- ‌ليس لأحد أن يبتدع دينًا لم يأذن به الله، ويقول: هذا(5)يحبه الله

- ‌الأعمال أربعة: فواحد منها مقبول، وثلاثة أرباعها مردودة

- ‌ السماع المحدَث من أعظم المحركات(4)للهوى

- ‌هذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس

- ‌ الاستعانة على الحق بالشيء اليسير من الباطل

- ‌الصوت الذي يُفعَل(3)عند النعمة هو صوت الغناء

- ‌الثاني: أنَّ اللفظ الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على مورد النزاع

- ‌خلو العباداتُ من ملابسة الصور والتعلق بها

- ‌ الثالث: كثرة إيقاد النيران بالشموع وغيرها

- ‌ الخامس: ما يقارنه من الرقص والتكسُّر والتخنيث

- ‌ السادس: ما يُقارنه من آلات اللهو والمعازف

- ‌السابع: ما يُقارنه من عُشَراء السوء وخُلَطاء الشر(4)الذين يُضِيْعون الصلوات(5)، ويتبعون الشهوات

- ‌الثامن: ما يقارنه من حركات النفوس المختلفة، والأصوات المنكرة، والحركات العظيمة

- ‌العمل لا يُمدح أو يُذَمّ بمجرد اشتماله على اللذة وعدمها

- ‌ من أصول الشرك والضلال

- ‌ دلالته على الذم والمنع أقرب من دلالته على الجواز والاستحباب

- ‌ ميزان أهل العلم والاعتدال

- ‌ تزندقَ بالسماع طوائفُ لا يُحصِيهم إلا الله، كما تزندق بالكلام

- ‌ التوسُّطُ في أمرِ السماع

- ‌سلامة القلب نوعان:

- ‌ بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين

- ‌ لم يلزم منه الرخصة للرجال ولا في عموم الأحوال

- ‌هو مجرد حظ النفس وغذاؤها

الفصل: ‌هذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس

تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، وقال:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]، وقال:{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54].

فهذه ثلاثة أصول لأهل محبة الله تضمنتها هذه الآيات الثلاث

(1)

:

فالآية الأولى [80 ب] تضمنت متابعةَ الحبيب في أقواله وأفعاله وهَدْيه وسيرته.

والآية الثانية تضمنت إفرادَ الرب تعالى بالمحبة وإخلاص الدين له، وأنْ لا يُحَبَّ معه سواه، وكل محبوب فإنما تَسُوغ محبته تبعًا لمحبة الله، فيحبه لله وفي الله، لا مع الله، فمحبة المشركين مع الله، ومحبة المخلصين لله وفي الله.

والآية الثالثة تضمنت الجهادَ في سبيل الله لإعلاء كلماته وإعزاز دينه، وترك الالتفات إلى اللُّوَّام.

ف‌

‌هذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس

، وبها يُوزَن أهل الانحراف وأهل الصراط المستقيم، فمَن أحبّ شيئًا غير الله كما يحب الله فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحب الله.

(1)

ع: "الثلاثة".

ص: 207

وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24]، فلا يُنجِي العبدَ إلا أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه من كل شيء، فطاعة الله ورسوله آثرُ عنده من كل شيء، والله تعالى لم يَرضَ من عباده أن يكون حبُّهم له ولرسوله كحب الأهل والمال، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله، أحبَّ إليهم من أهليهم

(1)

وأموالهم ومساكنهم وتجاراتهم وعشائرهم.

والمقصود أن للمحبين ثلاثة أصول، بها تتحقق محبتهم:

الإخلاص وإفراد محبوبهم تبارك وتعالى بالمحبة.

والثاني: الجهاد في سبيله، وهو الذي يُصدِّق إيمانهم ومحبَّتهم ويكذِّبها، قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [81 أ] ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)} [الحجرات: 15].

وبذلك وصف أهل المحبة في قوله: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54]، فوصفهم بست صفات:

(1)

ع: "أهلهم".

ص: 208

أحدها: محبتهم له.

والثانية: محبته لهم.

والثالثة: ذلُّهم ولينُهم على أوليائه.

والرابعة: عِزّهم وشدّتهم على أعدائه.

والخامسة: جهادهم في سبيله.

والسادسة: احتمالهم لومَ

(1)

الخلق لهم على ذلك، وأنهم ليسوا ممن يصدُّه الكلامُ والعَذْلُ عن الجهاد في سبيل الله، وأنهم ليسوا بمنزلة مَن يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحبه الله، ولا بمنزلة مَن أظهر من

(2)

مكروهات الرب تبارك وتعالى ما يُلامون عليه، ويُسمّون بالملامتية

(3)

إظهارًا منهم لما يُلامون عليه في الظاهر، وهم مُنطَوون في الباطن على الصدق والإخلاص، سترًا لحالهم عن الناس، فهم فعلوا ذلك لعدم احتمالهم الملامَ، والأولون احتملوا الملام فيما لا يحبه الله، وأحبَّاء الله فعلوا ما أحبَّه

(4)

الله، ولم تأخذهم فيه لومة لائم.

فالأقسام ثلاثة:

(1)

ع: "لومة".

(2)

"من" ليست في ع.

(3)

ع: "الملاماتية".

(4)

ع: "يحبه".

ص: 209

أحدها: مَن يصدُّه اللوم عن مَحابِّ الله.

والثاني: مَن

(1)

لا تأخذه في محبة

(2)

الله لومة لائم.

والثالث: من يُظهِر ما يُلام عليه إخفاءً لقيامه بمحابِّ الله.

فالأول مفرِّط، والثالث مؤمن ضعيف، والوسط هو الوسط الخيار، وهو المؤمن القوي، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف

(3)

. وأعلى ما يحبه الله ورسوله الجهاد في سبيل الله

(4)

، واللائمون عليه كثير، إذ أكثرُ النفوس تكرهه، واللائمون عليه ثلاثة أقسام: منافق، ومخذِّل مفتِّر للهمة، ومُرجِف مُضعِف للقوة والقدرة.

فصل

وأمَّا متابعة الحبيب

(5)

في أقواله وأفعاله، فقال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]. قالت [81 ب] طائفة

(6)

من السلف: ادعى قوم على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية

(7)

وهي آية

(1)

في الأصل: "ما".

(2)

ع: "محاب".

(3)

الحديث بهذا اللفظ أخرجه مسلم (2664) عن أبي هريرة.

(4)

ع: "سبيله".

(5)

هذا هو الأصل الثالث.

(6)

ع: "قال جماعة".

(7)

انظر "تفسير ابن كثير"(2/ 699) و"الدر المنثور"(3/ 508 - 509).

ص: 210

المحبة، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} . فجعل حب العبد لربه موجبًا مقتضيًا لاتباع رسوله، وجعل اتباع رسوله موجبًا مقتضيًا لمحبة الربّ عبده.

فإذا عرفتَ هذه الأصول فعامة السماعاتية مقصِّرون فيها، وهم في ذلك التقصير بحسب كثرة تعوُّضهم بالسماع عن القرآن وقلَّته، حتى آل أمره ببعضهم إلى الانسلاخ من الإسلام بالكلية.

وأمّا مَن فيه منهم محبة الله ورسوله فهم مقصِّرون في الأصول الثلاثة: وهي الجهاد في سبيل الله، ومتابعة رسوله، وإخلاص الدين له، ففيهم من الشرك الخفي والجلي ما ينافي كمال الإخلاص، وفيهم من البدعة ما ينافي كمال المتابعة، وفيهم من الرهبانية ما ينافي كمال الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كثير منهم يَعُدُّ ذلك نقصًا في الطريق، وهم أبعد الناس عن الجهاد، حتى يوجد في كثير من العامة مَن هو أكثر جهادًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر منهم

(1)

، ومَن هو أشدُّ غضبًا وغيرةً لمحارم الله وموالاةً لأوليائه ومعاداةً لأعدائه منهم.

وأمَّا الإخلاص، فهذا السماع وتوابعه يقدح في كماله، فإنه في الأصل سماع المشركين أهل المكاء والتصدية، ويتبع ذلك من

(1)

"منهم" ليست في ع.

ص: 211

اتخاذهم الشيوخَ الأحياء والأموات آلهةً من دون الله ما يُضاهُون به النصارى، وكثير منهم يُعطِي المخلوقَ حقَّ الخالق: من الحلف به، والنذر له، والتوكل عليه، والسجود له، وحَلْقِ الرأس له، والتوبة له، وخوفه ورجائه [82 أ] من دون الله. ولهذا يكون كثير من سماعهم الذي يُحرِّك وَجْدَهم ومحبتهم إنما يحرِّك وجدهم ومحبتهم لغير الله، فلا العمل صالح

(1)

ولا القصد خالص، فلا إخلاصَ ولا اتباعَ، {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23].

وأمَّا الشريعة وما أمر الله به ونهى عنه، وأحلَّه وحرَّمه، ففي كثير منهم من المخالفة لذلك بل من الاستخفاف بمَن يتمسك به ما فيهم

(2)

، حتى يُسقِط من

(3)

قلوبهم تعظيمَ كثير من فرائض الله ومحارمه، فيضيِّع فرائضَه، ويَستحلُّ محارمَه، ويتعدَّى حدوده، إمَّا اعتقادًا وإمَّا عملًا. وكثير من خيارهم الذين يُعظِّمون الأمر والنهي يقعون في فروع ما وقع فيه أولئك، إمّا جهلًا وإمَّا تفريطًا وإمّا تأويلًا. ومن القوم مَن يُصرِّح بسقوط الفرائض، ويَستحِلُّ المحرمات، ويقول: الأوراد لأهل الغفلة، وأمَّا أصحاب حضرة السماع فهم مستغنون بوارداتهم عن أوراد العباد! كما أنشد بعضهم:

(1)

في الأصل: "الصالح".

(2)

ع: "بينهم".

(3)

ع: "عن".

ص: 212

يُطالَب بالأورادِ مَن كان غافلًا

فكيف بقلبٍ كلُّ أوقاتِه وِرْدُ

(1)

وبعض هؤلاء سمع إقامة الصلاة وهو في السماع، فقال: كنا في الحضرة فصِرْنا على الباب. فقال له صاحب القرآن: صدقتَ والله! كنتَ في حضرة الشيطان فدُعِيْتَ إلى باب الرحمن.

فليتدبر اللبيب الناصح لنفسه ما الذي جرَّه السماعُ على هذه الطائفة، حتى يقول قائلُهم

(2)

: إنه قد يكون أنفعَ للقلب من قراءةِ القرآن من ستة أوجه أو سبعة! فيا أهلًا وسهلًا بسماع الفساق وأهل الشهوات بالنسبة إلى سماع هؤلاء المقربين أرباب الحضرة! فإن

(3)

أولئك لا يقعون في شيء من هذه العظائم، وهم يعترفون بأنهم

(4)

مذنبون مخطئون، وفي قلب

(5)

مؤمنيهم من محبة ما يحبه

(6)

الله ورسوله وكراهةِ ما يكرهه أضعافُ ما في قلوب [82 ب] كثير

(7)

من هؤلاء، لأن محبة السماع أضعفتْ من قلوبهم محبةَ ما يحبه الله وكراهةَ ما يكرهه، ولهذا

(1)

البيت بلا نسبة في "مدارج السالكين"(1/ 133، 380، 3/ 524، 4/ 250).

(2)

هو الغزالي، انظر "إحياء علوم الدين"(2/ 298).

(3)

"فإن" ليست في ع.

(4)

ع: "يعرفون أنهم".

(5)

ع: "قلوب".

(6)

ع: "يحب".

(7)

"كثير" ليست في ع.

ص: 213

ليس للقرآن والصلاة

(1)

والعلم في قلوبهم من المحبة والحلاوة والطيب ما في قلوب أهل كمال الإيمان، بل قد يكرهون بعضَ ذلك ويستثقلون

(2)

. ولهم نصيبٌ من حال الذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم خَرُّوا عليها صُمًّا وعميانًا، ونصيبٌ من حال الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى، وهم يجدون في نفوسهم استثقال سماع القرآن وقراءته، لمَّا اعتاضوا عنه بضدِّه وندِّه، وإن ارتاحوا إلى سماعه فللقدر المشترك الذي يكون بينه وبين سماعهم من الأصوات المطربة والألحان، ولهذا يرتاحون لذلك

(3)

الشعر الكفري والفسقي والرَّبّاني.

والمقصود أن هذا السماع الشيطاني من أكبر الأسباب المضادّة لأصول أولياء الله المقربين الثلاثة: الإخلاص، والمتابعة، والجهاد.

فصل

ومما ابتُلي به هؤلاء ما وجدوه

(4)

في كثير ممن ينتسب

(5)

إلى الشريعة وإلى الجهاد من ضَعْفِ حقائق الإيمان في قلوبهم، وسوء نياتهم ومقاصدهم، وبُعدِهم عن الإخلاصِ ومراعاةِ صلاح قلوبهم وتزكيةِ

(1)

بعدها في ع: "والمحبة".

(2)

"ويستثقلون" ليست في ع.

(3)

ع: "وكذلك في".

(4)

"ما وجدوه" ليست في ع.

(5)

ع: "ينسب".

ص: 214

نفوسهم وتطهيرِ سرائرهم، وأنهم لا يقصدون بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، كما وجدوه في كثير ممن يذمُّ السماع الذي

(1)

لهم من قسوة القلب

(2)

والبعد عن مكارمِ الأخلاق وذوقِ حقيقة الإيمان. فصار هذا التفريطُ في المنكرين عليهم شبهةً لهم في التمسك بما هم عليه

(3)

، وعدمِ التفاتهم إلى مَن ينكره

(4)

عليهم. ولو أن المنكر عليهم شاركهم فيما عندهم [83 أ] من الأخلاق والمحبة وأعمال القلوب ومراعاتها والفقه في منازلاتها ووارداتها لانْقادوا له، ولرأوه

(5)

فوقَهم في ذلك، ولأقرُّوا له مُذعِنين، ولكن نفوسهم لا تنقاد لمن هو على ضد طريقتهم، ومَن هو من أقسى الناس وأبعدهم عن المحبة وأحكامها، وعن أعمال القلوب وأذواق حلاوة المعاملة، وإذا تلاقتْ أرواحُهم تنافرتْ أشدَّ النِّفار

(6)

. فالبلاء مركب من تفريط هؤلاء وعدوان هؤلاء، وصارت كل طائفة مُعْرِضةً عما مع الأخرى من الحق، مستطيلةً عليها بما معها من الباطل.

وأمَّا أهل الصراط المستقيم الوسط العدل الخيار، فيتبرؤون من

(1)

كذا في النسختين.

(2)

"القلب" ليست في ع.

(3)

ع: "فيه".

(4)

ع: "ينكر".

(5)

ع: "ولو رأوه".

(6)

ع: "التنافر".

ص: 215

باطل الطائفتين ويُقرُّون بحق الفريقين، وينقادون

(1)

لما مع كل منهما من الحق، ويُنكرون ما معهما من الباطل. فمَن قال من الفريقين: حيَّ على الهدى والفلاح، أجابَ نداءه ولبَّى دعوتَه، ومَن قال: حيَّ على البدعة واتّباعِ ما لم يُنزِل الله به سلطانًا، أعرض عنه وجاهده بحسب استطاعته.

وهذا دين الله الذي لا يَقبل من أحد دينًا سواه، وهو اتّباع ما بعث الله به رسوله في جميع الأمور، وترك اتّباع ما يخالف ذلك، وإجماع

(2)

القلوب على هذا الاتباع والترك

(3)

، كما قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) [83 ب] وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 103 - 107].

(1)

ع: "ويتعادون" تحريف.

(2)

ع: "واجتماع".

(3)

ع: "والشرك".

ص: 216

قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنّة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل الفرقة والبدعة

(1)

.

فتبيّن بطلان استدلال السماعاتية على صحة سماع المكاء والتصدية والغناء بالألحان بما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

(2)

من الشعر من كل وجه.

وقال صاحب القرآن: وقولك أيها السماعي: قد جرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ما هو قريب من الشعر وإن لم يقصد أن يكون شعرًا. فنقول في جواب هذا: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه، فلو جرى على لسانه الكريم حقيقةُ الشعر إنشاءً، وقد أعاذه

(3)

الله منه، قال تعالى:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]، لم يكن في ذلك

(4)

شبهةٌ لك

(5)

في حل الغناء وسماع الألحان. فما أعجبَ حالَكم أيها السماعاتية إذ تحتجون

(6)

بقوله صلى الله عليه وسلم:

(1)

انظر "تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 729) وابن كثير (2/ 747) والدر المنثور (3/ 721).

(2)

"وأصحابه" ليست في ع.

(3)

في الأصل: "عاذه".

(4)

"أعاذه

ذلك" ساقطة من ع.

(5)

ع: "لكم".

(6)

ع: "أن تحتجوا".

ص: 217

اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخره

فاغفرْ للأنصارِ والمهاجره

(1)

وبقوله:

هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيْتِ

وفي سبيلِ اللهِ ما لَقِيْتِ

(2)

على حلِّ الغناء والزمْر والدُّفوف والشبابات والرقص، والطَّرْق

(3)

[84 أ] على تاتنا تنتنا! والله تعالى الموفّق لمن يشاء، والخاذِل لمن يشاء.

فصل

*قال صاحب الغناء

(4)

: وقد سمع السلف والأكابر الأبيات بالألحان، وممن قال بإباحته من السلف: مالك بن أنس، وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء، فأمّا الحُدَاء فالإجماع منهم على إباحته، وهو والغناءُ:

رضيعَا لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسَما

بأسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لا نتفرقُ

(5)

(1)

سبق تخريجه.

(2)

أخرجه البخاري (2802، 6146) ومسلم (1796) من حديث جندب بن سفيان.

(3)

ع: "والطرب".

(4)

انظر "الرسالة القشيرية"(ص 505).

(5)

البيت للأعشى في ديوانه (ص 275) و"إصلاح المنطق"(ص 297) و"أدب الكاتب"(ص 407) و"جمهرة اللغة"(ص 905) و"الخصائص"(1/ 265).

ص: 218

*قال صاحب القرآن: كلامك هذا يتضمن إثباتَ باطل وتركَ حق، وهو إن كان عمدًا فعظيمةٌ، وإن كان غلطًا فتقصير وتفريط في حقّ العلم. وذلك أن المعروف عن أئمة السلف من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم من الصحابة، وكذلك عن أئمة التابعين ومَن بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم: إنكاره، حتى ذكر زكريا بن يحيى

(1)

الساجي في كتابه الذي ذكر فيه إجماع أهل العلم واختلافَهم: أنهم متفقون على المنع منه إلا رجلان

(2)

، إبراهيم بن سعد

(3)

من أهل المدينة، وعبيد الله بن الحسن العنبري من أهل البصرة، وقد تقدم حكاية ذلك، فكيف يُنقَل عن السلف والأكابر ما هم أبعد الناس منه؟

وأمّا نقلك لإباحته

(4)

عن مالك بن أنس وأهل الحجاز كلهم فهذا من أقبح الغلط وأفحشه، فإن مالكًا نفسه لم يختلف قوله وقول أصحابه في ذمِّه والمنع منه وكراهته، بل هو من المبالغين في ذلك، الشاهدين على أهله بالفسق، ولهذا لما سأله إسحاق بن عيسى الطبَّاع عمّا يترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال:"إنما يفعله عندنا [84 ب] الفساق".

(1)

ع: "يحيى بن زكريا" خطأ.

(2)

كذا في النسختين مرفوعًا، والوجه:"رجلين".

(3)

في النسختين: "سعد بن إبراهيم" وهو خطأ.

(4)

ع: "الإباحة".

ص: 219

ومؤلفات أصحابه في تحريمه شاهدة

(1)

بذلك

(2)

. والشافعي لم يختلف قوله في كراهته، وقال في كتابه المعروف "بأدب القضاء": الغناء لهو مكروه شبيه بالباطل، ومَن استكثر منه فهو سفيهٌ تُرَدَّ شهادتُه. وقد قال عن سماع التغبير الذي هو أحسن سماعات هؤلاء: إنه مما أحدثته الزنادقة يَصُدُّون به الناس عن القرآن. وأمّا فقهاء الكوفة فمن أشدّ الناس تحريمًا للغناء، ولم

(3)

يتنازعوا في ذلك، ولم يخالفهم إلا العنبري

(4)

.

فصل

*قال صاحب الغناء: وقد ذكر محمد بن طاهر في مسألة "السماع"

(5)

حكاية عن مالك أنه ضربَ بطَبْلٍ، وأنشد أبياتًا، ومالك مالك!

*قال صاحب القرآن: قد أعاذ الله مالكًا وأصحابه من هذا البهتان والفرية، ومالك أجلُّ عند الله وعند أهل الإسلام من ذلك، والكذبُ الفاحش على الأئمة المشهورين صنعة جهلة

(6)

الكذابين، فلو أن واضع

(1)

ع: "شاهدات".

(2)

انظر لمعرفة هذه المؤلفات والنصوص "حكم الغناء في مذهب المالكية" لمصطفى باحو.

(3)

في الأصل: "ولما".

(4)

هذه النصوص والأقوال سبق تخريجها في أول الكتاب.

(5)

انظر كتاب "السماع" له (ص 66).

(6)

ع: "صفة الجهلة".

ص: 220

هذه الحكاية نسبها إلى مَن ليس في الشهرة والإمامة والجلالة كمالكٍ لأمكن أن يخفى ويَرُوجَ على الجهال، وأمّا على إمام دار الهجرة فسبحانك هذا بهتان عظيم.

فصل

*قال صاحب الغناء

(1)

: وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، رُوي عن ابن جريج أنه كان يُرخِّص في السماع، فقيل له: إذا أُتي بك يومَ القيامة ويُؤتَى بحسناتك وسيّئاتك، ففي أي الجانبين يكون السماع؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات. يعني أنه من المباحات

(2)

.

*قال صاحب القرآن: ليس ابن جريج [85 أ] وأهل مكة ممن

(3)

يعرف عنهم الغناء، بل المشهور عنهم خلاف ذلك. ثم هذه

(4)

الحكاية وأمثالها هي إلى أن تكون حجةً عليكم أقربُ من كونها حجةً لكم، فإنه قال: يكون السماع لا في الحسنات ولا في السيئات، فجعله بمنزلة اللعب واللهو الباطل، الذي أحسنُ أحوالِه أن لا يكون للعبد ولا عليه، ومع هذا فلا بدَّ أن يَنقُصَ من حسناته. ولم يجعلْه ابن جريج ولا أحدٌ قبلَ هذه الطائفة دينًا وقربةً وصلاحًا للقلوب، ويُفضِّلْه على سماع القرآن من

(1)

انظر "الرسالة القشيرية"(ص 505).

(2)

ع: "المباح".

(3)

في النسختين: "ليس عن ابن جريج وأهل مكة مَن

". والصواب ما أثبته، كما في "الاستقامة" (1/ 275).

(4)

ع: "إن هذه".

ص: 221

وجوه متعددة، بل غاية ما يُحكَى عمن يُرخِّص فيه أنه جعله بمنزلة الغناء والضرب بالدف للنساء في العرس وأيام الأعياد وعند قدوم الغائب، وهو

(1)

مع ذلك باطل، كما في الحديث الذي في السنن: أن امرأة نذرَتْ أن تَضِربَ لقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدفّ ففعلتْ، فلما جاء عمر أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسكوت، وقال:"إن هذا رجل لا يحب الباطل"

(2)

. وسمى الصديق غناء الجويريتين يومَ العيد مزمور الشيطان، وأقرَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية، وأقرَّ الجويريتين

(3)

لمكان صغرهما وكونه يوم عيد

(4)

،

وخلوّ ما تُغنِّيان به من آلاتِ المعازف وغناءِ الألحان والطرابات

(5)

، ولم يقل: هو قربة وطاعة ودين

(6)

ومصلح

(7)

للقلوب،

(1)

"هو" ليست في ع.

(2)

جمع المؤلف هنا بين حديثين، أخرج الأول منهما أحمد (5/ 353) والترمذي (3690) والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 77) عن بريدة، وإسناده قوي. وقوله:"إن هذا رجل لا يحب الباطل" في حديث آخر بسياق مختلف، أخرجه أحمد (3/ 435) والبخاري في "الأدب المفرد"(342) وأبو نعيم في "الحلية"(1/ 46) عن الأسود بن سريع. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وعبد الرحمن بن أبي بكرة لا يصح سماعه من الأسود.

(3)

"يوم العيد

الجويريتين" ساقطة من الأصل بسبب انتقال النظر.

(4)

ع: "العيد" ..

(5)

سبق تخريجه. و"الطرابات" لا وجود لها في المعاجم.

(6)

"ودين" ليست في ع.

(7)

في الأصل: "ملح".

ص: 222

بل قد ثبت عنه في الصحيح

(1)

أنه قال: "كلُّ لهوٍ يلهو به الرجل

(2)

فهو باطل إلا رميَهُ بقوسه وتأديبَه فرسَه وملاعبتَه امرأته، فإنهن من الحق".

ومعلوم أن الباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يُرخَّص في بعضه أحيانًا للنفوس التي لا تصبر على الحق المحض، ويُرخَّص منه في القدر الذي يحتاج إليه، في الأوقات التي تتقاضى ذلك، كالأعياد والأعراس وقدوم الغائب، وتلك نفوس الصبيان والنساء والجواري [85 ب] الصغار، وهن اللاتي غنَّين في بيت عائشة، وضربن بالدف خلفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند تلقِّيه فرحًا وسرورًا به.

فهذا كان فرح هؤلاء الضعفاء العقول الذين لا تحتمل

(3)

عقولهم الصبرَ تحت محض الحق، فكان في إقرارهم بالترخيص

(4)

لهم في هذا القدر مصلحةٌ لهم، وذريعةٌ إلى انبساط نفوسهم وفرحهم بالحق، فهو من نوع الترخيص في اللُّعَبِ للبنات، وما شاكل ذلك، وهذا من كمال

(1)

لم أجده في الصحيحين. وأخرجه أحمد (4/ 144، 148) والترمذي (1637) وابن ماجه (2811) من طريق أبي سلام عن عبد الله بن الازرق عن عقبة بن عامر. وأخرجه أحمد (4/ 146، 148) وأبو داود (2513) والنسائي (6/ 28، 222) من طريق خالد بن زيد الجهني عن عقبة. وقال الترمذي: حديث حسن.

(2)

ع: "رجل".

(3)

ع: "الذي لا تحمل".

(4)

ع: "والترخيص".

ص: 223

شريعته ومعرفته بالنفوس وما تصلح عليه، وسوقها إلى

(1)

دينه بكل طريق وفي كل وادٍ. ومن المعلوم أن النفوس الصغار والعقول الضعيفة إذا حُمِلت على محض الحق، وحُمِلَ عليها ثِقلُه، تفسَّخَتْ تحته واستعصَتْ ولم تَنقَدْ، فإذا أُعطِيَتْ شيئًا من الباطل ليكون لها عونًا على الحق ومنفذًا له، كان أسرعَ لقبولها وطاعتها وانقيادها.

فما لمشايخ الطريق والسالكين إلى الله، والآخذين أنفسهم بالجِدِّ المحض، والمعرضين

(2)

عن حظوظهم، الذين لم يعبدوا الله شوقًا إلى جنته ولا خوفًا من ناره، إذْ ذلك عينُ حظهم وهو نقصٌ في طريقتهم، وهذا الباطل واللهو الذي هو حظ الأطفال والنساء والجواري؟! ولا ريبَ أن الرجال لم يكن ذلك فيهم، بل كان السلف يسمون الرجل المغنّي مخنَّثًا لتشبهه بالنساء، وقد رُوي:"اقرأوا القرآنَ بلحون العرب، وإياكم ولُحونَ العجم والمخانيثِ والنساءِ"

(3)

.

وسئل القاسم بن محمد

(4)

عن الغناء، فقال للسائل: أرأيت إذا ميز الله يوم القيامة بين الحق والباطل ففي أيهما [86 أ] يجعل الغناء؟ فقال:

(1)

ع: "إلى الله تعالى وإلى دينه".

(2)

ع: "والمعوضين" تحريف.

(3)

أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن"(ص 80) والطبراني في "الأوسط"(7219) البيهقي في "شعب الإيمان"(2649) عن حذيفة، وهو حديث ضعيف.

(4)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 224)، وأورده ابن الجوزي في "تلبيس إبليس"(ص 235).

ص: 224

في الباطل، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال. فكان العلم بأنه من الباطل مستقرًّا في نفوسهم كلهم وإن فعله بعضهم.

فصل

* قال صاحب الغناء

(1)

: فهذا الشافعي لا يُحرِّمه، ويجعله من العوامِّ مكروهًا، حتى لو احترف بالغناء أو اتصف به على الدوام وبسماعه على وجه التلهي

(2)

تُردُّ به الشهادة

(3)

، ويجعله مما يُسقِط المروءة ولا يُلحِقه بالمحرمات، وليس الكلام في هذا النوع من السماع، فإن هذه الطائفة جلَّت رتبتهم عن أن يسمعوا بلهوٍ، أو يقعدوا للسماع بسهوٍ، أو يكونوا بقلوبهم متفكرين في مضمون لغوٍ

(4)

.

* قال صاحب القرآن: لم يختلف قول الشافعي في كراهته والنهي عنه للعوام والخواصّ، ولكن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه أو يُفصَّل

(5)

بين بعض وبعض؟ هذا مما تنازع فيه أصحابه، وهذا قوله في سماع العامة. وأمَّا سماع الخاصة الذين تشيرون إليه فهو عند الشافعي من فعل الزنادقة، كما تقدم حكاية كلامه. فعند الشافعي أن هذا السماع الذي للخاصة أعظم من أن يقال فيه: إنه مكروه أو محرم، بل هو عنده مضادٌّ

(1)

انظر "الرسالة القشيرية"(ص 505).

(2)

في الأصل: "الوجه التلهي".

(3)

ع: "ترد شهادته".

(4)

ع: "لغوه".

(5)

ع: "تفصيل".

ص: 225

للإيمان، وشرعُ دينٍ لم يأذن به الله ولم يُنزل به من سلطان، وإن كان من المشايخ والصالحين من تأول في فعله

(1)

، وبتأويله واجتهاده يغفر الله له خطأه، ويُثِيبه على ما مع التأويل من قصد خالص

(2)

وإن لم يكن العمل صوابًا. والتأويل والاجتهاد من باب المعارض في حق بعض الناس، يُدفَع به عنه العقوبة كما يُدفَع بالتوبة والحسنات الماحية، وهذا إنما هو لمن استفرغ وُسعَه في طلب الحق [86 ب] واتقى الله

(3)

ما استطاع.

وقول الشافعي رضي الله عنه في هؤلاء نظير قوله في أهل الكلام: "حكمي في أهل الكلام

(4)

أن يُضرَبوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام"

(5)

. وقوله: "لأن يبتلى العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يُبتلى بالكلام في هذه الأهواء"

(6)

.

فهذا مذهبه في المتكلمين، وتلك شهادته في أهل السماع، وهذا من كمال نصيحته رضي الله عنه، لما علم من دخول الفساد على الأمة من هاتين

(1)

هنا بياض في ع.

(2)

ع: "صالح".

(3)

"واتقى الله" ليست في الأصل.

(4)

"في أهل الكلام" ليست في ع.

(5)

أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(9/ 116) والبيهقي في "مناقب الشافعي"(1/ 462).

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي"(ص 182، 187) وأبو نعيم في "الحلية"(9/ 111) والبيهقي في "مناقب الشافعي"(1/ 452، 454)

ص: 226

الطائفتين.

وبالجملة فالكلام في السماع على وجهين:

أحدهما: سماع اللهو واللعب والطرب، فهذا يقال فيه: مكروه أو محرم أو باطل، أو مُرخَّص في بعض

(1)

أنواعه.

والثاني: السماع المحدَث لأهل الدين والقُربة، فهذا يقال فيه: إنه بدعة وضلالة، وإنه مخالف لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع السالفين

(2)

جميعهم، وإنما حدثَ في الأمة لما حدث الكلام، فكثر هذا في أهل النظر والعلم، وكثر هذا في أهل الإرادة والعبادة، ولهذا كان يزيد بن هارون شيخ الإسلام في وقته، وهو من أتباع التابعين، ينهى عن مجالسة الجهمية والمغبِّرة، هؤلاء أهل الكلام المخالف للكتاب

(3)

والسنة، وهؤلاء أهل السماع المُحدَث المخالف للكتاب والسنة

(4)

، ولهذا لم يستطع أحد قطُّ ممن زعم أن هذا السماع قربة ومستحب، أن يأتي بأثرٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه بذلك، إلا من جاهر بالوقاحة والكذب، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع هذا السماع

(5)

، وتواجدَ عليه حتى شقَّ قميصَه. [87 أ] فلْيَبْشُرْ من نسب ذلك إليه بمقعده من النار.

(1)

"بعض" ليست في ع.

(2)

ع: "السابقين".

(3)

ع: "لكتاب الله".

(4)

"والسنة" ليست في الأصل.

(5)

"السماع" ليست في ع.

ص: 227

فصل

*قال صاحب الغناء

(1)

: وقد رُوي عن ابن عمر وعبد الله بن جعفر آثارٌ في إباحة السماع، هذا مع تشدد ابن عمر وزهده ودينه وحرصه على متابعة الرسول وبُعْدِه من البدع، وعبد الله بن جعفر الطيار.

* قال صاحب القرآن: أما ما نقل عن ابن عمر فإنه نقلٌ باطل، والمحفوظ عن ابن عمر ذمه للغناء، ونهيه عنه، كما هو المحفوظ عن إخوانه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كابن مسعود وابن عباس وجابر وغيرهم، ممن رضيهم المسلمون قدوةً وأئمةً. وهذه سيرة ابن عمر وأخباره ومناقبه وفتاويه بين الأمة

(2)

، هل تجد فيها أنه عمل هذا السماع أو حضره أو رخَّص فيه؟ فقد نزَّه الله

(3)

سَمْعَ ابن عمر عنه، بل وأصحاب ابن عمر.

وأما ما نقلتَ عن عبد الله بن جعفر، فلا ريب أنه قد نُقِل عنه ذلك، لكن المنقول عنه أنه كانت له جارية تُغنِّيه في بيته، فيستمتع

(4)

بسماع غنائها. هذا غايةُ ما نُقِل عنه، وليس ابن جعفر ممن يُعارَضُ به أركانُ

(1)

انظر "الرسالة القشيرية"(ص 505).

(2)

ع: "الأئمة".

(3)

لفظ الجلالة ليس في ع.

(4)

ع: "فيستمع".

ص: 228

الأمة كابن مسعود وابن عباس وجابر

(1)

وابن عمر. ومن احتج بفعل عبد الله بن جعفر

(2)

فليحتجَّ بفعل معاوية في قتاله لعلي، وبفعل عبد الله بن الزبير في قتاله في الفرقة، وبفعل

(3)

مروان بن الحكم في خطبته يوم العيد قبل الصلاة

(4)

، وأمثال ذلك مما لا يصلح لأهل العلم والدين أن يُدْخِلوه في أدلة الشرع، لا سيما النسّاك والزهاد وأهل الحقائق، فإنهم لا يَصلُح لهم أن يتركوا سبيلَ مثل أبي ذر وأبي أيوب الأنصاري وعمار بن ياسر [87 ب] وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح، والمشهورين بالنسك والعبادة، ويتبعون سبيلَ من اتخذ جاريةً تُغنِّيه في بيته للهو

(5)

واللذة، ويجعلونه حجةً لهم فيما بينهم وبين الله في الرقص وسماع الأغاني المطربة من الشاهد المليح، بمساعدة الدفوف والشبابات والمواصيل. هذا مع أن الذي فعله عبد الله بن جعفر كان في داره، لم يكن يجمع الناس على ذلك ولا يدعو إليه، ولا يعدُّه دينًا وقربة

(6)

يُقرِّبه إلى الله، بل هو من الباطل واللهو.

(1)

"وجابر" ليست في ع.

(2)

ع: "عمر" تحريف.

(3)

ع: "بمثل".

(4)

كما في "صحيح مسلم "(889).

(5)

ع: "اللهو".

(6)

ع: "ولا قربة".

ص: 229

فصل

* قال صاحب الغناء

(1)

: ثبت

(2)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع الحُدَاء وحَدا الحُداةُ بين يديه، وكذلك عمر بن الخطاب

(3)

بعده رخَّص في الحُداء، والغناء والحداء كلٌّ منهما إنشادٌ بأصواتٍ مطربةٍ، وهما كما قال الشاعر:

فإن لا يَكُنْها أو تَكُنْه فإنه

أخوها غَذَتْه أمُّه بلِبَانِها

(4)

* قال صاحب القرآن: قد اتفق الناس على جواز الحُداء، وثبت أن عامر بن الأكوع كان يحدو بالصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين

(5)

عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسِرْنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تُسمِعنا من هُنيَّاتِك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم، يقول:

اللهمَّ لولا أنتَ

(6)

ما اهتدَينا

ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا

فأنزلَنْ سكينةً علينا

وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا

(1)

انظر "الرسالة القشيرية"(ص 505).

(2)

ع: "فقد ثبت".

(3)

في الأصل: "خطاب".

(4)

البيت لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه"(ص 162) و"إصلاح المنطق"(ص 297) و"أدب الكاتب"(ص 407) و"لسان العرب"(كون، لبن).

(5)

البخاري (6148) ومسلم (1802).

(6)

ع: "أنت الله".

ص: 230

إنّا إذا صِيْحَ بنا أَتَينا

وبالصِّياح عوَّلوا عَلينا

[88 أ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع، قال:"يرحمه الله"، قال رجل من القوم: وجبَتْ يا نبي الله، لولا أمتعتَنا به، وذكر الحديث

(1)

. وذلك في غزوة خيبر.

وفي الصحيح

(2)

حديث أنجَشة الحبشي الذي كان يحدو بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:"رُويدَك يا أنجشةُ، سَوقَك بالقوارير" يعني النساء

(3)

، أمره بالرفق بهن لئلا تُزعِجَهن الإبل في المسير

(4)

إذا اشتدَّ سيرها، ولئلا ينزعجن

(5)

بصوت الحادي، والحديث متفق عليه. فمن الذي حرَّم الحداء؟ حتى يحتجُّون عليه بفعله بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما قولكم: "إن الغناء إن لم يكنْه فهما رضيعَا لِبانٍ، وهما في

(6)

بابهما أخوانِ" فمن أبطل الباطل، وهو من جنس استدلالكم على حل الغناء والسماع بسماع النبي صلى الله عليه وسلم الشعرَ

(7)

واستنشاده له، وهل هذا إلا

(1)

ع: "ذلك الحديث".

(2)

البخاري (6161) ومسلم (2323) عن أنس بن مالك.

(3)

"النساء" ليست في ع.

(4)

ع: "السير".

(5)

ع: "يزعجن".

(6)

"في" ليست في ع.

(7)

ع: "الشعراء".

ص: 231

من أفسدِ القياس وأبطله؟ وإذا كان الأمر كما تقولون فلِمَ سمع

(1)

رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الحُداءَ والشعر؟ ولم يُنقل والعياذ بالله عن أحد منهم قطُّ استماعُ الغناء وحضوره وإقامته، فضلًا عن اتخاذه طاعة وقربة ودينًا! فقياس الغناء على الحداء من جنس قياس الربا على البيع، وقياس نكاح التحليل على نكاح الرغبة، ونكاح المتعة على النكاح المؤبد، وأمثال ذلك من الأقيسة التي تتضمن الجمع بين ما

(2)

فرَّق الله ورسوله بينهما.

فصل

* قال صاحب الغناء

(3)

: يكفينا في هذا الباب ما قد اشتهر، وعلمه الخاص والعام من حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة، بما تقاولت [88 ب] به

(4)

الأنصار يوم بُعَاث، فأنكر عليهما أبو بكر، وقال: أبمزمور

(5)

الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْهما يا أبا بكر! فإن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا"

(6)

.

(1)

ع: "يسمع".

(2)

ع: "بينهما" خطأ.

(3)

انظر "الرسالة القشيرية"(ص 505).

(4)

"به" ليست في ع.

(5)

ع: "أمزمور".

(6)

سبق تخريجه.

ص: 232

* قال صاحب القرآن: هذا الحديث من أكبر الحجج عليك

(1)

، فإن الصديق سمّى الغناء مزمور الشيطان، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه التسمية، وأقرَّ الجويريتين على فعله، إذ هما جويريتان صغيرتان

(2)

دون البلوغ غير مكلَّفتين، قد أظهرتا الفرح والسرور يوم العيد بنوعٍ ما من أنواع غناء العرب، ولا سيما الصغار

(3)

منهن في بيت جاريةٍ حديثة السن، بشعرٍ من شعر العرب في الشجاعة ومكارم الأخلاق ومدحها، وذم الجبن ومساوئ الأخلاق، ومع هذا فقد سماه صديق الأمة "مزمور الشيطان". فيالله العجب! كيف صار هذا المزمور الشيطاني

(4)

قربةً وطاعةً تقرِّب إلى الله، وتُنال بها كرامتُه؟ وأصحابه جلّت رتبتهم أن يسمعوه بنفوسهم، أو لأجل حظوظهم، هذا وكم بين المزمورين؟ فبينهما أبعد ما

(5)

بين المشرقين.

ثم نحن نرخِّص في كثير من أنواع الغناء، مثل هذا، ومثل الغناء في النكاح للنساء والصبيان، إذا خلا من الآلات المحرمة، كما نرخص لهم في كثير من اللهو واللعب، وهذا نوع

(6)

من أنواع اللعب المباح لبعض

(1)

ع: "عليكم".

(2)

في النسختين: "جويريتين صغيرتين".

(3)

ع: "من الصغار".

(4)

في الأصل: "مزمور الشيطان".

(5)

ع: "مما".

(6)

"نوع" ليست في ع.

ص: 233

الناس في بعض الأوقات، فما له وللتقرب والتعبد به؟ واستنزال الأحوال الإيمانية والأذواق العرفانية والمواجيد القلبية به؟

ونظير هذا دخول عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهروب النسوة [89 أ] اللاتي كنَّ يغنين لما رأينه، ووضعن دفوفهن تحتهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما رآك الشيطان سالكًا فجًّا

(1)

إلا سلك فجًّا غير فجِّك"

(2)

. فأخبر أن الشيطان هرب مع تلك النسوة، وهذا يدل على أن الشيطان كان حاضرًا مع أولئك النسوة، وهرب معهن. فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصديق على أن الغناء مزمور الشيطان، وأخبر أن الشيطان فرَّ من عمر لما فر منه النسوة، فعُلِمَ أن هذا من الشيطان، وإن كان رُخِّصَ فيه لهؤلاء الضعفاء العقولِ من النساء والصبيان، لئلا يدعوهم الشيطان إلى ما يُفسِد عليهم دينَهم، إذ لا يمكن صرفُهم عن كل ما تتقاضاه الطباع من الباطل.

والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تُحصِّلُ أعظمَ المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فإذا وُصِف العمل بما فيه من الفساد مثل كونه من عمل الشيطان، لم يمنع ذلك أن يُدفَع به مفسدة شرٌّ منه وأكبر وأحب إلى الشيطان منه، فيُدفَع بما يحبه الشيطان ما هو أحب إليه

(3)

(1)

ع: "في فج".

(2)

أخرجه البخاري (3683) ومسلم (2396) عن سعد بن أبي وقاص.

(3)

ع: "إلى الشيطان".

ص: 234

منه، ويُحتَمل ما يبغضه الرحمن لدفع ما هو أبغض إليه منه، ويُفوَّت ما يحبه لتحصيل ما هو أحبُّ إليه منه

(1)

.

وهذه أصولٌ مَنْ رُزِقَ فهمَها والعملَ بها فهو من العالمين بالله وبأمره.

ولا ريب أن الشيطان موكَّلٌ ببني آدم، يجري منهم مجرى الدم، وقد أُعِين بما رُكِّب في نفوسهم وجُبِلَتْ عليه طباعُهم وامتُحِنوا به من أسباب الشهوة والغضب، فلا يمكن حفظُ [89 ب] مَن هذا شأنه مع عدوه

(2)

، من كل ما للشيطان فيه نصيبٌ، وهو له حظ في كل أعمال العبد، حتى في صلاته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يجعل أحدكم للشيطان حظًّا من صلاته، يرى أن حقًّا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه"

(3)

. فإذا كان هذا القدر من حظ الشيطان في صلاة العبد، فما الظن بما هو أعظم من ذلك وأكبر. وسُئِل صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال:"هو اختلاس يَختلِسُه الشيطان من صلاة العبد"

(4)

.

وإذا لم يمكن حِفظُ العبد

(5)

نفسَه من جميع حظوظ الشيطان منه، كان من معرفته وفقهه وتمام توفيقه أن يدفع حظَّه الكبير بإعطائه حظَّه

(1)

"ويحتمل

إليه منه" ساقطة من ع.

(2)

"مع عدوه" ليست في ع.

(3)

أخرجه البخاري (852) ومسلم (707) موقوفًا على ابن مسعود.

(4)

أخرجه البخاري (751) عن عائشة.

(5)

"العبد" ليست في ع.

ص: 235

الحقير، إذا لم يمكن حرمانُه الحظَّينِ كليهما، فإذا أُعطِيَتِ النفوسُ الضعيفة حظًّا يسيرًا من حظِّها

(1)

يُستَجلبُ به من استجابتها وانقيادها خيرٌ كبير

(2)

، ويُدفَع به عنها شر كبير

(3)

أكبر من ذلك الحظ= كان هذا عينَ مصلحتِها، والنظر لها والشفقة عليها.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسرِّبُ الجواري إلى عند عائشة يلعبن معها

(4)

، ويمكِّنها من اتخاذ اللُّعب التي هي في صور خيل بأجنحة وغيرها

(5)

، ويُمكِّنها من النظر إلى لعب الحبشة

(6)

. وكان مرة بين أصحابه في السفر، فأمرهم فتقدموا، ثم سابقها فسبقَتْه، ثم فعل ذلك مرة أخرى، فسابقها فسبقها، فقال:"هذه بتلك"

(7)

. واحتمل صلى الله عليه وسلم ضرب المرأة التي نذرت إن نجَّاه الله أن تضرب على رأسه بالدف

(8)

، لما في إعطائها [90 أ] ذلك

(1)

ع: "حظه".

(2)

ع: "كثير".

(3)

ع: "شرًا كبيرًا".

(4)

أخرجه البخاري (6130). ومسلم (2440) عن عائشة.

(5)

أخرجه أبو داود (4932) والنسائي (1/ 75) عن عائشة. وإسناده صحيح. وصححه ابن حبان (5864).

(6)

أخرجه البخاري (454). ومسلم (892) عن عائشة.

(7)

أخرجه أحمد (6/ 39) وأبو داود (2578) وابن ماجه (1979) عن عائشة. وإسناده صحيح. وصححه ابن حبان (4691).

(8)

سبق تخريجه.

ص: 236