الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، آمِينَ:
بابٌ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ
إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَوْلُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)
ــ
مسلم مائة وأربعة وثلاثون ، وتفرد أيضا بمشايخ لم تقع الرواية عنهم كبقية أصحاب الكتب الخمسة إلا بالواسطة ووقع له اثنان وعشرون حديثا عاليا رفيعا، ثلاثي الإسناد ' أعلى الله درجته ودرجتنا يوم التناد على رؤوس الأشهاد ورزقنا شفاعة من توسلنا إليه بكلامه ' خير خلائقه وأفضل أنامه، وجمعنا عند حضرته الشريفة صلى الله عليه وسلم في دار الكرامة، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
قال أبو عبد الله البخاري-رضي الله عنه:-
بسم الله الرحمن الرحيم
باب كيف كان بدء الوحي. قوله: (باب) يجوز فيه وفي نظائره أوجه ثلاثة احدها رفعه مع التنوين والثاني رفعه بلا تنوين على الإضافة وعلى التقديرين هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب والثالث باب على سبيل التعداد للأبواب بصورة الوقف فلا إعراب له. فأقول: ((وقول الله)) هو مجرور عطفا على محل الجملة التي هي كيف كان بدء الوحي أو هو مرفوع عطفا على لفظ البدء وأجاز القاضي
الرفع على الابتداء وذكر البخاري الآية الكريمة لأن عادته أن يستدل للترجمة بما وقع له من قرآن أو سنة مسندة وغيرها وأراد أن الوحي سنة الله تعالى في أنبيائه. وقال الإمام أبو الحسن علي بن بطال المالكي المغربي: معنى هذه الآية أن الله تعالى أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام لأن الوحي ينقسم إلى وجوه. وأقول إنما ذكر نوحا ولم يذكر آدم لأنه أول مشروع عند بعض العلماء أو لأنه أول نبي عوقب قومه فخصصه به تهديدا لقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ((بدء الوحي)) البدء على وزن محتمل أن يكون مهموزا فهو بمعنى الابتداء أو أن يكون ناقصا فهو بمعنى الظهور والوحي أصله الأعلام في خفاء وقيل الأعلام بسرعة وكل ما دلت به من كلام أو كتابة أو رسالة أو إشارة فهو وحي ومن الرؤيا والإلهام وأوحى ووحي لغتان والأولى أفصح وبها ورد القرآن وقد يطلق ويراد به اسم المفعول منه أي من الموحي وأما بحسب اصطلاح المتشرعة فهو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه. وقال الإمام أبو عبد الله التيمي: الأصفهاني الوحي أصله التفهيم وكلما فهم به شيء من الإشارة والإلهام والكتب فهو وحي قيل في قوله: تعالى ((فأوحى إليهم إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)) أي كتب وفي قوله: ((وأوحى ربك إلى النحل)) وأما الوحي بمعنى الإشارة فكما قال الشاعر:
يرمون بالخطب الطوال وتارة
…
وحى الملاحظ خيفة الرقباء
وقال وأعلم أنه لما كان كتابه معقودا على أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم طلب تصديره بأول شأن الرسالة والوحي ولم يرد أن يقدم عليه الخطبة. فإن قيل ترجمة لبيان بدء الوحي والحديث لبيان كون الأعمال محتاجة إلى النية قلنا. قال: العلماء: البخاري رحمه الله أورد هذا الخبر بدلا من الخطبة وأنزله منزلها فكأنه قال بدأت بهذا الكتاب وصدرته بكيفية بدء الوحي وقصدت به التقرب إلى الله تعالى فإن العمال بالنيات. قال وأعلم أنه لو قال كيف كان الوحي وبدؤه لكان أحسن لأنه تعرض لبيان كيفية الوحي لا بيان كيفية بدء الوحي. وكان ينبغي أن لا يقدم عليه بعقب الترجمة غيره ليكون أقرب إلى الحسن وكذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس لا على بدء الوحي ولا تعرض له غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين العبارة وإنما مقصوده فهم القارئ والسامع إذا قرأ الحديث علم مقصوده من الترجمة فلم يشتغل بها تعويلا على فهم القارئ. أقول ليس قوله: لكان أحسن مسلما لأنا لا نسلم أنه ليس بيانا لكيفية بدء الوحي إذ يعلم بما في الباب أن الوحي كان ابتداؤه على حال المنام ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط ونحوه ثم ما فر هو عنه لازم عليه على هذا
1 -
حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
ــ
التقريب أيضا إذ البدء عطف على الوحي كما قرره فيصح أن يقال ذلك إيرادا عليه أيضا وليس قوله: كان ينبغي أيضا مسلما إذ هو بمنزلة الخطبة وقصد التقرب كما قال هو بنفسه والسلف كانوا يستحبون افتتاح كلامهم بحديث النية بيانا لإخلاصهم فيه وليس قوله: وكذا حديث ابن العباس مسلما إذ فيه بيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء نزول الوحي أو عند ظهور الوحي والمراد من حال ابتداء الوحي حاله مع كل ما يتعلق بشأنه أي تعلق كان كما في التعلق الذي للحديث الهرقلي وهو أن القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها أو المراد من الباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي لا كل حديث منه فلو علم من مجموع ما في الباب كيفية بدء الوحي من كل حديث شيء مما يتعلق به لصحت الترجمة قوله: (الحميدي) أُشرف الكتاب أولا بنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يناسب ثم أشرح الباقي بترتيب الكتاب وهو صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن اليأس (1) بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. إلى هنا إجماع الأمة وما بعد مختلف فيه والنضر هو أبو قريش في قول الجمهور وقيل فهر وقيل غيره. وأمه صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب المذكور ومناف بفتح الميم وقصي بصيغة التصغير وكلاب بكسر الكاف وباللام الخفيفة ومرة بضم الميم وتشديد الراء ولؤي بالتصغير وغالب بالغين المنقطة وفهر بكسر الفاء وبالراء وبالنضر بالنون المفتوحة وسكون الضاد المعجمة وخزيمة مصغر الخزمة بالمعجمة والزاي ومدركة بصيغة اسم الفاعل ومضر بضم الميم وفتح الضاد المنقوطة ونزار بكسر النون وبالزاي والراء ومعد بفتح الميم. وأما مولده صلى الله عليه وسلم فالصحيح من الأخبار أنه عام الفيل وقيل بعده بثلاثين أو أربعين سنة وأنه في يوم الاثنين من ربيع الأول لثنتي عشرة خلت منه وقيل ثمان أو لليلتين أو لعشر. وبعث رسولا إلى الناس كافة بمكة ابن أربعين سنة ثم أقام بعد النبوة بها ثلاث عشر سنة على الأصح ثم هاجر إلى المدينة فأقام عشرا بالاتفاق فالصحيح غي عمره ثلاث وستون سنة وقدم المدينة يوم الاثنين ضحى لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول وابتدأ التاريخ الإسلامي من هجرته صلى الله عليه وسلم. قال الحاكم أبو أحمد ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين صلى الله
(1) اليأس بالهمز: وهو أوّل من أصابه اليأس ((أي السلّ))
الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، رضي الله عنه، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
ــ
عليه وسلم. وأما الرواة فالحميدي بصيغة التصغير وياء النسبة هو أبو بكر الحميدي عبد الله بن الزبير ابن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي منسوب إلى جده الأعلى وهو رئيس أصحاب سفيان بن عيينة توفي بمكة سنة تسعة عشر ومائتان 0واما ((سفيان)) فهو بضم السين على المشهور وحكي فتحها وكسرها أيضا وهو أبو محمد بن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي سكن مكة ومات بها قال قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين وروي عن ابن أخيه الحسن بن عمران بن أبي عيينة قال: قال لي سفيان بمزدلفة قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أقول في كل مرة اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان وقد استحييت من الله من كثرة ما أسأله فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وروى سفيان الثوري عن يحيى القطان عن ابن عيينة وهذا من الطرف لأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر أما ((يحيى)) فهو أبو سعيد بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري تابعي اتفق العلماء على جلالته وحفظه وعدالته قال احمد بن حنبل رضي الله عنه يحيى بن سعيد اثبت الناس توفي سنة أربع أو ثلاث أو ست وأربعين ومائة بالعراق وقيل بالهاشمية مكان والأنصاري نسبة إلى الأنصار الذي هو كالعلم للقبيلتين الأوس والخزرج ولهذا أجاز النسبة إلى لفظ الجمع وسموا أنصارا لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى ((والذين آووا ونصروا وواحد)) الأنصار نصير كشريف وأشراف وأما ((محمد)) فهو أبو عبد الله بن إبراهيم بن الحارث بن محمد بن خالد بن صخر ابن عامر بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة المدني القرشي التيمي تابعي توفي سنة عشرين أو إحدى وعشرين ومائة وأما ((علقمة)) فهو بفتح العين المهملة ((والوقاص)) بتشديد القاف ((والليثي)) بالياء المثناة من تحت والثاء المثلثة توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك وأما ((عمر رضي الله عنه) فهو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بالمثناة التحتانية ابن عبد الله بن قرط بضم القاف وبالطاء المهملة ابن رزاح براء مفتوحة ثم زاي والحاء المهملة بن عدي ابن كعب القرشي العدوي اسلم رضي الله عنه بمكة قديما وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا ولمشاهد كلها وهو أول من سمي بأمير المؤمنين من الخلفاء ولى الخلافة عشرة سنين وخمسة
صَلى الله عَلَيهِ وسَلمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ
ــ
أشهر أو ستة أشهر طعنه أبو لؤلؤة المجوسي يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة أو لثلاث سنة ثلاث وعشرين وتوفي في مستهل المحرم لسنة أربع وعشرين وهو ابن ثلاث وستين سنة مثل سن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه على الصحيح ودفن مع رسول الله صلى الله وعليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في حجرة عائشة رضي الله عنها صلى عليه صهيب ومناقبه أكثر من أن تحصى وقد ذكر البخاري طرفا منها كما سيجيء بشرحه أن شاء الله تعالى0واعلم أن البخاري رضي الله عنه على ما في بعض النسخ ذكر الثلاثة الأول من السند بلفظ التحديث والثلاثة الأخر بلفظ السماع والرابع بلفظ الأخبار وعلى ما سيذكره هو عن الحميدي في كتاب العلم لا تفاوت بينها قال ثمة قال الحميدي كان عند أبي عيينة حدثنا واخبرنا وأنبأنا بين المفرد والجمع كما قال في الأخبار بلفظ اخبرني مفردا وفي التحديث بلفظ حدثنا جمعا وقيل بغير ذلك أيضا 0ثم اعلم أن في هذا الإسناد لطيفة وهوان فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروي يعضهم عن بعض وهم يحيى ومحمد وعلقمة وقد يقع ما هو ألطف منه وهو ما عن أربعة من التابعين قوله: ((على المنبر)) بكسر الميم وهو مشتق من النبر وهو الارتفاع وهو بلفظ الآلة لأنه آلة الارتفاع واللام فيه للعهد يعني به منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) هذا التركيب مفيد للحصر اتفاقا من المحققين أي لا عمل إلا بالنية فقيل لأن الأعمال جمع محكي باللام مفيد للاستغراق وهو مستلزم للقصر إذ معناه كل عمل بالنية فلا عمل إلا بالنية وإلا فلا يصدق كل عمل بالنية وأما إنما فلا تفيد إلا التأكيد وعليه بعض الأصوليين ، وقيل إنما للحصر فقيل إنما إفادته له بالمنطوق وقيل بالمفهوم ووجهه بأن إنّ للإثبات وما للنفي فيجب الجمع بينهما وليس كلاهما متوجهين إلى المذكور ولا إلى غير المذكور بل الإثبات متوجه إلى المذكور والنفي إلى غير المذكور إذ لا قائل بالعكس اتفاقا واعترض عليه بأنه لا يجوز إجماع ما المنفية بان المثبتة لاستلزام اجتماع المتصدرين على صدر واحد ولما يلزم من إثبات النفي لأن النفي هو مدخول الكلمة المحققة فلفظ ما هي ما المؤكدة لا النافية فتفيد الحصر لأنه يفيد التأكيد على التأكيد ومعنى الحصر ذلك وأقول المراد بذلك التوجيه أن إنما كلمة موضوعة للحصر وذلك سر الوضع فيه لأن الكلمتين والحالة هذه باقيتان على أصلهما مرادتان بوضعهما فلا يريد الاعتراض وأما توجيهه بكونه تأكيدا على تأكيد
كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ ، يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.
ــ
فهو من باب إيهام العكس إذ لما رأى الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما فيه تأكيد على تأكيد حصر وليس كذلك وإلا لكان والله إن زيدا لقائم للحصر وهو باطل. قوله: ((بالنيات)) هو جمع النية وهو القصد إلى الفعل. قال الشيخ أبو سليمان الخطابي: معنى النية قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له وقيل هي عزيمة القلب التيمي: النية ههنا وجهة القلب. القاضي البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا، أو مآلا. والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالا لحكمه والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه لما بعده تقسيمه إلى من كانت هجرته إلى كذا وكذا فغنه تفصيل لما أجمله واستنباط للمقصود عما أصله وقال والحديث متروك الظاهر لأن الذوات غير منتفية والمراد به نفي أحكامها كالصحة والفضيلة والحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه ولأنّ اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات وبالتبع على نفي جميع الصفات فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات بقي دلالته على نفي جميع الصفات. قال النووي: النية القصد وهو عزيمة القلب أقول ليس هو عزيمة القلب لما قال المتكلمون القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد العزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به وكلام الخطابي أيضا يشعر بالمغايرة بينهما. فإن قلت النيات جمع قلة كالأعمال وهي للعشرة فما دونها لكن المعنى أن كل عمل إنما هو بنية سواء كان قليلا أو كثيرا. قلت الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف. قوله: ((لكل امرئ ما نوى)) الامرؤ الرجل وفيه لغتان امرئ نحو زبرج ومرء نحو فلس ولا جمع له من لفظه وهو من الغرائب لأن عين فعله تابع للام في الحركات لثلاث دائما وكذا في مؤنثه أيضا لغتان امرأة ومرآة وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين إذ قال ((لكل امرئ وإلى امرأة)) قوله: ((هجرته)) الهجرة الترك وههنا أراد ترك الوطن ومفارقة الأهل وسمى الذين تركوا مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك قوله: ((إلى دنيا)) لفظة دنيا مقصورة غير منونة لأنها فعل من الدنو وموصوفها محذوف أي الحياة الدنيا قال الشيخ ابن مالك في كتاب الشواهد في استعمال دنيا منكرا إشكال لأنها افعل التفضيل فكان حقها أن تستعمل باللاء كالكبرى والحسنى إلا أنها خلعت عنها الوصفية رأسا وأجريت مجرى ما لم يكن وصفا ونحوه قول الشاعر:
وإن دعوت إلى جلى ومكرمة
…
يوما سراة كرام الناس فادعينا
فإن الجلى مؤنث الأجل فخلعت عنها الوصفية وجعلت اسما للحادثة العظيمة. أقول والدليل على جعلها اسما قلب الواو ياء لأنه لا يجوز القلب إلا في الفعلى الاسمية. التيمي: الدنيا مؤنث الأدنى لا ينصرف مثل حبلى لاجتماع أمرين فيها احدهما الوصفية والثاني لزوم التأنيث. أقول ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها إذ لا وصفية ههنا بل لامتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة وهو قائم مقام العلتين فهو سهو منه. قوله: ((إلى دنيا)) هو إما متعلق بالهجرة إن كان لفظ كانت تامة أو خبر لكانت إن كانت ناقصة. فإن قلت لفظ كانت إن كان باقيا في المضي فلم يعلم أن الحكم بعد صدور الكلام من الرسول أيضا لذلك أم لا وان نقل العكس فيها بسبب تضمين من لحرف الشرط إلى معنى الاستقبال ففي الجملة الحكم إما للماضي وإما للمستقبل، قلت جاز أن يراد به أصل الكون أي الوجود مطلقا من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة أو يقاس أحد الزمانين على الآخر أو يعلم من الإجماع أن حكم المكلفين على السواء لا لعارض. قوله:((إلى ما هاجر إليه) إما أن يكون متعلقا بالهجرة والخبر محذوف أي هجرته إلى ما هاجر إليه غير صحيحة أو غير مقبولة وإما أن يكون خبر فهجرته والجملة خبر المبتدأ الذي هو من كانت وادخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. فإن قلت المبتدأ والخبر بحسب المفهوم متحدان فما الفائدة في الإخبار. قلت لا اتحاد إذ الخبر محذوف وهو فلا ثواب له عند الله والمذكور مستلزم له دال عليه أو فهي هجرة قبيحة خسيسة لأنه الخبر وكذا الشرط والجزاء إذا اتحدا صورة يعلم منه التعظيم نحو أنا أنا وشعري شعري ومن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله أو التحقير نحو فهجرته إلى ما هاجر إليه ثم لا يخفى أن إنما الأعمال بالنيات لقصر المسند إليه على المسند وإنما لكل امرئ ما نوى قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما لعمل كل امرئ ما نوى إذ القصر بإنما لا يكون إلا في الجزء الآخر وإذا قلنا تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر ففي إنما لكل امرئ ما نوى نوعان من الحصر. واعلم انه تقرر في الأصول أن الجمع إذا ذكر في مقابلة الجمع يفيد التوزيع فمعناه كل عمل إنما هو بنية. فإن قلت النية عمل لأنه من أعمال القلب فإن احتاج كل عمل إلى نية فالنية أيضا تحتاج إلى نية وهلم جرا. قلت المراد بالعمل عمل الجوارح نحو الصلاة والزكاة فإذ ذاك خارج عنه بقرينة العقل دفعا للتسلل. فإن قلت المتروك أيضا عمل لأن الأصح أن الترك كف النفس فيحتاج إلى النية. قلت نعم إذا كان المقصود منه امتثال أمر الشارع وتحصيل الثواب أما في إسقاط العقاب فلا فالتارك للزنا يحتاج فيه لتحصيل الثواب إلى النية وما اشتهر أن المتروك لا يحتاج إليها يريدون به في الإسقاط وههنا بعدما ذكرنا من اللغة والإعراب والبيان والأصول والفقه يستفاد منه مسالة أخرى أصولية وهي أنه لا يجوز تكليف الغافل فإن الفعل
امتثالا يعتمد العلم ولا يكفي مجرد الفعل فإن قلت فما قولك في إيجاب معرفة الله تعالى للغافل عنه قلت لا مدخل له في المبحث لان المراد تكليف الغافل عن تصور التكليف لا عن التصديق بالتكليف ولهذا كان الكفار مكلفين لأنهم تصوروا التكليف لما قيل لهم إنهم مكلفون وإنما كانوا غافلين عن التصديق الخطابي. صدر أبو عبد الله البخاري كتابه بحديث النية وهو حديث كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديمه أمام كل شيء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة إليها في جميع أنواعها ووقع في روايتنا وجميع نسخ أصحابنا مخروما قد ذهب شطره وهو قوله: ((فمن كانت هجرته إلى الله وإلى ورسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله)) ولست ادري كيف وقع هذا الإغفال ومن جهة من عرض من روايته وقد ذكره البخاري في هذا الكتاب في غير موضع من غير طريق الحميدي فجاء به مستوفى مذكورا بشطريه ولا شك في أنه لم يقع من جهة الحميدي فقد رواه لنا الأثبات من طريقه تاما غير ناقص قال وقوله: ((إنما الأعمال بالنية)) لم يرد به أعيان الأعمال لأنها حاصلة حسا وعيانا بغير نية وإنما معناه أن صحة أحكام الأعمال في حق الدين إنما يقع بالنية وان النية هي الفاصلة بين ما يصح وما لا يصح وكلمة إنما عاملة بركنيها إيجابا ونفيا فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه فدلالتها أن العبادة إذا صحبتها النية صحت وإذا لم تصحبها لم تصح. أقول علم من تقريره أن الباء للمصاحبة وإنها متعلقة بيقع صحيحا أي بيصح قال ومقتضى حق العموم فيها يوجب أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالها وأفعالها فرضها ونفلها قليلها وكثيرها إلا نية ودخل فيها التوحيد الذي هو رأس أعمال الدين فلا يصح إلا بقصد الإخلاص فيه أقول ليس قوله: ودخل فيها التوحيد مسلما لأن التوحيد من الاعتقادات لا من العمليات اللهم إلا أن يراد بالتوحيد قول كلمة الشهادة وبالعمل ما يتناول عمل اللسان وقال قوله: ((لكل امرئ ما نوى)) تفصيل لبيان ما تقدم وفيه معنى خاص لا يستفاد من إنما لا أعمال بالنيات وهو إيجاب تعيين النية للعمل الذي يباشره فلو نوى أن يصلي ركعتين يكونان عن فرضه أن فاته وإلا فهي تطوع لم تجزه عن فرضه لأنه لم يمحض النية له وإنما داول في النية بين الفرض وبدله فلم تجد النية قرارا وأما مواضع النية فمنها ما يجب مقارنتها للعمل كنية الصلاة ومنها ما يجوز تقديمها عليه كالصيام وقد يقع في بعض الأحوال على إبهام ثم يقع التعيين فيما بعد كمن عليه كفارتان من قتل وظهار فأعتق رقبة ونوى بعده لأحدهما وعلى كل حال فلا ينفك عمل من العبادات عن نيتها وإنما جاز التقديم والتأخير لأسباب ليس هذا موضع ذكرها وقد يستدل من هذا الحديث في مواضع من المعاملات وما يتصل بهما كمن أكره على الكفر فتكلم به وهو ينوي خلافه فإنه لا يكفر وككنايات الطلاق فإنه لو لم ينو الطلاق لم يقع وزعم قوم أن الاستدلال به في غير العبادات غير صحيح لأن الحديث إنما جاء في اختلاف مصارف وجود العبادات لكن عوام الفقهاء ينظرون إلى اتساع اللفظ واحتمال الاسم
لما يصلح صرفه إليه من المعاني ولا يراعون الأسباب التي يخرج عليها الكلام ولا يقصرونه عليها. وأقول حاصله أن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال وقوله: ((فمن كانت هجرته)) إلى آخره معناه أن قصد بالهجرة القربة إلى الله فهجرته مقبولة إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا فهي حظه ولا حظ له في الآخرة وقالوا إنما جاء هذا الحديث في رجل كان يخطب امرأة بمكة فهاجرت إلى المدينة فتبعها الرجل رغبة في نكاحها فسمي مهاجر أن قيس. التيمي: إن قيل قد روى البخاري هذا الحديث في مواضع من كتابه فلم قدم هذا الطريق وصدر به كتابه قلنا لروايته إياه عن الإمام الكبير المقدم الحميدي عن سفيان ومعناه أن العمل إنما يكمل عملا ويرجى فيه القبول إذا وجهت قلبك وقصدت به التقرب إلى الله. وأقول وحاصله أن التقرير إنما الأعمال تكمل بالنيات أو تقبل بالنيات والباء للاستعانة قال والنية أبلغ من العمل ولهذا تقبل النية بغير عمل فإذا نوى حسنة فإنه يجزى عليها ولو عمل حسنة بغير نية لا يجزى عليها. فإن قيل فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له واحدة ومن عملها كتبت له عشرا)) وروي أيضا أنه قال ((نية المؤمن خير من عمله)) فالنية في الحديث الأول دون العمل وفي الثاني فوق العمل وخيرٌ منه. قلنا أما الحديث الأول فلأن الهام بالحسنة إذا لم يعملها خلاف العمل لأنّ الهام لم يعمل والعامل لم يعمل حتى هم ثم عمل وأما الثاني فلأن تخليد الله تعالى العبد في الجنة ليس لعمله وإنما هو لنيته لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بقدر مدّة عمله أو أضعافه إلا أنه جازاه بنيته لأنه كان ناويا أن يطيع الله تعالى أبدا لو بقي أبدا فلما اخترمته منيته دون نيته جزاه الله عليها وكذلك الكافر لأنه لو كان مجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر مدة كفره غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبدا لو بقي فجازاه الله على نيته. وأقول يحتمل أن يقال إن المراد منه أن النية خير من العمل بلا نية إذ لو كان المراد خير من عمل مع نية يلزم أن يكون الشيء خيرا من نفسه مع غيره أو أن النية خير من جملة الخيرات والواقعة بعمله أو أن النية فعل القلب وفعل الأشرف أشرف أو أن المقصود من الطاعات تنوير القلوب وتنوير القلب بها أكثر لأنها صفته أو نية المؤمن خير من عمل الكافر لما قيل ورد ذلك حين نوى مسلم بناء قنطرة فسبق كافر إليه. فغن قيل قلت هذا في الحسنة فما حكمه في السيئة. قلت المشهور أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية واستدلوا عليها بقوله: تعالى ((لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)) فإن اللام للخير فجاء فيها بالكسب الذي لا يحتاج إلى تصرف بخلاف عليها فإنها لما كانت للشر جاء فيها بالاكتساب الذي لا بد فيه من التصرف والمعالجة ولكن الحق أن السيئة يعاقب عليها أيضا بمجرد النية لكن على النية لا على الفعل حتى لم همّ أحد على
ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال لانّ العزم من أحكام الإيمان ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة والفرق بين الحسنة والسيئة أنّ بنية الحسنة يثاب الناوي على الحسنة وبنية السيئة لا يعاقب عليها بل على نيتها. فإن قلت من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة ومن جاء بالحسنة ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فيلزم أنّ من جاء بنية الحسنة فله عشر أمثالها فلا يبقى فرق بين الحسنة ونفس الحسنة. قلنا لا نسلم أن من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة بل يثاب على نية الحسنة فظهر الفرق. النووي: وقع الحديث هنا ثم في الإيمان مختصر وهو طويل مشهور ذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه فذكر ههنا ثم في الإيمان وفي النكاح والعتق والهجرة وترك الحيل والنذور وروى في الصحيح إنما الأعمال بالنيات وإنما الأعمال بالنية والأعمال بالنيّة والعمل بالنية قال واعلم أن مدار هذا الحديث على يحي ابن سعيد الأنصاري. قال الحفاظ لا تصح روايته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا من جهة عمر ولا من جهة عمر رضي الله عنه إلا من جهة علقمة ولا عن علقمة إلا من محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من يحي بن سعيد وعن يحي انتشر فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة فهو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله وليس متواترا لعقد شرط التواتر في أوله ولكنه مجمع على صحته وعظم موقعه وجلالته وكثرة فوائده وهو أول الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال الإمامان الشافعي وأحمد رضي الله عنهما: يدخل فيه ثلث العلم. قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي: لان كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد الأقسام الثلاثة وهي أرجحها لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين ولذلك كانت نية المؤمن خيرا من عمله لان القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء بخلاف النية. قال النووي في شرح مسلم تقدير الحديث أنّ الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية. أقول وهذا وجه ثالث لتعلق لفظ بالنيات قال وفيه دليل على أن الطهارة وسائر العبادات لا تصح إلا بنية وأما إزالة النجاسة فالمشهور عندنا أنها لا تفتقر إليها لأنها من باب المتروك والمتروك لا يحتاج إلى نية وشذّ بعض أصحابها فأوجبها وهو باطل. أقول ليس بباطل بل هو الحق أما أولا فلان الترك أيضا فعل وهو كف النفس وثانيا بأن التروك إن أريد بها تحصيل الثواب وامتثال أمر الشارع لا بد فيها من قصد الترك امتثالا لأمر الشارع فتارك الزنا مثلا إن قصد تركه لامتثال الأمر يحسب ويثاب وإلا فلا. نعم في إسقاط العقاب لا حاجة إلى النية قال وقوله: ((لكل امرئ ما نوى)) فائدته بيانا أن تعيين المنوي شرط فلا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط كونها ظهرا ولولاه تصح النية بلا تعيين أو أوهم ذلك وذكره المرآة مع الدنيا يحتمل وجهين أحدهما أنه جاء أن سبب هذا الحديث أن رجلا هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فقيل
له مهاجر أم قيس والثاني أنه للتنبيه على زيادة التحذير من ذلك وهو من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيها على مرتبته وأقول ليدل أن النساء أعظمها ضررا وأكثرها تبعة، قال الطيبي كل الأعمال والنيات جمع محلى باللام الاستغراقية فأما أن يحملا على عرف اللغة فيكون الاستغراق حقيقيا أو على عرف الشرع وحينئذ إما أن يراد بالأعمال الواجبات والمندوبات والمباحات وبالنيات الإخلاص والرياء وان يراد بالأعمال الواجبات ومالا يصح إلا بالنية كالصلاة ولا سبيل إلى اللغوي لأنه ما بعث إلا لبيان الشرع فكيف يتحدّى بما لا جدوى له فيه فحينئذ يحمل إنما الأعمال بالنيات على ما اتفقت عليه أصحابنا أي ما الأعمال محسوبة بشيء من الأشياء كالشروع فيها والتلبس بها إلا النيات وماخلا عنها لم يعتدّ بها فإن قيل لم خصصت متعلقي الخبر والظاهر العموم كمستقر أو حاصل فالجواب أنه حينئذ يكون بيانا للغة لا إثباتا لحكم الشرع وقد سبق بطلانه ويحمل وإنما لكل امرئ ما نوى على ما تثمره النيات من القبول والرد والثواب والعقاب ففهم من الأول أن الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات ومن الثاني أن النيات إنما تكون مقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص فالأول قصر المسند إليه في المسند والثاني عكسه ويقرب منها الصلاة في الأرض المغصوبة فإنها محسوبة ومسقطة للقضاء لكن إيقاعها فيها حرام يستحق العقاب وتحريره أنّ ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) دلّ على أنّ الأعمال تحسب بحسب النيّة إن كانت خالصة لله فهي لله وإن كانت للدنيا فهي لها وإن كانت لنظر الخلق فكذلك وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل ما بعد الفاء التفصيلية لأنه لن يكون المفصل خلاف المجمل وكذا عكسه فإن المعنى بالهجرة هي الهجرة المعروفة في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: لا هجرة بعد الفتح ومعلوم أن هذه الهجرة لا تقتضي إلا الإخلاص لأنّ الهجرة إلى الدنيا لا تقتضي النية التي في الطهارة مثلا وأقول حاصله مبني على ثبوت المغايرة بين النية بمعنى الإخلاص والنية بمعنى القصد وهو غير مسلم ولئن سلمنا ذلك لا نسلم أن الهجرة لا تقتضي النية التي في الطهارة مثلا إذ لا بد للمهاجر أن يقصد الهجرة حتى يثاب ويكون ممتثلا لأمر الشارع كما لا نسلم وإلى رسوله في الشرط والجزاء تعظيم لمعنى تلك الهجرة وتفخيم لشأنها أي هي الهجرة الكاملة وما سواها ليست بهجرة ولهذا السر غير العبارة في متعلق الجزاء الثاني بلفظة ما حطاّ لمنزلتها، وأقول وإنما أورد البخاري هذا الحديث قبل الشروع في أبواب الكتاب وقد وافق ما ثبت في علم الكلام أن أول ما يجب على المكلف هو القصد إلى النظر في معرفة الله تعالى إعلاما بأن هذا المصنف منوي فيه الإخلاص لله تعالى مجنب عن الأغراض الدنيئة والرياء ولما صحح فيه النيّة وصفى فيه الطوية جعل الله تعالى كتابه علما من أعلام
2 -
حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخبَرَنا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ
ــ
الإسلام رفع الله درجته في دار السلام ونحن اقتفينا أثره وتلونا تلوه نرجو من فضل الله تعالى وكرمه أن يتقبل منا ويجعله سببا للنجاة ورفعة الدرجات يوم الدين في أعلى عليين فإنه جواد كريم رءوف رحيم قال البخاري رضي الله عنه ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) أقول هو أبو عبد الله التنيسي بالتاء المثناة الفوقانية قم النون المكسورة الشديدة ثم الياء المثناة التحتانية والسين المهملة أصلاه من دمشق قال البخاري في تاريخه لقيته بمصر وقيل مات سنة سبع أو ثمان عشرة ومائتين وفي يوسف ستة أوجه: ضم السين وفتحها وكسرها مع الهمز وتركها قوله:: (مالك) هو إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك ابن أنس بن مالك بن انس بن أبي عامر الأصبحي المدني مناقبه أكثر من أن تعدّ وفضائله أظهر من أن تحد روى الترمذي بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة وحمل سفيان بن عيينة وغيره هذا الحديث على مالك وقالوا هو العالم المذكور وهو جدير به كما قالوا ، وقال البخاري أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال وهيب مابين المشرق والمغرب رجل آمن على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من مالك وأعلم أنه أحد الأئمة الستة أصحاب المذاهب المتبوعة في الأمصار وهم: هو وأبو حنيفة والشافعي واحمد وسفيان الثوري وداود الأصبهاني الظاهري وقد جمعهم الإمام أبو الفضل يحي الحصكفي الخطيب الشافعي فقال:
وإن شئت أركان الشريعة فاستمع
…
لتعرفهم واحفظ إذا كنت سامعا
محمد والنعمان مالك أحمد
…
وسفيان واذكر بعد داود
…
تابعا
ولد في خلافة سليمان بن عبد الملك وحمل ثلاث سنين يعني بقي في البطن هذه المدة ومات سنة تسع وسبعين ومائة بالمدينة ودفن بالبقيع رضي الله عنه ، قوله:((عن هشام)) هو ابن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشي الأسدي أبو المنذر وهو بكسر الهاء والشين المخففة وهو تابعي ولد سنة إحدى وستين وتوفي ببغداد زمن المنصور سنة ست وأربعين ومائة وأبوه هو عروة بضمّ العين المهملة التابعي الجليل المجمع على جلالته وإمامته وكثرة علمه وبراعته وهو أحد فقهاء المدينة السبعة وهم سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ' والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق وسليمان بن يسار وخارجة بالخاء المعجمة والراء ثم الجيم ابن زيد بن ثابت وفي السابع أقوال هل هو أبو سلمة بن سالم أم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام وقد جمعهم الشاعر على هذا القول الأخير فقال:
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، رضي الله عنها، أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، رضي الله عنه، سَأَلَ
ــ
فخذهم عبيد الله عروة قاسم
…
سعيد أبو بكر سليمان خارجه
وأم عروة أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة رضي الله عنهم وقال سفيان بن عيينة أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة القاسم بن محمد وعروة وعمرة ولد سنة عشرين وتوفي سنة سبع أو أربع وتسعين قوله: ((عن عائشة)) هي الصدّيقة بنت أب بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة القرشية التيمية كنيتها أم عبد الله كناها رسول الله قلى الله عليه وسلم بابن أختها أسماء عبد الله بن الزبير وقيل بسقط لها تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة قبل الهجرة وهي بنت ست سنين وبنى بها بالمدينة بعد منصرفه من بدر في شوال سنة اثنتين وقيل بعد سبعة أشهر من الهجرة وهي بنت تسع سنين والأحاديث الصحيحة في فضلها كثيرة وهي أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف ومائتا حديث وعشرة أحاديث ذكر البخاري منها في كتابه مائتين وثمانية وعشرين حديثا ومما أجتمع لها من الفضائل أنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت خليفته رضي الله عنه وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها ورأسه في صدرها وجمع الله بين ريقه وريقها ودفن في بيتها وكان ينزل عليه الوحي وهو في فراشها بخلاف غيرها ونزلت براءتها من السماء وخلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقا كريما ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها وقال عروة كانت عائشة أعلم الناس بالقرآن وبالحديث وبالشعر وقال أبو موسى الأشعري ما أشكل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما وقال القاسم بن محمد اشتغلت عائشة بالفتوى زمن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان فمن بعدهم رضي الله عنهم ، توفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع سنة ثمان وخمسين وصلى عليها أبو هريرة قوله:((أم المؤمنين)) هو مقتبس من قوله: تعالى ((وأزواجه أمهاتهم)) قال العلماء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهاتهم في وجوب احترامهن وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة والنظر وتحريم نكاح بناتهن وهل يقال لإخوتهن أخوال المؤمنين ولأخواتهن خالاتهن ولبناتهن أخواتهم فيه خلاف ولا يقال لآبائهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم وهل يقال إنهن أمهات المؤمنات مبني على الخلاف المعروف في أصول الفقه أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أنا أم رجالكم لا أم نسائكم وهل يقال للنبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين الأصح الجواز ومعنى قوله: ((ماكان محمد أبا أحد
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَاتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ
ــ
من رجالكم)) أي لصلبه والله أعلم وأما إسناده في الأول حدثنا عبد الله والثاني أخبرنا مالك والبواقي بلفظة ((عن)) المسماة بالعنعنة واختلف في المعنعن فقال بعض العلماء هو مرسل والصحيح الذي عليه الجماهير انه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه ، النووي شرح مسلم: ادعى مسلم إجماع العلماء على أن المعنعن وهو الذي فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا يعني براءتهم من التدليس ونقل أي مسلم عن بعض أهل عصره أنه قال لا يحمل على الاتصال حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة أو أكثر ولا يكفي إمكان تلاقيهما وقال وهذا قول ساقط واحتج عليه بأن المعنعن محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال فكذا إذا أمكن التلاقي قال النووي: والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن البخاري وغيره وقد زاد جماعة عليه فاشترط القابسي أن يكون قد أدركه إدراكا بينا وأبو المظفر السمعاني طول الصحبة بينهما ودليل المذهب المختار الذي ذهب إليه البخاري وموافقوه أن المعنعن عند ثبوت التلاقي إنما حمل على الاتصال لأن الظاهر ممن ليس بمدلس أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع ثم الاستقراء يدل عليه فإن عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك إلا فيما يسمعونه إلا المدلس فإذا ثبت التلاقي عليه غلب على الظن الاتصال والباب مبني على غلبة الظن فاكتفينا به وليس هذا المعنى موجودا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال. وأقول وهذا من جملة مرجحات صحيح البخاري على صحيح مسلم حيث لم يحمل البخاري الحديث على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما. وقوله: آخرا قالت عائشة يحتمل أن يكون داخلا تحت هذا الإسناد سيما إذا جوزنا العطف بدون حرف العطف طاهرا كما هو مذهب بعض النحاة صرح ابن مالك بالشواهد به ويحتمل أن لا يكون داخلا تحته بل كان ثابتا بإسناد آخر والبخاري إنما ذكره ههنا على سبيل التعليق تأييدا لأمر الشدة وتأكيدا له لما هو عادته في تراجم الأبواب حيث يذكر ما وقع له من قرآن أو سنة مساعدا لها، قوله:((والحارث بن هشام)) هو أخو أبي جهل عدو الله تعالى وقد يكتب الحارث بدون ألف تخفيفا وهشام بكسر الهاء وبالشين الخفيفة مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة من الهجرة، قوله:((كيف يأتيك الوحي)) إسناد الإتيان إلى الوحي من باب المجاز ومثله تارة يسمى بالمجاز العقلي والمجاز في الإسناد وأصله كيف يأتيك حامل الوحي للملابسة التي بين الحامل والمحمول وتارة يسمى بالاستعارة بالكناية أي شبه الوحي برجل مثلا وأضيف إلى المشبه الإتيان الذي هو من خواص
اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَحْيَانًا يَاتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ، رضي الله عنها: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ، عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ
ــ
التشبيه ثم لعل المراد منه السؤال عن كيفية ابتداء الوحي أو عن كيفية ظهور الوحي لتوافق ترجمة الباب ،قوله:((أحيانا)) جمع حين وهو الوقت يطلق على الكثير والقليل حتى على لحظة وانتصب على الظرف وعامله يأتيني مؤخرا عنه قوله: ((مثل صلصلة)) الصلصلة بفتح الصادين صوت كل شيء مصوت كصوت السلسلة وقيل هو الصوت المتدارك ومثل هو حال أي يأتيني مشابها صوته صلصلة الجرس والجرس بفتح الراء شبه ناقوس صغير أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فتحصل صلصلة والعامة تقول جرص بالصاد وليس في كلام العرب كلمة اجتمعت فيها الصاد والجيم إلا الصمج وهو القنديل وأما الجص فمعرب قوله: ((فيفصم)) فيه ثلاث روايات فتح الياء وكسر الصاد وضم الياء وفتح الصاد من الفصم وهو القطع قال تعالى ((لا انفصام لها)) أي لا انقطاع لها، ويقال الفصم الصدع أو الشق من غير إبانة فمعناه حينئذ فيفارقني على أنه يعود والقصم بالقاف الكسر مع الإبانة وأقول هذا معنى يدعيه الاشتقاقيون من مناسبة المعنى للفظ الموضوع له إذ لما كان القاف من الحروف الرخوية والرواية الثالثة ضم الياء وكسر الصاد من أفصم المطر إذا أقلع والمراد من القطع أي قطع الوحي أي مفارقة الملك مثلا وغما قطع الشدة أي ينجلي عني ما يتغشاني من الكرب والشدة ويحتمل أن يكون مفعول ما لم يسم فاعله لفظة عني فيكون من تتمة الشدة أي هو أشده علي بحيث ينقطع من بدني شيء، قوله:((وعيت)) أي حفظت وجمعت ((يتمثل)) مشتق من المثال أي يتصور وهو أن يكلف أن يكون مثلا لشيء وشبيها له، و (الملك) اللام فيه للعهد أي جبرئيل عليه السلام ورجلا منصوب إما بالمصدرية أي يتمثل تمثل رجل وإما بالمفعولية أن ضمن تمثل معنى اتخذ أي اتخذ الملك رجلا مثالا وغما بالحالية، فإن قلت الحال لابد أن يكون دالا على الهيئة والرجل ليس بهيئة قلت: معناه على هيئة رجل فإن قلت ليس التمثيل في حال هيئة الرجل ومن شرط الحال أن يكون حالا عند صدور الفعل قلت يكون حالا مقدرة وذلك كثير وإما بالتمييز ((فأعي)) أي أحفظ ((والجبين)) طرف
فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
3 -
حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ
ــ
الجبهة وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة و ((يتفصد)) أي يسيل والتفصد السيلان والفصد قطع العرق لإسالة الدم وشبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق كما أن باب التفعل يدل عليها وكذا ذكر التمييز وهو عرقا لأنه توضيح بعد إبهام وتفصيل بعد إجمال وكذا قولها في اليوم الشديد كما أن فيه دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي قوله: ((وهو أشده)) يعلم منه لأنه أفعل التفضيل أن الوحي كان إذا ورد عليه صلى الله عليه وسلم أصابته مشقة وشدة ويغشاه كرب لثقل ما يلقى عليه قال تعالى ((إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)) لكن النوع الأول أشد عليه من النوع الثاني وذلك لأن الفهم من كلام مثل صلصلة الجرس أشكل من الفهم من كلام الرجل المتكلم على الطريقة المعهودة عند التخاطب أو لأن سنة الله لما جرت من أنه لا بد من مناسبة بين القائل والسامع حتى يصح بينهما التحاور والتعليم والتعلم فتلك المناسبة إما باتصاف السامع بوصف القائل لغلبة الروحانية عليه وهو النوع الأول أو باتصاف القائل بوصف السامع وهم النوع الثاني والدليل عليه تمثله رجلا كما أن الدليل على الأول كونه قسيما له ثم لا شك أن الأول أشد وقد تبين وجه الحصر فيهما من هذا التقدير ويمكن أيضا أن يقال لا يخلو إما أن يرى القائل متمثلا بشرا سويا أو لا أولا يخلو من أن يكون المقول كلاما ظاهرا مفهوما بلا زيادة مشقة أم لا. فإن قلت ههنا نوع آخر من وهو الرؤيا الصالحة. قلت المقصود من السؤال كان طلب بيان ما يختص به ويخفى ولا يعرف والرؤية معروفة فلا دخل لها فيه أو كان ظهور ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أيضا إما بصلصلة الجرس وإمّا بتمثل الملك أو كان السؤال عن كيفية الوحي حال اليقظة أو كان عند السؤال نزول الوحي على هذين الوجهين إذ الوحي على سبيل الرؤيا إنما هو في أول البعثة لأن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا ثمّ حبب إليه الخلاء كما روي في الحديث إلى آخره وقيل ذلك في ستة أشهر فقط وأن الوجود بعد إرسال الملك منغمر في الوحي فلم يحسب. قوله:: ((يتمثل)) فيه أن الملك جاز له أن يتشكل بشكل البشر قال المتكلمون الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل بأي شكل شاءوا. فإن قلت السؤال عن كيفية إتيان الوحي والجواب على النوع الثاني عن كيفية الحامل للوحي. قلت: لا نسلم أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي بل عن كيفية حامله ولئن سلمنا فبيان كيفية الحامل مشعر بكيفية الوحي حيث قال: فيكلمني أي تارة يكون كالصلصلة وتارة يكون كلاما صريحا ظاهر الفهم والدلالة. فإن قلت فلم قال في الأول وعيت ما قال بلفظ الماضي
وفي الثاني بلفظ المضارع قلت لأن الوعي في الأول حصل قبل الصم ولا يتصور بعده وفي الثاني الوحي حالة المكالمة ولا يتصور قبلها أو لأنه كان الوعي في الأول عند غلبة التلبس بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظا فأخبر عن الماضي بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة أو تقول لفظة قد تقرب الماضي من الحل وأعي فعل مضارع للحال فهذا لما كان صريحا يحفظه في الحال وذاك يقرب من أن يحفظه إذ يحتاج فيه إلى استثبات والله أعلم. الخطابي فيفصم عني أي ينجلي ما يتغشاني من الكرب والشدة والمعنى أن الوحي كان إذا ورد عليه صلى الله عليه وسلم تغشاه كرب وذلك لشدّة ما يلقى عليه من القول وشدة ما يأخذ به نفسه من جمعه في قلبه وحسن حفظه فيعتريه لذلك حالة كحالة المحموم وهو معنى ما يروى أنه كان يأخذه عند الوحي الرحصاء أي العرق وجملة الأمر فيما كان يناله من الكرب عند الوحي هي شدّة الامتحان له ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلف من أعباء النبوة أو ذلك لما يستشعره من الخوف لوقوع تقصير فيما أمر به من حسن ضبطه أو اعتراض خلل دونه وقد أنذر صلى الله عليه وسلم بما ترتاع له النفوس ويعظم به وجل القلوب في قوله: تعالى ((ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)) وأقول حاصله أن الشدة إمّا لحسن حفظه وإمّا لابتلاء صبره وإما للخوف من التقصير قال وأما قوله: ((يأتيني مثل صلصلة)) فإنه يريد أنّه صوت متدارك بسمعه ولا يستثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم ويستثبت فيتلقنه حينئذ ويعيه فكذلك قال هو أشدّه علي وقيل الحكمة في ذلك أن يتفرغ سمعه صلى الله عليه وسلم ولا يبقى فيه مكان لغير صوت الملك ولا في قلبه قال الشيخ شهاب الدين رحمه الله تعالى في شرح المصابيح هذا حديث يغالط فيه أبناء الضلالة وحاصل القول فيه أن نقول كان النبي صلى الله عليه وسلم معتنيا بالبلاغة مكاشفا للعلوم الغيبية وكان يوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد فإذا أريد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا مما شاهدوا ما لم يشاهدوه فلما سأله الصحابي عن كيفية الوحي وكان ذلك من المسائل العويصة ضرب لها في المشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيها على إثبات ما يرد على القلب في لبسة الجلال فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها لمجامع القلب ويلاقي من ثقل القول مالا علم له بالقول مع وجود ذلك فإذا وجد القول المنزل بينا فيلقى في الروع واقعا موقع المسموع وهذا معنى قوله: فيفصم عني وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنها سلسلة على الحجر فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير هذا وتبين لنا من الحديث أن الوحي كان يأتيه على
عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا
ــ
صفتين أولاهما أشد من الأخرى وذلك لأنه كان يرد فيها من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية فيوحي إليه بما يوحي إلى الملائكة والآخر يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته وكانت هذه أيسر والله أعلم. وقال القاضي عياض ما جاء من مثل ذلك يجري على ظاهره وكيفيته مما لا يعلمه إلا الله تعالى قال البخاري رضي الله عنه (حدثنا يحيى بن بكير) بصيغة مصغر البكر وهو أبو زكريا يحيى بن عبد الله ابن بكير القرشي المخزومي المصري ولد سنة أربع وقيل خمس وخمسين ومائة وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين روى البخاري عنه البخاري في مواضع وروى عن محمد بن عبد الله في مواضع. وروى عن محمد بن عبد الله عنه في مواضع. وغرضي من التنبيه أن لا يتوهم من رأى البخاري يروي عن واحد عن ابن بكير أنه غلط من الناسخ. قوله: (أخبرنا الليث) هو ابن الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري اتفق العلماء على وصفه بالإمامة والجلالة والعبادة وغير ذلك من الكرامات الظاهرات والمحاسن الباهرات ووصفه الشافعي بكثرة الفقه وقال إلاّ أنه ضيعه أصحابه يعني لم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنها ففات الناس معظم علمه قال ابن نكير رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث كان فقيه البدن عربي اللسان ومازال يعقد خصالا جميلة حتى عقد عشرة وقال قتيبة كان دخل الليث كل سنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط ومناقبه كثيرة ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفي في شعبان سنة سبع وخمسين ومائة. قوله: (عقيل) بضم المهملة الأولى وفتح القاف وهو عقيل بن خالد الأيلي بفتح الهمزة والياء المثناة التحتانية في جميع هذا الصحيح وهو أبو خالد الأموي مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه توفي بمصر فجأة سنة أربع أو إحدى وأربعين ومائة. قوله: (ابن شهاب) هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري المدني سكن الشام هو تابعي كبير سمع عشرة من الصحابة بل أكثر قال الليث: ما رأيت عالما أجمع من الزهري ولا أكثر علما منه وقال عمرو ابن دينار ما رأيت أتقن للحديث من الزهري وما رأيت أحدا الدينار والدرهم أهون عنده منه أن كانت الدراهم والدنانير عنده بمنزله البعر. قال البخاري في التاريخ إنه أخذ القرآن في ثمانين ليلة وعلى الجملة العلماء متفقون على إمامته وجلالته وحفظه وإتقانه وضبطه وعرفانه وقد وصفوه بأنه جمع علم جميع التابعين توفي بالشام سابع عشر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة ابن اثنين وسبعين سنة وأما ((عروة بن الزبير)) بضم الزاي فهو أحد فقهاء المدينة السبعة وأمه أسماء وعائشة خالته رضي الله عنهم وقد تقدّم ذكره. قال النووي هذا حديث من مراسيل الصحابة فإن عائشة لم
قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَاّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ وَكَانَ
ــ
تدرك زمان وقوع هذه القصة ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الإسناد أبو إسحاق الإسفرايني الطيبي: الظاهر أنها سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم لقولها: قال فأخذني فغطّني فيكون قولها: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية ما تلفظ به صلوات الله عليه ((قل للذين كفروا سيغلبون)) بالياء والتاء. قوله: ((من الوحي)) كلمة من إما لبيان الجنس أو للتبعيض والرؤيا مصدر كالرجعي مصدر رجع ويختصّ برؤيا المنام كما اختصّ الرأي بالقلب والرؤية بالعين وفيه تصريح من عائشة رضي الله عنها بأنّ رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم من جملة أقسام الوحي وهذا متفق عليه. و ((الصالحة)) روى البخاري في كتاب التعبير الصادقة وهما هنا بمعنى والصالحة إمّا صفة موضحة للرؤيا لأن غير الصالحة تسمى بالحلم كما ورد الرؤيا من الله والحلم من الشيطان وإما مخصصة أي الرؤيا الصالحة لا الرؤيا السيئة أو لا الكاذبة المسماة بأضغاث أحلام والصلاح إما باعتبار صورتها وإمّا باعتبار تعبيرها قال القاضي عياض يحتمل أن يكون معنى الرؤيا الصالحة والحسنة حسن ظاهرها ويحتمل أن المراد صحتها قال ورؤيا السوء تحتمل الوجهين أيضا سوء الظاهر وسوء التأويل. قوله: ((لا يرى رؤيا)) لفظ رؤيا بغير تنوين لأنه مثل حبلى. و ((فلق الصبح)) وفرقه بفتح أولهما وثانيهما ضياؤه وإنما يقال هذا في الشيء البين الواضح قيل هو مصدر كالانفلاق والصحيح أنه بمعنى المفلوق وهو اسم للصبح وأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين وقد جاء الفلق منفردا عن الصبح قال تعالى ((قل أعوذ برب الفلق)) وقيل الفلق الصبح لكنه لما كان مستعملا في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه التخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص كقوله: م عين الشيء ونفسه وقال العلماء إنّما ابتدئ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة بغتة فلا تحملها القوى البشرية فبدئ بأوائل خصال النبوّة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا وحب العزلة والتعبد ومواظبة الصبر عليه وحقيقة الرؤيا الصالحة أن الله تعالى يخلق في قلب النائم أو في حواسّه الأشياء كما يخلقها في اليقظان وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه فربّما يقع ذلك في اليقظة كما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وربما جعل ما رآه علما على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها فيقع ذلك كما جعل الله تعالى الغيم علامة للمطر. قوله: (الخلاء) بالمد هو الخلوة
يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى
ــ
وهو شأن الصالحين وعباد الله العارفين. الخطابي: حببت العزلة إليه لأنّ فيها فراغ القلب وهي معينة على التعبد وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه وهي من جمله المقدمات التي أرهصت لنبوته وجعلت مبادئ لظهورها. قوله: (بغار) الغار هو الثقب في الجبل وهو قريب من معنى الكهف و (حراء) بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار المسافر من مكة إلى منى وهو غير مصروف لأنه مذكّر ومنهم من أنثه ومنع صرفه وهذه قاعدة كليّة أن جعلت اللفظ علما للبقعة فهو غير مصروف وإن جعلته للمكان فهو منصرف. الخطابي: العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهي مكسورة ويكسرون الراء وهي مفتوحة ويقصرون الألف وهي ممدودة. التيمي: العاملة لحنت في ثلاث مواضع فتح الحاء وقصر الألف وترك صرفه وهو مصروف في الاختبار لأنه اسم جبل وأقول إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن في أربعة مواضع وهو من الغرائب إذ بعدد كل حرف لحن ولقائل أن يقول كسر الراء ليس بلحن لأنه بطريق الإمالة والله أعلم. قوله: (وهو (أي التحنث والضمير راجع إلى ما دل عليه لفظ فيتحنث وهو قوله: ((اعدلوا هو أقرب للتقوى)) والتحنث بالحاء المهملة والنون ثم الثاء المثلثة التعبد وحقيقته التجنب عن الحنث وهو الإثم فكان المتعبد يلقى الإثم عن نفسه بالعبادة. الخطابي: ونظيره في الكلام التحوب والتأثم أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه قالوا وليس في كلامهم تفعل بهذا المعنى غير هذه وأقول هذه شهادة نفي وكيف وقد ثبت في الكتب الصرفية أن باب تفعل يجئ للتجنب كثيرا نحو تخرج وتخون أي اجتنب الحرج والخيانة وغير ذلك. التيمي: هذا من المشكلات ولا يهتدى إليه سوى الحذّاق وسئل ابن الأعرابي عن قوله: يتحنّث فقال لا أعرفه وسألت أبا عمرو الشيباني فقال لا أعرف يتحنث إنما هو يتحنف من الحنيفية. قوله: (الليالي) منصوب على الظرف والعامل فيه يتحنّث لا التعبد وإلاّ فسد المعنى فإنّ التحنّث لا يشترط فيه الليالي بل هو مطلق التعبّد وهذا التفسير اعترض بين كلام عائشة وهو أيضا من كلامها ظاهر. الطبي: ويحتمل أن يكون التفسير من قول الزهري أدرجه في الحديث وذلك من دأبه قال وأطلق الليالي وأراد بها الليالي مع أيامهن على سبيل التغليب لأنها أنسب للخلوة وذوات العدد عبارة عن القلة نحو دراهم معدودة ، وأقول ويحتمل أن يراد بها الكثرة إذ الكثير يحتاج إلى العدد لا القليل وهو المناسب للمقام. فإن قلت التعبد في الغار أهو بسبب أنه كان صلى الله عليه وسلم متعبدا بشرع من قبله أم لا. قلت يحتمل أن يكون من الشرع السابق إذ المختار عند الأصوليين أنه
أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَا، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَا، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتى
ــ
متعبد قبل البعثة بالشرع السابق فقيل بشرع نوح وقيل بشرع لإبراهيم وقيل موسى وقيل عيسى وقيل ما ثبت أنه شرع ويحتمل أن يكون بمقتضى العقل على قول من يقول بقاعدة الحسن والقبح العقلية ويحتمل أن يكون من شرع نفسه الحاصل من الرؤيا بدليل ثم حبب إليه الخلاء حيث ذكره بلفظ ثمّ الدّال على التراخي ولو حملناه على اجتنابه عن الحرج الذي كان يرتكبه أهل الجاهلية لكان أظهر والله أعلم. قوله: (ينزع)) أي يرجع يقال نزع إلى أهله إذا حنّ واشتاق إليهم فرجع إليهم وفي تفسير اقرأ في صحيح مسلم قبل أن يرجع. قوله: (يتزود) هو برفع الدال عطف على يتحنث والزاد هو الطعام الذي يستصحبه المسافر يقال زودته فتزوّد. و (لذلك) أي الخلو أو التعبّد. قوله: (خديجة) أم المؤمنين هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشية تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة وهي أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم إلاّ إبراهيم فإنه من مارية ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها ولا في حياتها وأقامت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين سنة وأشهرا ثم توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين على المشهور وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام ولخديجة مناقب كثيرة ذكر البخاري طائفة منها في باب مناقبها وأفضل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وعائشة رضي الله عنهما واختلفوا في أيتهما أفضل والله أعلم. قوله: ((لمثلها)) أي لمثل الليالي. و (جاءه الحق) أي الوحي الكريم. و (فجاءه الملك) أي جبريل عليه السلام. فإن قلت مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي بل هو نفسه إذ المراد بمجيء الوحي مجيء حامل الوحي أي فما معنى الفاء التعقيبية. قلت هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية نحو قوله: تعالى ((فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم)) إذ القتل نفس التوبة على أحد التفاسير وتسمى بالفاء التفصيلية أيضا لأن مجيء الملك إلى آخره تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق ولا شك أن المفصل هو نفس المجمل وفي رواية مسلم فجئه الحق بكسر الجيم من الفجأة أي جاءه الحق بغتة ومفاجأة فإنه لم يكن متوقعا للوحي. الطيبي: معنى حتى جاءه الحق جاء أمر الحق وهو الوحي ورسول الحق وهو جبريل عليه الصلاة والسلام. قوله: (ما أنا
بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَا، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ
ــ
بقارئ)) كلمة ما نافية وقيل استفهامية وهو غلط لدخول الباء في خبرها واحتج من قال بأنها استفهامية بأنه جاء في رواية ما أقرأ. وقال النووي: لا دلالة عليه فيه لأنه يجوز أن تكون ما ههنا أيضا نافية قوله: (فغطّني) بالغين المعجمة والطاء المهملة الشديدة أي ضغطني وعصرني. قوله: (الجهد) يروى فيه فتح الجيم وضمها ونصب الدال ورفعها ومعناه الطاقة والغاية والمشقة فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه فحذف مبلغه وعلى النصب معناه بلغ الملك مني الجهد والحكمة في الغط شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقول له وكرره ثلاثا مبالغة في التثبت وفيه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم والإحضار بمجامع قلبه. الثوبستي: لا أرى الذي يروى بنصب الدال إلا قد وهم فيه أو جوّزه بطريق الاحتمال فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطته وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد وهذا قول غير سديد فإن البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوة الملكية لا سيما في مبدأ الأمر وقد دلّت القصة على أنه اشمأزّ من ذلك وتداخله الرعب. الطيبي: لا شك أن جبريل في حالة الضغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند سدرة المنتهى وعندما رآه مستويا على الكرسي فيكون استفراغ جهده لا بحسب صورته التي تجلّى له بها وغطّه وإذا صحّت الرواية اضمحل الاستبعاد. قوله: ((أرسلني)) أي أطلقني (وبها) أي بالآيات وهو قوله: اقرأ باسم ربّك إلى آخرهن واستدلّ بهذا الحديث من يقول أن البسملة ليست بقرآن في أوائل السورة لكونها لم تذكر ههنا والجواب أنها لم تنزل أولا بل نزلت البسملة في وقت آخر كما نزل باقي السورة في وقت آخر. الطيبي: قوله: فرجع بها أي صار بسبب تلك الضغطة يضطرب فؤاده. قوله: (اقرأ) أمر بايجاد القراءة مطلقا وهو لا يختصّ بمقروء دون مقروء قوله: (باسم ربك) حال أي اقرأ مستفتحا باسم ربك أي قل بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ وهذا يدلّ على أنّ البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كل قرآن فتكون قراءتها مأثورة في هذه السورة أيضا وقوله: (الذي خلق) وصف مناسب مشعر بغلبة الحكم بالقراءة والإطلاق في خلق أولا على منوال يعطي ويمنع وجعله توطئة لقوله: خلق الإنسان إيذانا بأنّ علية الإنسان أشرف المخلوقات ثم الامتنان بقوله: علم الإنسان يدلّ على أنّ العلم أجلّ النعم و (العلق) جمع العلقة وهو الدم المنعقد
الأَكْرَمُ} فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، رضي الله عنها، فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ:
ــ
فإن قلت قد تقرر أن مثل ما أنا بقارئ يفيد الاختصاص. أقول مثل هذا التركيب لا يلزم أن يفيد الاختصاص بل قد يكون للتقوية والتوكيد أي لست بقارئ البتة وهو الظاهر هنا والمناسب للمقام وهو يستدعي أن يكون حكم المخاطب مشوبا بصواب وخطأ فيرد خطؤه إلى الصواب فأين هذا من جبريل. قلت أنه لما سمع منه اقرأ تصور أنه اعتقد أن حكمه ليس كحكم سائر الناس ي أن حصول القراءة والتمكن منها إنما هو بطريق التعليم والتعلم ومدارسة الكتب فرده بقوله: ما أنا بقارئ أي حكمي كحكم الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلم وعدمه بعدمه فلذلك أخذه وغطه مرارا ليخرجه من حكم سائر الناس وسيتفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من الصفات الملكية فحينئذ يعلم معنى إقرأ ويخاطب بقوله: ففي المقروء أيضا إشارة إلى رد ما تصوره من أن القراءة إنما هي تيسر بطريق التعليم ففقط بل إنها كما تحصل من التعليم بواسطة المعلم فقد تحصل بتعليم الله بلا واسطة فقوله: (علم بالقلم) إشارة إلى العلم التعليمي. و (علم الإنسان ما لم يعلم) إشارة إلى العلم اللدني. قوله: (يرجف فؤاده) أي يخفق ويضطرب والرجفان شدة الحركة والفؤاد هو القلب وقيل إنه غير القلب وقيل باطن القلب وقيل غشاء القلب وسمي القلب قلبا لتقلبه وأما علم خديجة برجفان الفؤاد فالظاهر أنها رأته حقيقة ويجوز أنها لم تره وعلمته بالقرائن وصورة الحال أو أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: (زملوني زملوني) هكذا هو الرواية أي مرتين والتزميل هوالتلفيف والتدثير. و (الروع) بفتح الراء الفزع (والخبر) أي الخبر المذكور من مجيء الملك والغط إلى آخره واللام في (لقد خشيت) جواب القسم المحذوف أي والله لقد خشيت وهو مقول قال وقال القاضي عياض ليس معناه الشك في أن ما أتاه من الله لكنه كأنه خشى أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يطيق حمل أعباء الوحي فتزهق نفسه لشدة ما لقيه أولا عند لقاء الملك أو يكون هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحققه رسالة ربه فقد خاف أن يكون من الشيطان فأما بعد أن جاءه الملك بالرسالة فلا يجوز عليه الشك ولا يخشى تسلط الشيطان عليه. قال النووي
كَلَاّ وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ
ــ
الاحتمال الثاني ضعيف لأنه خلاف تصريح الحديث فإن هذا كان بعد غط الملك وإتيانه باقرأ باسم ربك قال وقلت ألا أن يكون معنى خشيت على نفسي أنه يخبرها بما حصل له أولا من الخوف لا أنه خاف في حال الأخبار فلا يكون ضعيفا. الطيي: إخراج قوله: لقد خشيت على القسمية بعد قوله: يرجف يدل على إنفعال حصل له من الضغط فخشى على نفسه من ذلك أمرا توهم منه كما يحصل للبشر إذا دهمه أمر لم يعهد به ومن ثمة قال زملوني. وأقول ويحتمل وجة رابع وهو أن يكون المراد أني خفت شبه جنون على نفسي لما روى صاحب الغريبين في باب العين والدال والميم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة أظن أنه عرض شبه جنون على نفسي فقالت كلا إنك تكسب المعدوم وتحمل الكل فإن قلت من أين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجائي إليه جبريل لا الشيطان وبم عرف أنه حق لا باطل قلت كما نصب الله لنا الأدلة على أن الرسول صادق لا كاذب وهو المعجزة كذلك نصب للنبي صلى الله عليه وسلم دليلا على أن الجائي إليه ملك لا شيطان وأنه من عند الله لا من عند غيره قوله: (كلا) معناه الردع والنفي عن ذلك الكلام والمراد هنا التنزيه قوله: (ما يجزيك الله) بضم الياء وبالخاء المعجمة من الخزى وهو الفضيحة والهوان ورواه مسلم ((يحزنك)) بالحاء المهملة والنون من الحزن ويجوز على هذا فتح النون وضمها يقال أحزنه وحزنه لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع و (أبدا) منصوب على الظرف. قوله: (لنصل الرحم) معناه وتحسن إلى قراباتك وصلة الرحم الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول إليه فتارة تكون بالمال وتارة تكون بالخدمة وتارة تكون بالزيارة والسلام وغير ذلك. و (الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الثقل وهو من الكلال الذي هو الإعياء أي يرفع الثقل أي يعين الضعيف المنقطع به والكل من لا يستقل بأمره قال تعالى ((وهو كل على مولاه)) قوله: (تكسب المعدوم) بفتح التاء هو المشهور وروي بضمها ومعنى المضموم تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه المال المعدوم فحذف احد المعولين وقيل تعطى الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق وأما المفتوح فقيل معناه كمعنى المضموم يقال كسبت الرجل مالا واكسبته مالا واتفقوا على أن اكسبه مالا أفصح وقيل معناه تكسب المال المعدوم وتصيب منه مايعجز غيرك عن تحصيله وكانت العرب تتمادح بكسب المال لاسيما قريش. كان النبي à محظوظ في تجارته. وقال النووي: هذا ضعيف لأنه لا معنى لهذا القول في هذا الموطن إلا أن يصحح بان يضم إليه زيادة وهو انه كان يجود به وينفقه في وجوه المكرمات وقيل المعدوم
وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِه
ــ
عبارة عن الرجل المحتاج المعدوم العاجز عن الكسب وسماه معدوما لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف في المعيشة أي تسعى في طلب عاجز لتعيشه والكسب هو الاستفادة فكما يرغب غيرك أن مالا ترغب أنت أن تستفيد عاجزا تعاونه. قال الخطابي: صوابه المعدم بحذف الواو لان المعدوم لا يدخل تحت الانفعال تريد انك تعطي العامل الفقير الذل لا يجد المال. أقول ولقوله: تكسب المعدوم تقريرات خمسة. التيمي: لم يصب الخطابي اذحكم علىللفظة الصحيحة بالخطافان الصواب ما اشتهر بين أصحاب الحديث ورواه الرواة. قوله: (تقري) بفتح التاء تقول قريت الضيف اقريه قرىبكسر القاف والقصر وقراء بفتح القاف والمد. قوله: (نوائب الحق) النوائب جمع نائبة وهي الحادثة خيرا أو شرا وإنما قال نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل قال لبيد:
نوائب من خير وشر كلاهما ......... فلا الخير محدود وإلا الشر لازب
واعلم أن معنى كلام حديجة رضي الله عنها أنك لا يصيبك مكروه لما جعله الله فيك من مكارم الأخلاق وجميل الصفات وذكرت ضروبا منهاوفيه أن خصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء والمكارم سبب لدفع المكاره وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة تطرا وليس بمعارض لقوله: احثوا في وجوه المادحين التراب اذ هو فيما مدح بباطل أو يؤدي إلى باطل وفيه أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة وتبشيره وذكر أسباب السلامة له وفيه أبلغ دليل على كمال خديجة وجزالة رأيهاوقوة نفسها وعظم فقهها وقد جمعت رضي الله عنها جميع أنواع أصول المكارم أمهاتها فيه صلى الله عليه وسلم لأن الإحسان إما إلى الأقارب وإما إلى الأجانب وإما بالمال وإما بالبدن وإما على من يستقل بأمره وإما على غيره. قوله: (فانطلقت به) أي انطلقنا إلى ورقة لأن الفعل اللازم إذا عدى بالباء يلزم فيه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدى بالباء يلزم فيه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدى بالهمزة نحو أذهبته فانه لا يلزم ذلك. قوله: (ورقة) بفتح الحروف الثلاثة. و (نوفل) بفتح النون والفاء و (العزى) تأنيث الأعز وهو اسم الصنم. قوله: (ابن عم) قال النووي على انه بدل من ورقة فانه ابن عم خديجة لأنها بنت خويلد بن أسد وهو ورقة بن نوفل ابن أسد ولا يجوز جر ابن ولا كتابته بغير الألف لأنه يصير صفة لعبد العزى فيكون عبد العزى ابن عم خديجة وهو باطل وأقول كتابة الألف وعدمه لا يتعلق بكونه متعلقا بورقة أو بعبد العزى بل علة إثبات الألف عدم وقوعه بين بين علمين لان العم ليس علما ثم الحكم بكونه بدلا غير
وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ - وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِىَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِىَ - فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِى مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم يَا لَيْتَنِى فِيهَا
ــ
لازم لجواز أن يكون صفة أو بيانا له. قوله: ((تنصر)) أي صار نصرانيا وترك الجاهلية. و ((الجاهلية)) المدة التي كانت قبل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كانوا عليه من فاحش الجهالات وقيل هو زمان الفترة مطلقا. قوله: ((العبراني)) كذا وقع هنا العبراني وبالعبرانية ووقع في كتاب التعبير العربي وبالعربية بدل هذين اللفظين. قال النووي: حاصله على رواية العبراني والعربي أنه تمكن من معرفة دين النصارى وكتابهم بحيث يتصرف في الإنجيل فيكتب إن شاء بالعربية وان شاء بالعبرانية وأقول ويفهم منه أن الإنجيل ليس عبرانيا وهو المشهور. التيمي: الكلام العبراني هو الذي أنزل به جميع الكتب كالتوراة والإنجيل ونحوهما وأقول فهم منه أن الإنجيل عبراني قال صاحب الصحاح العبري بالكسر العبراني وهو لغة اليهود. قوله: ((يا ابن العم)) وفي زاوية مسلم يا عم وكلاهما صحيح أما الأول فلأنه ابن عمها حقيقة وأما الثاني فسمته عما مجازا للإحترام وهذه عادة العرب يخاطب الصغير الكبير بيا عم احتراما له ورفعا لمرتبته قوله: ((من ابن أخيك)) انما أطلقت الأخوة لأن الأب الثالث لورقة هو أخو الأب الرابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه ابن أخي جدك على سبيل الإضمار وفي ذكر لفظ الأخ استعطاف أو جعلته عما لرسول الله صلى عليه وسلم أيضا احتراما له على سبيل التجوز. قوله: ((الناموس)) بالنون والسين المهملة جبريل عليه السلام قالوا الناموس صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر ويقال نمست السر بفتح النون والميم أنمسه بكسر الميم نمسا أي كتمه كتما ونامسته أي ساررته ويسمى جبريل بذلك لأن الله خصه بالغيب والوحي. قوله: ((على موسى)) فان قلت الأنسب أن يقول على عيسى لأنه نصراني قلت ذكر موسى تحقيقا
جَذَعاً، لَيْتَنِى أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ» . قَالَ نَعَمْ، لَمْ يَاتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَاّ عُودِىَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّىَ وَفَتَرَ الْوَحْىُ
ــ
للرسالة لأن نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى فان بعض اليهود ينكرون نبوته أو لأن النصارى يتبعون أحكام التوراة ويرجعون اليها والله اعلم مع أنه روى في غير هذا الصحيح بدل موسى عيسى وكلاهما صحيح. قوله: ((فيها)) الضمير راجع الى أيام النبوة أو الدولة او الدعوة وجذعا بالذال المعجمة المفتوحة يعني شابا فتيا حتى أبالغ في نصرتك والجذع في الأصل للدواب ثم استعيرالانسان وجذعا المشهور فى الصحيحين النصب نحو قول الشاعر: يا ليت أيام الصبا راجعا
وفي بعض الروايات الرفع وهو ظاهر ووجه النصب أنه خبر كان المقدرة تقديره يا ليتني أكون جذعا وهو قول الكسائي وقال القاضي عياض هو منصوب على الحال وهو قول النحاة البصرية وخبر ليت حينئذ قوله: فيها وأقول أو يكون ليت بمعنى أتمنى فينصب الجزءين وهو قول الفراء. قوله: ((أو مخرجي هم)) بفتح الواو وتشديد الياء وهو جمع مخرج فالياء الأولى ياء الجمع والثانية ضمير المتكلم فأدغمت الياء وفتحت تخفيفا لاجتماع الكسرتين والياءين استبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوه من غير سبب فانه صلى الله عليه وسلم ليس فيه فيما مضى ولا فيما بعده سبب يقتضي اخراجها بل كانت المحاسن الظاهرة المتظاهرة لا كرامه وانزاله بأعلى الدرجات انفسا له الفداء صلى الله عليه وسلم: قوله: ((عودى)) هو فوعل من المعادلة. و ((يومك)) أي يوم
…
إخراجك أو وقت انتشار نبوتك و ((مؤزرا)) هو بميم مضمومة ثم همزة مفتوحة ثم زاي مفتوحة مشددة ثم راء أي قويا والأرز القوة. قوله: ((لم ينشب)) بياء مفتوحة ثم نون ساكنة ثم شين معجمة أي لم يلبث. قوله: ((أن توفي)) بدل اشتمال من ورقة أي لم يلبث وفاته ((وفتر الوحي معناه احتبس وقال ورقة فيه:
فانك حقا يا خديجة فاعلمي
…
حديثك ايانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما
…
من الله وحي يشرح الصدر منزل
فان قلت ما قولك في ورقة أتحكم بإيمانه
…
. قلت لا شك انه كان مؤمنا بعيسى وأما
الايمان بنبينا صلى الله عليه وسلم فلم يعلم انه زمن عيسى قد نسخ عند وفاته أم لا ولئن ثبت أنه كان منسوخا في ذلك الوقت فالأصح أن الإيمان التصديق وهو صدقه من غير أن يذكر ما ينافيه والله اعلم. قال ابن مالك في الشواهد ظن اكثر الناس أن يا التي تليها ليت حرف نداء والمنادى محذوف تقديره يامحمد ليتني كنت حيا نحو ياليتني كنت معهم أي ياقوم ليتني وهو عندي ضعيف لأن قائل ليتني يكون وحده فلا يكون معه منادى كقول مريم ((ياليتني مت قبل هذا)) أو لأن الشيء إنام يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كحذف المنادي قبل أمر أو دعاء فإنه يجوز حذفه لكثرة ثبوتته ثمة فمن ثبوتته قبل الأمر يا يحيى خذ الكتاب وقبل الدعاء يا موسى أدع لنا ربك ومن حذفه قبل قبل الأمر ألا يا أسجدو في فراءة الكسائي أي يا هؤلاء أسجدو وقبل الدعاء
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا .............. ولا زال منهلا بجرعائك القطر
أي يا دار اسلمي فحسن المنادى قبلها اعتبار ثبوته بخلاف ليت فإن المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتا فادعاء حذفه باطل فتعيين كون يا هذه لمجرد التنبيه مثل ألا في نحو * ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة *
قوله: (إذ يخرجك قومك) استعمل فيه إذ موافقة لاذا في إفادة الاستقبال وهو استعمال صحيح غفل عن التنبيه عليه أكثر النحاة ومنه قوله: تعالى ((وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر)) وكما استعملت إذ بمعنى إذا استعملت إذا بمعنى إذ كقوله: تعالى ((وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها)) لأن الانفضاض واقع فيما مضى وأقول ليس التنبيه عليه من وظيفة النحاة بل هو وظيفة أهل المعاني وذلك إما وضعا للآتي موضع الماضي قطعا بوقوعه كاخبار الله تعالى عن المستقبل أو استحضارا للصورة الآتية في مشاهدة السامع تعجبا وتعجيبا ولذلك قال أو مخرجيّ استبعادا للاخراج وتعجبا منه. وقوله: ((أو مخرجيّ هم)) الأصل في أمثاله تقديم صرف العطف على الهمزة كما يقدم على غيرها من أدوات الاستفهام جزء من جملة الاستفهام وهي معطوفة على ماقبلها من الجمل والعاطف لا يتقدّم عليه جزء بما عطف عليه ولكن خصّت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيها على أنه أصل أدوات الاستفهام لأنّ الاستفهام له صدر الكلام وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة فأرادوا التنبيه عليه وكانت الهمزة بذلك أولى لأالتها وقد غفل الزمخشري عن هذا المعنى فادّعى أنّ بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفا عليها بالعاطف ما بعده. وأقول لا يجوز فيما نحن فيه أن يقدّر تقديم حرف العطف على الهمزة لأنّ أومخرجيّ هم جواب ورد على قوله: إذ يخرجك على سبيل الاستبعاد والتعجب فكيف يستقيم العطف ولأنّ هذه إنشائيّة وتلك خبرية والحق أنّ الأصل أو مخرجيّ هم فأريد مزيد استبعاد وتعجب فجيء بحرف العطف على مقدّر تقديره أمعاديّ هم ومخرجي هم
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا
ــ
وأمّا إنكار الحذف في مثل هذا الموضع فمستعد لأنّ مثل هذه الحروف من حيلة البلاغة لاسيما حيث الأمارة قائمة عليها والدليل عليها ههنا وجود وجود العاطف ولا يجوز العطف على المذكور فيجب أن يقدّر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف تقريرا للاستبعاد ومخرجي خبر مقدّم وهم مبتدأ مؤخر ولا يجوز العكس لأنّ مخرجيّ نكرة فإن إضافته لفظية إذ هو اسم فاعل بمعنى الاستقبال ولو روى مخرجي مخفف الياء على أنه مفرد لجاز وجعل مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر لأنّ مخرجيّ صفة معتمدة على الاستفهام مستندة إلى ما بعدها لأنّه وإن كان ضميرا فهو منفصل والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر. قال البخاري رضي الله عنه ((قال ابن شهاب)) هو الإمام أبو بكر المشهور بالزهري ومثل هذا أي ما لم يذكر من أول الإسناد واحدا أو أكثر يسمّى تعليقا ولا يذكره البخاري إلاّ إذا كان مسندا عنده إما بالإسناد المتقدّم كأنّه قال حدثنا يحي ابن بكير حدّثنا الليث عن عقيل أنّه قال ابن شهاب أو بإسناد آخر وقد ترك الإسناد ههنا لغرض من الأغراض المتعلقة بالتعليق لكون الحديث معروفا من جهة الثقات كونه مذكورا في مواضع أخر أو نحوه. النووي: قال العلماء إذا كان الحديث ضعيفا لا يقال فيه قال لأنه من صيغ الجزم بل يقال حكي أو قيل أو يقال بصيغة التمريض وقد اعتنى البخاري وهذا مما يزيدك معرفة للفرق في صحيحه فيقول تارة بلفظ الجزم وأخرى بلفظ التمريض وهذا مما يزيدك اعتقادا في جلالته وتحقيقه. قوله:) واخبرني) إنما جاء بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على أمر آخر ومسبوق بغير ذلك كله قال أخبرني عروة على ما تقدّم وأخبرني أبو سلمة بكذا أو كأمثاله. قوله: (أبو سلمة) بالسين المهملة واللام المفتوحة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشّرة وهو قرشي زهري تابعي مدني إمام جليل أحد الفقهاء السبعة على قول من الأقوال توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين ومائة. قوله: (جابر بن عبد الله) هو ابن عبد الله بن عمر لبن حرام بفتح المهملة والراء الخزرجي الأنصاري المدني هو من كبار الصحابة وفضلائهم روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا نقل البخاري منها أربعة وثمانين شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة توفي بالمدينة سنة ثلاث وتسعين وهو ابن أربع وتسعين وصلى عليه أبن بن عثمان والي المدينة يومئذ. قوله: (وهو يحدث عن فترة الوحي) جملة حالية أي قال
مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} إِلَى قوله:: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ
ــ
في حال التحديث عن احتباس الوحي عن النزول وقال جابر في حالة التحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا أمشي إذ سمعت) وبينا أصله بين فأشبعت الفتحة فصارت ألفا وهو من الظروف الزمانية اللازمة للإضافة إلى الجملة الاسمية والعامل فيه الجواب إذا كان مجرّدا من كلمة المفاجأة وإلاّ فمعنى المفاجأة المتضمنة هي إياها وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى وقيل اقتضى جوابا لأنه ظرف متضمن المجازاة والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذ وإذا خلافا للأصمعي والمعنى أن في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع. قوله: ((كرسي)) الكرسي فيه لغتان ضم الكاف وكسرها والضمّ أفصح وجمعه كراسي بتشديد الياء وتخفيفها قال ابن السكيت كل ما كان من هذا النحو مفرده مشدد كعارية وسورية جاز في جمعه التشديد والتخفيف. قوله: ((فرعبت)) هو بضمّ الراء وكسر العين المهملة بمعنى فزعت. قوله: ((زمّلوني زملوني)) في أكثر الأصول مرتين وفي بعضها مرة. قوله: ((يا أيها المدثر)) لفظ المدثر والمزمل والمتلفف بمعنى واحد والجمهور أن معناه المدثر بثيابه وعن عكرمة أن معناه المدثر بالنبوة وأعبائها و ((قم فانذر)) معناه قم حذّر العذاب من لم يؤمن (وربك فكبر) أي عظمه ونزهه عما لا يليق به (وثيابك فطهر) قيل من النجاسة وقيل قصّرها وقيل المراد بالثياب النفس أي طهرها من كل نقص أي اجتنب النقائص (والرجز)) هو بكسر الراء في قراءة الأكثرين وروي عن عاصم بضمها وفسّر في الحديث بالأوثان والرجز في اللغة العذاب وسمى عبادة الأوثان والرجز في اللغة العذاب وسمى عبادة رجزا لأنها سبب العذاب وقيل المراد في الآية الشرك وقيل الذنب وقيل الظلم قوله: (فحمى) هو بفتح الحاء وكسر الميم معناه كثر نزه له وازداد من قوله: م حميت الشمس أي كثرت حرارتها وحمى وتتابع هما بمعنى واحد فأكد أحدهما بالآخر. النووي: زعم جماعة أن أول ما نزل من القرآن يا أيها المدثّر وقيل فاتحة الكتابة والصواب الذي عليه الجمهور أنّ الأول هو ((اقرأ باسم ربّك)) والقولان الأولان باطلان بطلانا ظاهرا ولا يغترّ بجلالة من نقلا عنه فإن المخالفين له هم الجماهير ثم ليس إبطالنا لقوله: تقليدا للجماهير بل تمسكا بالدلائل الظاهرة ومن أصرحها حديث عائشة رضي الله عنها أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة إلى
يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ
ــ
قوله: ثم قال ((اقرأ باسم ربّك)) وأمّا ((يا أيّها المدثر)) فإنها نزلت بعد فترة الوحي وبعد نزول اقرأ كما صرح به في مواضع من هذا الحديث في قوله: وهو يحدّث عن فترة الوحي إلى فأنزل الله يا أيّها المدثّر وفي قوله: فإذا الملك الذي جاء ني بحراء وفي قوله: فحمي الوحي أي بعد فترته والله أعلم. قوله: قوله:. (تابعه عبد الله) أي التنيسي شيخ البخاري المذكور وهذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة والبخاري رحمه الله قد أكثر ذكر المتابعة في صحيحه فينبغي أن يتحفظ بمعناها والضمير في تابعه عائد إلى يحي بن بكير عبد الله تابع يحي في رواية هذا الحديث فرواه عبد الله عن الليث كما رواه عنه يحي والحاصل أن البخاري سمع الحديث بهذا الغسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يحي ثم ثبت عنده بذلك الإسناد أيضا عن عبد الله وكذا (أبو صالح) اسمه عبد الغفار بن داود بن مهران البكري يقال له الحرّاني ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة وكانت أمه من أهلها فنشأ بها وتفقه وسمع الحديث ثم رجع إلى مصر فسمع الليث توفي بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين أو عبد الله ابن صالح الجهني المصري وهذا هو الأظهر وإذا كان احد الراويين رفيقا للآخر من أول الإسناد إلى آخره يسمى بالمتابعة التامة وإذا كان رفيقا له لا من الأول يسمى بالمتابعة الناقصة ثم النوعان ربّما يسمّى المتابع عليه فيهما وربّما لا يسمّى. قوله: (وتابعه هلال ابن رداد عن الزهري) هو أهون نوعي المتابعةلأنه سمى المتابع عليه وهو الزهري فيعلم بالضرورة أن مراده أن هلالا تابع الرواي عن الزهري وهو عقيل بخلاف النوع الأول منها وهو قوله: تابعه عبد الله إذ لم يسم المتابع عليه وهو الليث وقد وقع في هذا الحديث للبخاري المتابعة التامّة والناقصة ولم يسم المتابع عليه في الأول وسمّاه في الثانية. ورداد براء براء ثم ثم بدالين مهملتين الاولى منهما مشدّدة طائي حمصي. قال النووي: بمثله لما قررناه في هذا الموضع لكن قال في مقدمة الكتاب ما يخالفه وهو أنّه قال ومما يحتاج إليه المعتنى بصحيح البخاري فادة ينبه عليها وهو أنه تارة يقول تابعه مالك عن أيوب وتارة يقول تابعه مالك ولا يزيد فإذا قال مالك عن أيوب فهذا ظاهر وأما إذا اقتصر على تابعه مالك عن أيوب فهذا ظاهر وأما إذا اقتصر على تابعه مالك فلا يعرف لمن المتابعة إلا من يعرف طبقات الرواة ومراتبهم وأقول على هذا فلا يعلم أنّ عبد الله يروي عن الليث أو عن غيره بخلاف التقرير الأول إلا أن يقال علم ذلك من معرفة الطبقات والمراتب. قوله: (يونس) هو ابن يزيد مشتقا من الزيادة القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان الأيلي بفتح الهمزة وبالمثناة التحتانية نسبة إلى أيلة قرية من الشام سمع الزهري وروى عنه الليث قال احمد صالح كان الزهري إذا قدم على
بَوَادِرُهُ
4 -
حَدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثنا مُوسَى بْنُ
ــ
أيلة نزل على يونس وإذا سار إلى المدينة زامله يونس توفي سنة تسع وخمسين ومائة وفيه ستة أوجه ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز وتركه والضم بلا همز أفصح. قوله: (معمر) هو بفتح الميمين وسكون العين ابن راشد البصري سكن اليمن وسمع الزهري ومن فضائله أنه ليس بتابعي وقد روى عن أربعة من التابعين عمرو بن دينار وإسحاق السبيعي بفتح السين وكسر الموحدة والعين المهملة وهشام ابن عروة ويحي بن أبي كثير وهذه الأربعة وخمسين ومائة قوله: (بوادره) بفتح الباء الموحدة جمع للبادرة وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان وحاصله أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذه اللفظة فروى عقيل عن الزهري بإسناده المذكور الحديث وقال فيه يرجف فؤاده كما سبق وتابعه على هذه اللفظة هلال فرواها عن الزهري يرجف فؤاده كما رواها عقيل عن الزهري وأما يونس ومعمر فرويا عن الزهري يرجف بوادره فحصل اختلاف من أصحاب الزهري في الرواية عنه في هذه اللفظة وهم متفقون في رواية باقي الحديث عنه واعلم أن فائدة ذكر المتابعة التقوية ولهذا قد تدخل في باب المتابعة رواية من يحتج بحديثه وحده واعلم أن أيضا أن المتابعة التامة تشبه بوجه بما ذكره الحاكم أن شرط البخاري أن يرويه الصحابي المشهور له راويان وأن المتابعة الناقصة تشبه أن تكون من باب التعليق أيضا. قوله: (قال يونس) كما أنه تعليق يشبه أن يكون من باب الاستشهاد أيضا لأنه حديث آخر بمعناه وهو ذكر رجفان البوادر بدل رجفان الفؤاد والمقصود منها ظهور الخشية على نفسه المباركة صلى الله عليه وسلم. قال البخاري رضي الله عنه (حدثنا موسى بن اسماعيل) هو أبو سلمة المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف البصري التبوذكي بمثناة فوق مفتوحة ثم موحدة مضمومة وفتح الذال المعجمة روى عن أبي جعفر محمد بن سليمان قال قدم علينا يحي بن معين بالبصرة فكتب عن التبوذكي فقال يا أبا سلمة أريد أن أذكر لك شيئا فلا تغضب قال هات قال حديث همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر رضي الله عنهما في الغار لم يروه أحد من أصحابك إنما رواه عفان ولم أجده في صدر كتابك أنما وجدته على ظهره قال فما تريد قال تحلف لي أنك سمعته من همام فقال ذكرت أنك كتبت عني عشرين ألفا فإن كنت عندك فيها صادقا ينبغي ألا تكذبني في حديث وإن كنت عندك كاذبا فما ينبغي أن تصدقني فيها وترمي بها بنت أبي عاصم طالق ثلاثا إن لم أكن سمعته من همام والله لا أكلمك أبدا. توفي بالبصرة في رجب
أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فِي قوله: تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ
ــ
سنة ثلاث وعشرين ومائتين وإنما قيل له التبوذكي لأنه نزل داره قوم من أهل تبوذك أو لأنه اشترى دارا بتبوذك وقيل التبوذكي هو الذي يتبع ما في بطون الدجاج من الكبد ونحوه. قوله: (أبو عوانة) بفتح العين والنون اسمه الوضاح وهو أبو عوانة بن عبد الله اليشكري بضم الكاف ويقال الكندي الواسطي مولى زيد بن عطاء البزار الواسطي أو مولى عطاء قال عفان كان أبو عوانة صحيح الكتاب ثبتا وهو في جميع حاله أصح عندنا من شعبة توفي سنة ست وسبعين ومائة روى أحمد ابن محمد بن أبان قال سمعت أبي يقول اشترى عطاء بن يزيد أبا عوانة ليكون مع أبيه وكان يزيد يطلب الحديث وأبو عوانة يحمل كتبه والمحبرة وكان لأبي عوانة صديق قاص وكان أبو عوانة يحسن إليه فقال القاص ما أدري بم أكافئه وكان بعد ذلك لا يجلس مجلسا إلا قال لمن حضره أدعوا الله لعطاء البزار فإنه قد أعتق أبا عوانة وقل مجلس إلا ذهب إلى عطاء من يشكره فلما كثر عليه ذلك أعتقه وأعلم أنه جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط وبكتابة ثنا مكان حدثنا وأنا مكان أخبرنا فينبغي للقارئ أن يلفظ بقال وحدثنا وأخبرنا صريحا ولو ترك لكان مخطئا لكن السماع صحيح للعلم بالمقصود ولدلالة الحال على المحذوف قوله: (موسى بن أبي عائشة) هو أبو الحسن الكوفي الهمداني بالميم الساكنة والدال المهملة مولى آل جعدة بفتح الجيم ابن أبي هبيرة بضم الهاء وكان الثوري يحسن الثناء عليه. قوله: (سعيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتانية وهو هشام الكوفي الأسدي الوالي بكسر اللام والموحدة منسوب إلى بني والبة بالولاء أمام مجمع عليه بالجلالة والعلو في العلوم والعظم في العبادة قال خلف بن خليفة حدثنا بواب الحجاج قال رأيت رأس سعيد بعد ما سقط إلى الأرض يقول لا إله إلا الله وقال خلف عن رجل إنه لما ندر رأس سعيد هلل ثلاث مرات يفصح بها أحواله الجميلة كثيرة جدا قتله الحجاج بن يوسف صبرا في شعبان سنة خمس وتسعين ولم يعش الحجاج بعده إلا أياما ولم يقتل أحدا بعده وجرى لسعيد في قصة قتله من الصبر وانشراح القلب لقضاء الله وإغلاظه القول للحجاج ماهو مشهور لائق بمرتبته وهو من كبار أئمة التابعين وكان له ديك يقوم من الليل لصياحه فلم يصح ليلة حتى أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة فشق عليه فقال ماله قطع الله صوته فما سمع له صوت بعد ذلك وسأل ابن عمر رجل عن فريضة فقال سل عنها سعيد بن جبير وكلن ابن عباس رضي الله عنهما إذا أتى أهل الكوفة إليه يسألونه يقول أليس أليس فيكم سعيد بن جبير وكان يقال لسعيد جهبذ العلماء. قوله: (عن ابن عباس) هو حبر
لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ
ــ
الأمة والبحر لكثرة علمه وفضله هو أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه أم الفضل أخت ميمونة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم علمه الكتاب وفي رواية اللهم فقهه في الدين وقال ابن مسعود نعم ترجمان القرآن ابن عباس وتعظيم عمر بن الخطاب له وتقديمه على الصغار والكبار معروف وهو أحد العبادلة وهم أربعة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وابن العاص وأما قول الجوهري في الصحاح
…
بدل ابن العاص ابن مسعود فمردود عليه لأنه منابذ لما قال أعلام المحدّثين كالإمام أحمد ابن حنبل وغيره وهم أهل هذا الشأن والمرجوع فيه إليهم وابن عباس أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحمد بن حنبل ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر رواية عنه وهم أبو هريرة وابن عمر وعائشة وجابر ابن عبد الله وأنس وابن عباس رضي الله عنهم وأبو هريرة أكثرهم حديثا وليس أحد من الصحابة يروي عنه في الفتوى أكثر من ابن عباس ومن مناقبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حنكه بريقه وعن مميمون بن مهران قال شهدت جنازة ابن عباس فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه ثم دخل فالتمس فلم يوجد فلما سوي عليه التراب سمعنا صوتا ((يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربّك)) إلى آخر الآية ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة على المشهور وتوفي بالطائف سنة ثمان وستين صلى عليه محمد ابن الحنفية وقال اليوم مات ربّاني هذه الأمة روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثا ذكر البخاري منها مائتين وخمسة عشر قال عطاء ما رأيت القمر ليلة الرابع عشر إلا ذكرت وجه ابن عباس من حسنه وقد عمي في أواخر عمره وكذا أبوه العباس وجده عبد الله المطلب وكان لموضع الدمع من خدي ابن عباس أثر لكثرة بكائه رضي الله عنه. قوله: (كان يعالج) إما مفعول به ليعالج وإما مفعول مطلق أي معالجة شديدة وإنما حصلت المعالجة الشديدة لعظم ما يلاقيه من الملك والقول الثقيل ويؤيده ما تقدم من قوله: وهو أشدّه على إذ يفهم منه الشدّة في الحالتين اللتين للوحي مع أن أحداهما أشد من الأخرى. قوله: (وكان مما يحرك) أي كان العلاج منه أو بمعنى من إذ قد تجيء
شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ: {فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قَالَ: فَاسْتَمِعْ
ــ
للعقلاء أيضا أي وكان ممن يحرّك. قوله: (فقال ابن عباس) إلى قوله: فأنزل الله جملة معترضة بالفاء وذلك جائز كما قال الشاعر:
واعلم فعلم المرء ينفعه
…
أن سوف يأتي كل ما قدرا
قوله: (فأنزل الله) عطف على قوله: كان يعالج ولفظ كان في مثل هذا التركيب يفيد الاستمرار والتكرار. القاضي عياض: معناه كثيرا ما كان يفعل ذلك وقيل معناه هذا من شأنه ودأبه. قوله: (فأنا أحركهما لك) وفي بعض النسخ لكم وتقديم أنا على الفعل يشعر بتقوية الفعل ووقوعه لا محالة وقال ههنا (كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما) وقال في الأخرى (كما رأيت ابن عباس يحركهما) بلفظ رأيت والعبارة العبارة الأولى أعم من أنه رأى بنفسه تحريك رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ابن ثلاث عشرة سنة وفيه أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل ويريد الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة على بيان الوصف بالقول. قلت القرآن يدل على تحريك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسانه لا شفتيه فلا تطابق بين الوارد والمورود فيه. قلت التطابق حصل لأن التحريكين متلازمان غالبا أو لأنه كان يحرك الفم المشتمل على اللسان والشفتين فيصدق كل واحد منهما والله أعلم ومثل هذا الحديث يسمى بالمسلسل بالتحريك لكن في الطبقة الأولى أي طبقة الصحابة والتابعين لا في جميع الطبقات. قوله: (قال) أي ابن عباس في تفسير جمعه أي جمع الله لك في صدرك وقال في تفسير وقرآنه أي تقرأه يعني المراد بالقرآن القراءة لا الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للاعجاز بسورة منه أي أنه مصدر لا علم للكتاب وفي بعض الروايات صدرك بالرفع باسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز لملابسة الظرفية إذ الصدر ظرف الجمع وهو مثل أنبت الربيع البقل يعني أنبت الله في الربيع البقل والمراد منه جمع الله في صدرك. قوله: (فاستمع) هو تفسير فاتبع
لَهُ وَأَنْصِتْ: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَرَأَهُ - حَدَّثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ
ــ
يعني قراءتك لا تكون مع قراءته بل تابعة لها متأخرة عنها فتكون أنت في حال قراءته ساكتا والفرق بين السماع والاستماع أنه لا بد في باب الافتعال من التصرف والسعي في ذلك الفعل ولهذا ورد في القرآن ((لها ماكسبت وعليها مااكتسبت)) بلفظ الاكتساب في لفظ الشر لأنه لا بد فيه من السعي بخلاف الخير فالمستمع هو المصغي القاصد للسماع وقال الفقهاء تسن سجدة التلاوة للمستمع لا للسامع قوله: (وأنصت) همزته همزة قطع قال الله تعالى ((فاستعمعوا له وأنصتوا)) وفيه لغتان إنصت بكسر الهمزة وتصنت وانصت ومعنى الكل اسكت. قوله: ((ثم إن علينا أن تقرأه)) أي مرة بعد أخرى وقيل المراد ثم إن علينا بيان مجملاته وشرح مشكلاته واستدل الأصوليون به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو مذهب أهل السنة وذلك لأن ثم تدل على التراخي قوله: (كما قرأه) أي جبريل عليه السلام ثم أقرأه ومناسبة هذا لما ترجم عليه الباب ظاهرة لأنه بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الوحي أو عند ظهور الوحي قال الزمخشري في الكشاف لا تحرك به أي بالقرآن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقن الوحي نازع جبريل القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن يتفلت منه فأمر بأن ينصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضي إليه وحيه والمعنى لا تحرك لسانك بقراءة الوحي مادام جبريل يقرأه لتأخذه على عجلة ثم علل النهي عن العجلة بقوله: (إنا علينا جمعه)) في صدرك واثبات قراءته في لسانك (فإذا قرأناه) جعل قراءة جبريل قراءته والقرآن القراءة (فاتبع قرآنه) فكن مقتفيا له وطمئن نفسك انه لا يبقى غير محفوظ فنحن في ضمان لحفظه (ثم إن علينا بيانه) إذا أشكل عليك شيء من معانيه كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى معا كما ترى بعض الحراص على العلم ونحو ((ولاتعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)) قال البخاري رضي الله عنه (حدثنا عبدان) هو بفتح العين المهملة بالموحدة الساكنة والدال
الزُّهْرِيِّ ح وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ.
ــ
المهملة لقب عبد الله بن عثمان العتكي بالعين المهملة المفتوحة وبالمثناة الفوقانية المفتوحة وهو أبو عبد الرحمن المروزي مولى المهلب بفتح اللام المشددة ابن أبي صفرة بضم الصاد المهملة توفي سنة إحدى أو اثنين وعشرين ومائتين. قوله: (عبد الله) أي ابن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي هو الإمام المتفق على جلالته وإمامته وعظم محله وسيادته وورعه وعبادته وسخائه وشجاعته تستنزل الرحمة بذكره وترتجى المغفرة بحبه هو من تابعي التابعين وكان أبوه تركيا مملوكا لرجل من همدان وأمه خوارزمية. روى عن الحسن بن عيسى أنه قال اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخبر فقالوا جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والشعر والفصاحة والورع والإنصاف وقيام الليل وسداد الرأي وقال عمال ابن الحسين يمدحه:
إذا سار عبد الله عن مرو ليلة
…
فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار في كل بلدة
…
فهم أنجم فيها وأنت هلالها
وقال ابن المهدي ابن المبارك أفضل من الثوري فقيل إن الناس يخالفونك فقال بما لم يعرفوا ما رأيت مثل ابن المبارك وقال أبو أسامة: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين وقال أحمد بن حنبل لم يكن في زمن ابن المبارك أطلب منه رحل إلى اليمن والشام ومصر والبصرة والكوفة وكان من رواة العلم وأهل لذلك كتب عن الصغار والكبار ما كان أحد أقل سقطا منه كان يحدث عن الكبار وقال ابن أبي جميل قلنا لابن المبارك يا عالم الشرق حدثنا فسمعها سفيان فقال ويحكم هو عالم الشرق والغرب وما بينهما وقيل لما قدم هرون الرشيد الرقة أشرفت أم ولد من قصره فرأت الغبرة قد ارتفعت والبغال قد تقطعت وانحفل الناس فقالت ما هذا قالوا قدم عالم من خراسان يقال له ابن المبارك قالت هذا والله الملك لا ملك هرون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بالسوط والخشب ولد بمرو سنة ثلاث عشرة ومائة وتوفي بهيت العراق منصرفا من الغزو سنة إحدى وثمانين ومائة. قوله: (يونس) هو ابن يزيد القرشي وقد تقدم والزهري هو الإمام محمد بن مسلم المشهور بابن شهاب اسم جده وبالزهري أيضا وقد مر. وقال الشافعي لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة. قوله: (بشر) بكسر الموحدة والشين
عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ
ــ
المعجمة الساكنة هو محمد السختياني المروزي والسختيان فارسي معرب ومعناه الجلد توفي سنة أربع وعشرين ومائتين 0قوله: ((معمر)) بفتح الميمين وبالعين المهملة الساكنة وبالراء وهو ابن راشد البصري وقد تقدم أيضا واعلم أن البخاري حدث هذا الحديث عن الشيخين عبد الله وبشر كليهما ع نعبد الله بن المبارك والشيخ الاول ذكر لعبد الله شيخا واحدا وهو يونس والثاني ذكر له شيخين يونس ومعمرا ووجد في بعض النسخ قبل لفظ وحدثنا بشر ح اي حاء مهملة مفردة وعادتهم انه إذا كان للحديث اسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من الإسناد إلى الاسناد ذلك أي مسمى حرف الحاء فقيل لأنها مأخوذة من التحويل لتحوله من إسناد إلى آخر وإنه يقول للقارئ إذا انتهى اليها ح مقصورة ويستمر في قراءة ما بعدها وفائدته أن لا يركب الإسناد الثاني مع الأول فيجعلا إسنادا واحدا وقيل أنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالت بين الإسنادين فإنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء وقيل أنها رمز لقوله: الحديث وأهل المغرب يقولون إذا وصلوا إليها الحديث وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها صح فيشعر بأنها لفظ صح لئلا يتوهم أنه سقط من الإسناد الأول قال النووي في شرح صحيح مسلم وهذه الحاء كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري 0قوله: ((عبيد الله)) بلفظ المصغر هو ابن عبد الله بن عتبة بضم المهملة وسكون الفوقانية وبالموحدة ابن مسعود الهذلي المدني أبو عبد الله أحد فقهاء المدينة السبعة وقد جمعهم الشاعر في بيت كما تقدم
فخذهم عبيد الله عروة قاسم
…
سعيد أبو بكر سليمان خارجة
قال الزهري ما جالست أحدا من العلماء إلا ورأيت أني قد أتيت على ما عنده ما خلا عبيد الله فإني لم آته إلا وجدت عنده علما طريفا ومن جملة تلامذته عمر بن عبد العزيز الخليفة وتوفي سنة تسع أو ثمان وخمسين أو أربع وتسعين وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده عن عبد الله بن عتبة والد عبيد الله قال أذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذني وأنا خماسي أو سداسي فأجلسني في حجره ومسح راسي ودعا لي ولذر بتي بالبركة وفي هذه منقبة لعبيد الله رضي الله عنه 0قوله: ((أجود الناس)) هو افعل التفضيل من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي هو اسخى سائر الناس لما كانت نفسه اشرف النفوس ومزاجه اعدل الأمزجة لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال وشكله أملح الأشكال وخلقه أحسن الأخلاق فلا شك يكون أجود فكيف لا وهو مستغن عن الفانيات
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.
6 -
حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ
ــ
بالباقيات الصالحات وكان في رمضان أكثر موسم الخيرات ولأن الله يتفضل عل عباده في رمضان ما لا يتفضل في غيره فكان يؤثر متابعة سنة الله في عباده ولأنه كان يصادف البشرى من الله بملاقاة أمين الوحي ويتابع إمداد الكرامة عليه فينعم على عباد الله بما أنعم الله عليه ويحسن إليهم كما أحسن الله إليه وفيه امتثال قوله: تعالى في تقديم الصدقة على النجوى إذ جبريل رسول أيضا أو شبيه بذلك 0فان قلت آية النوى منسوخة قلت الوجوب إذا نسخ بقي الندب وثبت في شرح السنة أنه صلى الله عليه وسلم كان من أجمل الناس وكان من أجود الناس وأشجع الناس. قوله: ((وكان أجود ما يكون)) لفظ أجود بالرفع لأنه اسم كان وخبره محذوف حذفا واجبا إذ هو نحو أخطب ما يكون الأمير قائما ولفظ ما مصدرية أي أجودا كوان الرسول0و ((في رمضان)) في محل الحال واقع موقع الخبر الذي هو حاصل 0و ((حين يلقاه)) حال من الضمير الموجود في حاصل المقدر فهو حال عن حال ومثلها يسمى بالحالين المتداخلين ومعناه وكان أجود أكوانه حاصلا في رمضان حال الملاقاة ويحتمل أن يكون في كان ضمير الشأن فيكون المعنى كان الشأن أجود أكوانه حاصلا في رمضان عند الملاقاة وقيل الوقت مقدر كما في مقدم الحاج أي أجود أوقات أكوانه وقت كونه في رمضان وإسناد الجود في أوقاته صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة كإسناد الصوم إلى النهار في نحو نهاره صائم0قال النووي الرفع أصح وأشهر ويجوز فيه النصب 0قوله: ((وكان يلقاه)) يحتمل كون الضمير المرفوع لجبريل والمنصوب للرسول وبالعكس 0قوله: ((فيدارسه القرآن)) بنصب القرآن لأنه المفعول الثاني للمدارسة إذ الفعل المتعدي إذا نقل إلى باب المفاعلة يصير متعديا إلى اثنين نحو جاذبته الثوب ومعناه أنهما يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ مثلا هذا عشرا وهذا عشرا أو إنهما يشتركان في القراءة يعني يقرآن معا والدرس القراءة على سرعة وقدرة عليه كأنك تجعل الشيء الذي تقرؤه مذللا لأن أصل الدرس الوطء والتذليل وفائدة درس جبريل تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم بتجويد لفظه وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها وليكون سنة في حق الأمة كتجويد التلامذة على الشيوخ قراءتهم 0قوله: ((فلرسول)) بفتح اللام لأنه لام الابتدا زيد على المبتدا للتأكيد ((والمرسلة)) بفتح السين يعني هو أجود منها في عموم النفع
الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ
ــ
والإسراع فيه فالجهة الجامعة بينهما إما الامران وإما أحدهما ولفظ الخير شامل لجميع أنواعه بحسب اختلافات حاجات الناس وكان صلى الله عليه وسلم يجود على كل واحد منهم بما يسد خلته ويشفي علته ويسقي غلته وفي الكلام تخصيص بعد تخصيص على سبيل الترقي فضل أولا جوده مطلقا على الناس كلهم وثانيا جوده في رمضان على وجوده في سائر أوقاته وثالثا عند لقاء جبريل على رمضان مطلقا ومعنى إرسال الروح إما هو على إطلاقه يعني اللام فيها للجنس وإما تقييده بالإرسال للرحمة يعني اللام للعهد قال تعالى ((وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)) وقال تعالى ((والمرسلات عرفا)) أي الرياح المرسلات للمعروف على احد التفاسير وشبه نشر وجوده بالخير في العباد بنشر الريح القطر في البلاد وشتان ما بين الأمرين فإن أحدهما يحي القلب بعد موته والآخر يحي الأرض بعد موتها. النووي: وفي الحديث فوائد كثيرة منها الحث على الجود والإفضال في كل الأوقات والزيادة منها في رمضان وعند الاجتماع بالصالحين ومنها زيارة الصلحاء وأهل الفضل ومجالستهم وتكرير زيارتهم ومواصلتها إذا كان المزور لا يكره ذلك ومنها استحباب الإكثار من القراءة في رمضان ومنها استحباب مدارسة القرآن وغيره من العلوم الشرعية ومنها أنه لا بأس بقول رمضان من غيره ذكر الشهر ومنها أن القراءة أفضل من التسبيح وسائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لها لفعلاه دائما أو في أوقات مع تكرار اجتماعهما فان قبل المقصود تجويد الحفظ والجواب أن الحفظ كان حاصلا والزيادة فيه تحصل ببعض هذه المجالس وقال البخاري رضي الله عنه ((حدثنا أبو اليمان)) بالمفتوحة المثناة التحتانية 0و ((الحكم)) بفتح الحاء المهملة والكاف0و ((نافع)) بالنون والفاء وهو حمصي بهرائي مولى امرأة من بهراء بالموحدة المفتوحة والراء والمد يقال لها أم سلمة روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والدهلي وأبو حاتم وخلائق قال يحيى قال أبو اليمان لم أخرج من المتأولة إلى أحد شيئا ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة وتوفي سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين 0قوله: ((شعيب)) هو ابن أبي حمزة بالحاء والزاي القرشي الأموي مولاهم الحمصي أثنى عليه الأئمة بالحفظ والفقه والإتقان توفي سنة اثنين وستين ومائة وأما ((الزهري)) فهو بضم الزاي 0و ((عبيد الله)) بلفظ المصغر 0 ((وعتبة)) بضم العين المهملة وبالمثناة الفوقية الساكنة بالموحدة المفتوحة 0و ((عبد الله بن العباس)) هو حبر الأمة وقد تقدم ذكرهم وقال أولا حدثنا وثانيا بلفظ أخبرنا وثالثا بكلمة عن ورابعا بلفظ اخبرني محافظة على الفرق الذي بين العبارات أو حكاية عن ألفاظ الرواة بأعيانها مع قطع النظر عن الفرق أو تعليمها لجواز استعمال الكل أن قلنا بعدم
ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا
ــ
الفرق بينهما قوله: ((أبا سفيان)) هو صخر بالخاء المعجمة ابن حرب بالحاء المهملة والراء والموحدة لا المثلثة ابن أمية وكان شيخ مكة والد معاوية وقد ولد قبل الفيل بعشر سنين وأسلم زمن فتح مكة وكان شيخ مكة حينئذ ورئيس قريش وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا وشهد الطائف وفقئت عينه يومئذ ونزل المدينة وتوفي بها سنة إحدى أو أربع وثلاثين ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان رضي الله عنهم 0قوله: ((هرقل)) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف ويقال أيضا بكسر الهاء والكاف وسكون الراء اسم علم له فهو غير منصرف للعلمية والعجمة وهو صاحب حروب الشام ملك إحدى وثلاثين سنة وفي ملكه مات النبي صلى الله عليه وسلم ولقبه قيصر وكذا كل من ملك الروم يقال له قيصر كما أن ملك فارس يسمى كسرى وملك الحبشة بالنجاشي وملك الترك خاقان وملك القبط بفرعون وملك مصر بالعزيز وملك حمير يتبع ونحوه 0قوله: ((في ركب)) جمع راكب كتجر وتاجر وهم أصحاب الابل العشرة فما فوقها ومعناه
…
أرسل في شأن الركب وطلبهم إليه0و ((قريش)) هم ولد النضر ابن كنانة وقيل ولد فهر بن مالك بن النضر واختلف في سبب تسميتهم قريشا فقيل من القرش 0هو الكسب والجمع لتكسبهم ولتجمعهم بعد التفرق وقيل سموا باسم دابة في البحر من أقوى دوابه لقوتهم وسأل معاوية ابن عباس بم سميت قريش قال بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى والتصغير للتعظيم وان أردت به الحي صرفته وإن أردت القبيلة لم تصرفه والفصيح الصرف وبه ورد القرآن 0قوله: ((تجارا)) فيه لغتان كسر التاء وتخفيف الجيم كصاحب وصحاب وضم التاء وتشديد الجيم ولفظ ((بالشأم)) اما أن يتعلق بتجارا أو بكانوا أو يكون وصفا آخر لركب والشأم هو الاقليم المعروف ديار الأنبياء وقد دخله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مرتين قبل النبوة مرة مع عمه ابي طالب وهو ابن ثنتي عشرة سنة حتى بلغ بصرى وهوحين لقيه الراهب التمس الرد إلى مكة ومرة في تجارة لخديجة إلى سوق بصرى وهو ابن خمس وعشرين سنة ومرتين بعد النبوة احداهما ليلة الاسراء وهو من مكة والثانية من غزوة تبوك وهو من المدينة وهو مهموز كرأس ويخفف كراس وفيه لغة ثالثة شآم بفتح الشين والمد وهو مذكر وقال الجوهري
بِالشَّأمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلْيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ
ــ
يذكر ويؤنث وحد الشام من العريش إلى الفرات ومن أيلة إلى بحر الروم 0قوله: ((ماد)) بتشديد الدال وهوفعل ماض من المفاعلة يقال ماد الغريمان إذا اتفقا على اجل الدين وضربا له زمانا وهو من المدة أي القطعة من الزمان يقع على القليل والكثير وهذه المدة هي صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي سفيان حاكي القصة وكفار قريش سنة ست من الهجرة فان قلت هذا في أواخر عهد البعثة فما مناسبته لما ترجم عليه الباب وهي كيفية بدء الوحي 0قلت المراد منه كيفية بدء الوحي يعلم من جميع ما في الباب لا من كل حديث منه فيكفي في كل حديث مجرد أدنى مناسبة مثل ما يعلم من حديث أن في حال ابتداء الوحي المتابعون للنبي صلى الله عليه وسلم الضعفاء 0قوله: ((فأتوه)) الفاء فصيحة إذ تقدير الكلام أرسل إليه في طلب ايتان الركب إليه الرسول فطلب إيتانهم فأتوه ونحوه قوله: تعالى ((فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت)) ((وإيلياء)) هو بيت المقدس وفيه ثلاث لغات أشهرها كسر الهمزة واللام وسكون الياء بينهما والمد والثانية مثلها إلا أنها بالقصر والثالثة حذف الياء الاولى وسكون اللام والمد وقيل معناه بيت الله 0قوله: ((فدعاهم في مجلسه)) فان قلت الدعاء مستعمل بالي نحو والله يدعو دار السلام فالمناسب فدعاهم إلى مجلسه. قلت في ليس اصلة للدعاء اذ المراد دعاهم حالة كونه في مجلسه أي محل حكمه لاحالة كونه في الخلوة أوفي الحرم ونحوه وفي بعض الكتب دعاهم وهو جالس في مجلس ملكه عليه التاج وفي شرح السنة دعاهم لمجلسه0قوله: ((وحوله عظماء)) وحواليه وحواله وحوليه بفتح اللام فيهن بمعنى واحد 0وأما ((الروم)) فهم هذا الجيل المعروف. الجوهري: هم ولد الروم بن عيصو وكأنه غلب اسم أبيهم فصار كالاسم للقبيلة. قوله: ((بالترجمان)) بضم التاء وفتحها والجيم مضمومة بينهما وهو المعبر بلغة عن لغة والمفسر بلسان عن لسان والتاء فيه أصلية وقيل زائدة يقال ترجمت الشيء إذا بينته ووقفت عليه غيرك ممن لا يقف عليه بنفسه. فان قلت الدعاء متعد بنفسه فلا حاجة إلى الباء. قلت الباء زائدة للتوكيد نحو قوله: تعالى ((ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة)) وفي بعض النسخ بدون الباء كذا دعا ترجمانه. الجوهري ويجوز
أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَاثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ
ــ
فيه فتح الجيم نحو الزعفران. قوله: ((فقال)) أي الترجمان والفاء أيضا فصيحة أي فقال للترجمان قل أيكم أقرب فقال الترجمان. قوله: ((أيكم أقرب)) فان قلت أقرب أفعل التفضيل لا بد أن يستعمل بأحد الوجوه الثلاثة الإضافة واللام ومن وهمنا مجرد عنها ثم إن معنى القرب فلا بد وأن يكون من شيء فأين صلته قلت كلاهما محذوفان أي أيكم أقرب للنبي صلى الله عليه وسلم غيركم وإنما سأل أقربهم لأنه أعلم بحاله ولأنه أبعد من أن يكذب في نسبه ويقدح فيه لان نسبه هو نسبه وأما القرابة يبنهما فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأبو سفيان هو ابن حرب بن أمية بن عبد شمس عبد مناف قال أبو سفيان وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري. قوله: ((عند ظهره)) إنما فعل هكذا ليكون أهون عليهم في تكذيبه إن كذب لأن مقابلته بالكذب في وجهه صعبة. قوله: ((فان كذبني)) أي نقل إلى الكذب وقال لي خلاف الواقع. التيمي: كذب يتعدى على مفعولين يقال كذبني الحديث وكذا نظيره صدق قال الله تعالى ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا)) وهما من غرائب الألفاظ ففعل بالتشديد يقتصر على مفعول واحد وفعل بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين ولفظ ((لكذبت عنه)) يجوز أن يكون مبهما ومعناه إن كذب لا تستحيوا منه فتسكتوا عن تكذيبه بل كذبوه. قوله: ((فوالله)) كلام أبي سفيان لا كلام الترجمان. و ((يأثروا)) بضم المثلثة وكسرها يقال أثرت الحديث إذا رويته ومعناه لولا الحياء من أن رفقتي يروون عني ويحكون عني في بلادي كذبا فأعاب به لأن الكذب قبيح وان كان على العدو لكذبت ويعلم منه قبح الكذب في الجاهلية أيضا وقيل هذا دليل لمن يدعي أن قبح الكذب عقلي وأقول لا يلزم منه لجواز أن يكون قبحه بحسب العرف أو مستفادة من الشرع السابق. قوله: ((لكذبت عنه)) أي لأخبرت عن حاله بكذب لبغضي إياه ولمحبتي نقصه. قوله: ((أول)) بالرفع اسم كان وخبره أن قالوا ويجوز العكس وجاء به الرواية. قوله: ((قط)) بفتح القاف وشدة الطاء المضمومة هو المشهور
قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا
ــ
ومنهم من يقول بضمتين ومنهم من يقول بفتح القاف وتخفيف الطاء ومنهم من يضمها مع التخفيف وهو لا يستعمل إلا في الماضي المنفي. فان قلت فأين النفي ههنا قلت الاستفهام حكمه حكم النفي فيه وفي بعض الروايات بدل قبله مثله فيكون منصوبا على أنه بدل من هذا القول. قوله: ((من ملك)) روى على وجهين ملك بصفة المشبهة ومن حرف الجر وبلفظ الماضي ومن موصولة والأول أشهر. قوله: ((فأشراف الناس)) أي كبارهم وأهل الأحساب. و ((سخطة)) بفتح السين وهي الكراهة للشيء وعدم الرضا به. قوله: ((يغدر)) بكسر الدال والغدر ترك الوفاء بالعهد وهو مذموم عند جميع الناس. قوله: ((لا ندري)) فيه إشارة إلى أن عدم غدره غير مجزوم به. قالأ بو سفيان ((أدخل فيها شيئا)) أي غير الواقع أي لم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا أنتقصه به غير هذه. و ((غير)) إما منصوب صفة لشيئا وإما مرفوع صفة لكلمة. فان قلت كيف يكون صفة لهما وهما نكرة وهو مضاف إلى المعرفة قلت كلمة غير لا تتعرف بالإضافة إلا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه وههنا ليس كذلك. و ((قتالكم إياه)) هو أفصح من قتالكموه باتصال الضمير فلذلك فصله. قوله: ((سجال)) بكسر السين والجيم جمع سجل وهو الدلو الكبير أي ينوبه نوبة لنا كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا
…
ويوم نساء ويوم نسر
وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَامُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَامُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ، فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَاتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ
ــ
شبه المتحاربين بالمستقيين هذا دلوا وذاك دلوا. فإن قلت الحرب مفرد والسجال جمع فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر. قلت الحرب اسم جنس. قوله: ((ينال)) أي يصيب. ومعنى ((ما بقول أبائكم)) عبادة الأوثان وإنما بالغ فيها حيث ذكرها بثلاث عبارات لانعا كانت أشد الأشياء عليه وأهم عنده أو لأنه فهم أن هرقل من الذين قالوا يالإشراك من النصارى فأراد تحريكه وتنفيره عن دين التوحيد والله أعلم. قوله: ((الصلاة)) هي أم العبادات البدنية وهي العبادة التي مفتتحها التكبير ومختتمها التسليم ((والصدق)) هو القول المطابق للواقع ((والعفاف)) بفتح العين الكف عن الحرام وخوارم المروءة ((والصلة)) المراد بها صلة الرحم وكل ما أمر به أن يوصل وذلك بالبشر والإكرام وحسن المراعاة ولو بالسلام وصلة الرحم هو تشريك ذوي القرابات في الخير واختلوا في الرحم فقيل هو كل ذوي رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما فلا يدخل أولاد الأعمام فيه وقيلهو عام في كل ذوي رحم في الميراث محرما وغيره وقد جمع وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الامور الأربعة بتمام مكارم الأخلاق لأن الفضيلة إما قولية وهي الصدق وإما فعلية والفعلية إما بالنسبة إلى غيره وهي الصلة وأشار بقوله: ((ولا تشركوا واتركوا)) إلى التخلي عن الرذائل. بقوله: ((يأمرنا بالصلاة)) الخ إلى التحلي بالفضائل ومحصله أنه ينهانا عن النقائص ويأمرنا بالكمالات وهو معنى التكميل المقصود من الرسالة. قوله: ((وكذلك الرسل)) يعني هم أفضل القوم وأشرفهم والحكمة فيه أن من شرف نسبه كان أبعد من انتحال الباطل أن أقرب لانقياد الناس إليه. قوله: ((رجل يتأسى)) أي يقتدي ويتبع وهو بهمزة بعد الياء وفي بعض
وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَنْ مَلَكَ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ
ــ
الروايات يتأسى من باب التفعل وهو بمعناه. قول ((وهم أتباع الرسل)) وذلك أن الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد وإتباع الحق وهذا بحسب الغالب وإلا فقد كان فيهم الأشراف كالصديق رضي الله عنه وغيره في أوائل البعثة وإلا ففي الأواخر لا يستنكفون بل يفتخرون. قوله: ((أيرتد)) سؤاله عن الإرتداد هو لان من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في أباطيل. فان قلت قد ارتد كثير ممن آمن به فما وجههقلت اما لأنه لم يرتد أحد حينئذ واما لأن الارتداد لم يكن لبعض الدين بل لحب الرياسة ونحوه. قوله: ((بشاشته)) أي بشاشة الاسلام وهو انشراحه ووضوحه وفي بعض الروايات ((بشاشة القلوب)) باضافة البشاشة أي يخالط الإيمان انشراح الصدور وأصلها اللطف بالإنسان عند قدومه واظهار السرور برؤيته وهو بفتح الباء يقال بش بشاشة وأما سؤاله عن الغدر فلأن من طلب حفظ الدنيا لايبالي بالغدر وغيره مما يتوصل به إليها ومن طلب الآخرة لم يرتكب قدرا ولاغيره من القبائح
بِمَا يَامُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَامُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَامُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ
ــ
قوله: ((فذكرأنه يأمركم)) فان قلت ما قال أبو سفيان يقول بلفظ الأمرفلم غير هرقل عبارته. قلت تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم وتأدبا له ولهذا سأل فيما تقدم أيضا بلفظ ما يأمركم وعدل أبوسفيان عن لفظ يأمرنا إلى أن يقول بخلاف ذلك. فان قلت لاتشركوا كيف يكون مأمورا به والعدم لا يؤمر به اذ لا تكليف إلا بفعل سيما في الأوامر. قلت المراد به التوحيد فان قلتلا تشركوا نهى فما معنى ذلك اذ لايقال له أمر قلت الاشراك منهى عنه وعدم الاشراك مأمور به مع أن كل نهي عن شيء أمر بضده وكل امر بشيء نهى عن ضده فان قلت ((وينهاكم عن عبادة الأوثان)) لم يذكره أبو سفيان فلم ذكره هرقل. قلت قد لزم ذلك من قول أبي سفيان من لفظ وحده ومن لا تشركوا ومن واتركوا مل يقول آباؤكم ومقوله: م كان الأمر بعبادة الأوثان. فان قلت ما ذكر هرقل لفظ الصلة التي ذكرها أبو سفيان فلم تركها. قلت لأنه داخلة في العفاف إذ الكف عن المحارم وخوارم المروءة تستلزم الصلة. فان قلت فلم ما راعى هرقل الترتيب وقدم في الإعادة سؤال التهمة على سؤال الإتباع والزيادة والارتداد. قلت الواو ليست للترتيب أو أن شدة اهتمام هرقل بنفي الكذب على الله عنه بعثه على التقديم فان قلت السؤال من أحد عشر وجها والمعاد في كلام هرقل تسعة حيث لم يقل وسألتك عن القتال وسألتك كيف كان قتالكم فلم ترك هذين الإثنين قلت لأن مقصود هرقل بيان علامات النبوة وأمر القتال لا دخل له فيها إلا بالنظر إلى العاقبة وذلك عند وقوع هذه القصة كانت في الغيب وغير معلوم لهم ولأن الراوي اكتفى بما سيذكره في رواية يوردها في كتاب الجهاد في باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس الى الاسلام بعد تكرار هذه القصة مع الزيادات وهو أنه قال وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم فزعمت أن قد فعل وأن حربكم وحربه يكون دولا وكذلك الرسل تبتلي وتكون لها العاقبة وأقول وإنما يبتليهم بذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذلهم وسعيهم في طاعته. قوله: ((وقد كنت أعلم)) هذا العلم وكل الذي قاله هرقل ما خذه إما من القرائن العقلية وإما من الأحوال العادية وإما من
ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ
ــ
الكتب القديمة فانه ونحوه من علامات رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. قوله: ((اخلص)) أي أصل يقال خلص أي وصل اليه. و ((لتجشمت)) بالجيم والشين المعجمة أي تكلفت على مشقة لقائه أي حملت نفسي على الارتحال إليه لو كنت أتيقن الوصول إليه لكني أخاف أن يعوقني عنه فأكون قد تركت ملكي ولم أصل غلى خدمته. فان قلت هل يحكم بإيمان هرقل حيث قال ما مر وحيث سيقول يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي وسيقول فتبايعوا هذا النبي قلت لا يحكم بإيمانه لانه ظهر منهما ينافيه حيث قال قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فعلمنا أنه صدر منه صدر عن التصديق القلبي والاعتقاد الصحيح بل لامتحان الرعية بخلاف إيمان ورقة فانه لم يظهر منه ما ينافيه هذا هو على ظاهر الحال والله أعلم. النووي في شرح مسلم: لا عذر له فيما قال لو أعلم لتجشمت لأنه قد عرف صدق النبي صلى الله عليه وسلم وإنما شح بالملك ورغب في الرياسة فآثرها عن الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في صحيح البخاري ولو أراد الله هاديته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة. الخطابي: اذا تأملت معاني هذا الكلام الذي وقع فيه مساؤلته عن أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وما استخرجه من أوصافه تبنيت حسن ما استوصف من أمره وجوامع شأنه والله دره من رجل ما كان أعقله لو ساعد معقوله: مقدوره وقال صاحب الإستيعاب آمن قيصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبت بطارقته. قال البخاري رضي الله عنه ((ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي قال أبو سفيان ثم دعا هرقل الناس بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والكتاب مدعو به لا مدعو فلهذا عدى إليه بالباء أو الباء الزائدة أي دعا الكتاب على سبيل المجاز أو ضمن دعا معنى اشتغل ونحوه قوله: بعث به مع دحية أي أرسله معه ويقال أيضا بعثه وابتعثه بمعنى أرسله وكلمة مع هو بفتح العين على اللغة الفصحى وبها جاء القرآن ويقال أيضا باسكانها وقيل مع لفظ معناه الصحبة ساكن العين ومفتوحها غير أن المفتوحة تكون اسما وحرفا والساكنة حرف لاغير. قوله: ((دحية)) بفتح الدال وكسرها لغتان واختلف في الراجحة منهما وهو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي وكان من أجمل الناس وجها كان إذا قدم المدينة لم تبق مخدرة إلا وخرجت تنظر إليه وكان جبريل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية لجماله أسلم قديما وشهد المشاهد التي بعد بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقى إلى خلافة معاوية رضي الله عنه وشهد اليرموك وسكن المزة بكسر الميم وبالزاي قرية قرب دمشق وكان
بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ
ــ
بعث الكتاب إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى هرقل وذلك في آخر سنة ست من الهجرة. قوله: (بصرى) بالموحدة على صيغة فعلى أفعل هي مدينة بحوران بفتح الحاء المهملة وبالراء مشهورة ذات قلعة وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز ويجاد فيها عمل السيف. قوله:•عبد الله) إنما ذكره تعريضا لبطلان ما يقوله: النصارى من أن المسيح هو ابن الله لأن حكم الرسل كلهم واحد من كونهم عباد الله وقدم ذكره على رسول الله ليصير من باب الترقي وفي بعض الروايات من محمد بن عبد الله رسول الله الله. قوله: (على هرقل عظيم الروم) ولم يقل إلى هرقل ملك الروم لانه معزول عن الملك بحكم دين الإسلام ولا سلطنة لأحد إلا من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل إلى هرقل فقط ليكون فيه نوع من الملاطفة وقال عظيم الروم أي الذي يعظمه وقد أمر بتليين القول لمن يدعى إلى الاسلام فقال ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)) قوله: ((سلام على من اتبع الهدى)) لم يقل سلام عليك إذالكافر لا سلامة له لأنه مخزى في الدنيا بالحرب والقتل والسبي وفي الىخرة معذب بالعذاب الأبدي وفيه إشعار
عَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
…
.......
…
أمر من باب الأفعال وتسلم بفتح اللام فعل مضارع من سلم يسلم وهو مجزوم الميم لأنه جواب الأمر أي إن أسلمت تبقى سالماً وهي آية في البلاغة اللفظية والمعنوية وهو من باب جوامع الكلم. قوله: (يؤتك الله) إما جوابٌ ثان للأمر وغما بدل أو بيان للجواب الأول وفي بعض الروايات تكرر لفظ أسلم هكذا: أسلم تسلم أسلم يؤتك الله. و (مرتين) أي مرة للإيمان بنبيهم ومرة للإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم. قوله:: (فإن توليت) أي أعرضت عن الإسلام (فإن عليك إثم اليريسين) بفتح الياء التحتانية وكسر الراء وبالياء الساكنة والسين المهملة ثم الياء الساكنة هو جمع يريس على وزن فعيل وقد تقلب الياء الأولى بالهمزة فيقال الأريسين وروى أيضاً بياءين بعد السين جمع يريسي منسوب إلى يريسي وروى الإريسين بكسر الهمزة وكسر الراء المشددة وياء واحدة بعد السين وهم الأكارون الزراعون وجاء في بعض الروايات في غير الصحيح فإن عليك إثم الأكارين التيمي؛ الأصل الأريس فأبدل الهمزة بالياء. وأقول هو على عكس المشهور ثم أنه على التقادير معناه أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأن الزراعين كانوا هم الأغلب فيهم ولأنهم أسرع انقياداً فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا ويحتمل أن يراد أن توليت فالمجوس يقلدونك فيه فيحصل عليك إثمهم وقيل المراد منهم أتباع عبد الله بن أريس الذي تنسب الأروسية من النصارى إليه وتقديم لفظ عليك على اسم إن مفيد للحصر أي ليس إثمهم إلا عليك فإن قلت وكيف يكون إثم ممضية غيره وقال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قلت المراد أن إثم الإضلال عليه والإضلال أيضاً وزره كالضلال على أنه معارض بقوله: تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) الجوهري: الأريس على مثال الفعيل والأريس مشدد على مثال الفسيق الأكار فالأول جمعه الأريسون والثاني الأريسيون وأرارسة وأواريس والفعل منه أرس يأرس إرساً وقوله: م للإريس أريسي كقول العجاج:
*والدهر بالإنسان دواري*
أي دوار وكان أهل السواد ومن هو على دين كسرى أهل فلاحة وكان الروم أهل أثاث وصنعة فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم وإن كانوا أهل كتاب فإن عليهم من الإثم إن لم يؤمنوا به مثل إثم المجوس الذين لا كتاب لهم وأقول فلقوله: فإن عليك إثم الأريسين بحسب المعنى احتمالات ثلاثة. قوله: (تعالوا) بفتح اللام أصله تعالووا لأنه من العلو فأبدلت الواو ياء لوقوعها رابعة فصار تعاليوا فقلبت الياء ألفاً فاجتمع الساكنان فحذف الألف وهو وإن كان الطلب المجئ إلى علو لكنه صار أعم من ذلك في الاستعمال. و (سواء) أي مستوية وتفسير
أن لا نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فلما قَاَل مَا قَال
ــ
الكلمة. قوله: (أن لا نعبد إلا الله) إلى قوله: (من دون الله) قال النووي: اعلم أن هذه القطعة مشتملة على جمل من القواعد ومهمات الفوائد منها جواز مكاتبة الكفار ومنها دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم وهذا مأمور به فإن لم تكن بلغتهم دعوة الإسلام كان الأمر به واجباً وإن كانت بلغتهم كان مستحباً فلو قوتل هو قبل إنذارهم ودعائهم إلى الإسلام جاز لكن فاتت السنة والفضيلة بخلاف الضرب الأول ومنها وجوب العمل بخبر الواحد وإلا فلم يكن في بعثه مع دحية فائدة وهذا إجماع من يعتد به ومنها استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافراً ومنها أن قوله: صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم" المراد بحمد الله فيه ذكر الله تعالى كما جاء في رواية أخرى فإنه روى على أوجه منها لا يبدأ فيه بذكر الله ومنها ببسم الله الرحمن الرحيم ومنها غير ذلك وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام ولم يبدأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ الحمد لله وبدأ بالبسملة ومنها أنه يجوز أن يسافر إلى أرض الكفار ويبعث إليهم بالآية من القرآن أي بكلمة أو بجملة منه وذلك أيضاً محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار ومنها أنه يجوز للمحدث والكافر مس كتاب فيه آية أو آيات يسيرة من القرآن مع غير القرآن ومنها أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكتاب بنفسه فيقول من زيد إلى عمرو وعن الربيع بن أنس قال ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه يكتبون إليه فيبدءون بأنفسهم وهذا هو المذهب الصحيح ورخص جماعة من العلماء في الابتداء بالمكتوب إليه وروي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية ومنها أنه لا بد من استعمال الورع في الكتابة فلا يفرط ولا يفرط ولهذا قال إلى هرقل عظيم الروم ومنها استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة فإن قوله: أسلم تسلم في نهاية الاختصار والبلاغة وجمع المعنى مع ما فيه من بديع التجنيس ومنها أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا صلى الله عليه وسلم فآمن به له أجران ومنها أن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلاماته كان معلوماً لأهل الكتاب علماً قطعياً وإنما ترك الإيمان من تركه عناداً وخوفاً على فوات مناصبهم ومنها أن من كان سبباً لضلالة أو منع هداية كان آثماً ومنها استحباب استعمال أما بعد في الخطب والمكاتبات ونحوها. قوله: (فلما قال) أي هرقل
وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِى حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِى كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِى الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِناً أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَىَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّامِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ
ــ
(ما قال) أي من السؤال والجواب. و (الصخب) بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة كالصخب هو اختلاط الأصوات وروي بدله اللجب وهو بمعناه (وأخرجنا) بضم الهمزة وسكون الجيم أي من مجلسه. قوله: (لقد أمر) جواب للقسم المحذوف أي والله لقد أمر وهو بفتح الهمزة وكسر الميم فعلٌ ماضٍ ومعناه عظم وصار أمراً وأصله الكثرة يقال أمر القوم إذا كثر عددهم والأمر الثاني هو فاعله. و (أبو كبشة) رجل من خزاعة كان يعبد الشعري تاركاً لعبادة الأوثان ولم يوافقه أحد من العرب على ذلك فشبهوا النبي صلى الله عليه وسلم به وجعلوه ابناً له لمخالفته إياهم في دينهم كما خالفهم أبو كبشة وقيل أبو كبشة جد النبي صلى الله عليه وسلم من قِبَل أمه وقيل كان أبوه من الرضاعة يدعى أبا كبشة وهو الحارث بن عبد العزى السعدي وقيل أبو كبشة عم والد حليمة مرضعته صلى الله عليه وسلم وإنما قالوه إما لمجرد التشبيه وإما عداوةً وتحقيراً له بنسبته إلى غير نسبه المشهور. وأما (بنو الأصفر) فهم الروم وسموا به لأن جيشاً من الحبشة غلب على ناحيتهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولاداً صفراً من سواد الحبشة وبياض الروم وقيل نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحق بن إبراهيم عليه السلام. و (إنه) بالكسر استئناف تعليلي أي أمر لأنه يخافه وبالفتح لأنه بدل أو بيان لأمر ولفظة (علي) بتشديد الياء. قوله: (الناطور) روي بالطاء المهملة والمعجمة وهو الحافظ للزرع والناظر إليه و (هرقل) هنا مفتوح اللام وهو مجرور عطفاً على إيلياء أي صاحب إيلياء وصاحب هرقل ولفظ الصاحب هنا بالنسبة إلى هرقل حقيقةً وبالنسبة إلى إيلياء مجاز إذ المراد منه الحاكم فيه وإرادة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي من لفظ واحد باستعمال واحد جائز عند الشافعي وأما عند غيره فهو مجاز بالنسبة إلى المعنيين باعتبار معنى شامل لهما ومثله يسمى بعموم المجاز وهو منصوب على الاختصاص أي أعني صاحب إيلياء ومرفوع على أنه صفة لابن الناطور ووقع هنا (سقفاً) بضم السين والقاف وتشديد الفاء منصوباً على الحالية ومرفوعاً بأنه خبر مبتدأ محذوف وفي بعض الأصول سقف بصيغة مجهول الماضي من التفعيل أي
حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْماً خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِى النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِى النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَاّ الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَانُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى
ــ
جعل أسقفاً ويقال أيضاً أسقف كأترج وسقف كقفل وهو للنصارى رئيس دينهم وقاضيهم أي كان ابن الناطور صاحب إيلياء وصاحب هرقل أسقفاً على النصارى يحدث كذا. وسموا نصارى لنصرة بعضهم بعضاً أو لأنهم نزلوا موضعاً يقال له نصرانة أو نصرة أو ناصرة أو لقوله: تعالى: (من أنصاري إلى) وهو جمع نصران. قوله: (خبيث النفس) أي مهموماً غير نشيط ولا منبسط وهو ضد الطيب. و (بطارقته) بفتح الباء جمع بطريق بكسر الباء وهو قواد ملوك وخواص دولتهم. قوله: (استنكرنا هيئتك) أي أنكرناها ورأيناها مخالفة لسائر الأيام والهيئة السمت والحالة والشكل. قوله: (حزاء) بفتح الحاء وتشديد الزاي والمد أي كاهناً. و (سألوه) أي سأل البطارقة هرقل عما أنكروه أي من سبب تغير الهيئة والخبث. قوله: (ملك الختان) قد ضبط بوجهين بفتح الميم وكسر اللام وبضم الميم وسكون اللام معناه رأيت في الليلة أنه قد ظهر طائفة هم أهل الختان وصار الملك لهم والختان بكسر الخاء اسم من الختن وهو قطع الجلدة التي تواري الحشفة. التيمي: ملك الختان هو النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كُني به لأن النصارى لا يختتنون فالملك ينتقل منهم إليه ودخل رجل على عبد العزيز بن مروان فشكى ختنه فقال من ختنك فقال ختني الختان فأقبل عبد العزيز على كاتبه وقال ما أجابني قال إنه لم يعرف كلامك كان ينبغي أن تقول له ومن ختنك فيقول ختني فلان فشغل عبد العزيز نفسه بتعلم الإعراب. قوله: (من هذه الأمة) أي من أهل هذا العصر. و (فلا يهمنك) بضم الياء من باب الأفعال يقال أهمني الأمر إذا أقلقني وأحزنني ومراده أن هؤلاء أحقر من أن تهتم لهم أو تبالي بهم والمدائن بالهمز وتركه لغتان والهمز أفصح وعليه القرآن وهو جمع المدينة فعيلة من مدن أي أقام وقيل إنها مُفعلة من دنت أي ملكت. الجوهري: سألت أبا علي الفسوي عن همز مداين فقال من جعله فعيلة همزه ومن جعله مفعلة لم يهمزه. قوله: (أتى) مجهول الماضي من الإتيان وهو مما جاء جوابه بينا فيه بغير إذ وإذا وقال الأصمعي لا يستفصح إلا طرحهما نحو:
مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِىَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا. فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِى الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَاىَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُ نَبِىٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِى دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ في
ــ
فبينا نحن نرقبه أتانا
…
معلق وفضة وزناد راع
والعامل في بينا هو أتى إذ الظاهر أن العامل فيه هو الجواب. قوله: (ملك غسان) هو من جملة ملوك اليمن سكنوا الشام وهو بفتح الغين المعجمة ماء نزلوا عنده. قوله: (اذهبوا به) أي بالرجل المخبر. و (مختتن) أي مختون هو بفتح التاء الأولى وكسر الثانية وفي بعض الروايات مختون وهذا صريح في أن العرب قبل البعثة كانوا يختتنون. قوله: (هذا يملك) وروى ملك بصيغة المشبه وملك بالمصدر وفي أكثر أصول الشام يملك بالفعل المضارع وقال صاحب المطالع أظنه تصحيفاً وقال النووي هو صحيح ومعناه هذا المذكور يملك هذه الأمة وهو قد ظهر. قوله: (برومية) بتخفيف الياء المدينة المعروفة للروم وكانت مدينة رئاستهم. قوله: (فلم يرم) بفتح الياء وكسر الراء أي لم يفارقها يقال ما رمته ولم أرم ولا يكاد يستعمل إلا مع حرف النفي. و (حمص) مدينة بالشام غير مصروفة لأنها أعجمية. قوله: (صاحبه) أي الذي برومية والدسكرة بفتح الدال والكاف وسكون السين بينهما بناء كالقصر حواليه بيوت ومنازل للخدم والحشرم. و (في دسكرة) أي في دخولها. قوله: (ثم اطلع) أي خرج
الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِىَّ، فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَىَّ. وَقَالَ إِنِّى قُلْتُ مَقَالَتِى آنِفاً أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَانِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ
ــ
من الحرم وظهر على الناس. و (المعشر) هم الجمع الذين شأنهم واحد فالإنس معشر والجن معشر والأنبياء معشر وأما (الفلاح) فالفوز والنجاة ويقال ليس شئ أجمع لخصال الخير من لفظ الفلاح وتقديراً لكلام هل لكم رغبة في الفلاح وثبات الملك؟ وأما (الرشد) فيقال بضم الراء وسكون الشين وبفتحهما لغتان وهو خلاف الغي والرشد إصابة الخير وقال الهروي هو الهدى وهو الدلالة الموصلة إلى البغية. قوله: (فتبايعوا) هو في أكثر الأصول من البيعة وحذف النون منه لأنه مثل "هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا" وفي بعضها من المتابعة وهو الاقتداء وفي بعضها فبايعوا بصيغة الأمر من البيعة وفي بعضها فنبايع بالنون. قوله: (فحاصوا) بالحاء والصاد المهملتين أي نفروا ويقال جاض بالجيم والضاد المعجمة بمعنى حاص وقيل معناه عدل وقال أبو زيد معناه بالحاء رجع وبالجيم عدل. قوله: (أيس) وفي بعضها يئس وهو الأصل إذ أيس مقلوبه. و (آنفاً) أي قريباً أو هذه الساعة والأنف أول الشئ وهو بالمد والقصر والمد أشهر. و (أختبر) أي أمتحن و (شدتكم) أي رسوخكم في دينكم. و (فقد رأيت) أي شدتكم. و (آخر) بالنصب هو الصحيح من الرواية وهو آخر شأنه أي في حال النبي صلى الله عليه وسلم وقصته وقد ذكر البخاري حديث هرقل في كتابه في عشرة مواضع والله أعلم. قوله: (رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري) يعني هؤلاء الثلاثة تابعوا ووافقوا شعيباً في رواية هذا الحديث عن الزهري ومثله يسمى بالمتابعة وفائدتها التقوية والتأكيد والترجيح بكثرة الرواة وهذا هو المتابعة المقيدة لأنه سمي المتابع عليه وهو الزهري ولو لم يسم لكان النوع الآخر من المتابعة أي المطلقة ثم أعلم أن هذه العبارة تحتمل وجهين أن يروي البخاري عن الثلاثة بالإسناد المذكور أيضاً كأنه قال أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال أخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الزهري وأن يروى عنهم بطريقٍ آخر كما أن
الزهري أيضاً يحتمل في روايته للثلاثة أن يروى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وأن يروى لهم عن غيره والله أعلم. هذا ما يحتمله اللفظ وإن كان الظاهر اتحاد الإسناد وصالح هو أبو محمد وقيل أبو الحارث الغِفاري بكسر الغين المعجمة والفاء المخففة وبالراء أو الدوسي بالدال المفتوحة وبالسين المهملتين مولاهم المدني ابن كيسان غير منصرف لأنه فعلان بفتح الفاء من الكيس وهو مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز سُئل الإمام أحمد بن حنبل عنه فقال بخ بخ قال الحاكم النيسابوري توفي صالح وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة وكان لقي جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك تلمذ على الزهري وتلقن منه العلم وابتدأ التعلم وهو ابن تسعين سنة. قال يحيى بن معين: صالح أكبر من الزهري ويونس هو ابن يزيد القرشي وفيه ستة أوجه الحركات الثلاث في النون مع الهمزة وتركه ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد البصري وأما الزهري فهو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم المشهور بابن شهاب وقد تقدم ذكرهم بعجره وبجره والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين.