المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب علامة المنافق - الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري - جـ ١

[الكرماني، شمس الدين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ترجمة البخاري

- ‌بابٌ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ

- ‌كتاب الإيمان

- ‌بابٌ دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ

- ‌باب أُمُورِ الإِيمَانِ

- ‌بابٌ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ

- ‌بابٌ أيّ الإسلام أفضل

- ‌بابٌ إطعامُ الطعام من الإسلَامِ

- ‌باب مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ

- ‌باب حُبُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الإِيمَانِ

- ‌بابٌ حلاوة الإيمان

- ‌باب علامة الإيمان حب الأنصار

- ‌بابٌ

- ‌بابٌ من الدّين الفرار من الفتن

- ‌باب قَوْلِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ»

- ‌بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ

- ‌بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ

- ‌بَابُ الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌بَابُ {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ

- ‌بَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ

- ‌بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ

- ‌بَابُ إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ

- ‌بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ

- ‌بَابُ المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ

- ‌بابُ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا

- ‌بَابُ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ

- ‌بَابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ

- ‌باب قيام ليلة القدر من الإيمان

- ‌باب الجهاد من الإيمان

- ‌باب تطوع قيام رمضان من الإيمان

- ‌باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان

- ‌باب الدِّينُ يُسْرٌ

- ‌باب الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌باب حسن إسلام المرء

- ‌باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ

- ‌باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ

- ‌بَابُ الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ

- ‌باب اتباعُ الجنائِز من الإيمانِ

- ‌باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ

- ‌بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ

- ‌بابُ فضل من استبرأ لدينه

- ‌بابٌ أداء الخمس من الإيمان

- ‌بابٌ مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى

- ‌باب قَوْلِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم «الدِّينُ النَّصِيحَةُ

الفصل: ‌باب علامة المنافق

قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .

‌بَابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ

.

32 -

حَدَّثنا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ

ــ

تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) أي غير الشرك لا يكون ظلماً. قلت التنوين في بظلم للتعظيم فكأنه قال لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم فلما تبين أن الشرك ظلم عظيم علم أن المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك. فإن قلت لم ينحصر الظلم العظيم على الشرك. قلت عظمة هذا الظلم معلومة بنص الشارع وعظمة غيره غير معلومة والأصل عدمها. فإن قلت كيف دل القصة على الترجمة. قلت لما علم أن بعض أنواع الظلم كفر وبعضها ليس بكفر فبعضها دون بعض ضرورة. النووي: روى البخاري هذا الحديث هنا وفي كتاب التفسير هكذا ورواه مسلم في صحيحه فقال فيه (قالوا أينا لم يظلم نفسه فقال صلى الله عليه وسلم ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) فهاتان الروايتان تفسر إحداهما الأخرى ومعناه أنه لما شقت عليهم ذلك أنزل الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ليس الظن الذي وقع لكم كما تظنون إنما المراد بالظلم كما قال لقمان قال وفي الحديث دلالة على أن المعاصي لا تكون كفراً وأن الظلم على ضربين كما ترجم له وأن تأخير البيان جائز إلى وقت الحاجة. الخطابي: إنما شق عليهم لأن ظاهر الظلم الأفتيات بحقوق الناس والإفتيات السبق إلى الشيء وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي فظنوا أن المراد ههنا معناه الظاهر فأنزل الله تعالى الآية وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه ومن جعل العبادة وأثبت الربوبية لغير الله فهو ظالم بل أظلم الظالمين. التيمي: معنى الآية لم يفسدوا إيمانهم ويبطلوه بكفر لأن الخلط بينهما لا يتصور أي لم يخلطوا صفة الكفر بصفة الإيمان فتحصل لهم الصفتان إيمان متقدم وكفر متأخر بأن كفروا بعد إيمانهم ويجوز أن يكون معناه ينافقوا فيجمعوا بينهما ظاهراً وباطناً وإن كانا لا يجتمعان قال ابن بطال مقصود الباب أن تمام الإيمان بالعمل وأن المعاصي ينقص بها الإيمان وأن لا يخرج صاحبها إلى الكفر والناس مختلفون فيه على قدر صغر المعاصي وكبرها وفيه من الفقه أن المفسر يقضي على المجمل وقد احتج بالحديث من قال الكلام حكمه العموم حتى يأتي دليل الخصوص قال البخاري رضي الله عنه (باب علامات المنافق) المنافق هو المظهر لما يبطن خلافه وفي الاصطلاح

ص: 146

ابْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثنا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.

33 -

حَدَّثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ

ــ

المتقدم هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر وسمى المنافق به لأنه يستر كفره فشبه بالذي يدخل النفق وهو السرب الذي في الأرض وله مخلص إلى مكان آخر فيستتر به وقيل هو من نافقاء اليربوع فإن إحدى جحريه يقال لها النافقاء وهو موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليه ينشق وهو يكتمها ويظهر غيرها فإذا أتى الصائد إليه من قبل القاصعاء وهو جحره الظاهر الذي يقصع فيه أي يدخل فيه ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج فكما أن اليربوع يكتم النافقاء ويظهر القاصعاء كذلك المنافق يكتم الكفر ويظهر الإيمان أو يدخل في الشرع من باب ويخرج من آخر ويناسبه من وجه آخر وهو أن النافقاء ظاهره يرى كالأرض وباطنه حفر فيها فكذا المنافق. قوله: (سليمان) هو ابن أبي داود الزهراني العتكي المكني بأبي الربيع سكن بغداد وانتقل إلى البصرة وتوفي بها سنة أربع وثلاثين ومائتين. قوله: (إسمعيل) هو ابن إبراهيم بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني قارئ أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مؤذناً ببغداد لعلي بن المهدي وتوفي بها عام ثمانين ومائة. قوله: (نافع) هو أبو سهيل عم مالك بن أنس الإمام المشهور. قوله: (عن أبيه) أي مالك بن أبي عامر وهو ابن أنس الأصبحي المدني التابعي جد الإمام مالك المذكور توفي سنة اثنتي عشرة ومائة وأما أبو هريرة فقد تقدم ورجال الإسناد كلهم مدنيون إلا أبا الربيع. قوله: (آية المنافق) أي علامته وسميت آية القرآن آية لأنها علامة انقطاع كلام عن كلام. فإن قلت الآية مفردة والظاهر يقتضي أن يقال الآيات ثلاث. قلت إما أن يقال كل من الثلاث آية حتى لو وجدت خصلة واحدة يكون صاحبها منافقاً أو أن يقال كل الثلاث معاً آية حتى إذا اجتمعت تكون آية واحدة فعلى الأول المراد منها جنس الآية وعلى الثاني معناه الآية اجتماع هذه الثلاث. قوله: (كذب) الكذب هو الإخبار على خلاف الواقع (والوعد) الإخبار بإيصال الخير في المستقبل (والإخلاف) جعل الوعد خلافاً وقيل هو عدم الوفاء به والائتمان جعل الشخص أميناً و (ائتمن) بصيغة المجهول وفي بعض الروايات بتشديد التاء وهو بقلب الهمزة الثانية منه واواً وإبدال الواو تاء وإدغام التاء في التاء (والخيانة) التصرف

ص: 147

في الأمانة على خلاف الشرع. فإن قلت الجمل الشرطية بيان لثلاث أو بدل لكن لا يصح أن يقال الآية إذا حدث كذب فما وجهه. قلت معناه آية المنافق كذبه عند تحديثه وذلك مثل قوله: تعالى (فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً) على أحد التوجيهات. فإن قلت الوعد تحديث خاص فما معنى عطفه على التحديث والخاص إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام فالآية اثنتان لا ثلاث. قلت لما كان لازم الوعد الإخلاف الذي قد يكون فعلاً وهو غير الكذب الذي لازم التحديث وهو لا يكون فعلاً جعلاً متغايرين نظراً إلى اعتبار تغاير لازميهما أو جعل الوعد حقيقة أخرى غير داخلة تحت حقيقة التحديث على سبيل الادعاء لزيادة قبحه كما يدعي أن جبريل عليه السلام نوع آخر غير الملائكة لزيادة شرفه. قال الشاعر:

فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال

وإنما خصص الثلاث بالذكر لأنها مشتملة على المخالفة التي عليها مبنى النفاق من مخالفة السر العلن واعلم أن جماعة من العلماء عدوا هذا الحديث مشكلاً من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه مع أن الإجماع حاصل على أنه لا يحكم بكفره ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار. النووي: ليس في الحديث أشكال إذ معناه أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه ومتخلق بأخلاقهم إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه وهو موجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه خاصاً في حق من حدثه ووعده وائتمنه لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر وقال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من ندر فيه ذلك فليس داخلاً فيه. الطيبي: الإتيان بالجملة الشرطية مقارنة بإذا الدالة على تحقق الوقوع يدل على أن هذه عادتهم وقال الخطابي كلمة إذا تقتضي تكرار الفعل وأقول وفي كون إذا دليلاً على أنها عادتهم أو أنها تقتضي تكرار الفعل تطويل الأولى أن يقال حذف المفعول من حدث ونحوه دليل على العموم أو الإطلاق فكأنه قال إذا حدث في كل شيء كذب فيه أو إذا أوجد ماهية التحديث كذب ولاشك أن مثله منافق في الدين وقال جماعة المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوا بإيمانهم فكذبوا ووعدوا في نصر الدين فأخلفوا وائتمنوا في دنياهم فخانوا وقال الخطابي معناه أن الإنذار للمسلم والتحذير له أن لا يعتاد هذه الخصال خوفاً أن يفضي بها إلى النفاق وقال النفاق ضربان أحدهما أن يظهر صاحبه الدين وهو مبطن للكفر وعليه كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر ترك المحافظة على أمور الدين سراً ومراعاتها علناً وهذا أيضاً يسمى نفاقاً كما جاء (سباب المسلم فسق وقتاله كفر) وإنما هو كفر دون كفر وفسق دون فسق كذلك هو نفاق دون نفاق وقال بعضهم ورد الحديث في رجل بعينه منافق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول

ص: 148

فيقول فلان منافق بل يشير إشارة كقوله: صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يفعلون كذا فههنا إشارة بالآية إليه حتى يعرف ذلك الشخص بها. أقول فلدفع الأشكال خمسة أوجه لأن اللام إما للجنس فهو إما على سبيل التشبيه أو أن المراد الاعتياد أو معناه الإنذار وإما للعهد إما من منافقي زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإما منافق خاص بشخص بعينه وههنا وجه سادس للدفع وهو أن المراد بالنفاق النفاق العملي لا النفاق الإيماني إذ النفاق نوعان كما يستفاد من كلام الخطابي وأحسن الوجوه وهو السابع بأن يقال النفاق شرعي وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام وعرفي وهو ما يكون سره خلاف علنه وهذا هو المراد إن شاء الله تعالى. يحكى أن رجلاً من البصرة قدم مكة حاجا فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح فقال سمعت الحسن يقول من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول أنه منافق فقال له عطاء إذا رجعت إلى الحسن فقل له إن عطاء يقرئك السلام ويقول لك ما تقول في بني يعقوب عليه السلام أخوة يوسف إذ حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا أفكانوا منافقين فلما قال هذا للحسن سر الحسن به وقال جزاك الله خيراً ثم قال لأصحابه إذا سمعتم مني حديثاً فاصنعوا مثل ما صنع أخوكم حدثوا به العلماء فما كان منه صواباً فحسن وإن كان غير ذلك ردوا على جوابه وعن مقاتل بن حيان أنه سأل سعيد بن جبير عن هذا الحديث وقال هذه مسألة قد أفسدت علي معيشتي لأني أظن أني لا أسلم من هذه الثلاث أو من بعضها فضحك سعيد وقال أهمني ما أهمك فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما فضحكا وقالا أهمنا والله يا ابن أخي مثل الذي أهمك من هذا الحديث فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عنه فضحك وقال مالكم ولهن أما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله على (والله يشهد أن المنافقين لكاذبون) وأما إذا وعد أخلف فذلك في قوله: تعالى (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم على يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه) وأما إذا ائتمن خان فذلك فيما أنزل الله تعالى (إنا عرضنا الأمانة) وأنتم براء من ذلك. قوله: (حدثنا قبيصة) بفتح القاف والموحدة المكسورة والصاد المهملة (ابن عقبة) بالمهملة المضمومة والقاف الساكنة هو أبو عامر السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وكسر الهمزة بعد الألف الكوفي من بني عامر بن صعصعة وكان من عباد الله الصالحين قالوا سمع من سفيان صغيراً فلم يضبط منه كما هو حقه فهو حجة إلا فيما روي عن سفيان. قال النووي: ويكفي في جلالته احتجاج البخاري به في مواضع غير هذا وأما هذا الموضع فقد يقال إنما ذكره متابعة لا متأصلاً وأقول ليس ذكره في هذا الموضع على طريق المتابعة لمخالفة هذا الحديث ما تقدم لفظاً ومعنى من جهات كالاختلاف في ثلاث وأربع وكزيادة لفظ خالصاً وقال جعفر بن حمدويه: كنا على باب قبيصة ومعنا ابن مالك الجبل ومعه

ص: 149

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

ــ

الخدم فدق الباب على قبيصة فأبطأ بالخروج فعاوده الخدم وقالوا ابن مالك الجبل على الباب ومعه الخدم وأنت لا تخرج إليه قال فخرج وفي طرف إزاره كسيرات من الخبز فقال رجل رضي من الدنيا بهذه ما يصنع بابن مالك الجبل والله لا أحدثه أبداً فلم يحدثه توفي سنة خمس عشرة ومائتين. قوله: (سفيان) بالحركات الثلاث في سينه هو الإمام الكبير والعالم الرباني أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة المتفق على ارتفاع منزلته وكثرة علومه وصلابة دينه القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم أبو عبد الله ابن سعيد الثوري منسوباً إلى أحد أجداده المسمى بثور الكوفي وهو من تابعي التابعين قال ابن عاصم سفيان أمير المؤمنين في الحديث وقال ابن المبارك كتبت عن ألف شيخ ومائة ما كتبت عن أفضل من الثوري وقال ابن معين كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري وقال ابن عيينة أنا من غلمان الثوري وكان وهيب يقدم سفيان في الحفظ على مالك روى أن أبا جعفر الخليفة بعث الخشابين أمامه حين خرج إلى مكة وقال إذا رأيتم سفيان فاصلبوه فوصل النجارون إلى مكة ونصبوا الخشب فنودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضل بن عياض ورجله في حجر ابن عيينة فقالوا يا أبا عبد الله لا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى أستار الكعبة فأخذها وقال برئت منها إن دخل أبو جعفر فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة وانتقل سفيان إلى البصرة فمات فيها متوارياً من سلطانها ودفن عشاء سنة ستين ومائة. قوله: (الأعمش) هو سليمان ابن مهران بكسر الميم الكوفي التابعي وقد مر في باب ظلم دون ظلم وكان في عينه ضعف. الجوهري: العمش ضعف الرؤية مع سيلان دمعها. قوله: (عبد الله بن مرة) بضم الميم والدال المشددة الهمداني بسكون الميم الكوفي أيضاً التابعي الخارفي بالمعجمة وبالراء وبالفاء مات سنة مائة روى له الجماعة. قوله: (مسروق) هو ابن عائشة بن الأجدع بالجيم والمهملتين الهمداني التابعي الكوفي قيل ما ولدت همدانية مثل مسروق وسمي به لأنه سرق في صغره ثم وجدوه فغلب عليه ذلك وقال له عمر رضي الله عنه ما اسمك فقال قلت مسروق بن الأجدع فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الأجدع شيطان أنت مسروق ابن عبد الرحمن فأثبت اسمه في الديوان بابن عبد الرحمن والأجدع كان أفرس فارس باليمن وهو ابن أخت عمرو بن معد يكرب مات مسروق سنة اثنتين أو ثلاث وستين. قوله: (عبد الله بن عمرو) بن العاص الصحابي الكبير القرشي وقد مر في باب (المسلم من سلم المسلمون) ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيون إلا ابن عمرو وفيه

ص: 150

ابْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا

ــ

ثلاثة تابعيون بعضهم روى عن بعض الأعمش وابن مرة ومسروق. قوله: (أربع) مبتدأ بتقدير أربع خصال أو خصال أربع وإلا فهو نكرة صرفة والشرطية خبره ويحتمل أن تكون الشرطية صفته وإذا ائتمن خان إلى آخره خبره بتقدير أربع كذا هي الخيانة عند الائتمان ونحوه وقد مر توجيهه في ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان. قوله: (كان منافقاً) معناه على ما تقدم من الوجوه السبعة ووصفه بالخلوص يشد عضد الوجه السادس والسابع أي كان منافقاً عملياً لا إيمانياً أو منافقاً عرفياً لا شرعياً إذ الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقى في الدرك الأسفل وأما كونه خالصاً فيه فلان الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد عليه. قال ابن بطال خالصاً معناه خالصاً في هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها. وقال النووي أي شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال وقال ولا منافاة بين الروايتين من ثلاث خصال كما في الحديث الأول أو أربع خصال كما في هذا الحديث لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئاً واحداً وقد تكون أشياء. وقال الطيبي لا منافاة لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات فتارة يذكر بعضها وأخرى جميعها أو أكثرها وأقول الأولى أن يقال التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد وعلى الناقص. قوله: (الخصلة) هي الخلة بفتح الخاء فيهما (والمعاهدة) المحالفة والمواثقة (والغدر) ترك الوفاء وأصل الفجور الميل عن القصد والشق فمعنى (فجر) مال عن الحق وقال الباطل أو شق ستر الديانة. قال النووي في شرح هذا الصحيح حصل من الحديثين أن خصال المنافق خمسة وقال في شرح مسلم (وإذا عاهد غدر) هو داخل في قوله: (إذا ائتمن خان) يعني هو أربعة. وأقول لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى ثلاث فتأمل والحق أنها خمسة متغايرة عرفاً وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضاً ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن أما في الماليات وهو إذا ائتمن خان وإما في غيرها وهو إما في حالة الكدورة وهو إذا خاصم وإما في حالة الصفا فهو إما مؤكدة باليمين وهو إذا عاهد أولاً فهو إما بالنظر إلى المستقبل وهو إذا وعد وإما بالنظر إلى الحال وهو إذا حدث. قال الخطابي قال حذيفة وإنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه اليوم هو الكفر بعد الإيمان ومعناه أن المنافقين في ذلك الزمان لم يكونوا

ص: 151