المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌44 - (3) - باب: بيان الكبائر وأكبرها - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ٣

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌42 - (1) بَابُ: كَوْنِ الإيِمَان أَفْضَلَ الأعْمَالِ عَلَى الإِطْلَاقِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

- ‌43 - (2) بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوبِ، وَقُبْحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

- ‌44 - (3) - بَابُ: بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا

- ‌45 - (4) بَابُ: بَيَانِ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَالأمْرِ بِاجْتِنَابِهَا الَّذِي هُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌46 - (5) بَابٌ: مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ

- ‌47 - (6) بَابُ: لا يدخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ كِبْرٌ

- ‌48 - (7) بَابُ: مَنْ مَاتَ مُؤمِنًا لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعَالى شَيئًا. . دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا. . دَخَلَ النَّارَ، وَبَيَان الْمُوجِبَتَينِ

- ‌49 - (8) بَابُ: ارْتِكَابِ الْمُؤْمِنِ الْكَبَائِرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الإِيمَانِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ

- ‌50 - (9) بَابُ: الاكْتِفَاءِ بِظَاهِرِ الإِسْلام، وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَمَّا فِي الْقُلُوبِ، وَتَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ بَعْدَ أَن قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

- ‌51 - (10) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ تبَرَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

- ‌52 - (11) بَابُ: إِيمَانِ النَّمَّامٍ، وَغِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ

- ‌53 - (12) بَابٌ: إِيمَانِ الْمُسْبِل إِزَارَهُ، وَالْمَانِّ بِصَدَقَتِهِ، وَالْمُنَفِّقِ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ تَعَالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِ

- ‌54 - (13) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ، وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِهِ فِي النَّارٍ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَغَيرِ ذَلِكَ

- ‌55 - (14) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ

- ‌56 - (15) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْقَتْلَ

- ‌57 - (16) بَابٌ مَا يُقْبَضُ عِنْدَهُ رُوحُ كُلِّ مُومِنٍ وَيَبْقَى بَعْدَهُ عَلَى الأَرْضِ شِرَارُ النَّاسِ

- ‌58 - (17) بَابٌ: مَا يُخَافُ مِنْ سُرْعَةِ سَلْبِ الإيمَانِ وَالْحَضِّ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ عَنْهَا

- ‌59 (18) - بَابٌ: مَخَافَةُ الْمُؤمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ مِنَ الإِيمَان

- ‌60 - (19) - بَابُ: إِسْلامِ مَنْ أَخْلَصَ فِي إِسْلامِهِ، وَمَنْ لَمْ يُخْلِصْ فِيهِ

- ‌61 - (20) بَابٌ: الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْهِجْرَةُ وَالْحَجُّ

- ‌62 - (21) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَحْسَنَ .. أَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ

- ‌63 - (22) بَابُ: إِطْلاقِ الظُّلْمِ عَلَى الشِّرْكِ، وَإِخْلاصِ الإِيمَان مِنْهُ

- ‌64 - (23) بَابُ: شِكَايَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى خَطَرَاتِ النَّفْسِ، وَنُزُولِ قَوْلهِ تَعَالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا}

- ‌65 - (24) بَابُ: تَجَاوُزِ اللهِ تَعَالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَخَوَاطِرِهَا

- ‌66 - (25) بَابُ: كِتَابَةِ الْحَسَنَةِ لِلْمُؤْمِنِ بِمُجَرَّدِ هَمِّهَا، وَعَدَمِ كِتَابَةِ السَّيِّئَةِ عَلَيهِ بِمُجَرَّدِ الْهَمِّ

- ‌67 - (26) بَابٌ: اسْتِعْظَامُ الْوَسْوَسَةِ فِي الإِيمَانِ مَحْضُ الإِيمَانِ وَصَرِيحُهُ وَخَالِصُهُ

- ‌68 - (27) بَابُ: التَّسَاؤُلِ عَمَّنْ خَلَقَ الْخَلْقَ، وَمَنْ خَلَقَ اللهَ، وَبَيَانِ مَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ

- ‌69 - (28) بَابُ إِثْمِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ

- ‌فصل في الأحكام التي تستفاد من أحاديث الباب

الفصل: ‌44 - (3) - باب: بيان الكبائر وأكبرها

‌44 - (3) - بَابُ: بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا

ــ

44 -

(3)(بَابُ: بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا)

أي هذا باب معقود في بيان بعض الكبائر وهي ضد الصغائر، وبيان أكبرها أي أشدها عقوبة وذكر هذا الباب وما بعده من الأبواب المتعلقة بالمعاصي في كتاب الإيمان استطرادي، والنسبة بينهما نسبة التضاد كما مر في الباب قبل هذا، واعلم أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر وصغائر، فالكبائر: جمع كبيرة، قال ابن الصلاح: الكبيرة ما عظم من الذنوب بحيث يصح أن يقال عليه كبير عظيم، ولذلك أمارات ترتيب الحد والتوعد بالنار والاقتران بلعنة أو غضب أو بتسمية فاعلها فاسقًا وما عدا ذلك فهو صغيرة، قال عز الدين: ويعرف الفرق بينهما بأن تعرض مفسدة الذنب فإن نقصت عن مفسدة أقل الكبائر المنصوص عليها فهي صغيرة وإن ساوتها أو كانت أعظم فهي كبيرة فالشرك كبيرة بالنص، وتلطيخ الكعبة بالقذر وإلقاء المصحف فيه مساو لذلك، والزنا والقتل كبيرتان أَيضًا بالنص وحبس امرأة لمن يزني بها أو يقتلها لم ينص عليه ولكنه أعظم مفسدة من أكل مال اليتيم المنصوص عليه، والفرار يوم الزحف كبيرة بالنص، والدلالة للكفار على عورات المسلمين، مع العلم بأنهم يسبون أموالهم، لم ينص عليه، ولكنه أعظم من الفرار، وكذلك لو كذب على مسلم كذبة يعلم أنَّه يقتل بها بخلاف كذبة يؤخذ بها منه ثمرة فهذه صغيرة اهـ. قال القاضي عياض: وألحق العلماء بالكبائر الإصرار على الصغائر، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:"لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار" يعني أن الكبيرة يمحوها الاستغفار، والصغيرة كبيرة مع الإصرار، قال النواوي: واختلف في حد الإصرار، فقال عز الدين: هو تكرار الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة المبالاة إشعار الكبيرة بذلك، أو فعل صغائر من أنواع مختلفة بحيث يشعر ذلك.

قال النواوي: (واعلم) أنَّه لا شك في كون المخالفة قبيحة جدًّا بالنسبة إلى جلال الله تعالى ولكن بعضها أعظم من بعض وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة وإلى ما لا يكفره ذلك كما ثبت في الحديث الصحيح "ما لم يغش كبيرة" فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر، وما لا تكفره كبائر، ولا شك في حسن هذا، ولا يخرجها هذا

ص: 33

163 -

(82)(5) حدثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّد بْنِ بُكَيرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ،

ــ

عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى فإنَّها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها لكونها أقل قبحًا، ولكونها متيسرة التكفير والله أعلم. انتهى.

ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة فقال:

(163)

- س (82)(5)(حَدَّثني عمرو بن محمَّد بن بكير بن محمَّد النَّاقد) أبو عثمان البغدادي ثِقَة حافظ، من العاشرة، مات سنة (232) اثنتين وثلاثين ومائتين، تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب، قال عمرو بن محمَّد (حَدَّثَنَا إسماعيل) بن إبراهيم بن مِقسم الأسدي القُرشيّ مولاهم أبو بشر البَصْرِيّ المعروف بـ (ابن عليّة) اسم أمه، ثِقَة حافظ من الثامنة مات سنة (193) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا (عن سعيد) بن إياس (الجُريري) بضم الجيم مصغرًا وبمهملتين من بني قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل أبي مسعود البَصْرِيّ روى عن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة وأبي نضرة وأبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير وعبد الله بن شَقِيق وعبد الله بن بريدة وأبي الطفيل وأبي عثمان النهدي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسماعيل بن عليّة وبشر بن منصور ويزيد بن زريع وعبد الوارث وسالم بن نوح وعبد الله بن المبارك وعبد الأعلى بن عبد الأعلى والثوري وخلائق. قال العجلي: بصري ثِقَة، وقال ابن سعد: كان ثِقَة إلَّا أنَّه اختلط في آخر عمره، وقال في التقريب: ثِقَة، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين مات سنة (144) أربع وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في خمسة مواضع والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع والحج في موضعين وصفة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم والأطعمة والرحمة والدعاء والطب فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة أبواب.

(حدثنا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة) نفيع مصغرًا ابن الحارث الثَّقَفيّ وهو أول مولود ولد في الإِسلام بالبصرة أبو بحر البَصْرِيّ ويقال له أبو حاتم روى عن أَبيه وعلي، ويروي عنه (ع) وسعيد الجريري وخالد الحذاء وإسحاق بن سويد ومحمَّد بن سيرين ويحيى بن أبي إسحاق وغيرهم، قال العجلي: تابعي بصري ثِقَة، وقال في التقريب: ثِقَة، من الثَّانية، مات سنة (96) ست وتسعين.

ص: 34

عَنْ أَبِيهِ، قَال: "كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَال: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ (ثَلَاثًا) الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ

ــ

روى عنه المؤلف في الإيمان والصوم والبيوع والديات والأحكام والفضائل والمدح وآخر الكتاب فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب تقريبًا.

(عن أَبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بفتحتين ابن عمرو الثَّقَفيّ البَصْرِيّ، سمي بذلك لأنه نزل عليها من حصن الطائف إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فكناه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بها، له مائة واثنان وثلاثون حديثًا يروي عنه أولاده عبد الرَّحْمَن في الإيمان وعبيد الله ومسلم وعبد العزيز وكبشة وأبو عثمان النهدي وربعي بن حراش والحسن وابن سيرين وغيرهم، وقال في التقريب: أسلم بالطائف وهو ابن ثمان عشرة سنة ثم نزل البصرة ومات بها سنة (52) إحدى أو اثنتين وخمسين. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلَّا عمرًا فإنَّه بغدادي (قال) أبو بكرة (كنا) معاشر الصَّحَابَة (عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا) حرف استفتاح وتنبيه (أنبئكم) أيها الأصحاب وأخبركم (بأكبر الكبائر) وأشدها عقوبة، وقوله (ثلاثًا) مفعول مطلق لِقال أي قال قولًا ثلاثًا أو مفعول به، أي قال ثلاث مرات، وجعله بين هلالين إشارة إلى أنَّه مدرج من كلام الراوي أدرجه لبيان عدد مرات قوله صلى الله عليه وسلم أحدهما (الإشراك باللهِ) سبحانه وتعالى في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، قولًا كان أو فعلًا أو اعتقادًا جليًّا كان أو خفيًّا، قال القاضي عياض: معنى أكبر أشد عقوبة ولا خفاء بأن الشِّرك أكبرها، واختلفت الطرق فيما يلي الشِّرك، ففي هذا الطريق العقوق، وفي المتقدم القتل، وفي الآتي أكبر الكبائر شهادة الزور، ولا يدل ما جعل تاليه في طريق أنَّه لا أكبر منه بعد الشِّرك لمعارضة ما في الآخر.

ووجه الجمع بينها، أنَّه إنما اختلف جوابه في ذلك، لأن جوابه كان بحسب ما الحاجة إلى بيانه حينئذ أمَسُّ، إما لكثرة ارتكابه أو خوف مواقعته، كما تقدم في تسمية أفضل الأعمال وجمع الطحاوي بأن قال: يُضم ما جعل ثاني الشِّرك في طريق إلى ما جُعل ثانيًا في الأخرى، ويجعلان في درجة واحدة من الإثم، وكذلك فيما جعل ثالثًا، وجمع بعضهم بأن قال القتل والزنا مقدمان على العقوق والغموس، فالطريق الذي جُعل العقوق فيها ثانيًا إنما هو لعدم حفظ الراوي، وإليه مال بعض من لقيناه، وليس بسديد، لأن

ص: 35

وَعُقُوقُ الْوَالِدَينِ. وَشَهَادَةُ الزُّورِ، (أَوْ قَوْلُ الزُّورِ) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتَكِئًا

ــ

تحميل الراوي ما لم يرو وتغليطه فيما روى بابٌ لو فُتح دخل على الشريعة منه خَطْبٌ.

(و) الثاني (عقوق الوالدين) وإن عليا، أي عصيانهما وقطع البر الواجب عنهما، وأصل العق الشق والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود عقيقة؛ لأنه يُشق حلقومها، قاله الهروي وغيره اهـ مفهم.

وقال عز الدين: لم أقف فيه على ضابط أعتمده، فإنَّه لا تجب طاعتهما في كل شيء، وقد حرم على الولد أن يغزو إلَّا بإذنهما، لأنهما يتأذيان بما يصيبه من جرح أو قتل، وقال ابن الصلاح: العقوق هو فعل ما يتأذيان به تأذيًا غير هين مع كونه ليس من الواجبات، وقيل هو مخالفتهما فيما ليس بمعصية، وطاعتهما عند هذا القائل واجبة، فيما ليس بمعصية، وقد أوجب كثير طاعتهما في الشبهات، وإجازة بعضهم سفره للتجارة بغير إذنهما ليس بخلاف لما ذكرناه، لأنه كلام مطلق، وما ذكرناه تفسير له اهـ أبي.

(و) الثالث (شهادة الزور) أي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت أكبر الكبائر لأنها يتوصل بها إلى إتلاف النفوس والأموال وتحليل ما حرم الله سبحانه، وتحريم ما حلل الله سبحانه، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا، ولا أكثر فسادًا منها بعد الشِّرك، قال الأبي: ليست شهادة الزور كذلك وإنما هي أن يشهد بما لم يعلم عمدًا، وإن طابقت الواقع، كمن شهد أن زيدًا قتل عمرًا، وهو لا يعلم أنَّه قتله، وقد كان قتله، فإن كان لشبهة فليست زورًا لقوله في كتاب الاستحقاق: وإن شهدوا بموته ثم قَدِمَ حيًّا، فإن ذكروا عذرًا كرؤيتهم إياه صريعًا في القتلى، وقد طعن فظنوا أنَّه مات فليست بزور، وإلا فهي زور، وظاهر كلام الباجي أن غير العامد شاهد زور، لأنه قال: ومن ثبت أنَّه شهد بزور، فإن كان نسيانًا أو غفلة فلا شيء عليه، وإن كثر منه رُدت شهادته، ولم يُحكم بفسقه.

قال النووي: القتل أعظم منها، وظاهر الحديث حتَّى لو أتلف بها اليسير، وقال عز الدين إنما ذلك إذا أتلف بها خطيرًا، وقد يضبط بنصاب السرقة، فإن نقص عنه احتمل أن يكون كبيرة سدًا للباب، كما جُعل شرب نقطة من الخمر كبيرة اهـ.

(أو) قال أبو بكرة أو من دونه (قول الزور) بدل قوله (شهادة الزور) والشك من بعض الرواة (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ألا أنبئكم وما بعده (متكئًا)

ص: 36

فَجَلَسَ، فَمَا زَال يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيتَهُ سَكَتَ".

164 -

(83)(6) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (وَهُوَ: ابْنُ الْحَارِثِ)، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ،

ــ

أي معتمدًا على نحو وسادة (فـ) ـلما بلغ قوله وشهادة الزور (جلس) وترك الاتكاء اهتمامًا بشأنها (فما زال) صلى الله عليه وسلم (يكررها) أي يكرر شهادة الزور تعظيمًا لأمرها (حتَّى قلنا) معاشر الحاضرين، أي حتَّى قال بعضنا لبعض (ليته) صلى الله عليه وسلم (سكت) أي صمت وانكف عن تكرارها، وإنما تمنوا سكوته شفقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكراهة لما يزعجه ويغضبه.

وهذا الحديث أعني حديث أبي بكرة، شارك المؤلف في روايته أَحْمد والبخاري والتِّرمذيّ، رواه أَحْمد (5/ 36 و 38) والبخاري (2654) والتِّرمذيّ (2302).

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي بكرة، بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما فقال:

(164)

- ش (83)(6)(وحدثني يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثيّ) أبو زكريا البَصْرِيّ، وثقه النَّسائيّ، وقال في التقريب: ثِقَة من العاشرة، مات بالبصرة سنة (248) ثمانٍ وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا، قال يحيى (حَدَّثَنَا خالد) بن الحارث بن سُليم بن عبيد الهُجيمي، أبو عثمان البَصْرِيّ، ثِقَة ثبت من الثامنة، مات سنة (186) ست وثمانين ومائة، وولد له ستة عشر ابنًا، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا، وأتى بقوله (وهو ابن الحارث) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه، بل زادها من عند نفسه، إيضاحًا للراوي؛ وتورعًا من الكذب على شيخه، كما مر مرارًا، قال خالد (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البَصْرِيّ، ثِقَة حافظ متقن من السابعة، مات سنة (160) ستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا، قال شعبة (أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر) بن أنس بن مالك الأَنْصَارِيّ، أبو معاذ البَصْرِيّ، روى عن جده أنس في الإيمان والاستئذان، والمعروف والقدر في أربعة أبواب، ويروي عنه (ع) وشعبة والحمادان وهُشيم، وثقه ابن معين وأبو داود والنَّسائيّ، وقال في التقريب: ثِقَة من الرابعة (عن أنس) بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه

ص: 37

عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، في الْكَبَائِرِ قَال:"الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَينِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ".

165 -

(00)(00) وحدّثنا مُحَمَّد بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ،

ــ

وسلم، وتقدم البسط في ترجمته، وهذا السند من خماسياته، ومن ألطف لطائفه، أن رجاله كلهم بصريون إلَّا أن شعبة واسطيّ بصري، فلا يقدح هذا في كونهم بصريين، وهذا من الطرق المستحسنة كالسند الآتي، وقوله: حَدَّثَنَا خالد (وهو ابن الحارث) قال النووي: قد قدمنا بيان فائدة قوله (وهو ابن الحارث) وهو إنما سمع في الرواية خالد، ولخالد مشاركون فأراد تمييزه، ولا يجوز له أن يقول: حَدَّثَنَا خالد بن الحارث، لأنه يصير كاذبًا على المروي عنه، فإنَّه لم يقل إلَّا خالد، فعدل إلى لفظة: وهو ابن الحارث، لتحصل الفائدة بالتمييز، والسلامة من الكذب اهـ.

(عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في) بيان (الكبائر) جمع كبيرة، وهي ما ورد فيها حد مقدر، أو وعيد شديد، كما مر بيان الخلاف فيها (قال) النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الكبائر هي (الشِّرك بالله) سبحانه وتعالى، وهو اسم مصدر من أشرك الرباعي (وعقوق الوالدين) أي منع حقوقهما، من الإحسان والبر (وقتل النفس) المحرم قتلها. بإيمان أو أمان. بغير حق (وقول الزور) أي شهادته، بلا شك في هذا الحديث في قول الزور، وزاد في حديث أنس رضي الله تعالى عنه قتل النفس، على ما ذكره في حديث أبي بكرة، لأن الزيادة بحسب ما تدعو الحاجة إلى بيانه في ذلك الوقت، فلا معارضة بين الحديثين، وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ في مواضع، والتِّرمذيّ في مواضع، والنَّسائيّ في مواضع اهـ تحفة.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال:

(165)

- متا (00)(00)(وحدثنا محمَّد بن الوليد بن عبد الحميد) القُرشيّ البُسري -بضم الموحدة وسكون المهملة- من ولدِ بُسر بن أرطأة العامري، أبو عبد الله البَصْرِيّ الملقب بحمدان، روى عن محمَّد بن جعفر في الإيمان والوضوء والزكاة والجهاد وغيرها ووكيع ومروان بن معاوية وعبد الوهَّاب الثَّقَفيّ وابن مهدي والقطان، ويروي عنه (خ م س ق) وابن أبي عاصم وابن ناجية وابن خزيمة وخلق، وثقه النَّسائيّ

ص: 38

حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَال: "ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْكَبَائِرَ (أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ) فَقَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَينِ وَقَال: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَال: قَوْلُ الزُّورِ (أَوْ قَال شَهَادَةُ الزُّورِ)، قَال شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ

ــ

والقزويني، وقال في التقريب: ثِقَة، من العاشرة، مات سنة (250) خمسين ومائتين.

قال محمَّد بن الوليد (حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهذلي مولاهم، أبو عبد الله البَصْرِيّ، ربيب شعبة، المعروف بغندر ثِقَة إلَّا أن فيه غفلة من التاسعة، مات سنة (193) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته، وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا. قال محمَّد بن جعفر (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج العتكي البَصْرِيّ، من السابعة (قال) شعبة (حَدَّثني عبيد الله بن أبي بكر) بن أنس الأَنْصَارِيّ أبو معاذ البَصْرِيّ، ثِقَة من الرابعة (قال) عبيد الله (سمعت) جدي (أنس بن مالك) الأَنْصَارِيّ خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبا حمزة البَصْرِيّ، وهذا السند أَيضًا من خماسياته رجاله كلهم بصريون، وهو من ألطف الأسانيد كما أشرنا إليه آنفًا وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة محمَّد بن جعفر لخالد بن الحارث في رواية هذا الحديث عن شعبة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات وفي ترتيبها وفي إدخال الشك فيه.

(قال) أنس بن مالك (ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر)(أو) قال أنس (سئل) رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن الكبائر) والشك من عبيد الله أو ممن دونه (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإخبار عنها أو في جواب السائل: الكبائر هي (الشِّرك بالله) سبحانه وتعالى علوًا كبيرًا، أي: الإشراكُ به شيئًا من المخلوق في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله (و) الثاني (قتل النفس) المحرم قتلها بغير حق مسلمًا كان أو ذميًا مباشرة أو تسببًا (و) الثالث (عقوق الوالدين) وإن عليا، أي منعهما حقوقهما (وقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أنبئكم) وأخبركم (بأكبر الكبائر) أي بأشدها عقوبة (قال) النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أكبر الكبائر هو (قول الزور) أي قول الكذب والعمل به، شهادة أو حكمًا به (أو قال) عبيد الله (شهادة الزور) أي الشهادة بالكذب قال محمَّد بن جعفر (قال) لنا (شعبة وأكبر ظني) أي أرجح علمي (أنَّه) أي أن الذي قال لي

ص: 39

ظَنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ"

ــ

عبيد الله بن أبي بكر (شهادة الزور) أي لفظة شهادة الزور، لا قول الزور، فقدم في هذه الرواية قتل النفس على عقوق الوالدين، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث اثنان: الأول حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه فذكره للاستدلال به على الترجمة، والثاني حديث أنس رضي الله تعالى عنه ذكره استشهادًا، وذكر فيه متابعة واحدة.

***

ص: 40