المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌62 - (21) باب: إذا أسلم الكافر وأحسن .. أحرز ما قبله من أعمال البر - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ٣

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌42 - (1) بَابُ: كَوْنِ الإيِمَان أَفْضَلَ الأعْمَالِ عَلَى الإِطْلَاقِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

- ‌43 - (2) بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوبِ، وَقُبْحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

- ‌44 - (3) - بَابُ: بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا

- ‌45 - (4) بَابُ: بَيَانِ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَالأمْرِ بِاجْتِنَابِهَا الَّذِي هُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌46 - (5) بَابٌ: مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ

- ‌47 - (6) بَابُ: لا يدخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ كِبْرٌ

- ‌48 - (7) بَابُ: مَنْ مَاتَ مُؤمِنًا لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعَالى شَيئًا. . دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا. . دَخَلَ النَّارَ، وَبَيَان الْمُوجِبَتَينِ

- ‌49 - (8) بَابُ: ارْتِكَابِ الْمُؤْمِنِ الْكَبَائِرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الإِيمَانِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ

- ‌50 - (9) بَابُ: الاكْتِفَاءِ بِظَاهِرِ الإِسْلام، وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَمَّا فِي الْقُلُوبِ، وَتَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ بَعْدَ أَن قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

- ‌51 - (10) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ تبَرَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

- ‌52 - (11) بَابُ: إِيمَانِ النَّمَّامٍ، وَغِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ

- ‌53 - (12) بَابٌ: إِيمَانِ الْمُسْبِل إِزَارَهُ، وَالْمَانِّ بِصَدَقَتِهِ، وَالْمُنَفِّقِ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ تَعَالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِ

- ‌54 - (13) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ، وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِهِ فِي النَّارٍ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَغَيرِ ذَلِكَ

- ‌55 - (14) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ

- ‌56 - (15) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْقَتْلَ

- ‌57 - (16) بَابٌ مَا يُقْبَضُ عِنْدَهُ رُوحُ كُلِّ مُومِنٍ وَيَبْقَى بَعْدَهُ عَلَى الأَرْضِ شِرَارُ النَّاسِ

- ‌58 - (17) بَابٌ: مَا يُخَافُ مِنْ سُرْعَةِ سَلْبِ الإيمَانِ وَالْحَضِّ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ عَنْهَا

- ‌59 (18) - بَابٌ: مَخَافَةُ الْمُؤمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ مِنَ الإِيمَان

- ‌60 - (19) - بَابُ: إِسْلامِ مَنْ أَخْلَصَ فِي إِسْلامِهِ، وَمَنْ لَمْ يُخْلِصْ فِيهِ

- ‌61 - (20) بَابٌ: الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْهِجْرَةُ وَالْحَجُّ

- ‌62 - (21) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَحْسَنَ .. أَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ

- ‌63 - (22) بَابُ: إِطْلاقِ الظُّلْمِ عَلَى الشِّرْكِ، وَإِخْلاصِ الإِيمَان مِنْهُ

- ‌64 - (23) بَابُ: شِكَايَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى خَطَرَاتِ النَّفْسِ، وَنُزُولِ قَوْلهِ تَعَالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا}

- ‌65 - (24) بَابُ: تَجَاوُزِ اللهِ تَعَالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَخَوَاطِرِهَا

- ‌66 - (25) بَابُ: كِتَابَةِ الْحَسَنَةِ لِلْمُؤْمِنِ بِمُجَرَّدِ هَمِّهَا، وَعَدَمِ كِتَابَةِ السَّيِّئَةِ عَلَيهِ بِمُجَرَّدِ الْهَمِّ

- ‌67 - (26) بَابٌ: اسْتِعْظَامُ الْوَسْوَسَةِ فِي الإِيمَانِ مَحْضُ الإِيمَانِ وَصَرِيحُهُ وَخَالِصُهُ

- ‌68 - (27) بَابُ: التَّسَاؤُلِ عَمَّنْ خَلَقَ الْخَلْقَ، وَمَنْ خَلَقَ اللهَ، وَبَيَانِ مَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ

- ‌69 - (28) بَابُ إِثْمِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ

- ‌فصل في الأحكام التي تستفاد من أحاديث الباب

الفصل: ‌62 - (21) باب: إذا أسلم الكافر وأحسن .. أحرز ما قبله من أعمال البر

‌62 - (21) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَحْسَنَ .. أَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ

227 -

(118)(41) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ،

ــ

62 -

(21) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَحْسَنَ .. أَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ

أي هذا بابٌ معقودٌ في بيان أنه إذا أسلم الكافر؛ وأخلص إسلامه من الشرك والنفاق؛ بأن كان إسلامه بجوارحه وبلسانه وبقلبه أحرز وجمع ثواب ما عمل قبل إسلامه، أعني في حالة كفره وجهله من أعمال الخير، كالصدقة والصلة والعتق، ببركة إسلامه أي يثاب عليه ببركة إخلاص إسلامه، بالقياس أي كما أن الإسلام الصحيح يجب ما قبله من السيئات يحرز ما قبله من الحسنات، واستدلالًا بظاهر حديث الباب كما في النواوي، وبحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الكافر فحَسُنَ إسلامه كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها ومحا عنه كل سيئة زلفها، وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله سبحانه وتعالى، قال النواوي: ذكره الدارقطني في غريب حديث مالك ورواه عنه من سبع طرق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، قال النواوي: قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء لا اعتراض لأحد عليه اهـ.

(225)

- س (118)(41)(حدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي، أبو حفص المصري صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (244) روى عن ابن وهب في مواضع كثيرة، قال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، الفقيه أحد الأئمة الأعلام، ثقةٌ حافظ عابد، من التاسعة مات سنة (197) روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن مشكان أبي النجاد الأيلي، أبو يزيد الأموي مولاهم، ثقةٌ إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ من كبار السابعة، مات بمصر سنة (159) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) القرشي الزهري، أبي بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، ثقة متقن حافظ،

ص: 231

قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قَال لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَرأَيتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ،

ــ

متفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة الرابعة، مات في رمضان في ناحية من الشام سنة (125) روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا (قال) ابن شهاب (أخبرني عروة بن الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الأعلام المشاهير، والفقهاء المعدودين، ثقة فقيه مشهور وكان رجلًا صالحًا لم يدخل في شيء من الفتن، من الثانية، مات سنة (94) أربع وتسعين، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، روى عنه المؤلف في تسعة عشر بابًا تقريبًا.

(أن حكيم) بفتح الحاء المهملة مكبرًا (بن حزام) بكسر المهملة بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن أخي خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها، القرشي الأسدي، أبا خالد الحجازي المدني أسلم يوم الفتح، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة من الإبل، ولد في جوف الكعبة، دخلت أمه الكعبة فولدته، قيل كان مولده قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان عالمًا بالأنساب، قال البخاري: عاش في الجاهلية ستين سنة (60) وفي الإسلام ستين سنة (65) فيكون المراد بالإسلام من حين ظهوره وانتشاره اهـ نووي، وقال الذهبي: لم يعش في الإسلام إلا بضعًا وأربعين سنة اهـ سير أعلام النبلاء، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين (54) على الصحيح، وكان له بالمدينة دار عند بلاط الفاكهة عند زقاق الصواغين، روى عن عروة بن الزبير في الإيمان والزكاة، وسعيد بن المسيب في الزكاة، وموسى بن طلحة، وعبد الله بن الحارث بن نوفل في البيوع، روى عنه المؤلف في ثلاثة أبواب تقريبًا وله أربعون (40) حديثًا اتفقا على أربعة.

وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان مصريان، وواحد أيلي، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي، أي قال ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام الصحابي الجليل (أخبره) أي أخبر لعروة بن الزبير (أنه) أي أن حكيم بن حزام (قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت أمورًا) أي أخبرني يا رسول الله عن أمورٍ وأعمالٍ صالحة كنت أتحنث بها) أي أطلب بها البر والإحسان إلى الناس، وأقصد بها التقرب إلى الله تعالى كما في النهاية (في الجاهلية) أي في زمن

ص: 232

هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيءٍ؟ فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيرٍ". وَالتَّحنُّثُ: التَّعَبُّدُ

ــ

الجاهلية، قبل إسلامي وإيماني، أي أطلب بتلك الأمور الإحسان إلى الناس، والثواب عند الله تعالى، أي فعلتها في الجاهلية (هل لي فيها) أي في فعل تلك الأمور (من شيء) أي شيء من الأجر والثواب (فقال له) أي لحكيم بن حزام (رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت) يا حكيم حالة كونك مثابًا (على ما أسلفت) وقدمت في الجاهلية (من) عمل (خير) من صدقة، وصلة رحم مثلًا ببركة إسلامك، قال ابن بطال وغيره من المحققين: إن الحديث على ظاهره، لا تأويل فيه، وأن معناه إذا أسلم الكافر وحسن إسلامه، ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر وقوله (والتحنث التعبد) أي عبادة الله تعالى بشيء من القربات، كلام مدرج في آخر الحديث أدرجه وزاده الزهري تفسيرًا لمعنى التحنث المذكور في الحديث.

قال المازري (قوله أسلمت على ما أسلفت) يقتضي أن من أسلم وقد فعل الخير في الجاهلية أنه يثاب على ذلك الخير والقواعد ترده، لأن شرط الثواب نية التقرب، ولا تصح من الكافر لجهله بالمتقرب إليه، كالناظر في دليل الإيمان فإنه لا يثاب لجهله بالمتقرب إليه، وإن كان مطيعًا بالنظر فيؤول الحديث بأن يكون معناه أسلمت وقد تعودت فعل الخير في الجاهلية، وسيدوم لك ذلك في الإسلام، لأنك تعودته، أو أسلمت وقد اكتسبت به ثناة جميلًا في الجاهلية وهو باق عليك في الإسلام، أو يعني أنه يزاد في تضعيف حسناته التي اكتسبها في الإسلام بسبب ما فعل من خير في الجاهلية، وقد قالوا في الكافر يفعل الخير أنه يخفف عنه بسبب ذلك وإذا صح التخفيف صحت الزيادة، قال القاضي: وقيل: إن على بمعنى الباء السببية، أي أسلمت ببركة ما أسلفت، وقال الحربي: المعنى ما سلف لك من خير فهو لك، كما يقال أسلمت على ألف درهم، أي على أن أحرزها وأعطاها، قال القرطبي: وهذا الذي قاله الحربي هو أشبهها وأولاها، وهو الذي أشرنا إليه في الترجمة، وقال الأبي: يحمل الحديث على ظاهره من إثابة الكافر، قال النواوي: وإليه ذهب ابن بطال، واحتج بحديث أخرجه الدارقطني من سبع طرق؛ ثبتت كلها عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أسلم الكافر وحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة أسلفها، ومحا عنه كل سيئة عملها" كما سبق في أول هذه الترجمة، قالا لأبي: والحديث نص في القضية، وهو تفسير لما

ص: 233

227 -

(00)(00) وحدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبدُ بنُ حُمَيدٍ (قَال الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا. وَقَال عَبْدٌ: حَدَّثَنِي)

ــ

في الأم وتصح نية التقرب من الكافر، وما عللوا به من الجهل إن عنوا به أنه يجهله مطلقًا مُنع لأنه لا ينكر الصانع، وإن عللوا به أنه يجهله من وجه فهو استدلال بمحل النزاع لأن محل النزاع الجاهل بالله من وجه هل يصح منه نية التقرب أم لا، ثم الذي يقضي بصحة النية اتفاقهم على التخفيف، لأنه لولا صحة النية لم يصح التخفيف، وقول الفقهاء:(لا يعتد بعمل الكافر) معناه في أحكام الدنيا، ولا يمنع أن يثاب الناظر في دليل الإيمان إذا اهتدى للحق، أو يفرق بأن الناظر لم ينو التقرب، والكافر نواه، وأيضًا فالقياس يقتضيه فإن الإسلام إذا جب السيئات صحح الحسنات، وإثابة الكافر بتخفيف العذاب لا تمتنع، وإنما الممتنع إثابته بالخروج من النار اهـ أبي.

(قلت) قد يعتد ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قال الفقهاء: إنه إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم تجب عليه إعادتها، واختلف أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى إذا أجنب الكافر واغتسل في حال كفره ثم أسلم هل تجب عليه إعادة الغسل أم لا، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء وتيمم إذا أسلم وصلى بها والله أعلم اهـ نووي.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه فقال:

(227)

- متا (00)(00)(وحدثنا حسن) بن علي بن محمد الهذلي (الحلواني) أبو علي المكي، ثقة من الحادية عشرة، مات بمكة سنة (242) روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا.

(و) حدثنا أيضًا (عبد بن حميد) بن نصر الكسي نسبة إلى كس مدينة فيما وراء النهر، أبو محمد، الحافظ صاحب المسند والتفاسير، ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة (249) روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (قال الحلواني حدثنا وقال عبد حدثني) تورعًا من الكذب على أحد شيخيه لو اقتصر على إحدى الكلمتين، إما حدثنا أو حدثني لاختلاف كيفية سماعهما، وفائدة المقارنة بيان كثرة طرقه، أي قال كل

ص: 234

يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيم بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قَال لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَي رَسُولَ اللهِ، أَرَأيتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي

ــ

منهما حدثنا (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد الزهري، أبو يوسف المدني، ثقة فاضل من صغار التاسعة، مات سنة ثمان ومائتين (208) روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا، وأتى بلفظة هو في قوله (وهو ابن إبراهيم بن سعد) إشعارًا بأن هذه النسبة إنما هي من زيادته، لا مما سمعه من شيخه، قال يعقوب (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، ثقة حجة، من الثامنة، مات سنة (183) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا.

(عن صالح) بن كيسان المدني، أبي محمد أو أبي الحارث الغفاري مولاهم، ثقة ثبت فقيه، من الرابعة مات سنة (140) روى عنه المؤلف في خمسة أبواب تقريبًا.

(عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) القرشي الزهري، أبي بكر المدني، ثقة ثبت حافظ متقن متفق على جلالته، من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (125) خمس وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا.

(قال) ابن شهاب (أخبرني عروة بن الزبير) بن العوام، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه من الثانية (أن حكيم بن حزام أخبره) أي أخبر لعروة بن الزبير، وهذا السند من سباعياته، رجاله كلهم مدنيون إلا الحلواني فإنه مكي، أو عبد بن حميد فإنه كسي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة صالح بن كيسان ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول، لأن يونس بن يزيد في روايته عن الزهري خطأ قليل، ومن لطائف هذا السند أنه اجتمع فيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، لأن فيه صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عروة، وقد قدمنا أمثال ذلك في بعض الأسانيد، وكرر متن الحديث هنا لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بالزيادة، وسوق بعض الكلمات.

(أنه) أي أن حكيم بن حزام (قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي رسول الله) أي يا رسول الله (أرأيت أمورًا) أي أخبرني عن أمورِ وأعمال كنت أتحنث) أي أتعبد وأتقرب (بها) إلى الله تعالى، وأحسن بها إلى الناس (في الجاهلية) أي في زمن

ص: 235

الْجَاهِلِيَّةِ؛ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ. أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيرٍ".

228 -

(00)(00) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،

ــ

جهلي بالله تعالى حالة كون تلك الأمور (من صدقة) أي من بذل مالٍ للمحتاج بلا عوض؛ تقربًا إلى الله تعالى (أو عتاقة) أي فك رقبة من الرق لوجه الله تعالى (أو صلة رحم) أي إعطاء مالٍ أو إحسان إلى ذي رحم وقرابة لغرض صلته، وتجنبًا من قطيعته (أفيها) بهمزة الاستفهام الاستخباري، أي هل في تلك الأمور التي فعلتها قبل إسلامي (أجر) لي وثواب عليها يا رسول الله (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت) على أن لك أجرًا (على ما أسلفت) وقدمت في الجاهلية (من) أعمال (خير) وبر فكما أن الإسلام يجب ما قبله من السيئات، يصحح ما قبله من الحسنات وقوله (أتحنث) قال الإمام المازري يقال: تحنث الرجل إذا فعل فعلًا خرج به عن الحنث، والحنث: الذنب، وكذلك تأثم إذا ألقى عن نفسه الإثم، ومثله تحرج وتحوب إذا فعل فعلًا خرج به عن الحرج والحوب، وفلان يتهجد إذا كان يخرج من الهجود، ويتنجس إذا فعل فعلًا يخرج به من النجاسة، وامرأة قذور إذا كانت تتجنب الأقذار، ودابة ريض إذا لم ترض، هذا كله عن الثعالبي، إلا تأثم فإنه عن الهروي، وأنشد غيرهما:

تجنبت إتيان الحبيب تأثمًا

ألا إن هجران الحبيب هو الإثم

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه فقال:

(22)

متا) (00)(00)(حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن راهويه المروزي، أبو يعقوب الحنظلي، ثقة ثبت قرين أحمد بن حنبل، من العاشرة مات سنة (238) روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا.

(و) حدثنا أيضًا (عبد بن حميد) بن نصر أبو محمد الكسي، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من إسحاق وعبد بن حميد (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع من التاسعة، مات سنة (211)

ص: 236

أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا

ــ

روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا، قال عبد الرزاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، أبو عروة البصري، أحد الأعلام، ثقة ثبت فاضل من كبار السابعة، مات سنة (154) روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم القرشي (الزهري) أبي بكر المدني، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بقوله: أخبرنا معمر، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع، أي أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد، يعني عن عروة عن حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله أشياء كنت أفعلها في الجاهلية الحديث الآتي، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد بصري، وواحد صنعاني، وواحد مروزي أو كسي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة معمر لصالح بن كيسان، أو ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، أو تقوية السند الأول أعني ليونس.

(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي أيضًا قال إسحاق (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير، الكوفي التميمي السعدي مولى أسعد بن زيد مناة، يقال: عمِيَ وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة (195) روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا.

قال أبو معاوية (حدثنا هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو المنذر المدني، ويقال: أبو عبد الله ثقة حجة فقيه، ربما دلس من الخامسة، مات سنة (145) وله (87) سنة، وتكلم فيه مالك وغيره، روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني (عن حكيم بن حزام) الأسدي المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد كوفي، وواحد مروزي، وغرضه بهذا التحويل بيان متابعة هشام بن عروة للزهري في رواية هذا الحديث عن عروة بن الزبير، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى.

(قال) حكيم بن حزام (قلت يا رسول الله) أرأيت (أشياء) وأمورًا (كنت أفعلها)

ص: 237

فِي الْجَاهِلِيَّةِ. (قَال هِشَامٌ: يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا) فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفتَ لَكَ مِنَ الْخَيرِ" قُلْتُ: فَوَاللهِ، لا أَدَعُ شَيئًا صنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلا فَعَلْتُ فِي الإِسْلامِ مِثْلَهُ.

229 -

(00)(00) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،

ــ

وأتبرر بها (في الجاهلية) قبل إسلامي، وأتى بجملة قوله (قال هشام) في روايته (يعني) حكيم بن حزام بقوله كنت أفعلها (أتبرر بها) أي أطلب بتلك الأشياء البر والتقرب إلى الله تعالى، والإحسان إلى الناس، إشارة إلى ما أدرجه هشام في وسط الحديث في تفسير التحنث، كما بين ما أدرجه الزهري في تفسيره في آخر الحديث بقوله (والتحنث التعبد) في الرواية الأولى كما مر هناك، لأن الإدراج عندهم ثلاثة أقسام: إدراج في أول الحديث، أو في وسطه أو في آخره كما بيناه بما لا مزيد عليه في الباكورة البيقونية (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام (أسلمت) وآمنت يا حكيم (على) أن جميع (ما أسلفت) وقدمت في الجاهلية من أعمال الشر يُجَبُّ عنك ويمحى، وعلى أن يكتب ويحسب (لك) جميع ما قدمته فيها (من الخير) والبر، قال حكيم (قلت) لنفسي (فوالله) أي فأقسمت بالله الذي لا إله غيره (لا أدع) ولا أترك (شيئًا) من الخير قد كنت (صنعته في الجاهلية) وفعلته فيها (إلا فعلت) وصنعت (في الإسلام مثله) أي مثل ذلك الذي فعلته في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة وغير ذلك.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه فقال:

(229)

- متا (00)(00)(حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي، قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه، وقال نفطويه اجتمع في مجلسه نحو ثلاثين ألفًا، وقال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (235) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو بكر (حدثنا عبد الله بن نمير) بالنون مصغرًا، الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من كبار التاسعة، مات سنة (199) تسع وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي، أبي

ص: 238

عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِسْلامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرِ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِ

ــ

المنذر المدني (عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني (أن حكيم بن حزام) الأسدي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان كوفيان، وغرضه بسوقه بيان متابعة عبد الله بن نمير لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن هشام، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للروايات السابقة.

(أعتق) أي فك عن الرق وحرر (في) زمن (الجاهلية مائة رقبة) أي مائة نسمة ونفس تقربًا إلى الله تعالى (وحمل) المحتاجين والفقراء وأركبهم (على مائة بعير) وجمل، والمعنى تصدق بها عليهم (ثم) أسلم و (أعتق في) زمن (الإسلام) أي بعد إسلامه (مائة رقبة) ونسمة، ليعاود عمله في الجاهلية (وحمل على مائة بعير) أي تصدق بها على الفقراء والمحتاجين، أو حمل الغزاة في سبيل الله تعالى على مائة بعير شكرًا على إنعام الله سبحانه إياه بنعمة الإسلام (ثم) بعد ما فعل هذا الخير العظيم (أتى) وجاء حكيم (النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره صلى الله عليه وسلم بما فعل في الجاهلية والإسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت لك من الخير وقوله (فذكر) عبد الله بن نمير (نحو حديثه) أي نحو حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة، معطوف على قوله حدثنا عبد الله بن نمير، وفي أكثر المتون والشراح (نحو حديثهم) بضمير الجمع، فهو تحريف من النساخ، والصواب ما قلنا بإفراد الضمير، ولا تقل أيها الطالب هذا ما وجدنا عليه آبآءنا، وأنصف ولا تتعسف، وإن أردت التيقن فانظر عبارة المفهم هنا، فنص عبارته "فذكر نحوه" بالإفراد، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أعني حديث حكيم بن حزام، أحمد (3/ 402 و 434) والبخاري (2538).

ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث حكيم بن حزام، وذكر فيه ثلاث متابعات.

***

ص: 239