المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌64 - (23) باب: شكاية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤاخذة على خطرات النفس، ونزول قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ٣

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌42 - (1) بَابُ: كَوْنِ الإيِمَان أَفْضَلَ الأعْمَالِ عَلَى الإِطْلَاقِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

- ‌43 - (2) بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوبِ، وَقُبْحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

- ‌44 - (3) - بَابُ: بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا

- ‌45 - (4) بَابُ: بَيَانِ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَالأمْرِ بِاجْتِنَابِهَا الَّذِي هُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ

- ‌46 - (5) بَابٌ: مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ

- ‌47 - (6) بَابُ: لا يدخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ كِبْرٌ

- ‌48 - (7) بَابُ: مَنْ مَاتَ مُؤمِنًا لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعَالى شَيئًا. . دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا. . دَخَلَ النَّارَ، وَبَيَان الْمُوجِبَتَينِ

- ‌49 - (8) بَابُ: ارْتِكَابِ الْمُؤْمِنِ الْكَبَائِرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الإِيمَانِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ

- ‌50 - (9) بَابُ: الاكْتِفَاءِ بِظَاهِرِ الإِسْلام، وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَمَّا فِي الْقُلُوبِ، وَتَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ بَعْدَ أَن قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

- ‌51 - (10) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ تبَرَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

- ‌52 - (11) بَابُ: إِيمَانِ النَّمَّامٍ، وَغِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ

- ‌53 - (12) بَابٌ: إِيمَانِ الْمُسْبِل إِزَارَهُ، وَالْمَانِّ بِصَدَقَتِهِ، وَالْمُنَفِّقِ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ تَعَالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِ

- ‌54 - (13) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ، وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِهِ فِي النَّارٍ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَغَيرِ ذَلِكَ

- ‌55 - (14) بَابُ: إِيمَانِ مَنْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ

- ‌56 - (15) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْقَتْلَ

- ‌57 - (16) بَابٌ مَا يُقْبَضُ عِنْدَهُ رُوحُ كُلِّ مُومِنٍ وَيَبْقَى بَعْدَهُ عَلَى الأَرْضِ شِرَارُ النَّاسِ

- ‌58 - (17) بَابٌ: مَا يُخَافُ مِنْ سُرْعَةِ سَلْبِ الإيمَانِ وَالْحَضِّ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ عَنْهَا

- ‌59 (18) - بَابٌ: مَخَافَةُ الْمُؤمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ مِنَ الإِيمَان

- ‌60 - (19) - بَابُ: إِسْلامِ مَنْ أَخْلَصَ فِي إِسْلامِهِ، وَمَنْ لَمْ يُخْلِصْ فِيهِ

- ‌61 - (20) بَابٌ: الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الْهِجْرَةُ وَالْحَجُّ

- ‌62 - (21) بَابُ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَأَحْسَنَ .. أَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ

- ‌63 - (22) بَابُ: إِطْلاقِ الظُّلْمِ عَلَى الشِّرْكِ، وَإِخْلاصِ الإِيمَان مِنْهُ

- ‌64 - (23) بَابُ: شِكَايَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى خَطَرَاتِ النَّفْسِ، وَنُزُولِ قَوْلهِ تَعَالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا}

- ‌65 - (24) بَابُ: تَجَاوُزِ اللهِ تَعَالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَخَوَاطِرِهَا

- ‌66 - (25) بَابُ: كِتَابَةِ الْحَسَنَةِ لِلْمُؤْمِنِ بِمُجَرَّدِ هَمِّهَا، وَعَدَمِ كِتَابَةِ السَّيِّئَةِ عَلَيهِ بِمُجَرَّدِ الْهَمِّ

- ‌67 - (26) بَابٌ: اسْتِعْظَامُ الْوَسْوَسَةِ فِي الإِيمَانِ مَحْضُ الإِيمَانِ وَصَرِيحُهُ وَخَالِصُهُ

- ‌68 - (27) بَابُ: التَّسَاؤُلِ عَمَّنْ خَلَقَ الْخَلْقَ، وَمَنْ خَلَقَ اللهَ، وَبَيَانِ مَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ

- ‌69 - (28) بَابُ إِثْمِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ

- ‌فصل في الأحكام التي تستفاد من أحاديث الباب

الفصل: ‌64 - (23) باب: شكاية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤاخذة على خطرات النفس، ونزول قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}

‌64 - (23) بَابُ: شِكَايَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى خَطَرَاتِ النَّفْسِ، وَنُزُولِ قَوْلهِ تَعَالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا}

232 -

(120)(43) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيشِيُّ (وَاللَّفْظُ لأُمَيَّةَ) قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ)

ــ

64 -

(23) بَابُ: شِكَايَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى خَطَرَاتِ النَّفْسِ، وَنُزُولِ قَوْلهِ تَعَالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا}

أي هذا باب معقود في بيان شكاية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤاخذة على خطرات النفس حين نزل قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} وبيان نزول قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} بعد شكايتهم من ذلك.

(232)

- س (120)(43)(حدثني محمد بن منهال الضرير) أبو عبد الله، أو أبو جعفر التميمي المجاشعي البصري، روى عن يزيد بن زريع في الإيمان وغيره، وأبي عوانة، وجعفر بن سليمان، وخلق، ويروي عنه (خ م د س) وأبو يعلى، ويوسف بن يعقوب القاضي، والدارمي، وأبو بكر الأثرم، وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (231) إحدى وثلاثين ومائتين (و) حدثنا أيضًا (أمية بن بسطام) بن المنتشر (العيشي) بتحتانية ثم معجمة، أبو بكر البصري، صدوق من العاشرة، مات سنة (231) إحدى وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء وغيرهما، وأتى بجملة قوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لأمية) بن بسطام، لا لمحمد بن منهال تورعًا من الكذب على محمد بن منهال، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال محمد بن منهال وأمية بن بسطام (حدثنا يزيد بن زريع) بزاي ثم راء مصغرًا التميمي العيشي بتحتانية أبو معاوية البصري، أحد الأئمة الأعلام، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (182) اثنتين وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، قال يزيد (حدثنا روح) بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث، بكسر المعجمة البصري، ثقة حافظ من السادسة، مات سنة (141) إحدى وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في أحد عشر بابًا تقريبًا، وأتى بجملة قوله (وهو ابن القاسم) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من

ص: 245

عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ}

ــ

شيخه (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم، أبي شبل المدني، صدوق ربما وهم من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في أربعة أبواب تقريبًا (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم، أبي العلاء المدني، ثقة من الثالثة، روى عن أبي هريرة في الإيمان وغيره، ويروي عنه (م عم) وابنه العلاء، ومحمد بن إبراهيم النخعي (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون، وثلاثة مدنيون (قال) أبو هريرة (لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية ({لِلَّهِ}) سبحانه وتعالى خلقًا ومِلكًا ومُلكًا جميع ({مَا فِي السَّمَاوَاتِ}) السبع {وَ} جميع ({مَا فِي الْأَرْضِ}) وما بينهما من العقلاء وغيرهم، قال القرطبي: و (ما) هذه بمعنى الذي، وهي متناولة لمن يعقل وما لا يعقل، وهي هنا عامة لا تخصيص فيها بوجه، لأن كل من في السموات ومن في الأرض وما فيهما وما بينهما خلق الله سبحانه وتعالى وملك لله تعالى ({وَإِنْ تُبْدُوا}) أي تُظهروا ({مَا فِي أَنْفُسِكُمْ}) وقلوبكم من الخطرات لغيركم أيها العباد ({أَوْ تُخْفُوهُ}) أي أو تخفوا ما في أنفسكم من الخواطر أي تسروه عن غيركم من العباد ({يُحَاسِبْكُمْ}) أي يؤاخذكم ({بِهِ}) أي بما في أنفسكم ({اللَّهُ}) سبحانه وتعالى ({فَيَغْفِرُ}) سبحانه وتعالى تلك الخطرات ({لِمَنْ يَشَاءُ}) الغفران له ({وَيُعَذِّبُ}) عليها ({مَنْ يَشَاءُ}) تعذيبه ({وَاللَّهُ}) سبحانه وتعالى ({عَلَى كُلِّ شَيءٍ}) شاءه من التعذيب والغفران ({قَدِيرٌ}) أي قادر، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه يفعل ما يشاء في عباده.

قال القرطبي: و (ما) هذه أيضًا على عمومها، فتتناول كل ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر ما يطيق دفعه منها وما لا يطيق، ولذلك أشفقت الصحابة رضي الله تعالى عنهم من محاسبتهم على جميع ذلك، ومؤاخذتهم به، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: كلفنا ما نطيق الصلاة والصيام وغيرهما كالصدقة وهذه الآية لا نطيقها، ففيه دليل على أن موضوع ما للعموم، وأنه معمول به فيما طريقه الاعتقاد، كما هو معمول به فيما طريقه العمل، وأنه لا يجب التوقف فيه إلى البحث عن المخصص، بل يبادر إلى اعتقاد الاستغراق فيه وإن جاز التخصيص. انتهى.

ص: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إيضاح معنى الآية

{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} من الأمور الداخلة في حقيقتهما، والخارجة عنهما، المتمكنة فيهما من أولي العلم وغيره، أي كل ما فيهما خلقا ومِلكًا وتصرفًا له تعالى، لا شركة لغيره في شيء منهما بوجه من الوجوه، فلا يعبد فيهما سواه تعالى، ولا يعصى فيما يأمر وينهى، فلا تعبدوا أحدًا سواه، ولا تعصوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه، وله تعالى أن يُلزم من شاء بما شاء من التكاليف.

{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} أي وإن تُظهروا ما في قلوبكم من السوء والعزم عليه، وذلك بالقول أو بالفعل.

{أَوْ تُخْفُوهُ} أي تكتموا ما في قلوبكم عن الناس، ولم تظهروه لهم بالقول أو بالفعل.

{يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} أي يجازكم الله سبحانه به يوم القيامة، لأن الإبداء والإخفاء عنده سيان لأنه تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالمعول عليه في مرضاته تزكية النفوس، وتطهير السرائر، لا لوك اللسان وحركات الأبدان.

والمراد بقوله {مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} الأشياء التي لها قرار في أنفسكم، وعنها تصدر أعمالكم كالحقد والحسد ونحوهما، ذاك أن الخواطر والهواجس قد تأتي بغير إرادة الإنسان، ولا يكون لها أثر في نفسه، ولا ينتج منها فعل يكون مترتبًا عليها، لكنه إذا استرسل معها حُسبت عليه.

عملًا يُجازى به، لأنه مشى معها قدمًا باختياره، وقد كان يستطيع مطاردتها وجهادها، فالمظلوم مثلًا يذكر ظالمه فيشتغل فكره في دفع ظلمه والهرب من أذاه، وربما استرسل مع خواطره إلى أن تجره إلى تدبير الحيل للإيقاع به، ومقابلة ظلمه بما هو شر منه، فيكون مؤاخذًا عليه أبداه أو أخفاه.

وصفة الحسد تبعث في نفس الحاسد خواطر الانتقام من المحسود، والسعي في إزالة نعمته، وهذه الخواطر مما يحاسب الحاسد عليها أبداها أو أخفاها، وهكذا يقال في كل أعمال القلب التي أمرنا الشارع بجهادها ومقاومتها، مما هو أثر لأخلاق وملكات وعزائم قوية تنشأ عنها أعمال هي آثار لها؛ إذا انتفت الموانع وتركت المجاهدة.

ومحاسبة الله عباده أن يريهم أعمالهم الظاهرة والباطنة، ويسألهم لم فعلوها، ثم

ص: 247

قَال: فَاشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ

ــ

إن شاء غفر وإن شاء عذب، فمن لم تصل أعماله المنكرة إلى أن تكون ملكات له، فالله يغفرها له، ومن تكون كذلك فالله يعاقبه عليها، وهو المختار يفعل ما يشاء كما قال {فَيَغْفِرُ} أي فهو يغفر بفضله {لِمَنْ يَشَاءُ} أن يغفر له، وإن كان ذنبه كبيرًا و {وَيُعَذِّبُ} بعدله {مَنْ يَشَاءُ} أن يعذبه وإن كان ذنبه حقيرًا، حسبما تقضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، ويعذب الكفار لا محالة، لأنه لا يغفر الشرك، وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه، والذنب المغفور هو الذي يُوفق صاحبه لعملٍ صالحٍ يغلب أثره في النفس، وليس الأمر كما يزعم الجاهلون: أن الأمور فوضى، والكيل جزاف، فيقيمون على الذنوب، ويُصرون عليها ويمنون أنفسهم بالمغفرة {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} فكمال قدرته تعالى على جميع الأشياء موجب لقدرته تعالى على ما ذكر من المحاسبة، وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب.

(قال) أبو هريرة (فاشتد ذلك) المذكور في هذه الآية من المحاسبة على ما في أنفسهم سواء أبدوه أو أخفوه، قال المازري: اشتد عليهم لظنهم أنهم كلفوا بالتحفظ من الخطرات، والتكليف بذلك من تكليف ما لا يطاق، لأن الخطرات لا يقدر على دفعها، فإن كان هذا هو المراد فالحديث يدل على أنهم كلفوا بما لا يطاق، وهو عندنا جائز، وإنما اختلف في وقوعه اهـ.

قال النواوي: ولفظة (قال) مكررة مع الأولى، وإنما أعادها لطول الكلام، والفاء في قوله (فاشتد ذلك) زائدة في جواب لما.

ولفظ رواية أحمد في مسنده: عن أبي هريرة قال: "لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" بحذف قال، وإسقاط الفاء.

أي شق ذلك الذي نزل وثقل (على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاؤوا مجلسه (ثم بركوا) أي جلسوا (على الركب) تأدبًا في حضرته صلى الله عليه وسلم، والركب جمع ركبة وهي المفصل بين الساق

ص: 248

فَقَالُوا: أَي رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ. الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا. قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَتُرِيدُونَ

ــ

والفخذ، أي جلسوا جاعلين سوقهم تحت أفخاذهم، مقدمين ركبهم، جلسة المتأدبين عند الأكابر، ولفظ رواية أحمد ثم جثوا على الركب، ثم شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما نزل في هذه الآية (فقالوا) أي فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شكايتهم من ذلك (أي رسول الله) أي: حرف نداء لنداء القريب (كلفنا من الأعمال ما نطيق) أي كلفنا الله سبحانه وتعالى وأمرنا قبل نزول هذه الآية بما نطيق ونقدر عليه من الأعمال والطاعات التي هي (الصلاة والصيام والجهاد والصدقة) وقوله (ما نطيق) ما فيه اسم موصول في محل النصب على أنه مفعول ثانٍ لكُلِّف، أو على نزع الخافض كما قدرنا، وقوله (الصلاة) وما بعدها بالنصب على أنه بدل من ما الموصولة، وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدرنا (وقد أنزلت عليك) الآن (هذه الآية) يعني قوله:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} الآية (ولا نطيقها) أي ولا نطيق ولا نقدر تحمل ما فيها من اجتناب هواجس النفس وخطراتها فادع الله لنا أن يسامح لنا ما فيها من المحاسبة على خواطر النفس، ولفظ أحمد "وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها".

قال المراغي: إنما قالوا ذلك لأنهم قد دخلوا في الإسلام وكثير منهم تربوا في حجر الجاهلية وانطبعت في نفوسهم أخلاقها، وأثرت في قلوبهم عاداتها، وكانوا يتطهرون منها بالتدريج بهدي الرسول ونور القرآن، فلما نزلت هذه الآية خافوا أن يؤاخذوا على ما كان باقيًا في أنفسهم من العادات الأولى، وكانوا يحاسبون أنفسهم لاعتقادهم النقص، وخوفهم من الله عز وجل، فأخبرهم الله تعالى بأنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذها إلا على ما كلفها، وهم مكلفون بتزكية أنفسهم ومجاهدتها بقدر الطاقة، وطلب العفو عما لا طاقة لهم به.

وقد يكون بعضهم خاف أن تدخل الوسوسة والشبهة قبل التمكن من دفعها فيما تشمله الآية، فكان ما بعدها مبينًا لغلطهم في ذلك اهـ.

ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول منهم أجابهم بأن (قال) لهم (رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون) أي هل تريدون وتقصدون بذلك القول -بهمزة

ص: 249

أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَال أَهْلُ الْكِتَابَينِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَينَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ" قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ. فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا:

ــ

الاستفهام الإنكاري (أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم) التوراة والإنجيل، وفي لفظ أحمد "كما قال أهل الكتاب من قبلكم" أي أتقصدون بقولكم لي هذا القول كما قالت اليهود والنصارى لأنبيائهم من قبلكم حين كلفوا بأوامر ونواهٍ (سمعنا) ما قلتم لنا بآذاننا (وعصينا) أي خالفناكم فيما قلتم (بل) خالفوهم و (قولوا سمعنا) ما قلت لنا يا ربنا (وأطعنا) أي امتثلنا أوامرك يا إلهنا، وهب لنا (غفرانك) يا (ربنا) ومولانا فيما قصرنا في حقوقك الذي منه الشكاية من هذه الآية (وإليك) لا إلى غيرك (المصير) أي مصيرنا ومرجعنا للمحاسبة والمجازاة.

والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ما فهموه من الآية الأولى، وبين لهم أن لله تعالى أن يكلف عباده بما يطيقونه وبما لا يطيقونه، ونهاهم عن أن يقع لهم شيء مما وقع لضُلَّال أهل الكتاب من المخالفة، وأمرهم بالسمع والطاعة والتسليم لأمر الله تعالى على ما فهموه، فسلم القوم لذلك، وأذعنوا ووطنوا أنفسهم على أنهم كُلفوا في الآية بما لا يطيقونه، واعتقدوا ذلك، فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقول ذلك (قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) وفي لفظ أحمد إسقاط هذا المكرر (فلما اقترأها) أي قرأ تلك الآية (القوم) من الأصحاب الذين شكوا منها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الآية، وافتعل هنا بمعنى الثلاثي أتى به للمبالغة و (ذلت) أي لانت وخضعت والتذت (بها) أي بقراءة تلك الآية التي شكوا منها (ألسنتهم) أي ألسنة القوم الذين شكوا منها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذعنت بها وأيقنت بها قلوبهم يعني آية {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} وقوله (ذلت بها ألسنتهم) معطوف بعاطف مقدر كما قدرناه على اقترأها القوم، على كونه فعل شرط للما، وجوابها قوله (فأنزل الله) سبحانه وتعالى (في إثرها) أي عقب تلك الآية التي شكوا منها، يعني قوله:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} والفاء زائدة في جواب لما، أي فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم، وأذعنت بها قلوبهم، أنزل الله تعالى في إثرها قوله:{آمَنَ الرَّسُولُ} إلخ ولفظ أحمد "فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها" وفي هامش بعض نسخ المتون قوله (فلما اقترأها ذلت بها ألسنتهم أنزل الله) كذا في

ص: 250

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ

ــ

جميع النسخ التي عندنا، وفي تفاسير ابن كثير والنيسابوري والخازن "فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها" إلخ، والمعنى (فلما قرأها القوم وارتاضت بالاستسلام لذلك ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها) إلخ وهذا كلام مستقيم حسن، وأما بدون العاطف فلا يستقيم إلا بوجود الفاء في أول أنزل، ولهذا زدناها عليه، كما هو المطبوع في المتن المصري، وفي المتن الذي تضمنه شرح النووي وغيره اهـ ما في الهامش.

قوله (فأنزل الله في إثرها) أي عقب تلك الآية التي شكوا منها وهي قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية، وهو بفتح الهمزة والثاء، وبكسر الهمزة مع إسكان الثاء لغتان اهـ نووي ({آمَنَ الرَّسُولُ}) أي صدق الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم ({بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ}) أي بكل ما جاء به الوحي من ربه من العقائد والأحكام، تصديق يقين واطمئنان، وتخلق به، كما قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -:"كان خلقه القرآن"({وَالْمُؤْمِنُونَ}) أي الفريق المعروفون بهذا الاسم، وهو مبتدأ أول ({كُلٌّ}) مبتدأ ثان ({آمَنَ}) خبره، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والرابط بينهما الضمير الذي ناب التنوين منابه، وتوحيد الضمير في آمن مع رجوعه إلى المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد منهم، من غير اعتبار الاجتماع، وهذا التركيب إذا وقفنا على قوله من ربه وجعلنا قوله والمؤمنون كلامًا مستأنفًا، واختاره أبو السعود، ويجوز أن يكون قوله والمؤمنون معطوفًا على الرسول فيوقف عليه، والضمير الذي عوض عنه التنوين راجع إلى المعطوفين معًا، والمعنى آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ثمَّ فصل ذلك، وقال كل واحد من الرسول والمؤمنين أومن بالله خلا أنَّه قدم المؤمن به على المعطوف اعتناءً بشأنه وإيذانًا بأصالته صلى الله عليه وسلم في الإيمان به.

أي كل واحد منهم آمن ({بِاللَّهِ}) سبحانه وتعالى وحده من غير شريك له في الألوهية والمعبودية ({وَمَلَائِكَتِهِ}) من حيث إنهم عباد مكرمون له تعالى من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتاب وإلقاء الوحي ({وَكُتُبِهِ}) بتصديق أنَّه من عند الله تعالى وتحليل ما أحله وتحريم ما حرمه ({وَرُسُلِهِ}) باتباعهم وطاعتهم ولم يذكر الإيمان باليوم الآخر لاندراجه في الإيمان بكتبه.

ص: 251

{لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالى. فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا

ــ

أي كل آمن برسله قائلين ({لَا نُفَرِّقُ}) ولا نميز ({بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}) أي بين آحاد الرسل بأن نؤمن ببعضهم ونكفر ببعض؛ كما قال اليهود والنصارى و (أحدٌ) هنا بمعنى الجمع أي الآحاد، فلذلك أضيف إليه بين لأنه لا يضاف إلا إلى متعدد، والأحد وضع لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد، والواحد أيضًا الذي لا نظير له، والوحيد الذي لا نصير له قوله ({وَقَالُوا}) معطوف على آمن، وصيغة الجمع باعتبار المعنى، وهو حكاية لامتثالهم الأوامر إثر حكاية إيمانهم، أي قال كل منهم ({سَمِعْنَا}) أي فهمنا ما جاءنا من الحق، وتيقنا بصحته ({وَأَطَعْنَا}) ما فيه من الأوامر والنواهي، قيل لما نزلت هذه الآية قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك غسل تعط فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ({غُفْرَانَكَ رَبَّنَا}) أي اغفر لنا غفرانك ربنا، نظير قوله {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4] أي فاضربوا، أو نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة، أو ما لا يخلو عنه البشر من التقصير في مراعاة حقوقك، وهذا الوجه أولى لئلا يتكرر الدعاء بقوله في آخر السورة {وَاغْفِرْ لَنَا} [البقرة: 286] فمسؤولهم هنا الغفران المعلق بمشيئته تعالى في قوله (فيغفر لمن يشاء) في الآية الأولى، وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران، لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول ({وَإِلَيكَ}) ربنا ({الْمَصِيرُ}) أي المرجع، أي الرجوع بالموت والبعث إليك لا إلى غيرك.

(فلما فعلوا) أي فعل القوم (ذلك) السمع والطاعة والاستسلام لما شكوا عنه من موجب الآية الأولى بقولهم: سمعنا وأطعنا غفرانك، وقرأوا هذه الآية الثانية (نسخها الله) سبحانه و (تعالى)، أي نسخ الآية الأولى، يعني قوله تعالى:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] أي رفع عنهم موجبها ومقتضاها تهوينًا للخطب عليهم، ببيان أن المراد بما في أنفسهم ما عزموا عليه من السوء خاصة، لا ما يعم الخواطر التي لا يستطاع الاحتراز عنها (فأنزل الله) في نسخها (عز) أي اتصف بجميع الكمالات (وجل) أي تنزه عن جميع النقائص، قوله ({لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا}) أي لا يلزم الله نفسًا من النفوس ({إلا وُسْعَهَا}) أي إلا ما تطيق عليه، ويتيسر لها فضلًا منه

ص: 252

لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قَال: "نَعَمْ"

ــ

ورحمة، والتكليف: إلزام ما فيه كلفة ومشقة، والوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، وهذا إخبار من الله تعالى بعد تلقيهم تكاليفه بالسمع والطاعة والاستسلام بآثار فضله ورحمته لهم، إذ كلفهم بما يسهل عليهم ولا يصعب عليهم عمله، وفيه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير، وبتيسير ما ربما يُفهم من الآية السابقة {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} إلخ، من المشقة والتعسير ({لَهَا}) أي للنفس ثواب ({مَا كَسَبَتْ}) من الخير الذي كلفت فعله، لا لغيرها استقلالًا أو اشتراكًا ({وَعَلَيهَا}) لا على غيرها بأحد الطريقين المذكورين عقاب ({مَا اكْتَسَبَتْ}) من الشر الذي كلفت تركه، وأضاف الاكتساب إلى الشر لبيان أن النفس مجبولة على فعل الخير والشر، تفعل بالتكلف والتأسي بالناس، ألا ترى أن الطفل ينشأ على الصدق؛ حتى يسمع الكذب من الناس فيتعلمه؛ وهو يشعر بقبحه وقد بسطنا الكلام في هذه الآيات في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان" ومن أراد الخوض فيها فليراجعه.

وقولوا يا عبادي في دعائكم إياي ({رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا}) أي لا تعاقبنا بما صدر منا بالنسيان أو الخطأ ({إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}) أي إن قصرنا في تكاليفك بالنسيان والخطأ الناشئين عن تفريط وقلة مبالاة، والفرق بينهما أن النسيان ضد العمد، والخطأ ضد الصواب، فيقارنه العمد، كما إذا رمى إنسانٌ صيدًا عمدًا فأخطأ وأصاب إنسانًا فقتله فهذا يُسمى خطأ عمدٍ، وقد بحثنا عن جميع ذلك في تفسيرنا فراجعه.

وقوله (قال) الله سبحانه مجيبًا لهم دعاءهم (نعم) أي أجبت لكم دعاءكم فلا نؤاخذكم بالنسيان والخطأ، جواب لشرط محذوف، معلوم من السياق، تقديره فلما قال القوم: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، قال الله تعالى مجيبًا لهم: نعم، أي أجبت لكم دعاءكم هذا.

وعبارة المفهم هنا و (نعم) حرف جواب، وهو هنا إجابة من الله سبحانه، لما دعوا به من ترك المؤاخذة، كما قال في الرواية الأخرى عن ابن عباس (قد فعلت) بدل قوله هنا (نعم) وهو إخبار من الله تعالى أنَّه أجابهم في تلك الدعوات، فكل داعٍ يشاركهم في إيمانهم وإخلاصهم واستسلامهم أجابه الله تعالى كإجابتهم؛ لأنَّ وعده تعالى صدق وقوله حق، وكان معاذٌ يختم هذه السورة بآمين كما يختم الفاتحة بها، وهو حسن، رواه أبو

ص: 253

{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قَال: "نَعَمْ"{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قَال: "نَعَمْ"{وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] قَال: "نَعَمْ"

ــ

عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر "الدر المنثور 2/ 137).

وقولوا يا عبادي ({رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا}) أي حملًا ثقيلًا، يأصر صاحبه أي يحبسه في مكانه والمراد به التكاليف الشاقة ({كَمَا حَمَلْتَهُ}) أي كما حملت الإصر ({عَلَى}) الأمم ({الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}) أي ربنا لا تكلفنا ما يشق علينا فعله كما كلفت من قبلنا من الأمم الذين بعثت فيهم الرسل كبني إسرائيل، إذ كان يجب عليهم قطع موضع النجاسة من الثوب إذا تنجس وكانوا يدفعون ربع المال زكاة، إلى غير ذلك من تكاليفهم، وفي تعليمنا هذا الدعاء بشارة بأنه لا يكلفنا ما يشق علينا كما صرح ذلك في قوله:{وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] فلما قال القوم هذا الدعاء (قال) الله سبحانه وتعالى (نعم) أي أجبت لكم دعاءكم هذا، فلا أحمل عليكم إصرًا، وقولوا يا عبادي أيضًا ({رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}) من العقوبات، أو من البلايا والمحن، ولا ما يشق علينا من الأحكام، فلما قال القوم ذلك (قال) الله سبحانه (نعم) أي أجبت لكم دعاءكم هذا فلا أحملكم ما لا طاقة لكم به، وقولوا يا عبادي ({وَاعْفُ عَنَّا}) أي وامح عنا آثار ذنوبنا فلا تعاقبنا عليها ({وَاغْفِرْ لَنَا}) أي واستر لنا عيوبنا وذنوبنا عن أعين الملائكة، ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد ({وَارْحَمْنَا}) أي تعطف بنا وتفضل علينا برحمتك الواسعة، وتقديم طلب العفو والمغفرة على طلب الرحمة، لما أن التخلية مقدمة على التحلية ({أَنْتَ مَوْلَانَا}) أي مالكنا، ومتولي أمورنا أو ناصرنا ({فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}) أي أعنا عليهم بإقامة الحجة عليهم، والغلبة عليهم حين قتالهم، أو ادفع عنا شرهم وكيدهم، فإن من حق المولى أن ينصر عبده، ومن يتولى أمره على الأعداء، فلما قال القوم هذا الدعاء (قال) الله سبحانه وتعالى لهم (نعم) أي أجبت لكم دعاءكم هذا.

وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - شارك المؤلف في روايته أحمد فقط (2/ 412).

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى له بحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فقال:

ص: 254

233 -

(121)(44) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ (قَال إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ، قَال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

ــ

(233)

- ش (121)(44)(حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (235) روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا (أبو كريب) محمَّد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي ثقة حافظ من العاشرة، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا.

(و) حدثنا أيضًا (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، المعروف بابن راهويه، ثقة حافظ فقيه، من العاشرة، روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه وأتى المؤلف بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (لأبي بكر) لا لأبي كريب، ولا لإسحاق تورعًا من الكذب عليهما، وأتى بقوله (قال إسحاق أخبرنا، وقال الآخران) أبو بكر وأبو كريب (حدثنا) لبيان اختلاف كيفية سماعهم أي قال كل من الثلاثة روى لنا (وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة مات سنة (196) روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابًا تقريبًا.

(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري، أبي عبد الله الكوفي، ثقة إمام حجة من السابعة، مات سنة (161) روى عنه المؤلف في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا (عن آدم بن سليمان مولى خالد) بن خالد بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي مولاهم، أبي يحيى بن آدم الكوفي، ولم يدركه ابنه، روى عن سعيد بن جبير في الإيمان، وعطاء ونافع وآخرين، ويروي عنه (م ت س) والثوري وشعبة وإسرائيل، وثقه النسائي، وله في مسلم فرد حديث في الإيمان، وقال في التقريب: من السابعة، وليس في مسلم من اسمه آدم إلا هذا الصدوق (قال) آدم بن سليمان (سمعت سعيد بن جبير) بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، مولى بني والبة بن الحارث من بني أسد، أبا عبد الله الكوفي، ثقة إمام حجة من الثالثة، مات سنة (95) كهلًا، قتله الحجاج فما أُمهل بعده، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (يُحدث عن) عبد الله (بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، أبي العباس الطائفي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم حبر الأمة، وترجمان

ص: 255

قَال: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284]. قَال: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيءٍ. فَقَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا" قَال: فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قَال: قَدْ فَعَلْتُ {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى

ــ

القرآن، له ألف حديث وستمائة وستون حديثًا اتفقا على خمس وسبعين حديثًا، وانفرد (خ) بثمانية وعشرين حديثًا، ومسلم بتسعة وأربعين حديثًا.

وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم كوفيون إلا ابن عباس فإنَّه طائفي، وإلا إسحاق بن إبراهيم فإنَّه مروزي، ذُكر مقارنة (قال) ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - (لما نزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى ({وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}) وقوله (قال) ابن عباس توكيد لفظي لقال الأول، وقوله (دخل قلوبهم) أي قلوب الأصحاب جواب لـ (لَمَّا) أي قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية دخل قلوبهم (منها) أي من مقتضى هذه الآية (شيء) من الخوف والهم (لم يدخل قلوبهم) قبل (من شيء) أي شيء مثله من المخاوف فمن زائدة، وقوله ثانيًا قلوبهم إظهار في مقام الإضمار، و (من) في قوله من شيء زائدة في الفاعل لوقوعها بعد النفي، والمعنى دخل قلوبهم منها شيء من الخوف، لم يدخلها قبل ذلك شيء مماثل له من الخوف، أي دخلها شيء شديد من الخوف لم يروا مثله قبل ذلك، فشكوا منها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فقال) لهم (النبي صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا) كتابك (وأطعنا) رسولك (وسلمنا) أوامرك (قال) ابن عباس (فألقى الله الإيمان) والتصديق (في قلوبهم) وألهمها القبول والاستسلام (فأنزل الله) سبحانه و (تعالى) في إثر ذلك قوله ({لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ}) ولا يلزم ({نَفْسًا}) من النفوس ({إلا وُسْعَهَا}) وطاقتها ({لَهَا مَا كَسَبَتْ}) أي جزاء ما فعلته من الخيرات لا لغيرها ({وَعَلَيهَا}) لا على غيرها عقاب ({مَا اكْتَسَبَتْ}) وافتعلت من الشر ({رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا}) ولا تعاقبنا ({إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}) أي قصرنا في حقوقك بالنسيان والخطأ فلما قالوا هذا الدعاء (قال) الله سبحانه وتعالى لهم (قد فعلت) وأجبت لكم دعاءكم يا عبادي، ثمَّ قالوا ({رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا}) أي تكاليف شاقة ({كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى

ص: 256

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} - قَال: قَدْ فَعَلْتُ {وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا} [البقرة: 286] قَال: قَدْ فَعَلْتُ

ــ

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}) من الأمم السابقة، فلما قالوا هذا الدعاء (قال) الله سبحانه وتعالى لهم (قد فعلت) وأجبت لكم دعاءكم، ثمَّ قالوا ({وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}) فلما قالوا هذا الدعاء (قال) الله عز وجل (قد فعلت) وأجبت لكم دعاءكم.

وهذا الحديث أعني حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - شارك المؤلف رحمه الله تعالى في روايته الترمذي والنسائيُّ في الكبرى جميعًا في التفسير عن أبي بكر، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ومحمود بن غيلان أربعتهم عن وكيع عن سفيان، وقال الترمذي: حديث حسن.

***

ص: 257