الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول
المراد بأسباب النُّزول
نزول القرآن لا يخرج عن قسمين:
الأول: أن لا يكون له سبب مباشر، بل ينْزل حسب الحاجة والمصلحة.
الثاني: أن يقع حدث فينْزل قرآن بشأنه، وهذا هو المراد بأسباب النُّزول.
وهذا الحدث يشمل كل قول أو فعل، أو سؤال وقع ممن عاصروا التنْزيل، ونزل القرآن بسببهم.
ويمكن صياغة أسباب النُّزول كالآتي: كل قول أو فعل أو سؤالٍ ممن عاصروا التنْزيل نزل بشأنه قرآن (1).
• ومن أمثلة القول:
ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأُعَفِّرن وجهه في التراب.
قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي؛ زعم ليطأ على رقبته.
قال: فما فَجَأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: فقيل له: مَا لَكَ؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحةً.
(1) ينظر: المحرر في أسباب النزول، للدكتور خالد المزيني (1:105).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً» .
قال: فأنزل الله عز وجل لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه ـ {كَلَاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى *أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى *إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى *أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى *عَبْدًا إِذَا صَلَّى *أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى *أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى *أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى *أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى *كَلَاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ *نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ *فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ *سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ *كَلَاّ لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 6 - 19]» (1).
• ومن أمثلة الفعل:
ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]» (2).
• ومن أمثلة السؤال:
ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، قال:«أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ..} إلى آخر الآية [البقرة: 222]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» ، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه» (3).
ولا يلزم أن يكون النُّزول عقب الحدث مباشرة، فقد يتأخَّر؛ كحادثة الإفك، لكن لا يصحُّ أن يكون النُّزول قبل الحدث، فهذا لا يدخل في أسباب النُّزول، بل يدخل في الإخبار عن المغيبات، كما ورد في تفسير قوله تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ *سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}
(1) صحيح مسلم برقم (2797).
(2)
صحيح البخاري برقم (1523).
(3)
صحيح مسلم برقم (302).
[القمر: 44 - 45]، قال ابن أبي حاتم (1): حدثنا أبي حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد عن أيوب عن عكرمة قال: «لما نزلت {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} قال عمر: أيُّ جمعٍ يُهزم؟ أيُّ جمعٍ يُغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فعرفت تأويلها يومئذ» .
فسورة القمر مكية، والحدث الذي أشارت إليه مدني، فهو من باب الإخبار بالمغيَّب فحسب، والله أعلم.
فائدة:
مما يحسن ملاحظته أن ترتيب السور والآيات لم يكن على ترتيب نزولها، بل تنْزل الآيات على الأسباب خاصة، وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبها من الآي رعاية لنظم القرآن وحسن السياق (2)، وهاهنا قاعدة لطيفة ذكرها الزركشي (ت794هـ)، قال: «
…
الزمان إنما يشترط في سبب النُّزول، ولا يشترط في المناسبة؛ لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها» (3).
(1) أورده ابن كثير في تفسيره (1:481) تحقيق: سامي السلامة.
(2)
ينظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي (1:25).
(3)
البرهان في علوم القرآن، للزركشي (1:26).