المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثانياصطلاحات الضبط لمصحف المدينة النبوية - المحرر في علوم القرآن

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌تصدير

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌الفصل الأولمفهوم علوم القرآن

- ‌أولاً: معنى (علوم):

- ‌ثانياً: معنى (القرآن):

- ‌المراد بعلوم القرآن:

- ‌الفصل الثانينشأة علوم القرآن

- ‌نشأة علوم القرآن

- ‌تدوين علوم القرآن:

- ‌المرحلة الأولىبذور هذا العلم منذ نشأته إلى نهاية القرن الثاني

- ‌المرحلة الثانيةالجمع الجزئي لعلوم القرآن من القرن الثالث إلى ظهور كتاب «البرهان في علوم القرآن» للزركشي

- ‌المرحلة الرابعةما بعد «الإتقان» للسيوطي

- ‌الفصل الثالثالفرق بين علوم القرآن وأصول التفسير

- ‌الباب الثانينزول القرآن وجمعه

- ‌المبحث الأولكيفية الوحي

- ‌المبحث الثانيأنواع الوحي

- ‌الفصل الثانينزول القرآن

- ‌المبحث الأولابتداء النُّزول وكيفيته

- ‌المبحث الثانيأول ما نزل من القرآن

- ‌المبحث الثالثنزول القرآن على سبعة أحرف

- ‌ علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:

- ‌نزول القرآن على سبعة أحرف

- ‌الفصل الثالثالمكي والمدني

- ‌المبحث الأولطرق تعبير السلف عن النُّزول

- ‌المبحث الثالثفوائد معرفة المكي والمدني

- ‌الفصل الرابعأسباب النُّزول

- ‌المبحث الأولالمراد بأسباب النُّزول

- ‌المبحث الثانيقصص القرآن وأسباب النُّزول

- ‌المبحث الثالثصيغ عبارات أسباب النُّزول

- ‌المبحث الرابعفوائد أسباب النُّزول

- ‌المبحث الخامسقواعد في أسباب النُّزول

- ‌الفصل الخامسجمع القرآن

- ‌المبحث الأولالجمع في الصدور

- ‌المبحث الثانيالجمع في السطور

- ‌ المرحلة الثالثة *في عهد عثمان رضي الله عنه

- ‌الباب الثالثعلوم السور

- ‌الفصل الأولأسماء السُّور

- ‌الفصل الثانيعدد آي السور

- ‌الفصل الثالثفضائل السور

- ‌الفصل الرابعترتيب السور

- ‌الفصل الخامسموضوعات السور ومقاصدها

- ‌الباب الرابعالمصحف…عناية الأمة

- ‌الفصل الأولعناية العلماء بالمصحف

- ‌المبحث الأولتسمية المصحف

- ‌المبحث الثانيرسم المصحف

- ‌المبحث الثالثضبط المصحف

- ‌المبحث الرابعتجزئة المصحف

- ‌المبحث الخامسوقوف المصحف ورموزها

- ‌المبحث الأولالتعريف بالمصحف من حيث العلماء والمصادر التي اعتمدتها اللجنة

- ‌المبحث الثانياصطلاحات الضبط لمصحف المدينة النبوية

- ‌الخاتمة

- ‌ملحق: جدول العلاقات بين أنواع علوم القرآن

- ‌المراجع

الفصل: ‌المبحث الثانياصطلاحات الضبط لمصحف المدينة النبوية

‌المبحث الثاني

اصطلاحات الضبط لمصحف المدينة النبوية

إن تتبع موضوع ضبط المصاحف يحتاج إلى استقراءٍ واطلاع على كثير من المصاحف (1) وكتب الضبط التي كتبها العلماء، والمقصود من عرض موضوع الضبط أن يطلع المتخصص في علوم القرآن ـ وخصوصاً الذين لهم علاقة بالإقراء ـ على المراحل التي مرَّ بها المصحف حتى وصلنا بهذه الصورة التامة في الضبط.

وأشهر مصحفين برواية حفص عن عاصم هما المصحف المصري المعروف بمصحف الملك فؤاد، ومصحف المدينة النبوية الذي طُبِع في مجمع الملك فهد، وقد لقي هذان المصحفان عناية فائقة، ويتميز مصحف المدينة النبوية باستدراكاته على مصحف الملك فؤاد، فكان بذلك أجود.

وسأستعرض (اصطلاح الضبط) التي قامت بها اللجنة العلمية الثانية لمصحف المدينة النبوية التي كانت برئاسة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي.

1 -

قالت اللجنة: «وضع دائرة خالية الوسط هكذا (°) فوق أحد أحرف العلة الثلاثة المزيدة رسماً يدلّ على زيادة ذلك الحرف، فلا ينطق به

(1) يمكن أن يقوم الطالب بموازنة في الضبط بين المصاحف التي هي برواية حفص عن عاصم، وكذا يوازنها بضبط الروايات الأخرى المطبوعة في مصاحف؛ كرواية ورش ورواية الدوري؛ ليستفيد من هذا الموضوع، ويترسَّخ في ذهنه.

ص: 292

في الوصل ولا في الوقف نحو: {آمَنُوا} {يَتْلُو صُحُفًا} {لأَذْبَحَنَّهُ} {أُولَئِكَ} {مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} {بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} ».

التعليق على النص:

هذا النوع من الضبط يمكن أن يُطلق عليه (ضبط المزيد في الهجاء)، وهو يكون في حروف العلة كما قال الخرَّاز في منظومته في الضبط (1):

القول فيما زِيد في الهجاء

من ألف أو واو أو من ياء

وقد ذكر بعد ذلك أمثلة للمزيد من هذه الأحرف، ثمَّ قال في علامة ضبطها (2):

فدارة تلزم ذا المزيدا

من فوقه علامة أن زِيدا

وقد عدَّ في المزيد عشرة أنواع في الألف، ونوعين في الياء، ونوعاً في الواو، وأفاض الشارح في بيانها (3).

وهناك أنواع من المزيد في الألف والياء خارجة عن هذه الأنواع، وقد ذكرها التَّنسي في شرحه على ضبط الخراز (4).

وأما علَّة جعل هذه الدائرة، فقد قال التَّنسي عنها:«وإنما حكم النُّقاط بجعل هذه الدارة في هذه المواضع؛ لتدلَّ على سقوط الأحرف من اللفظ، أخذوها من الصفر عند أهل العدد الدالَّ على خلو المنْزلة» (5).

2 -

قالت اللجنة: «ووضع الصفر المستطيل القائم (0) فوق ألف بعدها متحرك يدل على زيادتها وصلاً لا وقفاً نحو: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} ، {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي} .

وأهملت الألف التي بعدها ساكن، نحو:{أَنَا النَّذِيرُ} ، من وضع

(1) ينظر: الطراز شرح ضبط الخراز (ص333).

(2)

ينظر: الطراز شرح ضبط الخراز (ص406).

(3)

ينظر: الطراز شرح ضبط الخراز (ص333 - 407).

(4)

ينظر: الطراز شرح ضبط الخراز (ص407 - 422).

(5)

الطراز شرح ضبط الخراز (ص406 - 407)؛ وقد ذكر المحقق أنه قد قال به الداني في المحكم (ص195)؛ وفي كتاب «النقط الملحق بذيل المقنع» (ص142).

ص: 293

الصفر المستطيل فوقها، وإن كان حكمها مثل التي بعدها متحرك في أنها تسقط وصلاً وتثبت وقفاً لعدم توهم ثبوتها وصلاً».

التعليق على النص:

في هذا خلاف بين المتقدمين في ضبط هذه الألف من عدمه، وقد ذكر التَّنسي أن المتقدمين لم يجعلوا على ألف (لكنا) دارة لا جملة ولا تفصيلاً (1)، لكن مضى عمل المصاحف اليوم على هذا الضبط الذي اختارته لجنة مصحف المدينة النبوية.

3 -

قالت اللجنة: «وضع رأس خاء صغيرة بدون نقطة هكذا: «» فوق أي حرف يدل على سكون ذلك الحرف وعلى أنه مظهر بحيث يقرعه اللسان نحو: {مِنْ خَيْرٍ} {أَوَعَظْتَ} {قَدْ سَمِعَ} {نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} {وَإِذْ صَرَفْنَا} ».

التعليق على النص:

ذكرت اللجنة نوعين يقع فيهما وضع علامة السكون:

الأول: الحرف الساكن مطلقاً (2)، وقد وقع خلاف في اصطلاح ضبط السكون على مذاهب، فبعضهم يجعلها دائرة صغيرة، وهي الصفر المستدير الذي سبق ذكره، وعلى هذا مصاحف أهل المغرب إلى اليوم.

وبعضهم أخذ بمذهب الخليل وأصحابه، وهو أن تكون علامة السكون رأس الخاء صغيرة، مأخوذة من أول حرف في لفظة (خفيف)، وعلى هذا العمل جرى المصحف المصري ومصحف المدينة النبوية وغيرهما من مصاحف أهل المشرق.

وبعضهم يجعل علامة السكون الهاء، هكذا (هـ).

وبعضهم يُخلي الحرف الساكن من أي علامة، فتعرية الحرف من الحركات دلالة على سكونه (3).

(1) ينظر: الطراز شرح ضبط الخراز (ص412 - 416). ويحسن النظر في تعليقات المحقق، فقد ذكر ما جرى عليه العمل عند المعاصرين في هذه الألف.

(2)

سيأتي ذكر حالات تعرية الحرف الساكن من علامة السكون.

(3)

ينظر: الطراز شرح ضبط الخراز (ص94 - 97).

ص: 294

الثاني: الحرف الساكن المظهر؛ كالتقاء النون الساكنة بأحرف الحلق الستة أو غيرها مما يقع فيه الإظهار (1)، وقد ذكر الخراز في منظومته ضبط الحرف الساكن المظهر، فقال:

..................

فمظهر سكونه مُصَوَّر

ضبط السكون قد مضت وجوه الخلاف فيه بين الضابطين في الفقرة قبله، ويدخل في ضبط المظهر ما وقع عليه الإجماع، وما وقع فيه الخلاف، فيضبط عند من يرى الإظهار (2).

4 -

قالت اللجنة: «وتعرية الحرف من علامة السكون مع تشديد الحرف التالي تدل على إدغام الأول في الثاني إدغاماً كاملاً بحيث يذهب معه ذات المدغم وصفته، فالتشديد يدل على الإدغام، والتعرية تدل على كماله، نحو: {مِنْ لِينَةٍ} {مِنْ رَبِّكَ} {مِنْ نُورٍ} {مِنْ مَاءٍ} {أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} {عَصَوْا وَكَانُوا} {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ} {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} وكذا قوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُّمْ}» .

التعليق على النص:

لما ذكروا أن الحرف الساكن يُضبط برأس حرف الخاء، أشاروا هنا إلى أنه قد يُعرَّى الحرف من السكون في مواضع، منها هذا الموضوع، وهو أن يُعرَّى الحرف المدغم، ويشدد الحرف المدغم فيه علامة على الإدغام الكامل،

(1) قال الخراز في ضبط النون الساكنة:

وحكم نون سكنت أن تلقي

سكونها عند حروف الحلق

وقد شرحها التنسي (65 - 66)، فقال: (

فأشار في هذا البيت إلى أن حكم النون الساكنة إذا لقيها أحد حروف الحلق الستة أن تُلقى على النون؛ أي: تضع عليها علامة السكون، إما ما اختاره من الدارة، وإما غيرها على ما يأتي، إن شاء الله.

وإنما كان ذلك لأن حكم النون عند حروف الحلق الإظهار في اللفظ؛ لبعد مخرجها من مخرجهن، فلما كان يقرعها اللسان في اللفظ جاء النقط منبِّهاً على ذلك، فصوَّروا سكونها دلالة على قرع اللسان لها لفظاً، كما هو الشأن في كل ما يقرعه العضو المعتمد عليه لفظاً، حسبما نصَّ الناظم بعدها في قوله (فمظهر سكونه مصور)

).

(2)

ينظر: الطراز شرح ضبط الخراز (ص137 - 139)؛ وينظر منه كذلك: (ص65 - 66).

ص: 295

ويقع ذلك في التقاء النون الساكنة بأحرف (لم نر)، وفي غيرها من الأحرف؛ كالتقاء الثاء بالذال، والتاء بالطاء

إلخ من أحرف الإدغام الكامل.

وقد ذكر الخراز في منظومته هذا، فقال:

وعَرِّ ما بصوتِه أدغمته

وكلَّ حرفٍ بعده شدَّدته

وقال الشارح (التَّنَسي): «فأشار الناظم في هذا البيت إلى النوع الأول (1)، وذكر أن حكمه تعرية الحرف المدغم من علامة السكون وتشديد الحرف المدغم فيه، وذلك أنه لما كان الحرف الأول ذهب في اللفظ بالكلية، وكان النطق بالثاني على صورة الحرف الواحد المضعَّف جاء الخط منبِّهاً على ذلك بتعرية الأول وشدِّ الثاني

» (2).

5 -

قالت اللجنة: «وتعريته مع عدم تشديد التالي تدل على إدغام الأول في الثاني إدغاماً ناقصاً بحيث يذهب معه ذات المدغم مع بقاء صفته نحو: {مَنْ يَقُولُ} {مِنْ وَالٍ} {فَرَّطْتُمْ} {بَسَطْتَ} {أَحَطْتُ}، أو تدل على إخفاء الأول عند الثاني، فلا هو مظهر حتى يقرعه اللسان، ولا هو مدغم حتى يقلب من جنس تاليه، سواء كان هذا الإخفاء حقيقياً نحو: {مِنْ تَحْتِهَا} أم شفوياً نحو: {جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ} على ما جرى عليه أكثر أهل الأداء من إخفاء الميم عند الباء» .

التعليق على النص:

ذكرت اللجنة طريقة ضبط حكمين من أحكام التجويد، وهما:

1 -

الإدغام الناقص في التقاء النون الساكنة بالواو والياء، وفي التقاء الطاء بالتاء.

2 -

الإخفاء في النون الساكنة مع أحرفه الخمسة عشر، والميم الساكنة مع الباء.

(1) سبق هذا النقل أن ذكر التنسي نوعي الإدغام: الإدغام الكامل ـ وهو المقصود بقوله: (النوع الأول) ـ والإدغام الناقص، وهو النوع الثاني عنده.

(2)

الطراز في شرح ضبط الخراز (ص141).

ص: 296

وفي ضبط الإدغام الناقص ـ في حكم النون الساكنة إذا التقت بالواو والنون ـ خلافٌ ذكره علماء الضبط، وهذا ملخصه (1):

الأول: إثبات علامة السكون في النون والشدة في الياء والواو.

وقد ذكر التَّنسي (ت899هـ) عِلَّةَ ذلك، فقال: «

ووجهه أن النون لما بقي صوتها أشبهت المظهرة، فسكنت، ولما انعدم لفظها؛ لعدم قرع اللسان لها؛ أشبهت ما أُدغِم إدغاماً خالصاً، فشُدِّد ما بعدها، فهي مظهرة من جهة صوت الغنة، مدغمة من جهة عدم قرع اللسان لها. فجاء النقط منبِّها على الأمرين معاً» (2).

الثاني: تعرية النون من السكون والواو والياء من التشديد.

وقد ذكر التنسي (ت899هـ) علَّة ذلك، فقال:«ووجهه أنَّ تعرية النون تُشعر بانعدام لفظها في قرع اللسان، وتعرية ما بعدها من الشدِّ تُشعِر بأنها لم تُدغم فيه إدغاماً خالصاً» (3).

أما حكم التقاء الطاء بالتاء، فقد ذكر الخراز في منظومته الاختلاف في طريقة ضبطها، فقال (4):

ثم الذي أدغمت مع إبقاء

صوت كطاء عند حرف التاء

صوِّر سكون الطاء إن أردتَّا

وشدِّدن بعده حرف التّا

أو عرِّ إن شئت كلا الحرفين

والأول اختير من الوجهين

وأما ضبط الإخفاء فقد ذكره الخراز بقوله:

وحكم نون وسكون تُلقِى

سكونها عند حروف الحلق

وعند كل ما سواه تُعرى

..................

(1) ينظر: الطراز في شرح ضبط الخراز (ص73 - 77).

(2)

الطراز في شرح ضبط الخراز (ص74).

(3)

الطراز في شرح ضبط الخراز (ص74 - 75).

(4)

ينظر: الطراز في شرح ضبط الخراز (ص143).

ص: 297

فقوله: «وعند كل ما سواه تعرى» ؛ أي: كل ما سوى حروف الحلق الستة، فيشمل الإدغام والإخفاء والقلب.

وقد قال التنسي (ت899هـ) في علَّة ذلك: «وإنما كان ذلك؛ لأن النون في غير حروف الحلق غير موجودة في اللفظ وصلاً لكونها مدغمة، أو مخفاة، أو مقلوبة، فلما كان اللسان لا يقرعها في اللفظ، جاء النقط منبِّهاً على ذلك، فعرَّى النون من علامة السكون؛ ليدل على عدم قرع اللسان له، كما كان إتباع التنوين قبل هذا دليلاً على ذلك، فتعرية النون بمنْزلة الإتباع في التنوين» (1).

6 -

قالت اللجنة: «وتركيب الحركتين «حركة الحرف والحركة الدالة على التنوين» سواء أكانتا ضمتين، أم فتحتين، أم كسرتين هكذا (ـٌ ـً ـٍ) يدل على إظهار التنوين نحو:{حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} {حَلِيمًا غَفُورًا} {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} وتتابعهما هكذا (ـٌ ـً ـٍ) مع تشديد التالي يدل على الإدغام الكامل نحو: {لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} {مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا} {يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} .

وتتابعهما مع عدم تشديد التالي يدل على الإدغام الناقص نحو: {رَحِيمٌ وَدُودٌ} {وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً} {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أو على الإخفاء نحو: {شِهَابٌ ثَاقِبٌ} {سِرَاعًا ذَلِكَ} {عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} .

فتركيب الحركتين بمنزلة وضع السكون على الحرف وتتابعهما بمنزلة تعريته عنه».

التعليق على النص:

هذا المقطع يتعلق بضبط التنوين (أي: شكله في الكتابة)، وقد نصَّ الخراز في منظومته على هذا الضبط، فقال:

وقبل حرف الحلق ركَّبتهما

وقبل ما سواه أتبعتهما

فالتنوين يضبط في صورتين:

• التركيب، وذلك مع حروف الحلق.

(1) الطراز في شرح ضبط الخراز (ص67 - 68).

ص: 298

• الإتباع، وذلك مع باقي الحروف من إدغام وإخفاء وقلب.

وقد ذكر الشارح (التَّنسي) سبب هذا الضبط، فقال:«وعلة ذلك أن حروف الحلق لما بعُدت عن مخرج التنوين الذي هو طرف اللسان كان حكمها عندهنَّ ـ في اللفظ ـ الإظهار، فجاء النقط مشعراً بذلك، إذ تركيب التنوين مع الحركة، إبعاد له عن حروف الحلق، كما كان بعيداً منها لفظاً، ولمَّا لم تَبعُد بقية الحروف عن مخرج التنوين، مثل بُعْدِ حروف الحلق، بل منها ما قرُب جدّاً، ومنها ما قرب فقط؛ كان حكمها عندهنَّ الإدغام في بعض، والإخفاء في بعض، والقلب في بعض، فجاء النقط مشعراً بذلك، إذ إتباع التنوين للحركة تقريب له من تلك الحروف خطاً كما كان قريباً منها لفظاً» (1).

وزاد في ضبط الإتباع ضبطُ الحرف الذي بعده، وهو على قسمين:

الأول: أن يكون الحرف الذي بعد تنوين الإتباع مشدَّداً، وهذا يدل على الإدغام الكامل.

الثاني: أن يكون الحرف بعد تنوين الإتباع غير مشدَّدٍ، وهذا يدل على الإدغام الناقص أو الإخفاء.

وقد ذكر الخراز هذا في منظومته، فقال:

والشَّدُّ بَعدُ في هجاء (لم نرا)

وغيره فعرِّه كيف جرى

وهذا يعني أن الإدغام الكامل يقع في الأحرف الأربعة (لم نر)، وتكون هذه الأحرف مشدَّدةً.

وما سواها من أحرف (يرملون)، وهما الياء والواو، وكذا أحرف الإظهار، وأحرف الإخفاء، وحرف القلب = فإنها تُكتب بحركتها معرَّاة من الشَّدة (2).

7 -

قالت اللجنة: «ووضع ميم صغيرة هكذا: «م» بدل الحركة الثانية

(1) الطراز في شرح ضبط الخراز (ص48 - 49).

(2)

ينظر: الطراز في شرح ضبط الخراز (ص53 - 58).

ص: 299

من المنوَّن، أو فوق النون الساكنة بدل السكون، مع عدم تشديد الباء التالية يدل على قلب التنوين أو النون الساكنة ميماً نحو:{جَزَاءً بِمَا كَانُوا} {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} {أَنْبِئْهُمْ} {وَمِنْ بَعْدِ} ».

التعليق على النص:

ذكرت اللجنة في هذا المقطع ضبط حكم القلب في التنوين والنون، ولعلماء الضبط خلاف في ضبط القلب على ما يأتي:

أولاً: ضبط القلب في التنوين:

قال الخراز:

وعوِّضن ـ إن شئت ـ ميماً صُغرى

منه لباء؛ إذ بذاك يُقرا

وهذا البيت يشير إلى أنَّ لضبط حكم القلب في التنوين وجهين عند علماء الضبط:

الأول: أن تكون علامتا التنوين متتابعتين، كما أشار إلى ذلك بقوله (1):

وقبل حرف الحلق ركَّبتهما

وقبل ما سواه أتبعتهما

والقلب يدخل في قوله؛ «وقبل ما سواه» ، ويكون التنوين على هذه الصورة:{عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} {سَمِيعًا بَصِيرًا} .

الثاني: أن تصور من علامة التنوين ميماً صغيرة غير ممطوطة، ويكون التنوين على هذه الصورة {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} .

وقد ذكر الناظم العلة في هذه الميم الدالة على القلب، وهي أنَّ التنوين يقلب ميماً في التلاوة، فيكون كتبه ميماً في النقط مشعراً بذلك (2).

ثانياً: ضبط النون الساكنة في حكم القلب:

قال الخراز في ذلك:

وعند كلِّ ما سواها تُعرى

(وإن تشأ صوَّرت ميماً صُغرى

(1) الطراز في شرح ضبط الخراز (ص48).

(2)

الطراز في شرح ضبط الخراز (ص63).

ص: 300

من قبل باء) ثم شد يلزم

في كلِّ ما التنوين فيه يلزم

وقوله هذا يشير إلى مذهبين في ضبط حكم القلب:

الأول: أن تعرى النون من السكون، وهذا اختيار الداني (ت444هـ).

الثاني: أن تُصوَّر ميماً صغيرة تنبيهاً على أن النون انقلبت في اللفظ ميماً لمؤاخاتها النون في الغنة، وقربها من الباء في المخرج، وهذا اختيار أبي داود سليمان بن نجاح (ت496هـ)، وعليه درج العمل في مصحف المدينة النبوية، وغيره من المصاحف المشرقية.

8 -

قالت اللجنة: «والحروف الصغيرة تدل على أعيان الحروف المتروكة في خط المصاحف العثمانية مع وجوب النطق بها نحو: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} {دَاوُودُ} {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ} {يُحْيِي وَيُمِيتُ} {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ} {إِيلَافِهِمْ} {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} .

وكان علماء الضبط يلحقون هذه الأحرف حمراء بقدر حروف الكتابة الأصلية ولكن تعذر ذلك في المطابع أول ظهورها، فاكتُفي بتصغيرها للدلالة على المقصود للفرق بين الحرف الملحق والحرف الأصلي.

والآن إلحاق هذه الأحرف بالحمرة متيسر ولو ضُبطت المصاحف بالحمرة والصفرة والخضرة وفق التفصيل المعروف في علم الضبط لكان لذلك سلف صحيح مقبول، فيبقى الضبط باللون الأسود لأن المسلمين اعتادوا عليه.

وإذا كان الحرف المتروك له بدل في الكتابة الأصلية عُوّل في النطق على الحرف الملحق لا على البدل نحو: {الصَّلَاةَ} {كَمِشْكَاةٍ} {الرِّبَا} {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَومِهِ} .

ووضع السين فوق الصاد في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} {فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا} يدل على قراءتها بالسين لا بالصاد لحفص من طريق الشاطبية».

التعليق على النص:

يشمل هذا المقطع عدداً من القضايا، يمكن تفصيلها على الآتي:

ص: 301

أولاً: إلحاق المحذوف في الرسم، وطريقة العلماء في هذا الإلحاق:

المحذوف في الرسم أنواع، وفيه تشعُّبٌ قد يصعب تتبعه على الطالب، ومثله باب الزيادة، فهو وباب الحذف من أوسع أبواب الضبط التي طال كلام الأئمة فيها (1).

وقد اكتفت اللجنة بذكر أصل المسألة، وهي (الحذف) المعبَّر عنه بالحروف المتروكة؛ لأن سبيل العلم بتفاصيل ذلك الكتب المعتنية بالضبط.

ويكثر الحذف في حروف المد ـ أو العلة ـ الثلاثة (الألف، والواو والياء)، وقد رتَّبها أبو عمرو الداني (ت444هـ) على ثلاثة أبواب:

الأول: ما اجتمع فيه ألفان، وحذفت إحداهما اختصاراً (2).

الثاني: ما اجتمع فيه ياءان، وحذفت إحداهما إيجازاً (3).

الثالث: ما اجتمع فيه واوان، وحذفت إحداهما تخفيفاً (4).

وهل المحذوف منها الأولى أم الثانية؟

فيه تفصيلات وتعليلات واختيارات يطول ذكرها.

ونتيجتها وضع علامة تدل على هذا المحذوف، فتوضع للألف المتروكة (ا)، وللياء المتروكة (-)، وللواو المتروكة (وا)، وقد ذكر الداني (ت444هـ) في بعض المواضع الاكتفاء بالحركة عن الإلحاق، مثل لفظ (يلوُن)، فقد ذكر الإلحاق وعدم الإلحاق اكتفاءً بالضمة الدالة عليها (5).

وهذه الملحقات تكون صغيرةً جدّاً، وهي دالة على المحذوف، وقد كان النُّقاط الذي يكتبون المصاحف يضعونها بالحمرة دلالة على زيادتها على الرسم، «ولكن تعذر على المطابع أول ظهورها، فاكتُفي بتصغيرها

(1) ينظر التفصيل في باب الحذف: الطراز في شرح ضبط الخراز (ص259 - 332)؛ وفي باب المزيد في الهجاء (ص333 - 427).

(2)

المحكم في نقط المصاحف (ص153).

(3)

المحكم في نقط المصاحف (ص165).

(4)

المحكم في نقط المصاحف (ص168).

(5)

ينظر: المحكم في نقط المصاحف (ص173)؛ والطراز في شرح ضبط الخراز (ص271).

ص: 302

للدلالة على المقصود، للفرق بين الحرف الملحق والحرف الأصلي». أما عصرنا هذا فقد تقدَّمت فيه الطباعة، وبالإمكان أن يعود الضبط إلى سابق عهده عند النُّقاط القدماء، وليس ذلك بصعب الآن.

ثانياً: الحرف المتروك الذي له بدل في الكتابة:

ذكرت اللجنة من أمثلة هذا النوع ما يكون موجوداً فيه الواو أو الياء، وأصل نطقها بالألف؛ كالصلوة، والربو والتورية، أو الصاد في مثل يبصط، وهي تقرأ بالسين.

وهذه إنما تُقرأ بما يقع عليه الضبط من الألف بدلاً عن الواو والياء، والسين بدلاً عن الصاد.

وقد وقع الضبط بوضع الألف القصيرة إشارة إلى القراءة بها بدلاً عن الواو والياء، كما أشار إليه الخراز في نظمه، فقال (1):

وألحقن ألفاً توسُّطا

مما من الخط اختصاراً سقطا

وما بواو أو بياء كتبا

عن واو أو عن حرف ياء قلبا

وقال في مكان وضع الألف الملحقة (2):

ومع لام أُلحِقت يمناه

لأسفل من منتهى أعلاه

ما لم تكن بواو أو ياء أتت

وقيل يمناه بكل لحقت

وهذه تكون فيها ألف صغيرة، للدلالة على المحذوف، وهذا مذهب الداني (ت444هـ)، قال:«فإذا نُقِطَ ذلك جُعِل على الواو ألفٌ بالحمراء؛ ليدل على استقرارها في اللفظ دون الواو» (3).

وقد اختار أبو داود سليمان بن نجاح (ت496هـ) أن تُلحقها معانقة للام خارجة إلى يمناه، هكذا (أغلالا)، والعمل على اختيار الداني (ت444هـ).

(1) ينظر: الطراز في شرح ضبط الخراز (ص284، 287).

(2)

ينظر: الطراز في شرح ضبط الخراز (ص295).

(3)

المحكم في نقط المصاحف (ص189).

ص: 303