الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس
موضوعات السور ومقاصدها
تختلف السور من حيث الطول والقِصرِ، وغالباً ما تكون السور القصيرة ذات موضوع واحدٍ، وغالباً ما يكون اسم السورة دالاً على موضوعها، وذلك شأن سور قصار المفصَّل من جزء عمَّ.
وإذا طالت السورة، فإنها قد تكون ذات موضوع واحدٍ يتعدد طرحه من خلال سياقات متنوعة، وقد تكون ذات موضوعات متعددة، ويمكن التمثيل لكل نوع بما يأتي:
1 -
سورة الصمد؛ موضوعها الإخلاص.
2 -
سورة النبأ؛ موضوعها البعث، وقد تعدد طرح موضوع البعث من خلال سياقات الآية.
3 -
سورة عبس، فيها موضوعات متعددة:
• حال المقبل على الإسلام والمعرض عنه (1 - 10).
• بيان منْزلة القرآن (11 - 16).
• بيان شدة كفر الكافر (17 - 23).
• الاستدلال على البعث (24 - 33).
• أحوال الناس يوم القيامة (34 - 42).
وقد يظهر لبعض المتدبرين لمثل هذه السور التي تتعدد موضوعاتها خيط رفيع يجمعها في موضوعٍ واحدٍ، وهو ما اصطلح بعض المعاصرين على تسميته بمصطلح (الوحدة الموضوعية).
ويمكن استنباط (الوحدة الموضوعية) أو ما كان يسميه بعض العلماء (مقصد السورة) من خلال النظر في:
• اسم السورة.
• موضوعات السورة.
• ملابسات السورة.
• تفسير السورة الإجمالي.
ولا شكَّ أن البحث في موضوع الوحدة الموضوعية شائقٌ، إلا أنه مظنَّة للتكلُّف، والقول على الله بغير علم.
وقد تأخرت العناية بهذا الموضوع، ولم ترد فيه كتابات موضوعية سوى شذرات متفرقة في كتابات بعضهم كما سيرد النقل بذلك عنهم.
وهذا الموضوع جدير بالعناية، والكتابات المعاصرة عنه في تزايد، وهو يفيد الدارسين في جمع الموضوعات التي تحدث عنها القرآن الكريم، وكيفية تطرقه لها، وكيفية معالجته لكثير من هذه الموضوعات.
وممن اعتنى بذكر موضوعات السور: الفيروزآبادي (ت817هـ) في كتابه «بصائر ذوي التمييز» ؛ البقاعيُّ (ت885هـ) في كتابه «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» ؛ والطاهر بن عاشور (ت1393هـ) في كتابه «التحرير والتنوير» .
أمثلة من عناية العلماء السابقين بهذا الموضوع:
1 -
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ) موضوعات سورة البقرة، وأفاض فيها، ومن أول كلامه في هذا الموضوع ما يأتي: «وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول العلم، وقواعد الدين: أن الله تعالى افتتحها بذكر كتابه الهادي للمتقين، فوصف حال أهل الهدى، ثم الكافرين، ثم المنافقين، فهذه جُمَلٌ خبرية، ثم ذَكَرَ الجُمَلَ الطلبيَّة، فدعا الناس إلى عبادته وحده، ثم ذكر الدلائل على ذلك: من فرش الأرض، وبناء السماء، وإنزال الماء، وإخراج الثمار رزقاً للعباد، ثم قرَّر الرسالة، وذكر الوعد والوعيد، ثم ذكر مبدأ النبوة والهدى وما بثه في العالم من الخلق والأمر، ثم ذكر تعليم آدم الأسماء وإسجاد الملائكة له لما شرفه من العلم، فإن هذا تقرير لجنس ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى
ودين الحق فقص جنس دعوة الأنبياء، ثم انتقل إلى خطاب بنى إسرائيل وقصة موسى معهم، وضمن ذلك تقرير نبوته؛ إذ هو قرين محمد صلى الله عليه وسلم، فذكر آدم الذي هو أول وموسى الذي هو نظيره، وهما اللذان احتجَّا، وموسى قتل نفساً فغُفِر له، وآدم أكل من الشجرة فتاب عليه.
وكان في قصة موسى ردٌّ على الصابئة ونحوهم ممن يُقِرُّ بجنس النبوات ولا يوجب اتباع ما جاءوا به، وقد يتأولون أخبار الأنبياء.
وفيها رد على أهل الكتاب بما تضمنه ذلك من الأمر بالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وتقرير نبوته، وذكر حال من عدل عن النبوة إلى السحر، وذكر النسخ الذي ينكره بعضهم، وذكر النصارى، وأن الأمتين لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، كل هذا في تقرير أصول الدين من الوحدانية والرسالة
…
» (1).
2 -
ذكر الشاطبي (ت795هـ) في «الموافقات» مجمل موضوعات سورة البقرة، فقال: «ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام، فإنها بينت من أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبيَّن في غيرها تفاصيلُ لها؛ كالعبادات التي هي قواعد الإسلام، والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما، والمعاملات من البيوع، والأنكحة وما دار بها، والجنايات من أحكام الدماء وما يليها.
وأيضاً، فإن حفظ الدين فيها، وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها، وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها كما كان غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبنياً عليها» (2).
(1) ينظر: الفتاوى (14:41، وما بعدها).
(2)
الموافقات للشاطبي، تحقيق مشهور آل سلمان (4:257)، ويحسن الرجوع إلى هذه المسألة بكمالها، فقد اجتزأت منها ما يتعلق بالموضوع هنا، وهو يتحدث عن مسألة مهمة، وهي أن المدني من السور منَزَّل في الفهم على المكي.
قراءات مقترحة في موضوع: موضوعات السور ومقاصدها
الكتابة في مقاصد السور وموضوعاتها جزء من الكتابة في مقاصد القرآن وموضوعاته؛ لأنها تعتبر أفراداً له، وباجتماعها تظهر مقاصده، وتتكوَّن موضوعاته.
ويمكن اعتبار الكتب التي كُتبت في مقاصد الشريعة من الكتب المعينة على دراسة هذا الباب، لما بينها من الارتباط، ومن انطلق من هذه النظرة اتسعت عنده دائرة مقاصد السور، وتبيَّن له من خلال موضوعاتها كيفية معالجتها لهذه المقاصد النفيسة، وذلك مبحث مهم يحتاج إلى عناية من له اطلاع واسع على الشريعة.
ومن البحوث التي لها تعلق بموضوع السور ومقاصدها بحث (الوحدة الموضوعية)، وهو من الموضوعات التي عُنِي بها بعض المعاصرين، وكتبوا فيها.
بحوث مقترحة في موضوع: موضوعات السور ومقاصدها
• البحث عن المناسبة في الآيات التي نزلت لأسباب، ووضعت في مكان من آيات سابقة لها؛ كآية {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].
• موازنة موضوعات الشعر الجاهلي وأغراضه، بموضوعات القرآن، وما أحدثته من تغيير في أفكار أولئك القوم لما أسلموا، وموضوعات الشعر ومقاصده عندهم.