الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
رسم المصحف
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
يرتبط رسم المصحف بموضوع (جمع القرآن) الجمع الكتابي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ثم في عهد عثمان رضي الله عنه.
وقد تبِع (رسم المصحف) موضوع آخر، وهو (ضبط المصحف)، وبينهما علاقة قوية جدّاً؛ لأن (علم الضبط) جاء لضبط الرسم لموافقة القراءة.
ولرسم المصحف علاقة بالقراءات؛ إذ الأصل دلالة المرسوم على المسموع، فجاء (رسم المصحف) للدلالة على المقروء، كما هو الأصل في الرسم عموماً.
رسم المصحف
مضت الإشارة إلى الرسم في الحديث عن (جمع القرآن)(1)، ويحسن هنا تقرير المسألة في نقاط:
1 -
أن الصحابة لم يخترعوا رسماً معيَّناً قصدوا به كتابة القرآن الكريم، بل كتبوه على حسب ما تعلموه من معلميهم، ولا يصحُّ ما قيل: إنه بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا المذهب من الضعف بمكانٍ، إذ النبي صلى الله عليه وسلم كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، وتلك صفة فيه مستمرَّة، لم يصحَّ خبرٌ أنه تحوَّل عنها (2).
ومن هنا تعلم أن محاكمة خطِّ الصحابة وهجائهم إلى ما وقع بعد ذلك من تطوِّر للرسم، واختلافٍ في الإملاء غير سديد، بل الصواب أن يعلم أنَّ هذا اصطلاحهم، كما أن اصطلاح من بعدهم قد تغير عن اصطلاحهم، وكذا فإن اصطلاح من نقدهم قد تغير الاصطلاح بعده، فما كان في عصره هو الرسم المتعارف عليه المقبول بين الكاتبين، صار عند من بعدهم غير مقبول، وهكذا دواليك.
وقد ذهب قوم إلى أن الرسم معجز (3)، وله سرٌّ لا يعلمه إلا الله،
(1) ينظر: (ص165 - 166).
(2)
ينظر في موقف العلماء: من ظواهر الرسم، وحكمهم عليها من حيث التوقيف وعدمه ما كتبه الدكتور غانم قدوري الحمد في كتابه «النفيس»: رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية (ص197 - 233)؛ ومقدمة الدكتور أحمد شرشال في تحقيقه لكتاب: «مختصر التبيين لهجاء التنْزيل» (1:200 - 230)، وغيرها.
(3)
بنى هؤلاء قولهم على أن رسم المصحف توقيفي، ولم يظهر هذا القول في جيل السلف، بل ظهر متأخِّراً، وهو قول فيه نظر.
وهذا القول لا يدل عليه دليل صحيح، وقد قال الناظم في هذا (1):
والخط فيه معجز للناس
…
وحائد عن مقتضى القياس
لا تهتدي لسره الفحول
…
ولا تحوم حوله العقول
قد خصه الله بتلك المنْزله
…
دون جميع الكتب المنَزَّله
ليظهر الإعجاز في المرسوم
…
منه كما في لفظه المنظوم
إلى أن قال:
وقد تكلَّف شيوخ الكتبه
…
فسارعوا فيه لنحت الأجوبه
فذكروا من ذاك ما لا يُقنِع
…
قلباً ولا غِلَّ غليل يُنقِع
وقد ذهب قبله إلى هذا أبو العباس أحمد بن البناء المراكشي (ت721هـ) في كتابه «عنوان الدليل في مرسوم خط التنْزيل» (2).
والذي أوقع أصحاب هذا المذهب، ومذهب من يتطلب العلل للرسم هو ادعاء اطراد العلل، وذلك ما لا يوجد في الرسم العثماني؛ لأنهم كتبوه على معهودهم في الرسم ولم يخترعوا رسماً خاصّاً فيقال بطلب العلل لذلك.
ومما وقع من انتقاد للصحابة في رسمهم ما ذكره الفراء (ت207هـ) في كتابه «معاني القرآن» عند حديثه عن قوله تعالى: {أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 21]، قال: «وكُتبت بلام ألف وألف بعد ذلك، ولم يُكتب في القرآن لها نظير، وذلك أنهم لا يكادون يستمرون في الكتاب على وجهة واحدة، ألا ترى أنهم كتبوا {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [القمر: 5] بغير ياء، {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ} [يونس: 101] بالياء، وهو من سوء هجاء الأولين.
وأما قوله: {أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 21] فقد كُتِبت بالألف وبغير الألف.
(1) هو محمد العاقب الجكني (ت1312هـ) في نظمه (كشف العمى)، ذكره الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي في كتابه «إيقاظ الأعلام لوجوب اتباع رسم المصحف الإمام» (ص33، 34).
(2)
صدر عن دار الغرب الإسلامي بتحقيق الدكتورة هند شلبي.
وقد كان ينبغي للألف أن تُحذف من كله؛ لأنها لام زيدت على الألف؛ كقوله: (لأخوك خير من أبيك)؛ ألا ترى أنه لا ينبغي أن تُكتب بألف بعد لام ألف.
وأما قوله: {لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] فتكتب بالألف؛ لأن (لا) في (انفصام) تبرئة، والألف من (انفصام) خفيفة» (1).
إذا تأمَّلت نقد الفراء (ت207هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ وجدته قد وضع للخطِّ معياراً، وهو ما يعرفه من الهجاء الذي في عصره، فحاكَمَ به هجاء الصحابة رضي الله عنهم، وهنا وقع في الغلط عليهم بنسب هجائهم إلى السوء، وليس الأمر كذلك، بل هذا من اصطلاحاتهم المعروفة عندهم، والتي لا يُثرَّب عليهم فيها.
ونحن لو اطلعنا على هجاء الفراء (ت207هـ)، وحاكمناه إلى هجاء عصرنا لقلنا فيه مثل قولته في هجاء الصحابة رضي الله عنهم، لكن الأمر ليس كذلك، فلكل عصر أسلوبه وطريقته في الرسم، والله أعلم.
2 -
أن الرسم الذي كتب به الصحابة كان مجردّاً من أية علامة؛ لأنها غير موجودة أصلاً، إذ لم يكن في عصرهم نقط ولا شكل، ولا أي من علامات الضبط التي أُلحِقت فيما بعد، شأنه في ذلك شأن الكتابة في هذا العصر، كما هو واضح من موازنة خط المصحف بما وُجِد من خطوط تعود إلى هذا الزمن، ولهذا فإن من يمثل بحرف (فتبينوا، فتثبتوا) أنهم رسموه في مصحف بلفظ (فتبينوا)، وفي مصحف آخر بلفظ (فتثبتوا)، فقد غفل عن هذه المزية في رسم الصحابة؛ لأن اللفظة إذا جُرِّدت من النقط احتملت القراءتين، فلم يعمدوا إلى ما يذكره بعضهم في التمثيل بهاتين القراءتين.
3 -
أن الأصل في القرآن الاعتماد على المسموع المحفوظ في الصدور لا المرسوم، فالقراءة لما سمع أصل والرسم تبعٌ، ومن المعلوم أنه
(1) معاني القرآن، للفراء (1:439).
لا يمكن التطابق التامُّ بين نطق بعض الكلمات ورسمها في جميع لغات العالم، بل يدخل فيها الزيادة والنقص وغيره مما يدخل في علم الإملاء.
لذا فإن خلوَّ رسم مصاحف الصحابة من النقط والشكل وغيرها لم يكن مشكلاً عندهم، لأنهم يحفظون القرآن في صدورهم، ولا يعتمدون على الرسم أوَّلاً، وإنما جاء الرسم لضبط صورة الكلام، لا للانطلاق منه إلى القراءة.
4 -
أن هذا الرسمَ الذي كان متعارفاً بينهم كان فيه اختلافٌ يدخل في اختلاف التنوع في طريقة الرسمِ، ولقد طلب منهم عثمان رضي الله عنه أن يكتبوه على الرسم الموافق للغة قريش، فقال:«وإذا اختلفتم أنتم وزيد، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه بلسانها نزل» (1)، والذي يدل على هذا المثال المذكور في اختلافهم مع زيد رضي الله عنه، فقد أراد زيد أن يكتب (التابوة)، وأراد القرشيون الذين معه أن يكتبوها (التابوت)، فدلَّ على أن القرشيين يفتحون التاء، ويقفون عليها بالتاء، والأنصار يربطون التاء، ويقفون عليها بالهاء، فكتبت بالرسم الموافق للغة قريش، وهذا من اختلاف الرسم كما ترى.
5 -
يقوم (رسم المصحف) على مجموعة من القواعد التي استنبطها العلماء من رسم الصحابة، وهذه القواعد:
1 -
الحذف، مثل حذف الألف في مواطن كثيرة (يأيها)، وقد حُذِفت الألف بعد الياء.
2 -
الزيادة، مثل زيادة الألف في مواطن، مثل زيادتها بعد (لا) من قوله تعالى:{لأَذْبَحَنَّهُ} .
3 -
الهمز، مثل (يؤمنون، بئس، سأل)، وهي من أوسع أبواب الضبط وأشكلها.
4 -
البدل، مثل كتابة الواو في «الصلوة» بدلاً عن الألف (الصلاة).
(1) صحيح البخاري برقم (3506) وقد تقدم.
5 -
الوصل والفصل، ويقع له أمثلة كثيرة في ألفاظ متغايرة، مثل لفظة (إنما) تكتب مفصولة وموصولة، ففي قوله تعالى:{إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآَتٍ} [الأنعام: 134] كُتِبت مفصولة، وفي قوله تعالى:{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} [الذاريات: 5] كُتِبت موصولة.
6 -
ما فيه قراءتان، وكتب على إحداهما، مثل قراءة سكارى بالألف ودونها في قوله تعالى:{وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} [الحج: 2]، فهي تحتمل الألف وعدمها.
تنبيه:
قد توزع القراءات في المصاحف، مثل قراءة (أوصى) وقراءة (ووصى)، وما فيه قراءتان فيه تفاصيل تُعرف من كتب القراءات والرسم.
ويمكن الرجوع إلى ما كتبه السيوطي (ت911هـ) في النوع السادس والسبعين (في مرسوم الخط وآداب كتابته)، فقد أتى بأمثلة كثيرة على كل قاعدة من هذه القواعد. كما أن هذه القواعد مفصلة بالأمثلة في كتب الرسم.
إن قواعد الرسم التي يذكرها العلماء إنما هي استقراءٌ واستنباط مما كتبه الصحابة رضي الله عنهم، وليس يعني هذا أنَّ هذه القواعد كانت مما يسير عليه الصحابة رضي الله عنهم ولا يحيدون عنه، إذ ما من قاعدة إلا ولها ما يخرمها في رسمهم، وأمثلة ذلك كثيرة مبسوطة في كتب الرسم، فعلى سبيل المثال: ألحقوا ألف واو الجماعة في بعض المواطن، وحذفوها من بعض، وكتبوا الألف في بعض المواطن وحذفوها فيما يماثلها من الألفاظ، لذا ليس هناك علل مطَّردة يمكن تتبعها والوقوف عليها، لكن لا يعني هذا انعدام العلل مطلقاً، بل قد توجد علل تظهر بالاستقراء والتتبع.
• ومما يطول فيه الجدل مسألة جواز كتابة المصحف بغير الرسم العثماني، وفي هذا تفصيل حاصله:
1 -
أن تكون كتابة آيات أو كلمات محدودة في كتب أو صحف أو مقالات، وهذه لا يلزم فيها الالتزام بالرسم العثماني.
2 -
أن يكتب المصحف كاملاً، وهذا لا يحسن بغير الرسم العثماني (1)؛ لأن الرسم العثماني مما أجمع عليه الصحابة، وتطور الرسم بعدهم لا يسري على رسمهم للقرآن بل يوقف به حيث وقف.
وأما دعوى طلب كتابة المصحف بالرسم الإملائي المتعارف عليه اليوم لصعوبة الرسم العثماني، فهذه دعوى ينقصها البرهان في إثبات هذه الصعوبة، وإنما جاءت الصعوبة لعدم تعلم الرسم، وليس لمخالفة الرسم للرسم الإملائي المتعارف عليه اليوم؛ لذا فإن هذه دعوى خلاف المنهج العلمي الصحيح؛ لأن الجهل بالشيء لا يلزم منه تغييره، بل إنما الصواب الذي يحسن أن يُطلب: أن يُتَعَلَّم رسم المصحف كما تُتَعلَّم قراءة القرآن، فلو كان الطالب يتعلم الرسم والقراءة معاً لما صعُب عليه، ولكنه يقرأ ولا يعرف من الرسم شيئاً، بل يتخرج من كليات متخصصة وهو لا يعلم عنه شيئاً، فالداء في الجهل وليس في الرسم فيُطلب تغييره.
6 -
أنَّ المصاحف الستة ـ على الصحيح (2) ـ التي نسخها عثمان رضي الله عنه هي الأصل الذي يُعتمدُ في حكاية المرسوم، وكل ما حكاه علماء الرسم المتقدمون (3)؛ فهو عن هذه المصاحف، أو عن مصاحف أخذت رسومها عن هذه المصاحف الأصيلة، ثم صار هؤلاء الأعلام حجة فيما نقلوه، وعمدةً فيما أثبتوه.
(1) يلاحظ أن بعض خطاطي المسلمين؛ كابن البواب وغيره، وكذا بعض من كتب المصحف كتبه بالرسم الإملائي المتعارف عليه عندهم، وهذا خلاف الأصل.
(2)
وقع خلاف بين العلماء في عدد المصاحف، والصحيح أنها ستة: المصحف الذي استكتبه عثمان لنفسه، والمصحف المدني الذي كان عند زيد بن ثابت، والمصحف المكي، والمصحف الكوفي، والمصحف البصري، والمصحف الشامي، وهذه المصاحف هي التي نقل العلماء عنها، وحكوا ما فيها من الرسم، أما ما عدا ذلك كالمصحف المنسوب للبحرين أو لليمن، فلم يُنقل عنه أبداً، مما يشير إلى عدم وجودهما أصلاً.
(3)
مثل نافع المدني، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وابن الغازي، وأبي عمرو الداني، وأبي داود سليمان بن نجاح، وغيرهم.
مسألة متعلقة برسم المصحف: وهي هل كتب الصحابة غير القرآن في مصاحفهم؟
من خلال المنقول عن علماء الرسم فإنه يظهر أنَّ الصحابة لم يكتبوا سوى الآيات، فلم يكتبوا اسم السورة، ولا وضعوا عدد الآيات، ولا التخميس ولا التعشير ولا غيره مما حدث بعدهم، بل جعلوا فيه القرآن فقط.
وقد ورد عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما عبارة «جردوا القرآن» ، وللعلماء في فهم هذه العبارة أقوالٌ.
أما عبارة عمر رضي الله عنه، فقد رويت من طرق، منها ما رواه ابن سعد في الطبقات بسنده، عن قرظة بن كعب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: «أردنا الكوفة فشيعنا عمر إلى صرار، فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم» (1).
وظاهر من سياق هذه الرواية أن عمر رضي الله عنه لا يريد تجريد المصحف من النقط والشكل وغيره، وإنما مراده تجريد القرآن وعدم خلطه بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي لا ينشغل الناس عنه بغيره، وهذا معروف من مذهب عمر رضي الله عنه وسياسته؛ لذا لا يصح حملُه على تجريد المصحف.
وأما عبارة ابن مسعود رضي الله عنه، فقد رويت من وجوه، منها:
1 -
«جردوا القرآن» (2).
(1) الطبقات الكبرى (6:7)؛ والمستدرك (1:183)؛ وتهذيب الكمال (23:565)؛ وتنظر: الرواية من غير هذا الوجه عند عبد الرزاق في المصنف (11:324)؛ والطبري في تاريخه (2:567).
(2)
الكتاب المصنف لابن أبي شيبة (2:239، 6:150)؛ نقط المصاحف (ص10)؛ وشعب الإيمان للبيهقي (2:547).
2 -
«جردوا القرآن لا تخلطوه بشيء» (1)، وفي رواية:«لا تلبسوه ما ليس منه» (2).
3 -
وعن أبي المغيرة قال: «قرأ رجل عند ابن مسعود، فقال: استعذ بالله العليم من الشيطان الرجيم فقال عبد الله: جردوا القرآن» (3).
4 -
وعن سلمة بن كهيل قال: سمعت أبا الأحوص قال: قال عبد الله: «جردوا القرآن؛ ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت يسمع تقرأ فيه سورة البقرة» (4).
ظاهر هذه الروايات التي جاءت مفصلة أنه أراد أن لا يزاد في القراءة على ما في القرآن، وأن يجرَّد في التعليم ليربوا عليه الصغير، وليس مرادها ما ذهب إليه بعضُ العلماء، حيث ذهبوا بها إلى تجريد المصحف من النقط وغيره؛ لأنَّ هذه الأشياء لم تكن موجودة في عصرهم فيقال: إنهم جردوها منه؛ لأن دخولها في المصاحف إنما جاء بعد عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، فلا يصحُّ أن يقال إنهم أرادوا هذا.
لكن الذين حملوه على هذا إنما حملوه من باب التخريج على كلام ابن مسعود رضي الله عنه، لا أنه هو مرادُه الأَوَّلِيُّ، وهذا ظاهر من استدلال بعض أصحابه بقوله على تجريد المصحف من التعشير وغيره، فقد ورد عن مغيرة عن إبراهيم قال: «كان يكره أن يعشر المصحف، أو يصغر.
وكان يقول: عظِّموا القرآن، ولا تخلطوا به ما ليس منه.
وكان يكره أن يكتب بالذهب، أو يعلم عند رؤوس الآي.
وكان يقول: جردوا القرآن» (5).
(1) نقط المصاحف، للداني (ص10).
(2)
المصنف لعبد الرزاق (4:322)؛ والكتاب المصنف لابن أبي شيبة (2:239، 6:150)؛ والمعجم الكبير للطبراني (9:353).
(3)
الكتاب المصنف لابن أبي شيبة (6:150).
(4)
سنن النسائي الكبرى (6:240).
(5)
رواه البيهقي في شعب الإيمان (2:547).
وتجريد القرآن؛ بمعنى: تجريد المصحف من الزيادات التي أُحدثت بعد الصحابة = إنما ظهر عند التابعين؛ لأنَّ هذه الزيادات بدأت تظهر في جيلهم، فوقع الاختلاف بينهم في هذه الزيادات، فذهب قومٌ إلى القول بتجريد المصاحف من هذه الزيادات، من ذلك ما أورده ابن أبي شيبة في مصنفه تحت عنوان (من قال: جردوا القرآن) (1)، وقد ذكر الرواية عن أبي العالية وإبراهيم وغيرهما.
وقد مضى أثر إبراهيم، وفيه ذكر لبعض هذه الزيادات التي ظهرت في عصرهم من تعليم رؤوس الآيات، وتعليم العشر.
وورد عن أبي العالية أنه «كان يكره الجمل التي تكتب في المصاحف فاتحة وخاتمة، وقال: جردوا القرآن» (2).
والمقصود من هذا أن تعلم أن المصحف الإمام كان خالياً مما سوى الرسم، وليس فيه شيءٌ سوى ألفاظ القرآن، وأنه قد دخلت الزيادات في المصحف شيئاً فشيئاً، وصار العمل على جواز هذه الزيادات، حيث تلقتها الأمة بالقبول.
مسألة مرتبطة بتجريد القرآن، وهي تحشية المصحف:
هذه المسألة مرتبطة بما مضى بحثه من تجريد المصحف، وهي فرع عنه، ويمكن أن يقال: إن الزيادات التي زيدت في المصحف بعد الصحابة تنقسم ـ باعتبار نوع المزيد ـ إلى أقسام:
الأول: الخط المحيط برسم الألفاظ القرآنية.
الثاني: النقط والشكل وعلامات الوقوف والسكتات، وعلامات انتهاء الآية ورقم الآية، وغيرها من علامات الضبط، وهذه مع النص القرآني.
الثالث: ما كان خارج الخط المرسوم على ألفاظ القرآن، وهذا ما يسمى (حاشية المصحف) أو (هامش المصحف).
(1) الكتاب المصنف، لابن أبي شيبة (6:150).
(2)
الكتاب المصنف، لابن أبي شيبة (2:239).
وإذا نظرت إلى مصاحف المسلمين، وسبرتها عبر تاريخ المصحف، فإنك ستجد الزيادات ـ باعتبار الحكم ـ على أقسام:
1 -
قسم ثبت النهي عنه، وإن وُجِد في بعض المصاحف المتأخرة، مثل إدخال التفسير أو القراءات أو الترجمة بين سطور الآيات.
2 -
وقسم وقع الخلاف فيه أول ظهوره، ثم استقرَّ العمل به؛ كالنقط والشكل وعدد الآي، وغيرها مما تراه في المصاحف اليوم.
3 -
وقسم لا زال قابلاً للأخذ والردِّ، وهو الزيادات التي تكون في الحاشية، ويمكن تقسيم ما يقع في هذه الحواشي إلى أقسام أيضاً:
الأول: ما اتفقت عليه المصاحف اليوم؛ كوضع اسم السورة ورقم الجزء ورقم الصفحة وعلامة الجزء وعلامة الرُّبُع وغيرها.
الثاني: ما يوجد في بعض المصاحف دون غيرها، كما سيأتي التنبيه عليه مما لاحظته لجنة مصحف المدينة النبوية على المصحف المصري (1)، وما قامت به من تصرف في هذه المسألة.
ويحسن التنبه هنا إلى أن الخطورة التي نبَّه عليها الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة (2)، وكاتب التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية تزداد إذا وُضِع في الحاشية ما لم يصحَّ أصلاً، وذلك ـ مع الأسف ـ واقع في المصحف الباكستاني (تاج كمبني) الذي تَبِعَ في وقوفه وقف السجاوندي (ت560هـ)، لذا فإن من الواجب على علماء المسلمين الحفاظ على المصحف والعناية به من هذه الزيادات الباطلة، ولا يكون الخوف من تثريب العامة، أو القول بأنَّ هذا مضى عليه زمن ولم يتكلم عنه أحد داعياً إلى ترك مثل هذه الزيادات، ولأضرب مثلاً على ذلك من هذا المصحف المذكور:
1 -
تجد في حاشية المصحف (وقف جبريل)، وتجد (وقف مُنَزَّل)،
(1) ينظر: (ص307).
(2)
ينظر: (ص308).
وتجد (وقف النبي صلى الله عليه وسلم، وتجد (وقف غفران)، وهذه الأوقاف ليس لها سند صحيح البتة، ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو جبريل عليه السلام باطلة، لذا لا يجوز أن تُدخل في حاشية المصحف، فضلاً عن الإشارة إليها في ثنايا كلام الله عز وجل.
2 -
مما جاء عند السجاوندي (ت560هـ) عبارة (وقفه)، وعبارة (قف) وهي إشارة إلى وجود الوقف، وقد يعلل ذلك أحياناً، لكنها كما تلاحظ غير داخلة في رموزه التي اختارها، والذين طبعوا المصحف وعملوا بوقوفه بحذافيرها يكتبون هذه العبارة فوق الكلمة التي اختار الوقف عليها، وفي دخولها في النص القرآني نظرٌ وخطرٌ، يحسن الانتباه له.
ويبقى أن يقوم المرء بوضع حاشية تختص به على المصحف، وذلك ما يمنع منه بعض العلماء ويجيزه آخرون، ولعل القول بالجواز مع وضع الضوابط أقرب إلى الصواب من المنع مطلقاً؛ لأنَّ وضع غريب القرآن أو التفسير، أو القراءات، أو غيرها موجودٌ في بعض المصاحف اليوم، وهو متداول بين الناس بلا نكير.
ويمكن استنباط ضوابط لذلك من خلال النظر في كلام العلماء، فأقول:
1 -
أن يكون الكلام المُدخل في الحاشية (أو الهامش)، وليس بين سطور النصِّ كما هو الحال في بعض المصاحف التي طُبِعت في باكستان فجعلت تحت كل سطر من المصحف ترجمته بلغة الأوردو.
2 -
أن يكون له علاقة مباشرة بالنص القرآني؛ كبيان القراءات، والغريب والتفسير، وترجمة المعاني، والتجويد.
3 -
أن يكون المذكور في الحاشية مما صحَّ، أما إذا كان غير صحيح، فلا يجوز إدخاله؛ كالوقف المنسوب لجبريل عليه السلام أو الوقف المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهما موجودان على حاشية المصاحف الباكستانية كمصحف (تاج كمبني).
وإنَّ مما يخفف وقوع ذلك أنَّ المسلمين يعلمون أنَّ ما بين الإطار المزخرف هو القرآن، وما كان خارجاً منه فإنه ليس منه، وإن كان يُخشى عليهم أن يظنوا أن هذا من عمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، وذلك ما يحسن بالعلماء أن يدرسُّوه لهم ويعلموهم إياه بدل أن يقوموا بتجريد بعضٍ دون بعضٍ، فيمكن أن يُحتجَّ فيما أبقي ـ كاسم السورة ـ بما تُرِك؛ كعدد آيات السورة، ويُعتلَّ لذلك بمثل العلة التي أُبقي فيها ما أُبقي.
قراءات مقترحة في موضوع: رسم المصحف
1 -
«رسم المصحف» : دراسة لغوية تاريخية، للدكتور غانم قدوري الحمد.
2 -
مقالة بعنوان «موازنة بين رسم المصحف والنقوش العربية القديمة» ، للدكتور غانم قدوري الحمد، مجلة المورد، العدد الرابع، المجلد الخامس عشر، 1986م.
3 -
«إثبات حفظ الله للقرآن الكريم» من خلال دراسة لوحة مخطوطة للقرآن الكريم في القرن الأول الهجري، عمل الباحث بشير بن حسن الحميري.
4 -
دراسة فنية لمصحف مبكر يعود للقرن الثالث الهجري، دراسة وتحقيق عبد الله بن محمد بن عبد الله المنيف.
بحوث مقترحة في موضوع: رسم المصحف
1 -
قد الداني (ت444هـ) باباً بعنوان (ما اتفقت على رسمه مصاحف أهل الأمصار من أول القرآن إلى آخره) في كتابه «المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار» (1)، وقد خالفت قراءة بعض الأئمة هذه المرسومات المتفق عليها، مثل قراءة الصراط بالسين، وقراءة (بظنين)، وقراءة (لأهب) بالياء، وهذه يمكن أن يعمل عليها بحث ودراسة.
2 -
موازنة رسم المصحف بالخطوط القديمة المقاربة له في الزمن، لمعرفة المتغيرات التي حدثت للرسم.
(1) المقنع، للداني، تحقيق: محمد أحمد دهمان (ص83 - 92).
3 -
دراسة رسم مصحف من المصاحف القديمة لمعرفة مطابقتها للرسم العثماني، ليتدرب الباحث تطبيقيّاً على معرفة الرسم، وتكون مسائله مستحضَرة في ذهنه من خلال هذا التطبيق.