الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله بن عمر قد قدم من المدينة، فدعوه إِلى المسير معهم فامتنع، وساروا، وأعطى يعلى بن منبه عائشة الجمل المسمى بعسكر، اشتراه بمائة دينار، وقيل بثمانين ديناراً، فركبته، وضربوا في طريقهم مكاناً يقال له الحوأب فنبحتهم كلابه، فقالت عائشة: أي ماء هو هذا؟ فقيل: هذا ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها وقالت: إِنّا لله وإنا إِليه راجعون، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه:" ليت شعري أيتّكن ينبحها كلاب الحوأب "، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت: ردوني، أنا والله صاحبة ماء الحوأب، فأناخوا يوماً وليله، وقال لها عبد الله بن الزبير إِنه كذب، يعني ليس هذا ماء الحوأب، ولم يزل بها وهي تمتنع، فقال لها: النجاء النجاء فقد أدرككم علي بن أبي طالب، فارتحلوا نحو البصرة، فاستولوا عليها بعد قتال مع عثمان بن حنيف، فقتل من أصحاب عثمان بن حنيف أربعون رجلاً، وأُمسك عثمان بن حنيف، فنتفت لحيته وحواجبه، وسجن ثم أطلقته.
مسيرة علي إلى البصرة
ولما بلغ علياً مسير عائشة وطلحة والزبير إِلى البصرة، سار نحوهم في أربعة آلاف من أهل المدينة، فيهم أربع مائة ممن بايع تحت الشجرة، وثمانمائة من الأنصار، ورأته مع ابنه محمد بن الحنفية، وعلى ميمنته الحسن، وعلى ميسرته الحسين، وعلى الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر الصديق، وعلى مقدمته عبد الله بن العباس.
وكان مسيره في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، ولمّا وصل علي إِلى ذي قار، أتاه عثمان بنٍ حنيف وقال له: يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية، وجئتك أمرد. فقال أصبت أجراً وخيراً، وقال علي: إِن الناس وليهم قبلي رجلان، فعملا بالكتاب والسنة، ثم وليهم ثالث، فقالوا في حقه وفعلوا، ثم بايعوني وبايعني طلحة والزبير ثم نكثا، ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان، وخلافهما علي، والله إِنهما يعلمان أني لست بدون رجل ممن تقدم.
وقعة الجمل
واجتمع إِلى علي من أهل الكوفة جمع، واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمع، وسار بعضهم إلى بعض، فالتقوا بمكان يقال له الخريبة في النصف من جمادى الآخرة، من هذه السنة، ودعي على الزبير إِلى الاجتماع به، فاجتمع به، فذكره علي وقال: أتذكر يوماً مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني غنم، فنظر إِلي فضحكت وضحك إِليّ فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زَهوَه. فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنه ليس بِمُزْه ولتقاتلنه وأنت ظالم له " فقال الزبير: اللهم نعم، ولو ذكرته ما سرت مسيري هذا. فقيل إنه اعتزل القتال، وقيل بل غيره ولده عبد الله، وقال خفت من رايات ابن أبي طالب. فقال الزبير إِني حلفت أن لا أقاتله. فقال له
ابنه: كفرْ عن يمينك، فعتق غلامه مكحولاً وقاتل، ووقع القتال وعائشة راكبة الجمل المسمى عسكر في هودج، وقد صار كالقنفذ من النشاب، وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة وطلحة والزبير، ورمى مروان بن الحكم طلحة بسهم فقتلة، وكلاهما كانا مع عائشة، قيل إنه طلب بذلك أخذ ثأر عثمان منه، لأنه نسبه إِلى أنه أعان على قتل عثمان، وانهزم الزبير طالباً المدينة، وقطعت على خطام الجمل أيد كثيرة، وقتل أيضاً بين الفريقين خلق كثير، ولما كثر القتل على خطام الجمل، قال علي: اعقروا الجمل فضربه رجل فسقط، فبقيت عائشة في هودجها إِلى الليل، وأدخلها محمد بن أبي بكر أخوها إِلى البصرة، وأنزلها في دار عبد الله بن خلف، وطاف علي على القتلى من أصحاب الجمل وصلى عليهم ودفنهم. ولما رأى طلحة قتيلاً قال: إنا لله وإنا إِليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن أرى قريشاً صرعى، أنت والله كما قال الشاعر:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه
…
إِذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وصلى عليه، ولم ينقل عنه أنه صلى على قتلى الشام بصفين، ولما انصرف الزبير من وقعة الجمل طالباً المدينة، مر بماء لبني تميم وبه الأحنف بن قيس، فقيل للأحنف وكان معتزلاً القتال: هذا الزبير قد أقبل، فقال: قد جمع بين هذين العارين، يعني العسكرين وتركهم وأقبل، وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي، فلما سمع كلامه قام من مجلسه واتبع الزبير؛ حتى وجده بوادي السباع نائماً، فقتله؛ ثم أقبل برأسه إِلى علي بن أبي طالب. فقال علي: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بشروا قاتل الزبير بالنار ". قال عمرو بن جرموز المذكور لعنه الله:
أتيت علياً برأس الزبير
…
وقد كنت أحسبها زلفة
فبشر بالنار قبل العيان
…
فبئس البشارة والتحفه
وسيان عندي قتل الزبير
…
وضَرطة عير بذي الجحفة
ثم أمر علي عائشة بالرجوع إِلى المدينة، وأن تقر في بيتها، فسارت مستهل رجب من هذه السنة، وشيعها الناس، وجهزها علي بما احتاجت إليه، وسير معها أولاده مسيرة يوم، وتوجهت إِلى مكة، فأقامت للحج تلك السنة، ثم رجعت إِلى المدينة.
وقيل كانت عدة القتلى يوم الجمل من الفريقين، عشرة آلاف، واستعمل علي على البصرة عبد الله بن العباس، وسار على الكوفة فنزلها، وانتظم له الأمر بالعراق ومصر واليمن والحرمين وفارس وخراسان، ولم يبق خارج عنه إِلا الشام، وفيه معاوية وأهل الشام مطيعون له، فأرسل إِليه علي جريرَ بن عبد الله البجلي، ليأخذ البيعة على معاوية، ويطلب منه الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار.
فسار جرير إِلى معاوية، فماطله معاوية، وكان عمرو بن العاص بفلسطين، حتى قدم عمرو إِلى معاوية، فوجد أهل الشام يحضون على الطلب بدم عثمان، فقال لهم عمرو: أنتم على الحق، واتفق عمرو ومعاوية على قتال علي، وشرط عمرو، على معاوية إِذا ظفر، أن يوليه مصر،