الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المدود
مد الصوت هو إطالته زمنا أطول مما اعتدنا أن نمده به في كلامنا اليومي العادي، ومن أمثلة مد الصوت غير الاعتيادي ما يفعله البائع المتجول بصوته حين يعلن عن سلعته. وحين تنادي علي من يهمك أن يسمعك إن كان بعيدا عنك بمسافة طويلة، فإنك لا تناديه بذات الطريقة التي تناديه بها حين يكون بجوارك بل تمد ما تجده في اسمه من حروف المد، فإن لم يكن باسمه شىء منها، أطلت حركة حرف من الحروف الأخيرة من اسمه بمد تختلقه اختلاقا، كما لو ناديت من اسمه (أحمد) مثلا فإنك قد تمد اسمه هكذا (أحماااااااد
…
).
كذلك يفعل من هاجمه بالطريق لص فاستلبه شيئا ثمينا وجرى، فإنه يصيح (حرامى). وانظر إلي الفرق بين طالب يراجع قصيدة من الشعر على عجل من أمره ليلة الامتحان، وبين شاعر يلقيها فيمد المدود مدا، ويمط أزمنتها مطا.
أو الفرق بين خطيب يلقي خطبة يريد أن يستحوذ بها على وجدان السامعين وبين مذيع يقرأ نشرة للأخبار. وكذلك الفرق بين طول المدود عند قولك في صلاتك (الله أكبر) أو (أشهد ألا إله إلا الله) وبين طول المدود فى نفس العبارتين حين يرفع المؤذن صوته بالأذان.
هذا المد بالصوت له تأثير قوى على المتلقي أو السامع ويتضح ذلك من الأمثلة التي سقناها آنفا، فكل من استخدم المد من هؤلاء الأشخاص كان حريصا على جذب انتباه السامع بصورة تفوق انتباهه للأمور الاعتيادية. وللمد بالصوت أشكال متعددة، ومدد زمنية متفاوتة، وهو ظاهرة طبيعية لدي البشر علي اختلاف أجناسهم وعصورهم. بل هو موجود حتى بين الطيور والحيوانات بشتى أجناسها فنراها تتخذ المد بالصوت لغة لها دلالتها فيما بينها وبين باقي أفراد جنسها ومن ذلك مثلا صياح الديك، وزئير الأسد وغير ذلك من الأصوات.
والمد بالصوت بين بنى الإنسان له أسباب، بعضها «معنوي» أي يختص بالمعنى الذي يريد القائل إيصاله للسامع ومن ذلك: الاستغاثة مثل قولك (وا عمراه، وا محمداه، وا غوثاه
…
إلخ)، والندبة (وا حسرتاه، وا رجلاه، وا مصيبتاه .. )،
والتعظيم كما في الأذان، والأمثلة كثيرة لا يتسع المقام لتفصيلها منها الدعاء، والرجاء،، والإعجاب، والمبالغة، والتهويل، والتمثيل، وما شابه ذلك. أما المد «اللفظى» فيتعلق بأسباب تختص بمجاورة الألفاظ والحروف بعضها لبعض وما ينتج عن ذلك التجاور من أسباب تستدعى وجود المد.
وإذا كان المد بالصوت في استخداماتنا الاعتيادية تحكمه إرادة الإنسان الخاصة، ومزاجه الشخصي، إلا أن المد في علم التجويد له أصول وقواعد وشروط لا بدّ من معرفتها لكل طالب للتجويد. والأصل في باب المد ما نقله الإمام بن الجزري عن الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرئ رجلا فقرأ الرجل إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ بغير مد. فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ فقال أقرأنيها: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ فمدها (1).
وقد قال الإمام ابن الجزري (وهذا حديث جليل حجة ونص فى هذا الباب رجال إسناده ثقات)(2). ومد الصوت في القرآن له أنواع متباينة، وله مدد زمنية متفاوتة، وقد استحدث لها علماء الصوتيات المحدثون أجهزة متناهية الدقة بالغة الحساسية، لقياس زمن مد الصوت وشدته وقوة تردداته وعددها، نأمل أن تتطور تلك الأجهزة في شكلها وحجمها وثمنها لتصبح سلعة سهلة التناول والتداول كالمحمول فلا شك أنها حينئذ ستكون عاملا مساعدا لكل مبتدئ يريد أن يدرب نفسه على قياس أو ضبط أزمنة المدود وإلى أن يتحقق ذلك بمشيئة الله
(1) نهاية القول المفيد/ محمد نصر مكي، ص 129.
(2)
حديث صحيح، السلسلة الصحيحة للألباني 2230.