الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوقفة الثانية مع وصية الرازى من خلال كتبه ومصنفاته
وهذه الوقفة من خلال الوصية التى أوصى بها تلميذه، فهى مع الكتب والمصنفات التى جلبت عليه الحساد والنقاد، ولكن أمرهما هين إذا قورنت بهموم النفس، وتبعات المكتوب، هل هى فى ميزان حسناته أو سيئاته، وهل أخلص النية فيها أو لا؟!
فلا بد من إبراء الذمة، والاعتراف بالنقص فهو سبيل الرشاد، وطريق الهدى إلى من لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء فقال فى وصيته:«وأما الكتب التى صنعتها، واستكثرت فيها من إيراد السؤالات، فليذكرنى من نظر فيها بصالح دعائه، على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف القول السيئ، فإنى ما أردت إلا تكثير البحث، وشحذ الخاطر، والاعتماد فى الكل على الله تعالى» (1).
والرازى- فى نظرى- يعد ما تركه من نافع كتبه، وصالح فكره صدقه جارية، يعود خيرها عليه، وترجع دعوات الصالحين من تلاميذه ومحبيه إليه، فالعلم النافع محصود، والولد الصالح موجود والصدقة الجارية فيما تركه أيضا موجودة، ولعمرى هذا غاية الذكاء من الرازى أن يحقق مضمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدق جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (2)، ومن جانب آخر، فالرازى يحب الإخلاص
(1) الذهبى: تاريخ الإسلام 43/ 220.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووى 3/ 1255 ك الوصية باب ما يلحق الأب من الثواب برقم 1631 ط دار التراث، وقال الترمذى فى صحيحه ك الأحكام باب الوقف برقم 1376 من الجزء 3/ 660 عن أبى هريرة: حديث حسن صحيح.
فى العمل وكذلك الدعاء وحسن الخاتمة للذين يحبون أن يزيد الخير، ويكثر المعروف بين الناس أحياء وأمواتا، وكأنه يعلم درسا سلوكيا لمن يأتون بعده يربيهم على التأسى بالقدوة، والأخذ بالسنة، فما صنعه من كتب، وما ألفه من أفكار فهى لوجه الله تعالى وهذا العمل خير ما يختم به المرء حياته، وأفضل ذخيرة يدافع بها الإنسان هذه الدنيا وزينتها وزخرفها كى ينجو فى الآخرة، ويسعد فى الجنة بما قدم من علم وولد ودعاء صالح من الذين سبق فضله عليهم.
وبذلك تنتهى حياة هذا العالم فى دنيا العناء والتعب بعد أن قدم للناس فنونا متعددة من العلوم والكتب، والمناظرات والأفكار، والمواعظ، والخطب باللغة العربية وغيرها من اللغات الأخرى، مما كان له الأثر البالغ فى شهرته، فمن الناس من مدحه وزكّاه، ومنهم من ذمه وهجاه فيما قدم ولم يلتمس له عذرا فيما اجتهد فيه، وهذه هى سنة الحياة أن يموت الإنسان ويبقى ما قدم ظاهرا أمام الناس ليشهدوا عليه خيرا كان أو شرا، وسبحان الله القائل وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ، وهكذا ذهب الكوكب العربى فى الأفق الأعجمى (1)، تاركا وصيته تدفع عنه ما وقع فيه، وتدافع عنه فيما أحسن فيه.
…
(1) محمد الفاضل بن عاشور: التفسير ورجاله 82.