الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[القسم الثانى نسخ السنة بالسنة]
القسم الثانى: من أقسام النسخ عند الرازى هو نسخ السنة بالسنة، وهو محل اتفاق بين العلماء أيضا، قال الرازى فى المحصول فى المسألة الأولى (1) من القسم الثانى من الناسخ والمنسوخ «نسخ السنة بالسنة يقع على أربعة أوجه:
أ- الأول: نسخ السنة المقطوعة بالسنة المقطوعة ولا خلاف عليه.
ب- الثانى: نسخ خبر الواحد بمثله كقوله- صلى الله عليه وسلم «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا» (2). وقال فى شارب الخمر «فإن شربها الرابعة فاقتلوه» ثم حمل إليه من شربها الرابعة، فلم يقتله» (3). قال الشوكانى (4) عند هذا الحديث إنما كان هذا فى أول الأمر، ثم نسخ بعد ذلك، والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره كما ذهب الجمهور.
ج- الثالث: نسخ خبر الواحد بالخبر المقطوع، ولا شك فى جوازه.
د- الرابع: نسخ الخبر المتواتر بالآحاد، وهو جائز فى العقل،
(1) الرازى: المحصول 1/ 3/ 495 - 498.
- الحازمى: الاعتبار 201، 300.
(2)
الحاكم: المستدرك 1/ 526 ك الجنائز عن أنس بن مالك.
(3)
أحمد بن حنبل: المسند 2/ 191 عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبى: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه».
(4)
الشوكانى: نيل الأوطار 4/ 717 باب ما ورد فى قتل شارب الخمر فى الرابعة ونسخه.
غير واقع فى السمع عند الأكثرين، خلافا لبعض أهل الظاهر، الذين يقولون إنه يجوز تخصيص المتواتر بالآحاد، فجار نسخه به والجامع بينهما دفع الضرر المظنون، وقد وقع نسخ الكتاب بأخبار الآحاد من وجوه، فالآحاد دليل من أدلة الشرع عند الظاهرية:
1 -
قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 145]. قال الظاهرية: الآية منسوخة بما روى بالآحاد أن النبى صلى الله عليه وسلم: «نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع» (1).
2 -
قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: 24] فإنها منسوخة بما روى بالآحاد أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» (2) - ثم سرد الأدلة (3) التى يحتج بها الظاهرية فى نسخ الآحاد للمتواتر ورد عليها واحدة تلو الأخرى، مفندا رأى الظاهرية، فقال عن الآية الأولى إنها مخصصة بآية سورة البقرة إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَ
(1) أخرجه الستة عن أبى ثعلبة، وعن ابن عباس.
(2)
الترمذى بشرح ابن العربى 3/ 423 ك النكاح باب ما جاء فى المرأة وعمتها، رواه أبو هريرة، وقال الترمذى حسن صحيح.
(3)
الرازى: المحصول 1/ 3/ 500، 505.
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 173]، ولم يعتبر فى الآية نسخا، وفى الآية الثانية إنما الحديث جاء مخصصا للآية وليس ناسخا، لتلقى الأمة هذا الحديث بالقبول، فجعلوه مخصصا لا ناسخا (1)، وهكذا فى رد دعاوى الظاهرية فى قبول نسخ الآحاد للمتواتر، لأن الآحاد ضعيف ومظنون والمتواتر قوى ومقطوع، فلا ينسخ الضعيف القوى (2).
فنسخ المتواتر بالآحاد غير جائز وغير واقع (3)، وإن كان الرازى قال إنه جائز عقلا فقط، ولم يتابع فيه الظاهرية بل رد على حججهم السابقة، وهو موافق لرأى الجمهور فى عدم جواز نسخ الظنى للقطعى من الأحكام، وإن قبله آخرون وعدوه دليلا يؤخذ به.
…
(1) الرازى: المحصول 1/ 3/ 506.
(2)
عبد الله بن صالح الفوزان: شرح الورقات 182.
(3)
الأرموى: الحاصل من المحصول 2/ 655.
- الإسنوى: نهاية السول 1/ 607.